حقائق عن التصوف
عبد
القادر عيسى رحمه الله تعالى
"التصوف كله أخلاق فمن
زاد عليك
بالأخلاق زاد عليك بالتصوف"
جميع الحقوق
محفوظة لورثة المؤلف
موافقة وزارة
الإعلام رقم: 21681
تاريخ:
7/7/1993
الطبعة
الحادية عشرة
1419هـ ـ
2000م
دار العرفان
سورية ـ حلب
سيف الدولة ـ
جانب جامع الشيط
هاتف وفاكس
5746190ـ ص. ب/18024
إلى المرشد الكبير، مربي
العارفين، ودليل السالكين، سيدي وأستاذي محمد الهاشمي رحمه الله تعالى.
وإلى تلك الفئة المؤمنة، الذين تحابوا في الله
على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون
إذا حزن الناس، وأولئك هم الأولياء حقاً:
أُقدم هذا الكتاب
المؤلف
عبد القادر عيسى رحمه الله تعالى
مقدمة
الطبعة الخامسة -لورثة المؤلف
الحمد لله الواحد الأحد
الفرد الصمد الذي تفرد بالقدم والبقاء، وتفضل بالمن والعطاء، والصلاة والسلام على
سيدنا محمد الذي أرسله الله تعالى رحمةً للعالمين، وقدوة كاملة للمتقين، وأسوة
حسنة للصالحين، داعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. فهو النبراس للأئمة
المرشدين، والمربين المزكين، والعلماء العاملين.
وبعد: فإن الله تعالى ـ
من فضله ورحمته ـ لم يدع الأمة الإسلامية تتخبط في دياجير الفساد والانحراف،
وتجرفها تيارات المادية والشهوانية العمياء، بل هيأ لها طائفة منها ظاهرين على
الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله.
وقيض لها من ورثة رسولها، عليه أفضل الصلاة
والسلام، من يقوم بإحياء السنن النبوية والآداب المحمدية، وينفع الناس بعلمه وحاله
وإرشاده، ويتولى من يصحبه برعايته وتزكيته، يأخذ بيده إلى مراتب التقوى ومقامات
الإحسان، ولقد كان والدنا فضيلة المرشد العارف الشيخ عبد القادر عيسى رحمه الله
تعالى، أحدَ هؤلاء الورَّاث الذين نفع الله تعالى بهم العباد والبلاد، وهدى
بواسطتهم خلقاً كثيرين في شتى ديار المسلمين، وقد انتقل إلى جوار ربه، تغمده الله
تعالى بوافر رحمته، وأسكنه أعالي فراديس جنته، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير
الجزاء.
لقد خلف من بعده أجيالاً من السالكين على طريق
الإسلام والإيمان والإحسان، كما ترك للأمة الإسلامية هذا الأثر العلمي الجليل ـ
كتاب حقائق عن التصوف ـ وليس له من الآثار العلمية غيره، لأن عمله الدائب في تنوير
الصدور شغله عن التفرغ لتحبير السطور. ولقد لقي هذا الكتاب النفيس استحساناً
كثيراً لدى عامة العلماء العاملين والدعاة المخلصين، وطلاب العلم المنورين، حيث
أظهر للناس أن التصوف الحق هو المنهج الشرعي العملي الذي لا يستغني عنه كل مسلم في
سبيل التحقق بالإيمان الذوقي والمقام الإحساني والتخلق بالآداب النبوية والالتزام
بالأحكام الشرعية، وتزكية النفوس، والتخلص من العلائق والعوائق، وما إلى ذلك من
المقامات السامية التي كان عليها فخر الكائنات وسيد المرسلين عليه أفضل الصلاة
والتسليم، وأصحابه الكرام، وسلفنا الصالح رضوان الله عليهم.
وتلبية لرغبة الأعداد الكبيرة من الإخوة
الفضلاء في شتى أنحاء العالم الإسلامي فإننا نتشرف بإعادة طبع هذا الكتاب للمرة
الخامسة، سائلين المولى أن ينفع به عباده الصالحين، وأن يضاعف أجر مؤلفه رحمه الله
، والحمد لله رب العالمين.
ورثة المؤلف
مقدمة
الطبعة الرابعة
حمداً لله مسبغ النعم، ومتمم الفضل، ومحيي
القلوب.
وصلاة وسلاماً على الحبيب المحبوب، والمبعوث
رحمة للعالمين، ومناراً للسالكين، وقدوة للعارفين.
وبعد: فقد مَنَّ الله علينا بأن وفقنا لإصدار
كتاب "حقائق عن التصوف" الذي كنا نهدف به المساهمة في تصحيح الأفكار عن
التصوف، ورد الشُّبه عنه، وبيان أهميته وقيمته وحاجة الناس إليه.
وقد لقي هذا الكتاب المتواضع ـ بحمد الله ـ
ترحيباً واستحساناً عند كثير من العلماء المخلصين، والباحثين المنصفين،
والمسترشدين الصادقين، الذين أعربوا عن أثر هذا الكتاب في توضيح فكرة التصوف
للأذهان. خصوصاً وقد تعرض لحملات عنيفة، وافتراءات مغرضة ودسائس باطلة.
وقد وردتنا الرسائل العديدة والرجاءات الملحة
بإعادة طبعه تعميماً للنفع وتتميماً للفائدة، بعد أن نفدت طبعات الكتاب السابقة.
فنزولاً عند رغبة هؤلاء الإخوة عمدنا إلى طبعه
مع بعض الزيادات المفيدة سائلين المولى أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به
كل من يقرأه بصدق وإخلاص، إنه سميع مجيب، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه وسلَّم.
23 رمضان 1401هـ
المؤلف
عبد القادر عيسى رحمه الله تعالى
مقدمة الكتاب
نحمدك اللهم أن وفقتنا سواء السبيل، فأنت نعم
المولى ونعم النصير، ونصلي ونسلم على حبيبك الأعظم المبعوث رحمة للعالمين، ومنقذاً
للإنسانية، وهادياً للبشرية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم القدوة المثلى والأسوة
الحسنة، وعلى آله وأصحابه الذين زكوا أنفسهم فأفلحوا، ونصحوا إخوانهم فنفعوا ؛
اللهم أكرمنا بكرامتهم، ووفقنا لهديهم، وألحقنا بهم، واجمعنا معهم تحت لواء سيدنا
محمد صلى الله عليه وسلم، فإنك أكرم مسؤول وخير مأمول.
وبعد: فلقد مُني الإسلام منذ انبثاق فجره بخصوم
ألداء، حاولوا تهديم أركانه، وتقويض بنيانه، بشتى الأساليب ومختلف الوسائل. ونحن
اليوم نعاني موجات إلحادية، وتيارات إباحية، ترد إلينا من الشرق والغرب، تضلل
شبابنا، وتفسد أجيالنا، وتهدد مستقبلنا الفكري العقائدي بمصير أسود قاتم، وتنذر
أمتنا بتدهور خطير، وشر مستطير، ولا يسعنا في هذا الجو المائج بالصراع الفكري، إلا
أن نعتصم بحبل الله المتين، وننبذ الخلافات الفرعية الاجتهادية ونربط القلوب بالله
تعالى، لنستمد منه القوة والطمأنينة والعزة والكرامة.
وإذا كانت مهمة دعاة الإسلام المخلصين أن
يعيدوا لهذا الدين روحه، وأن يفتحوا له مغاليق القلوب، فما قصد الصوفية في كل عصر
وزمان إلا العودة بالمسلمين إلى ظلال الأنس بالله تعالى، ونعيم مناجاته، وسعادة
قربه، بإرجاع روحانية الإسلام إليه.
وإذا كان خصوم الإسلام قد عملوا على تشويه
معالمه، فوصموه بالجمود والقصور، واتهموا أتباعه بالرجعية والتأخر، ومن ثَم صبوا
عليه حملاتهم المغرضة بأساليبهم المدروسة المبتكرة ؛ فتارة يشككون الناس في
المذاهب الفقهية المعتمدة، وتارة أُخرى يطعنون في بعض رواة الحديث من صحابة رسول
الله صلى الله عليه وسلم ليُقوضوا دعائم الإسلام، وحيناً يثيرون الشبهات حول
المسائل الإيمانية، ليفسدوا عقائد الأمة.
إذا كنا نرى كل هذا في شتى العصور، فإن الذي
يثير الانتباه، ويلفت الأنظار الطعنُ المقصود، والهجوم العنيف على التصوف
الإسلامي، وما ذلك إلا لأنه جوهر الإسلام، وروحه النابضة، وحيويته الفعالة، فلقد
أراد المبطلون تشويه معالمه، وتصويره سَبْحاً فلسفياً خيالياً، وضعفاً وزهداً
وانعزالاً، وابتداعاً خرافياً، وهرباً من واقع الحياة ونضالها. ولكن الله تعالى قد
أذن لدينه بالحفظ والبقاء، فتحطمت أقلامهم، وذهبت الريح بدعواهم، وبقي التصوف
منارة السالكين إلى الله تعالى، ومنهجاً إيجابياً لنشر الإسلام، وتدعيم بنيانه.
لهذا الذي ذكرت، أقدم كتابي عن التصوف، دفاعاً
عنه، وتمييزاً للبه من قشره، ولحقائقه مما علق به، وإظهاراً للحق، ودمغاً للباطل،
مستنداً إلى كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأقوال الأئمة
الأربعة رضي الله عنهم، وأتباعهم من أعلام الفقهاء، والأصوليين والمحدثين، وأئمة
الصوفية، ورجال الفكر الذين خدموا الإسلام خدمات حسنة.
وفقنا الله تعالى جميعاً لخدمة الإسلام ولما
يحبه ويرضاه، ونسأله التوفيق والسداد. فمنه المبتدأ، وإليه المنتهى، وما توفيقي
إلا بالله تعالى، عليه توكلت وإليه أنيب.
عبد القادر عيسى رحمه الله تعالى
حلب في 24 رمضان 1381هـ
الموافق 17 شباط 1961م
الباب
الأول
التعريف
بالتصوف
1ـ
تعريفه. 2ـ اشتقاقه. 3ـ نشأته.
4ـ أهميته.
تعريف
التصوف
قال القاضي شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه
الله تعالى:
(التصوف علم تعرف به أحوال تزكية النفوس،
وتصفية الأخلاق وتعمير الظاهر والباطن لنيل السعادة الأبدية) [على هامش
"الرسالة القشيرية" ص7 توفي شيخ الإسلام زكريا الأنصاري سنة 929هـ].
ويقول الشيخ أحمد زروق رحمه الله:
(التصوف علم قصد لإصلاح القلوب، وإفرادها لله
تعالى عما سواه. والفقه لإصلاح العمل، وحفظ النظام، وظهور الحكمة بالأحكام.
والأصول "علم التوحيد" لتحقيق المقدمات بالبراهين، وتحلية الإيمان
بالإيقان، كالطب لحفظ الأبدان، وكالنحو لإصلاح اللسان إلى غير ذلك) ["قواعد
التصوف" قاعدة 13 ص 6 لأبي العباس أحمد الشهير بزروق الفاسي، ولد سنة 846هـ
بمدينة فاس، وتوفي سنة 899هـ في طرابلس الغرب].
قال سيد الطائفتين الإمام الجنيد رحمه الله:
(التصوف استعمال كل خلق سني، وترك كل خلق دني)
["النصرة النبوية" للشيخ مصطفى المدني ص22. توفي الإمام الجنيد سنة
297هـ].
وقال بعضهم:
(التصوف كله أخلاق، فمن زاد عليك بالأخلاق زاد
عليك بالتصوف) ["النصرة النبوية" للشيخ مصطفى المدني ص22، توفي الإمام
الجنيد سنة 297هـ].
وقال أبو الحسن الشاذلي رحمه الله:
(التصوف تدريب النفس على العبودية، وردها
لأحكام الربوبية) ["نور التحقيق" للعلامة حامد صقر ص93. توفي أبو الحسن
سنة 656هـ في مصر].
وقال ابن عجيبة رحمه الله:
(التصوف: هو علم يعرف به كيفية السلوك إلى حضرة
ملك الملوك، وتصفية البواطن من الرذائل، وتحليتها بأنواع الفضائل، وأوله علم،
ووسطه عمل، وآخره موهبة) ["معراج التشوف إلى حقائق التصوف" لأحمد بن
عجيبة الحسني ص4].
وقال صاحب "كشف الظنون":
(هو علم
يعرف به كيفية ترقي أهل الكمال من النوع الإنساني في مدارج سعاداتهم) إلى أن قال:
علم التصوف علمٌ ليس يعرفه
إلا أخو فطنةٍ بالحق معروفُ
وليس يعرفه مَنْ ليس يشهده
وكيف يشهد ضوءَ الشمسِ مكفوفُ
["كشف
الظنون" للعلامة حاجي خليفة ج1/ص413 ـ 414].
وقال الشيخ زروق في قواعد التصوف:
(وقد حُدَّ التصوف ورسم وفسر بوجوه تبلغ نحو
الألفين، مرجع كلها لصدق التوجه إلى الله تعالى، وإنما هي وجوه فيه) ["قواعد
التصوف" ص2].
فعماد التصوف تصفية القلب من أوضار المادة،
وقوامه صلة الإنسان بالخالق العظيم، فالصوفي من صفا قلبه لله، وصفتْ لله معاملته،
فصفت له من الله تعالى كرامته.
اشتقاق
التصوف
كثرت الأقوال في اشتقاق
التصوف، فمنهم من قال: (من الصوفة، لأن الصوفي مع الله تعالى كالصوفة المطروحة،
لاستسلامه لله تعالى) ["إيقاظ الهمم في شرح الحكم" للعلامة ابن عجيبة
المتوفى سنة 1266هـ ص 6].
ومنهم من قال: (إنه من الصِّفَة، إذ جملته
اتصافٌ بالمحاسن، وترك الأوصاف المذمومة) ["إيقاظ الهمم في شرح الحكم"
للعلامة ابن عجيبة المتوفى سنة 1266هـ ص 6].
ومنهم من قال: (من الصفاء)، حتى قال أبو الفتح
البستي رحمه الله تعالى:
تنازع الناس في الصوفي واختلفوا
وظنه البعض مشتقاً من الصوف
ولست أمنح هذا الاسم غيرَ فتىً
صفا فصوفي حتى سُمي الصوفي
["إيقاظ الهمم في
شرح الحكم" للعلامة ابن عجيبة المتوفى سنة 1266هـ ص 6].
ومنهم من قال: (من
الصُفَّة، لأن صاحبه تابعٌ لأهلها فيما أثبت الله لهم من الوصف) حيث قال تعالى:
{واصبِرْ نفسَك مع الذين يدعونَ ربَّهم...} [الكهف: 28].
وأهلُ الصُفَّة هم الرعيل الأول من رجال
التصوف، فقد كانت حياتهم التعبدية الخالصة المثل الأعلى الذي استهدفه رجال التصوف
في العصور الإسلامية المتتابعة.
وقيل: (من الصَّفوة) كما قال الإمام القشيري.
وقيل: (من الصَّف) فكأنهم في الصف الأول
بقلوبهم من حيث حضورهم مع الله تعالى ؛ وتسابقهم في سائر الطاعات.
ومنهم من قال: (إن التصوف نسبة إلى لبس الصوف
الخشن، لأن الصوفية كانوا يؤثرون لبسه للتقشف والاخشيشان).
ومهما يكن من أمر، فإن التصوف أشهر من أن يحتاج
في تعريفه إلى قياس لفظٍ، واحتياج اشتقاق.
وإنكار بعض الناس على هذا اللفظ بأنه لم يُسمع
في عهد الصحابة والتابعين مردود، إذ كثيرٌ من الاصطلاحات أحدثت بعد زمان الصحابة،
واستُعملت ولم تُنكَر، كالنحو والفقه والمنطق.
وعلى كلٌّ فإننا لا نهتم بالتعابير والألفاظ،
بقَدْرِ اهتمامنا بالحقائق والأسس. ونحن إذ ندعو إلى التصوف إنما نقصد به تزكية
النفوس وصفاء القلوب، وإصلاح الأخلاق، والوصول إلى مرتبة الإحسان، نحن نسمي ذلك
تصوفاً. وإن شئت فسمه الجانب الروحي في الإسلام، أو الجانب الإحساني، أو الجانب
الأخلاقي، أو سمه ما شئت مما يتفق مع حقيقته وجوهره؛ إلاَّ أن علماء الأمة قد
توارثوا اسم التصوف وحقيقته عن أسلافهم من المرشدين منذ صدر الإسلام حتى يومنا
هذا، فصار عُرفاً فيهم.
نشأة علم
التصوف
يقول الدكتور أحمد عَلْوَشْ: (قد يتساءل
الكثيرون عن السبب في عدم انتشار الدعوة إلى التصوف في صدر الإسلام، وعدم ظهور هذه
الدعوة إلا بعد عهد الصحابة والتابعين ؛ والجواب عن هذا: إنه لم تكن من حاجة إليها
في العصر الأول، لأن أهل هذا العصر كانوا أهل تقوى وورع، وأرباب مجاهدة وإقبال على
العبادة بطبيعتهم، وبحكم قرب اتصالهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا
يتسابقون ويتبارون في الاقتداء به في ذلك كله، فلم يكن ثمَّة ما يدعو إلى تلقينهم
علماً يرشدهم إلى أمرٍ هُم قائمون به فعلاً، وإنما مثلهم في ذلك كله كمثل العربي
القُحِّ، يعرف اللغة العربية بالتوارث كابراً عن كابر؛ حتى إنه ليقرض الشعر البليغ
بالسليقة والفطرة، دون أن يعرف شيئاَ من قواعد اللغة والإعراب والنظم والقريض،
فمثل هذا لا يلزمه أن يتعلم النحو ودروس البلاغة، ولكن علم النحو وقواعد اللغة
والشعر تصبح لازمة وضرورية عند تفشي اللحن، وضعف التعبير، أو لمن يريد من الأجانب
أن يتفهمها ويتعرف عليها، أو عندما يصبح هذا العلم ضرورة من ضرورات الاجتماع كبقية
العلوم التي نشأت وتألفت على توالي العصور في أوقاتها المناسبة.
فالصحابة والتابعون ـ وإن لم يتسموا باسم
المتصوفين ـ كانوا صوفيين فعلاً وإن لم يكونوا كذلك اسماً، وماذا يراد بالتصوف
أكثر من أن يعيش المرء لربه لا لنفسه، ويتحلى بالزهد وملازمة العبودية، والإقبال
على الله بالروح والقلب في جميع الأوقات، وسائر الكمالات التي وصل بها الصحابة
والتابعون من حيث الرقي الروحي إلى أسمى الدرجات فهم لم يكتفوا بالإقرار في عقائد
الإيمان، والقيام بفروض الإسلام، بل قرنوا الإقرار بالتذوق والوجدان، وزادوا على
الفروض الإتيان بكل ما استحبه الرسول صلى الله عليه وسلم من نوافل العبادات،
وابتعدوا عن المكروهات فضلاً عن المحرمات، حتى استنارت بصائرهم، وتفجرت ينابيع
الحكمة من قلوبهم، وفاضت الأسرار الربانية على جوانحهم. وكذلك كان شأن التابعين
وتابعي التابعين، وهذه العصور الثلاثة كانت أزهى عصور الإسلام وخيرها على الإطلاق،
وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "خير القرون قرني هذا فالذي
يليه والذي يليه" ["خير الناس قرني هذا ثم الذين يلونهم.." أخرجه
البخاري في صحيحه في كتاب الشهادات. وفي "صحيح مسلم" في فضائل الصحابة
عن ابن مسعود رضي الله عنه].
فلما تقادم العهد، ودخل في حظيرة الإسلام أُمم
شتى، وأجناس عديدة، واتسعت دائرة العلوم، وتقسمت وتوزعت بين أرباب الاختصاص؛ قام
كل فريق بتدوين الفن والعلم الذي يُجيده أكثر من غيره، فنشأ ـ بعد تدوين النحو في
الصدر الأول ـ علم الفقه، وعلم التوحيد، وعلوم الحديث، وأصول الدين، والتفسير،
والمنطق، ومصطلح الحديث، وعلم الأصول، والفرائض "الميراث" وغيرها..
وحدث بعد هذه الفترة أن أخذ التأثير الروحي
يتضاءل شيئاً فشيئاً، وأخذ الناس يتناسون ضرورة الإقبال على الله بالعبودية،
وبالقلب والهمة، مما دعا أرباب الرياضة والزهد إلى أن يعملوا هُم من ناحيتهم أيضاً
على تدوين علم التصوف، وإثبات شرفه وجلاله وفضله على سائر العلوم، ولم يكن ذلك
منهم احتجاجاً على انصراف الطوائف الأخرى إلى تدوين علومهم ـ كما يظن ذلك خطأً بعض
المستشرقين ـ بل كان يجب أن يكون سداً للنقص، واستكمالاً لحاجات الدين في جميع
نواحي النشاط، مما لا بد منه لحصول التعاون على تمهيد أسباب البر والتقوى"
["المسلم مجلة العشيرة المحمدية" عدد محرم 1376هـ. من بحث: التصوف من
الوجهة التاريخية للدكتور أحمد علوش، وهو من الرواد الأوائل الذين نقلوا حقائق
التصوف الإسلامي إلى اللغات الأجنبية، وقد ألف فضيلته كتاباً باللغة الإنكليزية عن
التصوف الإسلامي، كان له أكبر الأثر في تصحيح الأفكار والرد على المستشرقين كما
ألف كتابه "الجامع" عن الإسلام الذي رد فيه على التهم المفتراة على دين
الله، وكان له أثره البعيد في خدمة هذا الدين].
وقد بنى أئمة الصوفية الأولون أصول طريقتهم على
ما ثبت في تاريخ الإسلام نقلاً عن الثقات الأعلام.
أما تاريخ التصوف فيظهر في فتوى للإمام الحافظ
السيد محمد صديق الغماري رحمه الله، فقد سئل عن أول من أسس التصوف ؟ وهل هو بوحي
سماوي ؟ فأجاب:
(أما أول من أسس الطريقة، فلتعلم أن الطريقة
أسسها الوحي السماوي في جملة ما أسس من الدين المحمدي، إذ هي بلا شك مقام الإحسان
الذي هو أحد أركان الدين الثلاثة التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما بيَّنها
واحداً واحداً ديناً بقوله: "هذا جبريل عليه السلام أتاكم يعلمكم دينكم"
[جزء من حديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان عن عمر بن الخطاب رضي
الله عنه] وهو الإسلام والإيمان والإحسان.
فالإسلام طاعة وعبادة، والإيمان نور وعقيدة،
والإحسان مقام مراقبة ومشاهدة: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه
فإنه يراك"...
ثم قال السيد محمد صديق الغماري في رسالته تلك:
(فإنه كما في الحديث عبارة عن الأركان الثلاثة، فمن أخل بهذا المقام(الإحسان) الذي
هو الطريقة، فدينه ناقص بلا شك لتركه ركناً من أركانه. فغاية ما تدعو إليه الطريقة
وتشير إليه هو مقام الإحسان؛ بعد تصحيح الإسلام والإيمان) ["الانتصار لطريق
الصوفية" ص 6 للمحدث محمد صديق الغماري].
قال ابن خلدون في مقدمته:
(وهذا العلم ـ يعني التصوف ـ من العلوم الشرعية
الحادثة في الملَّة ؛ وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من
الصحابة والتابعين ومَن بعدهم طريقة الحق والهداية، وأصلها العكوف على العبادة،
والانقطاع إلى الله تعالى، والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد في ما يقبل
عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد عن الخلق، والخلوة للعبادة، وكان ذلك
عامَّاً في الصحابة والسلف. فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما
بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية)
["مقدمة ابن خلدون" علم التصوف ص 329].
ويعنينا من عبارة ابن خلدون الفقرة الأخيرة،
التي يقرر فيها أن ظهور التصوف والصوفية كان نتيجة جنوح الناس إلى مخالطة الدنيا
وأهلها في القرن الثاني للهجرة، فإن ذلك من شأنه أن يتخذ المقبلون على العبادة
اسماً يميزهم عن عامة الناس الذين ألهتهم الحياة الدنيا الفانية.
يقول أبو عبد الله محمد صديق الغماري:
(ويَعْضُدُ ما ذكره ابن خلدون في تاريخ ظهور اسم التصوف ما ذكره الكِنْدي ـ وكان
من أهل القرن الرابع ـ في كتاب "ولاة مصر" في حوادث سنة المائتين: إنه
ظهر بالاسكندرية طائفة يسمَّوْن بالصوفية يأمرون بالمعروف. وكذلك ما ذكره المسعودي
في "مروج الذهب" حاكياً عن يحيى بن أكثم فقال: إن المأمون يوماً لجالس،
إذ دخل عليه علي بن صالح الحاجب، فقال: يا أمير المؤمنين! رجل واقفٌ بالباب، عليه
ثياب بيض غلاظ، يطلب الدخول للمناظرة، فعلمت أنه بعض الصوفية. فهاتان الحكايتان
تشهدان لكلام ابن خلدون في تاريخ نشأة التصوف. وذُكر في "كشف الظنون" أن
أول من سمي بالصوفي أبو هاشم الصوفي المتوفى سنة خمسين ومئة) ["الانتصار
لطريق الصوفية" للمحدث الغماري ص17 ـ 18].
وأورد صاحب "كشف
الظنون" في حديثه عن علم التصوف كلاماً للإمام القشيري قال فيه: (اعلموا أن
المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يَتَسمَّ أفاضلهم في عصرهم بتسمية
عِلْمٍ سوى صحبة الرسول عليه الصلاة والسلام، إذ لا أفضلية فوقها، فقيل لهم
الصحابة، ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ـ ممن لهم شدة عناية
بأمر الدين ـ الزهاد والعُبَّاد، ثم ظهرت البدعة، وحصل التداعي بين الفرق، فكل
فريق ادعوا أن فيهم زهاداً، فانفرد خواص أهل السنة المراعون أنفسهم مع الله سبحانه
وتعالى، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء
الأكابر قبل المائتين من الهجرة) ["كشف الظنون" عن أسماء الكتب والفنون،
لحاجي خليفة ج1/ص414].
من هذه النصوص السابقة، يتبين لنا أن التصوف
ليس أمراً مستحدثاً جديداً؛ ولكنه مأخوذ من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وحياة
أصحابه الكرام، كما أنه ليس مستقى من أُصول لا تمت إلى الإسلام بصلة، كما يزعم
أعداء الإسلام من المستشرقين وتلامذتهم الذين ابتدعوا أسماءً مبتكرة، فأطلقوا اسم
التصوف على الرهبنة البوذية، والكهانة النصرانية، والشعوذة الهندية فقالوا: هناك
تصوف بوذي وهندي ونصراني وفارسي...
يريدون بذلك تشويه اسم التصوف من جهة، واتهام
التصوف بأنه يرجع في نشأته إلى هذه الأصول القديمة والفلسفات الضالة من جهة أخرى،
ولكن الإنسان المؤمن لا ينساق بتياراتهم الفكرية، ولا يقع بأحابيلهم الماكرة،
ويتبين الأمور، ويتثبت في البحث عن الحقيقة، فيرى أن التصوف هو التطبيق العملي
للإسلام، وأنه ليس هناك إلا التصوف الإسلامي فحسب.
أهمية
التصوف
إن التكاليف الشرعية التي
أُمر بها الإنسان في خاصة نفسه ترجع إلى قسمين: أحكام تتعلق بالأعمال الظاهرة،
وأحكام تتعلق بالأعمال الباطنة، أو بعبارة أخرى: أحكام تتعلق ببدن الإنسان وجسمه،
وأعمال تتعلق بقلبه.
فالأعمال الجسمية نوعان:
أوامر ونواهٍ ؛ فالأوامر الإلهية هي: كالصلاة والزكاة والحج... وأما النواهي فهي:
كالقتل والزنى والسرقة وشرب الخمر...
وأما الأعمال القلبية فهي أيضاً: أوامر ونواهٍ
؛ أما الأوامر: فكالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله... وكالإخلاص والرضا والصدق
والخشوع والتوكل... وأما النواهي: فكالكفر والنفاق والكبر والعجب والرياء والغرور
والحقد والحسد. وهذا القسم الثاني المتعلق بالقلب أهم من القسم الأول عند الشارع ـ
وإن كان الكل مُهمَّاً ـ لأن الباطن أساس الظاهر ومصدره، وأعماله مبدأ أعمال
الظاهر، ففي فساده إخلال بقيمة الأعمال الظاهرة، وفي ذلك قال تعالى:
{فمَنْ كان يرجو لقاءَ
ربِّه فلْيعملْ عملاً صالحاً ولا يُشرِكْ بعبادة ربِّه أحداً}
[الكهف: 110].
ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجه
اهتمام الصحابة لإصلاح قلوبهم، ويبين لهم أن صلاح الإنسان متوقف على إصلاح قلبه
وشفائه من الأمراض الخفية والعلل الكامنة، وهو الذي يقول: "ألا وإن في الجسد
مُضغة إذا صلحتْ صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"
[رواه البخاري في كتاب الإيمان. ومسلم في كتاب المساقاة عن النعمان بن بشير رضي
الله عنهما].
كما كان عليه الصلاة والسلام يعلمُهم أن محل
نظر الله إلى عباده إنما هو القلب: "إن الله لا ينظرُ إلى أجسادكم ولا إلى
صوركم، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم" [أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب البر والصلة عن
أبي هريرة رضي الله عنه].
فما دام صلاح الإنسان مربوطاً بصلاح قلبه الذي
هو مصدر أعماله الظاهرة، تعيَّن عليه العمل على إصلاحه بتخليته من الصفات المذمومة
التي نهانا الله عنها، وتحليته بالصفات الحسنة التي أمرنا الله بها، وعندئذٍ يكون
القلب سليماً صحيحاً، ويكون صاحبه من الفائزين الناجين {يوم لا ينفعُ مالٌ ولا
بنونَ إلا مَن أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ} [الشعراء: 88ـ 89].
قال الإمام جلال الدين السيوطي رحمه الله:
(وأما علم القلب ومعرفة أمراضه من الحسد والعجب والرياء ونحوها، فقال الغزالي:
إنها فرض عين) ["الأشباه والنظائر" للسيوطي ص504].
فتنقية القلب، وتهذيب النفس، من أهم الفرائض
العينية وأوجب الأوامر الإلهية، بدليل ما ورد في الكتاب والسنة وأقوال العلماء.
آ ـ فمن الكتاب:
1ـ قوله تعالى: {قُلْ إنَّما حرَّمَ ربِّيَ
الفواحشَ ما ظهر منها وما بَطنَ}
[الأعراف: 33].
2ـ وقوله تعالى: {ولا تقربوا الفواحشَ ما ظهرَ
منها وما بطنَ}
[الأنعام: 151].
والفواحش الباطنة كما قال المفسرون هي: الحقد
والرياء والحسد والنفاق...
ب ـ ومن السنة:
1ـ كل الأحاديث التي وردت في النهي عن الحقد
والكبر والرياء والحسد... وأيضاً الأحاديث الآمرة بالتحلي بالأخلاق الحسنة
والمعاملة الطيبة فلتراجع في مواضعها.
2ـ والحديث "الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة:
فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان"
[أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما في كتاب الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه].
فكمال الإيمان بكمال هذه الشعب والتحلي بها،
وزيادته بزيادة هذه الصفات، ونقصه بنقصها، وإن الأمراض الباطنة كافية لإحباط أعمال
الإنسان، ولو كانت كثيرة.
ج ـ وأما أقوال العلماء:
لقد عدَّ العلماء الأمراض القلبية من الكبائر
التي تحتاج إلى توبة مستقلة، قال صاحب "جوهرة التوحيد":
وأمُرْ بعرفٍ واجتنبْ
نميمةْوغيبةً وخَصلةً ذميمةْ كالعجب والكبرِ وداء الحسدِوكالمراءِ والجدلْ
فاعتمدِ يقول شارحها عند قوله ـ وخصلة
ذميمة ـ: أي واجتنب كل خصلة ذميمة شرعاً، وإنما خصَّ المصنف ما ذكره؛ يعد اهتماماً
بعيوب النفس، فإن بقاءها مع إصلاح الظاهر كلبس ثياب حسنة على جسم ملطَّخ
بالقاذورات، ويكون أيضاً كالعجب وهو رؤية العبادة واستعظامُها، كما يعجب العابد
بعبادته والعالم بعلمه، فهذا حرام، وكذلك الرياء فهو حرام. ومثل العجب الظلمُ
والبغي والكبر وداء الحسد والمراء والجدل ["شرح الجوهرة" للباجوري ص120
ـ 122 توفي سنة 1277هـ].
ويقول الفقيه الكبير العلامة ابن عابدين في
حاشيته الشهيرة: (إن علمَ الإخلاص والعجب والحسد والرياء فرضُ عين، ومثلها غيرها
من آفات النفوس، كالكبر والشح والحقد والغش والغضب والعداوة والبغضاء والطمع
والبخل والبطر والخيلاء والخيانة والمداهنة، والاستكبار عن الحق والمكر والمخادعة
والقسوة وطول الأمل، ونحوها مما هو مبين في ربع المهلكات من "الإحياء".
قال فيه: ولا ينفك عنها بشر، فيلزمه أن يتعلم منها ما يرى نفسه محتاجاً إليه.
وإزالتها فرض عين، ولا يمكن إلا بمعرفة حدودها
وأسبابها وعلاماتها وعلاجها، فإن من لا يعرف الشر يقع فيه) ["حاشية ابن
عابدين" المسماة رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار، ج1/ص31].
ويقول صاحب "الهدية العلائية": (وقد
تظاهرت نصوص الشرع والإجماع على تحريم الحسد، واحتقار المسلمين، وإرادة المكروه
بهم، والكبر والعجب والرياء والنفاق، وجملة الخبائث من أعمال القلوب، بل السمع
والبصر والفؤاد، كل ذلك كان عنه مسؤولاً، مما يدخل تحت الاختيار)["الهدية
العلائية" علاء الدين عابدين ص315].
ويقول صاحب "مراقي الفلاح": (لا تنفع
الطهارة الظاهرة إلا مع الطهارة الباطنة، بالإخلاص، والنزاهة عن الغلِّ والغش
والحقد والحسد، وتطهير القلب عما سوى الله من الكونين، فيعبده لذاته لا لعلة،
مفتقراً إليه، وهو يتفضل بالمن بقضاء حوائجه المضطر بها عطفاً عليه، فتكون عبداً
فرداً للمالك الأحد الفرد، لا يسترقك شيء من الأشياء سواه، ولا يستملكُ هواك عن
خدمتك إياه.
قال الحسن البصري رحمه الله:
رُبَّ مستورٍ سبته شهوتُهْ
قد عري من ستره وانْهَتَكَا
صاحبُ الشهوةِ عبدٌ فإذا
مَلَكَ الشهوة أضحى مَلِكا
فإذا أخلص لله، وبما
كلفه به وارتضاه، قام فأدَّاه، حفَّتهُ العناية حيثما توجه وتيمَّم، وعلَّمه ما لم
يكن يعلم.
قال الطحطاوي في "الحاشية": دليله
قوله تعالى:
{واتقوا الله
ويعلِّمكم الله}[البقرة:282 ]) [حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح
ص70 ـ 71].
فكما لا يحسن بالمرء أن يظهر أمام الناس بثياب
ملطخة بالأقذار والأدران، لا يليق به أن يترك قلبه مريضاً بالعلل الخفية، وهو محل
نظر الله سبحانه وتعالى:
تطَبِّبُ جسمَك الفاني
ليبقى وتترك قلبَك الباقي مريضاً لأن
الأمراض القلبية سبب بُعد العبد عن الله تعالى ، وبعده عن جنته الخالدة ؛ قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: "لا يدخلُ الجنةَ مَنْ كان في قلبه مثقالُ ذرة مِنْ
كبر" [رواه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان عن ابن مسعود رضي الله عنه].
وعلى هذا فسلامة الإنسان في آخرته هي في سلامة
قلبه، ونجاتُه في نجاته من أمراضه المذكورة.
وقد تخفى على الإنسان بعض عيوب نفسه، وتدق عليه
علل قلبه، فيعتقد في نفسه الكمال، وهو أبعد ما يكون عنه، فما السبيل إلى اكتشاف
أمراضه، والتعرف على دقائق علل قلبه ؟ وما الطريق العملي إلى معالجة هذه الأمراض،
والتخلص منها ؟
إن التصوف هو الذي اختص بمعالجة الأمراض
القلبية، وتزكية النفس والتخلص من صفاتها الناقصة.
قال ابن زكوان في فائدة التصوف وأهميته:
علمٌ به تصفيةُ البواطنْ
مِن كدَرَات النفس في المواطنْ
قال العلامة المنجوري
في شرح هذا البيت: (التصوف علم يعرف به كيفية تصفية الباطن من كدرات النفس، أي
عيوبها وصفاتها المذمومة كالغل والحقد والحسد والغش وحب الثناء والكبر والرياء
والغضب والطمع والبخل وتعظيم الأغنياء والاستهانة بالفقراء، لأن علم التصوف يطلع
على العيب والعلاج وكيفيته، فبعلم التصوف يُتوصل إلى قطع عقبات النفس والتنزه عن
أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل بذلك إلى تخلية القلب عن غير الله
تعالى، وتحليته بذكر الله سبحانه وتعالى) ["النصرة النبوية" للشيخ مصطفى
إسماعيل المدني على هامش شرح الرائية للفاسي ص 26].
أما تحلية النفس بالصفات الكاملة ؛ كالتوبة
والتقوى والاستقامة والصدق والإخلاص والزهد والورع والتوكل والرضا والتسليم والأدب
والمحبة والذكر والمراقبة... فللصوفية بذلك الحظ الأوفر من الوراثة النبوية، في
العلم والعمل.
قد رفضوا الآثامَ والعيوبا
وطهَّروا الأبدانَ والقلوبا
وبلغوا حقيقة الإيمان
وانتهجوا مناهج الإحسان
["لفتوحات
الإلهية في شرح المباحث الأصلية"للعلامة ابن عجيبة على هامش شرح الحكم لابن
عجيبة ج1/ص105].
فالتصوف هو الذي اهتم
بهذا الجانب القلبي بالإضافة إلى ما يقابله من العبادات البدنية والمالية، ورسَمَ
الطريق العملي الذي يوصل المسلم إلى أعلى درجات الكمال الإيماني والخُلُقي، وليس ـ
كما يظن بعض الناس ـ قراءةَ أوراد وحِلَقَ أذكار فحسب، فلقد غاب عن أذهان
الكثيرين، أن التصوف منهج عملي كامل، يحقق انقلاب الإنسان من شخصية منحرفة إلى
شخصية مسلمة مثالية متكاملة، وذلك من الناحية الإيمانية السليمة،والعبادة
الخالصة،والمعاملة الصحيحة الحسنة،والأخلاق الفاضلة.
ومن هنا تظهر أهمية التصوف وفائدته، ويتجلى لنا
بوضوح، أنه روح الإسلام وقلبُهُ النابض، إذ ليس هذا الدين أعمالاً ظاهرية وأموراً
شكلية فحسب لا روح فيها ولا حياة.
وما وصل المسلمون إلى هذا الدرْك من الانحطاط
والضعف إلا حين فقدوا روح الإسلام وجوهره، ولم يبق فيهم إلا شبحه ومظاهره.
لهذا نرى العلماء العاملين، والمرشدين
الغيورين، ينصحون الناس بالدخول مع الصوفية والتزام صحبتهم، كي يجمعوا بين جسم
الإسلام وروحه، وليتذوقوا معاني الصفاء القلبي والسمو الخُلقي، وليتحققوا بالتعرف
على الله تعالى المعرفة اليقينية، فيتحلوا بحبه ومراقبته ودوام ذكره.
قال حجة الإسلام الإمام الغزالي بعد أن اختبر
طريق التصوف، ولمس نتائجه، وذاق ثمراته: (الدخول مع الصوفية فرض عين، إذ لا يخلو
أحد من عيب إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام) ["النصرة النبوية" على
هامش شرح الرائية للفاسي ص26].
وقال أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: (من لم
يتغلغل في علمنا هذا مات مصراً على الكبائر وهو لا يشعر). وفي هذا القول يقول ابن
علاَّن الصديقي (ولقد صدق فيما قال ـ يعني أبا الحسن الشاذلي ـ فأي شخص يا أخي
يصوم ولا يعجب بصومه ؟ وأي شخص يصلي ولا يعجب بصلاته ؟ وهكذا سائر الطاعات)
["إيقاظ الهمم في شرح الحكم" لابن عجيبة ص7].
ولما كان هذا الطريق صعب المسالك على النفوس
الناقصة، فعلى الإنسان أن يجتازه بعزم وصبر ومجاهدة حتى ينقذ نفسه من بُعد الله
وغضبه.
قال الفضيل بن عياض رضي الله عنه: (عليك بطريق
الحق، ولا تستوحش لقلة السالكين، وإياك وطريقَ الباطل، ولا تغتر بكثرة الهالكين.
وكلما استوحشت من تفردك فانظر إلى الرفيق السابق، واحرص على اللحاق بهم، وغُضَّ
الطرف عن سواهم، فإنهم لن يغنوا عنك من الله تعالى شيئاً، وإذا صاحوا بك في طريق
سيرك فلا تلتفت إليهم فإنك متى التفتَّ إليهم أخذوك وعاقوك) ["المنن
الكبرى" للشعراني ج1/ص4].
الباب
الثاني:
المنهج
العملي في التصوف
مقدمة
1ـ الصحبة. 2ـ الوارث
المحمدي. 3ـ أخذ العهد. 4ـ العلم. 5ـ مجاهدة النفس. 6ـ الذكر. 7ـ المذاكرة. 8ـ
الخلوة.
تبين لنا في الباب السابق أهمية التصوف ومنزلته
في تكوين الشخصية المسلمة المتكاملة، وأنه التطبيق العملي للإسلام، وأنه يهتم
بإصلاح ظاهر العبد وعمارة باطنه، وتقويم خلقه، وتصحيح عباداته ومعاملاته.
وإن السادة الصوفية لا يكتفون بأن يوضحوا للناس
أحكام الشرع وآدابه بمجرد الكلام النظري، ولكنهم بالإضافة إلى ذلك يأخذون بيد
تلميذهم ويسيرون به في مدارج الترقي، ويرافقونه في جميع مراحل سيره إلى الله
تعالى، يحيطونه برعايتهم وعنايتهم، ويشملونه بعطفهم وحنانهم، ويوجهونه بحالهم
وقالهم، وينهضون به بعلو همتهم وعظيم صدقهم ؛ يذكرونه إذا نسي، ويقوِّمونه إذا انحرف،
ويتفقدونه إذا غاب، وينشطونه إذا فتر... وهكذا يرسمون له المنهج العملي الذي يمكنه
به أن يتحقق بأركان الدين الثلاثة: الإيمان والإسلام والإحسان.
إن الصوفية أرباب أعمال وأحوال لا أرباب دعاوي
وأقوال، فما أسهل الكلام والتعليم، وما أصعب العمل والتطبيق!
وها نحن نعرض في هذا الباب أهم الطرق العملية
التي يطبقها رجال التصوف للوصول إلى رضاء الله تعالى ومعرفته، وما هذا المنهج
العملي إلا تطبيقاً لكتاب الله تعالى، واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم
وبأصحابه الكرام رضوان الله عليهم.
إن الصوفية لم يبتدعوا منهجاً، ولم يبتكروا
أسلوباً، ولكنهم ساروا متبعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً
وأخلاقاً.
أهميتها
وفائدتها وآثارها ـ الدليل عليها من
الكتاب ـ الدليل عليها من السنة ـ أقوال
العلماء والمحدثين في أهمية الصحبة ـ
أقوال العارفين بالله
1ـ أهميتها وفائدتها وآثارها:
إن للصحبة أثراً عميقاً
في شخصية المرء وأخلاقه وسلوكه، والصاحب يكتسب صفات صاحبه بالتأثر الروحي
والاقتداء العملي، والإنسان اجتماعي بالطبع لا بد أن يخالط الناس ويكون له منهم
أخلاء وأصدقاء ؛ فإن اختارهم من أهل الفساد والشر والفسوق والمجون انحدرت أخلاقه،
وانحطت صفاته تدريجياً دون أن يشعر، حتى يصل إلى حضيضهم ويهوي إلى دركهم.
أما إذا اختار صحبة أهل
الإيمان والتقوى والاستقامة والمعرفة بالله تعالى فلا يلبث أن يرتفع إلى أوج
علاهم، ويكتسب منهم الخُلق القويم، والإيمان الراسخ، والصفات العالية، والمعارف
الإلهية، ويتحرر من عيوب نفسه، ورعونات خُلُقِهِ. ولهذا تُعرف أخلاق الرجل بمعرفة
أصحابه وجلسائه.
إذا كنتَ في قوم فصاحب خيارَهمو *** لا تصحب الأردى فترْدَى مع الردي
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** فكل قرين بالمقارن يقتدي
وما نال الصحابة رضوان
الله عليهم هذا المقام السامي والدرجة الرفيعة بعد أن كانوا في ظلمات الجاهلية إلا
بمصاحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومجالستهم له. وما أحرز التابعون هذا
الشرف العظيم إلا باجتماعهم بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبما أن رسالة سيدنا محمد عليه السلام عامة
خالدة إلى قيام الساعة، فإن لرسول الله صلى الله عليه وسلم وُرّاثاً من العلماء
العارفين بالله تعالى، ورثوا عن نبيهم العلم والخُلق والإيمان والتقوى، فكانوا
خلفاء عنه في الهداية والإرشاد والدعوة إلى الله، يقتبسون من نوره ليضيؤوا
للإنسانية طريق الحق والرشاد، فمَنْ جالسهم سرى إليه من حالهم الذي اقتبسوه من
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومَنْ نصرهم فقد نصر الدين، ومن ربط حبله بحبالهم
فقد اتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن استقى من هدايتهم وإرشادهم فقد استقى من
نبع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هؤلاء الوراث هم الذين ينقلون للناس الدين،
مُمَثَّلاً في سلوكهم، حيَّاً في أحوالهم، واضحاً في حركاتهم وسكناتهم، هم من
الذين عناهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:
"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق
لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" [أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب
الإمارة، وأخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة بلفظ آخر،
وأخرجه الترمذي في كتاب الفتن، وابن ماجه في كتاب السنة].
لا ينقطع أثرهم على مر الزمان، ولا يخلو منهم
قطر.
وهؤلاء الوراث المرشدون صحبتهم ترياق مجرب،
والبعد عنهم سم قاتل، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم ؛ مرافقتهم هي العلاج العملي
الفعَّال لإصلاح النفوس، وتهذيب الأخلاق، وغرس العقيدة، ورسوخ الإيمان، لأن هذه
أُمور لا تُنال بقراءة الكتب، ومطالعة الكراريس، إنما هي خصال عملية وجدانية،
تُقتبس بالاقتداء، وتُنال بالاستقاء القلبي والتأثر الروحي.
ومن ناحية أخرى، فكل إنسان لا يخلو من أمراض
قلبية، وعلل خفية لا يدركها بنفسه، كالرياء والنفاق والغرور والحسد، والأنانية وحب
الشهرة والظهور، والعجب والكبر والبخل... بل قد يعتقد أنه أكمل الناس خُلقاً،
وأقومهم ديناً، وهذا هو الجهل المركب، والضلال المبين.
قال تعالى:
{قُلْ هل نُنَبِّئُكم
بالأخسرين أعمالاً الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنَّهم يُحسنون
صنعاً} [الكهف: 103ـ104].
فكما أن المرء لا يرى عيوب وجهه إلا بمرآة
صافية مستوية، تكشف له عن حقيقة حاله، فكذلك لا بد للمؤمن من أخ مؤمن مخلص ناصح
صادق، أحسن منه حالاً، وأقوم خُلقاً، وأقوى إيماناً، يصاحبه ويلازمه، فيريه عيوبه
النفسية، ويكشف له عن خفايا أمراضه القلبية إما بقاله أو بحاله.
ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "المؤمنُ
مِرآةُ المؤمن" [رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه. ورواه البخاري في
"الأدب المفرد" وقال الزين العراقي: إسناده حسن. "فيض القدير"
ج6/ص252].
وعلينا أن نلاحظ أن المرايا أنواع وأشكال ؛
فمنها الصافية المستوية، ومنها الجرباء التي تُشوِّهُ جمال الوجه، ومنها التي
تُكبِّر أو تُصغِّر.
وهكذا الأصحاب ؛ فمنهم الذي لا يريك نفسك على
حقيقتها، فيمدحك حتى تظن في نفسك الكمال، ويُدخل عليك الغرور والعجب، أو يذمك حتى
تيأس وتقنط من إصلاح نفسك. أما المؤمن الكامل فهو المرشد الصادق الذي صقلت مرآته
بصحبة مرشد كامل، ورث عن مرشد قبله وهكذا حتى يتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم،
وهو المرآة التي جعلها الله تعالى المثل الأعلى للإنسانية الفاضلة ؛ قال تعالى:
{لقد كان لكم في رسول
الله أُسوةٌ حسنةٌ لِمَنْ كان يرجو الله واليومَ الآخرَ وذكرَ اللهَ كثيراً} [الأحزاب: 21].
فالطريق العملي الموصل لتزكية النفوس والتحلي
بالكمالات الخلقية هو صحبة الوارث المحمدي والمرشد الصادق الذي تزداد بصحبته
إيماناً وتقوىً وأخلاقاً، وتشفى بملازمته وحضور مجالسه من أمراضك القلبية وعيوبك
النفسية، وتتأثر شخصيتك بشخصيته التي هي صورة عن الشخصية المثالية، شخصية رسول
الله صلى الله عليه وسلم.
ومن هنا يتبين خطأ من يظن أنه يستطيع بنفسه أن
يعالج أمراضه القلبية، وأن يتخلص من علله النفسية بمجرد قراءة القرآن الكريم،
والاطلاع على أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. وذلك لأن الكتاب والسنة قد جمعا
أنواع الأدوية لمختلف العلل النفسية والقلبية، فلا بد معهما من طبيب يصف لكل داء دواؤه
ولكل علة علاجها [تسرع بعض القراء ففهم هذه العبارة على غير مرادها، وظن أننا
نقصنا من أهمية القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وزهَّدنا في تلاوتهما،
والحقيقة أن رجال التصوف هم أكثر الناس تعظيماً لهما وتمسكاً بهما. ففي عبارة:
(بمجرد قراءة القرآن الكريم...) بيان إلى أنه لا يكفي الاقتصار على قراءة القرآن
الكريم والسنة الشريفة بل لا بد أيضاً من الفهم والعمل، ومن المعلوم أن الكتاب
والسنة يدعوان للصحبة الصالحة كما سنوضحه في بحث (الدليل على أهمية الصحبة من
الكتاب والسنة). وفي عبارة: (فلا بد معهما...) تصريح واضح بلزوم قراءة القرآن
الكريم والسنة الشريفة، ثم يضاف إلى ذلك صحبة المرشدين الذين يزكون النفوس ويحضون
الناس على قراءة وتطبيق الكتاب والسنة].
فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطبب
قلوب الصحابة ويزكي نفوسهم بحاله وقاله.
فمن ذلك ما حدث مع الصحابي الجليل أُبيّ بن كعب
رضي الله عنه قال: (كنت في المسجد، فدخل رجل فصلى، فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم
دخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فلما قضيا الصلاة دخلنا جميعاً على رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فقلت: إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، فدخل آخر فقرأ قراءة سوى
قراءة صاحبه. فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرآ، فحَسَّنَ النبي شأنهما،
فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهلية، فلما رأى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ما قد غشيني ضرب في صدري، ففضت عرقاً، وكأني أنظر إلى الله عز وجل
فَرَقاً) [أخرجه مسلم في صحيحه في باب بيان القرآن على سبعة أحرف].
ولهذا لم يستطع أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن يطببوا نفوسهم بمجرد قراءة القرآن الكريم، ولكنهم لازموا مستشفى رسول الله
صلى الله عليه وسلم ؛ فكان هو المزكي لهم والمشرف على تربيتهم، كما وصفه الله
تعالى بقوله:
{هو الذي بعثَ في
الأمّيّين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويُزكّيهم ويُعلّمهم الكتابَ
والحِكمةَ} [الجمعة: 2].
فالتزكية شيء، وتعليم القرآن شيء آخر، إذ
المراد من قوله تعالى: {يزكيهم} يعطيهم حالة التزكية، ففرقٌ كبير بين علم التزكية
وحالة التزكية كما هو الفرق بين علم الصحة وحالة الصحة، والجمع بينهما هو الكمال.
وكم نسمع عن أناس متحيرين يقرؤون القرآن
الكريم، ويطلعون على العلوم الإسلامية الكثيرة، ويتحدثون عن الوساوس الشيطانية،
وهم مع ذلك لا يستطيعون أن يتخلصوا منها في صلاتهم!.
فإذا ثبت في الطب الحديث أن الإنسان لا يستطيع
أن يطبب نفسه بنفسه ولو قرأ كتب الطب، بل لا بد له من طبيب يكشف خفايا علله، ويطلع
على ما عمي عليه من دقائق مرضه، فإن الأمراض القلبية، والعلل النفسية أشد احتياجاً
للطبيب المزكي، لأنها أعظم خطراً، وأشد خفاء وأكثر دقة.
ولهذا كان من المفيد عملياً تزكية النفس
والتخلص من عللها على يد مرشد كامل مأذون بالإرشاد، قد ورث عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم العلم والتقوى وأهلية التزكية والتوجيه.
وها نحن نورد لك يا أخي من كتاب الله تعالى،
وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن أقوال علماء الشريعة من المحدثين، والفقهاء،
والهداة المرشدين العارفين بالله ما يثبت أهمية صحبة الدالين على الله الوارثين عن
رسوله صلى الله عليه وسلم، وما في ذلك من الآثار الحسنة، والنتائج الطيبة.
2 - الدليل على أهمية الصحبة من كتاب الله تعالى:
1 - قال
تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللهَ وكُونوا معَ الصادقين} [التوبة: 119].
والصادقون: هم الصفوة من المؤمنين الذين عناهم الله بقوله: {مِنَ المؤمنين رِجال
صَدَقوا ما عاهدوا اللهَ عيهِ} [الأحزاب: 23].
2 - قال
تعالى: {واصبر نفسك مع الذينَ يدعون ربَّهم بالغداةِ والعشيِّ يُريدونَ وجهَهُ ولا
تَعْدُ عيناك عنهُم تُريد زينةَ الحياةِ الدنيا ولا تُطِعْ مَنْ أغفلنا قلبَه عن
ذكرنا واتَّبَعَ هواهُ وكان أمرُه فُرُطاً} [الكهف: 28].
الخطاب هنا لرسول الله
صلى الله عليه وسلم من قبيل تعليم أُمته وإِرشادها.
3 _ قال تعالى: {واتَّبِعْ سبيلَ مَنْ أنابَ إليَّ} [لقمان: 15]. أناب:
رجع.
4 - قال تعالى: {ويوم يعضُّ الظالمُ على يديهِ يقولُ يا
ليتني اتَّخذتُ مع الرسولِ سبيلاً . يا ويلتى ليتني لم أتَّخِذْ فلاناً
خليلاً. لقد أضلَّني عن الذكر بعدَ إذ
جاءَني وكان الشيطان للإنسان خذولاً} [الفرقان: 27 -29].
5 - قال
تعالى: {الأخلاءُ يومئذٍ بعضُهم لبعضٍ عدوٌّ إلا المتقين}
[الزخرف: 67].
6 - قال
تعالى: {ثم استوى على العرشِ الرحمنُ فاسألْ به خبيراً} [الفرقان: 59].
7 - قال تعالى
حاكياً على لسان سيدنا موسى عليه السلام حين التقى بالخَضِر عليه السلام بعد عزم
صادق، وعناء طويل، وسفر شاق: {هل أتَّبِعُك على أنْ تُعلِّمَنِ مما عُلِّمْتَ
رُشداً . قال إنَّك لن تستطيع معيَ صبراً} [الكهف: 66 -67].
3 - الدليل على أهمية الصحبة من الأحاديث الشريفة:
1 - قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: "إنما مَثَلُ الجليسِ الصالح وجليسِ السوءِ كحاملِ
المسكِ، ونافخ الكير، فحاملُ المسكِ إما أن يُحْذِيَكَ (يعطيك) وإما أن تبتاع منه،
وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخُ الكيرِ إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد فيه
ريحاً منتنة) [رواه البخاري في
صحيحه في كتاب الذبائح ومسلم في كتاب البر والصلة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه].
2 - عن ابن
عباس رضي الله عنهما قال: قيل: يا رسول الله أيُّ جلسائنا خير؟ قال: "مَنْ
ذكَّركُم الله رؤيتُهُ، وزاد في علمكم مَنْطقُه، وذكَّركم في الآخرة عملُه" [رواه أبو
يعلى ورجاله رجال الصحيح كما في "مجمع الزوائد" ج10/ص226].
3 - عن أبي
هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الرجل على دين
خليله، فلينظر أحدكم من يخالل" [رواه أبو
داود والترمذي في كتاب الزهد وقال حديث حسن غريب].
4 - عن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من عباد
الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة
بمكانهم من الله، قالوا: يا رسول الله فخبِّرنا من هم؟ قال: هم قوم تحابُّوا برُوح
الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لعلى
نور، ولا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، وقرأ هذه الآية: {ألا
إنَّ أولياء الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون} [يونس: 62]" [رواه أبو داود].
5 - عن أبي ذر
رضي الله عنه قلت: يا رسول الله ؛ الرجل يحب القوم ولا يستطيع أن يعمل عملهم؟ قال:
"أنت يا أبا ذر مع من أحببت" [رواه أبو
داود].
6 - عن حنظلة
رضي الله عنه قال: لقيني أبو بكر رضي الله عنه، فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلتُ:
نافق حنظلة. قال: سبحان الله، ما تقول؟! قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه
وسلم يُذكِّرنا بالجنة والنار كأنَّا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى
الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً. قال أبو بكر رضي
الله عنه: "فو الله إنا لنلقى مثل هذا". فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا
على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: "وما ذاك؟" قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكِّرنا
بالنار والجنة كأنَّا رأي العين، فإذا خرجنا من عندك عافَسْنَا الأزواج والضيعات،
نسينا كثيراً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لو
تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فُرُشِكم وفي طُرُقِكم،
ولكن يا حنظلة ساعة وساعة - ثلاث مرات ـ" [رواه مسلم
في صحيحه في كتاب التوبة.] ومعنى
عافسنا: عالجنا ولاعبنا ؛ والضيعات: جمع ضيعة وهو معاش الرجل من مال أو حرفة أو
صناعة.
إن هذه الأحاديث السالفة الذكر وكثيراً غيرها
تبين بمجموعها أهمية الصحبة، وأثرها في النفوس، وأنها السبيل العملي للإصلاح
والتربية. ولا سيما حديث حنظلة الذي يُظهر بوضوح كيف كانت مجالسة رسول الله صلى
الله عليه وسلم تشع في القلوب أنوار اليقين، وتُزكي في النفوس جذوة الإيمان،
وترتفع بالأرواح إلى مستوى ملائكي أقدس، وتطهِّر القلوب من أدران المادة، وتسمو
بالإيمان إلى مستوى المراقبة والشهود.
وهكذا مجالسة وُرَّاث رسول الله صلى الله عليه
وسلم وصحبتُهم، تُزَكِّي النفوس، وتزيد الإيمان، وتوقظ القلوب وتذكر بالله تعالى.
والبعدُ عنهم يورث الغفلة، وانشغال القلب بالدنيا، وميله إلى متع الحياة الزائلة.
4 - أقوال الفقهاء والمحدثين في أهمية الصحبة
وآدابها:
ابن حجر الهيثمي:
يقول الشيخ الفقيه المحدث
أحمد شهابُ الدين بن حجر الهيثمي المكي في كتابه "الفتاوى الحديثية":
(والحاصل أن الأوْلى بالسالك قبل الوصول إلى هذه المعارف أن يكون مديماً لما يأمره
به أستاذه الجامع لطرفي الشريعة والحقيقة، فإنه هو الطبيب الأعظم، فبمقتضى معارفه
الذوقية وحكمه الربانية، يُعطي كل بدن ونَفْسٍ ما يراه هو اللائق بشفائها والمصلح
لغذائها) ["الفتاوى
الحديثية" ص55 للمحدث أحمد بن حجر الهيثمي
المكي توفي سنة 974هـ].
الإمام فخر الدين
الرازي:
قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره المشهور
عند تفسيره سورة الفاتحة: (الباب الثالث في الأسرار العقلية المستنبطة من هذه
السورة (الفاتحة) فيه مسائل... اللطيفة الثالثة: قال بعضهم: إنه لما قال: {اهدنا
الصراط المستقيمَ} لم يقتصر عليه بل قال: {صراطَ الذينَ أنعمتَ عليهم} [الفاتحة:7 ] وهذا يدل
على أن المريد لا سبيل له إلى الوصول إلى مقامات الهداية والمكاشفة إلا إذا اقتدى
بشيخ يهديه إلى سواء السبيل، ويجنبه عن مواقع الأغاليط والأضاليل، وذلك لأن النقص
غالب على أكثر الخلق، وعقولهم غير وافية بإدراك الحق وتمييز الصواب عن الغلط، فلا
بد من كامل يقتدي به الناقص حتى يتقوى عقل ذلك الناقص بنور عقل الكامل، فحينئذ يصل
إلى مدارج السعادات ومعارج الكمالات) ["تفسير مفاتيح الغيب" المشتهر بالتفسير
الكبير للإمام فخر الدين الرازي ج1/ص142].
الشيخ إبراهيم
الباجوري:
قال شيخ الإسلام إبراهيم الباجوري الشافعي عند
شرحه كلام الشيخ إبراهيم اللقاني صاحب "جوهرة التوحيد":
وكنْ كما كان خيارُ الخلقِ *** حليفَ حِلم تابعاً للحق
(أي كن متصفاً بأخلاقٍ
مثل الأخلاق التي كان عليها خيار الخلق... إلى أن قال: وإذا كانت المجاهدة على يد
شيخ من العارفين كانت أنفع، لقولهم: حال رجل في ألف رجل أنفع من وعظ ألف رجل في
رجل. فينبغي للشخص أن يلزم شيخاً عارفاً على الكتاب والسنة، بأن يزنه قبل الأخذ
عنه فإن وجده على الكتاب والسنة لازمه، وتأدب معه، فعساه يكتسب من حاله ما يكون به
صفاء باطنه، والله يتولى هداه) ["شرح
الجوهرة" للباجوري ص133. والشيخ إبراهيم
الباجوري شيخ الأزهر في عصره وهو من العلماء الأعلام ومن المحققين في المذهب
الشافعي توفي عام 1277هـ].
ابن أبي جمرة:
شرح الإمام الحافظ المحدِّثُ الورع أبو محمد
عبد الله بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن عبد
الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم،
فاستأذنه في الجهاد فقال: "أحَيٍّ والداك؟" قال: نعم، قال: ففيهما
فجاهد) وبعد أن شرحه بيَّن عشرة وجوه له، قال في الوجه العاشر:
(فيه دليل على أن الدخول في السلوك والمجاهدات،
السُّنَّةُ فيه أن يكون على يد عارف به، فيرشد إلى ما هو الأصلح فيه، والأسدُّ
بالنسبة إلى حال السالك لأن هذا الصحابي رضي الله عنه لما أن أراد الخروج إلى
الجهاد لم يستبد برأي نفسه في ذلك حتى استشار من هو أعلم منه وأعرف، هذا ما هو في
الجهاد الأصغر فكيف به في الجهاد الأكبر؟!) ["بهجة
النفوس" شرح مختصر صحيح البخاري لابن أبي جمرة المتوفى سنة 699هـ. ج3/ص146].
ابن قيم الجوزية:
قال الحافظ أبو عبد الله محمد الشهير بابن
القيم: (فإذا أراد العبد أن يقتدي برجل، فلينظر هل هو من أهل الذكر أو من
الغافلين، وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي؟. فإذا كان الحاكم عليه هو الهوى، وهو
من أهل الغفلة كان أمره فُرطا... إلى أن قال: فينبغي للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته
ومتبوعه، فإن وجده كذلك فليبعد منه، وإن وجده ممن غلب عليه ذكر الله تعالى، واتباع
السنة، وأمرُه غير مفروط عليه، بل هو حازم في أمره، فليستمسك بغَرْزه) ["الوابل
الصيب من الكلم الطيب" ص53 لابن قيم الجوزية
المتوفى سنة 751هـ].
عبد الواحد بن عاشر:
قال الفقيه المالكي عبد الواحد بن عاشر في
منظومة العقائد وعبادات فقه مالك المسماة "المرشد المَعين" مبيناً ضرورة
صحبة الشيخ المرشد وما تنتج من آثار طيبة:
يصحبُ شيخاً عارفَ المسالكْ *** يَقيهِ في طريقِهِ المَهَالِكْ
يُذَكِّرُهُ الله إذا رآهُ *** ويوصلُ العبدَ إلى مولاهُ
يُحاسبُ النفسَ على الأنفاسِ *** ويَزِنُ الخاطرَ بالقِسْطَاسِ
ويحفظُ المفروضَ رأسَ المالِ *** والنَّفلَ ربْحَهُ بهِ يوالي
ويُكثرُ الذكرَ بصفوِ لُبِّهِ *** والعونُ في جميعِ ذا بِرَبِّه
يجاهدُ النفْسَ لربِّ العالمينْ *** ويَتَحلَّى بمقاماتِ اليقينْ
يَصيرُ عند ذاكَ عارفاً بهِ *** حُرَّاً، وغيرُهُ خَلاَ مِنْ قلبِه
فحَبَّه الإلهُ واصطفاهُ *** لحضرةِ القدُّوسِ واجْتَباهُ
قال شارح هذه المنظومة
الشيخ محمد بن يوسف المعروف بالكافي في كتابه "النور المبين على
المرشد المعين": (إن من نتائج صحبة الشيخ السالك، ما يحصل لمريده من أنه
يذكِّرهُ الله ؛ أي يكون سبباً قوياً في ذكر المريد ربه إذا رأى الشيخ لِمَا عليه
من المهابة التي ألبسه الله إياها، ويشهد لذلك ما أخرجه الحاكم عن أنس رضي الله
عنه (أفضلكم الذين إذا رُؤوا ذُكِرَ الله تعالى لرؤيتهم).
ومن ثمرة صحبة هذا الشيخ السالك أيضاً أنه يوصل
العبد إلى مولاه بسبب ما يريه من عيوب نفسه، ونصحه بالهروب من غير الله إلى الله
تعالى، فلا يرى لنفسه ولا لمخلوقٍ نفعاً ولا ضراً، ولا يركن لمخلوقٍ في دفعٍ أو
جلب، بل يرى جميع الانقلابات والتصرفات في الحركات والسكنات لله تعالى، وهذا معنى
الوصول إلى الله تعالى.
ففائدة الشيخ مع المريد هي إظهار العيوب
القاطعة عن الله تعالى للمريد، فيشخصها له، ويريه دواءها، ولا يتم هذا إلا مع مريد
صادق ألقى مقاليد نفسه لشيخه، وألزم نفسه ألاَّ يكتم خاطراً ما عن شيخه، وأما إذا
كتمه ولو واحداً فلا ينتفع بشيخه البتة) ["النور
المبين على المرشد المعين" ص178].
الطيبي صاحب
"حاشية الكشاف":
قال الطيبي: (لا ينبغي للعالم - ولو تَبَحَّر
في العلم حتى صار واحدَ أهل زمانه - أن يقتنع بما عَلمه، وإنما الواجب عليه
الاجتماع بأهل الطريق ليدلوه على الطريق المستقيم، حتى يكون ممن يحدثهم الحق في
سرائرهم من شدة صفاء باطنهم، ويُخَلَّصَ من الأدناس، وأن يجتنب ما شاب علمه من
كدورات الهوى وحظوظ نفسه الأمارة بالسوء، حتى يستعد لفيضان العلوم اللدنية على
قلبه، والاقتباس من مشكاة أنوار النبوة ؛ ولا يتيسر ذلك عادة إلا على يد شيخ كامل
عالم بعلاج أمراض النفوس، وتطهيرها من النجاسات المعنوية، وحكمة معاملاتها علماً
وذوقاً، لِيُخرجه من رعونات نفسه الأمَّارة بالسوء ودسائسها الخفية. فقد أجمع أهل
الطريق على وجوب اتخاذ الإنسان شيخاً له، يرشده إلى زوال تلك الصفات التي تمنعه من
دخول حضرة الله بقلبه، ليصح حضوره وخشوعه في سائر العبادات، من باب ما لا يتم
الواجب إلا به فهو واجب، ولا شك أن علاج أمراض الباطن واجب، فيجب على كل من غلبت
عليه الأمراض أن يطلب شيخاً يُخرِجه من كل ورطة، وإن لم يجد في بلده أو إقليمه وجب
عليه السفر إليه) ["تنوير
القلوب" للعلامة الشيخ أمين الكردي الشافعي ص44
- 45].
5 - أقوال العارفين بالله من رجال التصوف في فائدة
الصحبة وآدابها:
إن السادة الصوفية هم
أحرص الناس على حياة تعبدية خالصة، تقوم أُسُسها على السمع والطاعة، والإذعان
لنصيحة ناصح، أو توجيه مرشد، فنشأت بينهم تلك المدارس الروحية التي قامت على أعظم
أساليب التربية والتقويم، وأقوى صلات الروح بين الشيخ والمريد.
ولذا يوصي العارفون بالله
تعالى كل من أراد سلوك طريق الحق الموصل إلى معرفة الله ورضاه بالصُحبةِ، وروحُها
الاعتقاد والتصديق بهؤلاء المرشدين الدالين على الله تعالى، الموصلين إلى حضرته
القدوسية.
أبو حامد الغزالي:
قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه
الله تعالى: (الدخول مع الصوفية فرض عين، إذ لا يخلو أحد من عيب أو مرض إلا
الأنبياء عليهم السلام) ["شرح
الحكم" لابن عجيبة ج1/ص7].
وقال رحمه الله: (كنت في مبدأ أمري منكراً
لأحوال الصالحين، ومقامات العارفين، حتى صحبت شيخي (يوسف النساج) فلم يزل يصقلني
بالمجاهدة حتى حظيت بالواردات، فرأيت الله تعالى في المنام، فقال لي: يا أبا حامد،
دع شواغلك، واصحب أقواماً جعلتُهم في أرضي محل نظري، وهم الذين باعوا الدارين
بحبِّي، قلت: بعزتك إلا أذقتني بَرْدَ حُسْنِ الظن بهم، قال: قد فعلتُ، والقاطع
بينك وبينهم تشاغُلُك بحب الدنيا، فاخْرُجْ منها مختاراً قبل أن تخرج منها صاغراً،
فقد أفضتُ عليك أنواراً من جوار قدسي. فاستيقظتُ فرحاً مسروراً وجئت إلى شيخي
(يوسف النساج) فقصصت عليه المنام، فتبسم وقال: يا أبا حامد هذه ألواحنا في
البداية، بل إنْ صحبتني ستكحل بصيرتك بإِثمد التأييد... الخ) ["شخصيات صوفية" لطه عبد الباقي سرور ص154. توفي سنة 1382هـ
بمصر].
وقال أيضاً: (مما يجب في حق سالكِ طريق الحق أن
يكون له مرشدٌ ومربٌّ ليدله على الطريق، ويرفع عنه الأخلاق المذمومة، ويضع مكانها
الأخلاق المحمودة، ومعنى التربية أن يكون المربي كالزارع الذي يربي الزرع، فكلما
رأى حجراً أو نباتاً مضراً بالزرع قلعه وطرحه خارجاً، ويسقي الزرع مراراً إلى أن
ينمو ويتربى، ليكون أحسن من غيره ؛ وإذا علمت أن الزرع محتاج للمربي، علمت أنه لا
بد للسالك من مرشد البتة، لأن الله تعالى أرسل الرسل عليهم الصلاة والسلام للخلق
ليكونوا دليلاً لهم، ويرشدوهم إلى الطريق المستقيم ؛ وقبل انتقال المصطفى عليه
الصلاة والسلام إلى الدار الآخرة قد جعل الخلفاء الراشدين نواباً عنه ليدلوا الخلق
إلى طريق الله ؛ وهكذا إلى يوم القيامة، فالسالك لا يستغني عن المرشد البتة) ["خلاصة التصانيف في التصوف" لحجة الإسلام
الغزالي ص18. توفي سنة 505هـ
في طوس].
ومن قوله: (يحتاج المريد إلى شيخ وأستاذ يقتدي
به لا محالة ليهديه إلى سواء السبيل، فإن سبيل الدين غامض، وسبل الشيطان كثيرة
ظاهرة فمن لم يكن له شيخ يهديه، قاده الشيطان إلى طرقه لا محالة. فمن سلك سبل
البوادي المهلكة بغير خفير فقد خاطر بنفسه وأهلكها، ويكون المستقل بنفسه كالشجرةِ
التي تنبت بنفسها فإنها تجف على القرب، وإن بقيت مدة وأورقت لم تثمر، فمعتَصَمُ
المريد شيخُهُ، فليتمسك به) ["الإحياء"
ج3/ص65].
ويقول الغزالي: (إن الله عز وجل إذا أراد بعبد
خيراً بصَّره بعيوب نفسه، فمن كانت بصيرته نافذة لم تخْفَ عليه عيوبه، فإذا عرف
العيوب أمكنه العلاج. ولكن أكثر الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم يرى أحدهم القذى في عين
أخيه ولا يرى الجذع في عين نفسه، فمن أراد أن يعرف عيوب نفسه فله أربعة طرق:
الأول: أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس،
مطلعٍ على خفايا الآفات، ويحكّمه في نفسه، ويتبع إشاراته في مجاهداته، وهذا شأن
المريد مع شيخه، والتلميذ مع أستاذه، فيعرّفه أستاذه وشيخه عيوب نفسه، ويعرّفه
طريق علاجها... الخ) ["الإحياء"
ج3/ص55].
الأمير عبد القادر
الجزائري:
قال الأمير العارف بالله عبد القادر الجزائري
في كتابه "المواقف":
(الموقف المائة والواحد والخمسون: قال الله
تعالى حاكياً قول موسى لخضرٍ عليهما السلام: {هلْ اتَّبِعُك على أنْ تعلِّمَنِ مما
عُلِّمتَ رشداً} [الكهف:66 ]: اعلم أن
المريد لا ينتفع بعلوم الشيخ وأحواله إلا إذا انقاد له الانقياد التام، ووقف عند
أمره ونهيه، مع اعتقاده الأفضلية والأكملية، ولا يغني أحدهما عن الآخر، كحال بعض
الناس يعتقد في الشيخ غاية الكمال ويظن أن ذلك يكفيه في نيل غرضه، وحصول مطلبه،
وهو غير ممتثل ولا فاعل لما يأمره الشيخ به، أو ينهاه عنه. فهذا موسى عليه السلام،
مع جلالة قدره وفخامة أمره، طلب لقاء الخضر عليه السلام وسأل السبيل إلى لُقيِّه،
وتجشم مشاق ومتاعب في سفره، كما قال: {لقدْ لقينا مِن سفرِنا هذا نَصباً} [الكهف: 62] ومع هذا
كله لَمَّا لم يمتثل نهياً واحداً، وهو قوله: {فلا تسألْنِي عن شيء حتى أُحدِثَ
لَكَ منه ذِكراً} [الكهف: 70] ما انتفع
بعلوم الخَضِر عليه السلام، مع يقين موسى عليه السلام الجازم أن الخضر أعلمُ منه
بشهادة الله تعالى، لقوله تعالى عندما قال موسى عليه السلام: لا أعلم أحداً أعلم
مني: [بلى، عبدنا خَضِرٌ] وما خصَّ عِلْماً دون علم، بل عمَّم.
وكان موسى عليه السلام أولاً ما علم أن
استعداده لا يقبل شيئاً من علوم خضر عليه السلام. وأما خضر عليه السلام، فإنه علم
ذلك أول وهلة فقال: {إنَّك لن تستطيعَ معيَ صبراً} [الكهف: 67]. وهذا من
شواهد علمية الخضر عليه السلام فلينظر العاقل إلى أدب هذين السيدين.
قال موسى عليه السلام: {هل أتَّبِعُك على أن
تُعلِّمَنِ ممّا عُلِّمتَ رشداً} [الكهف:66] أي: هل
تأذن في اتباعك، لأتعلم منك؟ ففي هذه الكلمات من حلاوة الأدب ما يذوقها كل سليم
الذوق.
وقال خضر عليه السلام: {فإنِ اتََّبَعتَني فلا
تسْألْني عن شيء حتى أُحدثَ لكَ منه ذِكراً} [الكهف: 70] وما قال:
فلا تسألني، وسكت، فيبقى موسى عليه السلام حيران متعطشاً، بل وعده أنه يُحدث له
ذكراً، أي: علماً بالحكمة فيما فعل، أو ذكراً: بمعنى: تذكراً.
فأكملية الشيخ في العلم المطلوب منه المقصود
لأجله لا تغني عن المريد شيئاً، إذا لم يكن ممتثلاً لأوامر الشيخ، مجتنباً لنواهيه
وما ينفع الأصل من
هاشمإذا كانت النفس من باهِلة وإنما تنفع
أكملية الشيخ من حيث الدلالة الموصلة إلى المقصود، وإلا فالشيخ لا يعطي المريد إلا
ما أعطاه له استعداده، واستعداده مُنْطَوٍ فيه وفي أعماله، كالطبيب الماهر إذا حضر
المريض وأمره بأدوية فلم يستعملها المريض، فما عسى أن تغني عنه مهارة الطبيب؟ وعدم
امتثال المريض دليل على أن الله تعالى ما أراد شفاءه من علته، فإن الله إذا أراد
أمراً هيأ له أسبابه.
وإنما وجب على المريد طلب الأكمل الأفضل من
المشايخ خشية أن يلقي قيادَهُ بيد جاهل بالطريق الموصل إلى المقصود، فيكون ذلك
عوناً على هلاكه) ["المواقف"
ج1/ص305] والأمير عبد القادر الجزائري المجاهد
الكبير الذي جاهد الإفرنسيين الطغاة، ووقف سداً منيعاً أمام الاستعمار الفرنسي
سبعة عشر عاماً مجاهداً ومناضلاً أشهر من أن يعرف. وإنه لغريب على الأسماع قولنا
بتصوف الأمير عبد القادر الجزائري، مع أنه من صفوتهم، وكتابه "المواقف"
يشهد له بذلك، وله ديوان متوسط الحجم أطول قصيدة فيه الرائية وعنوانها (أستاذي
الصوفي) اخترنا للقارىء بعض أبياتها:
أمسعودُ جاء السعد والخير واليسر *** وولّت جيوش النحس ليس لها ذكرُ
أسائل كل الخلق، هل من مُخبرٍ؟ *** يحدثني عنكم، فينعشني الخَبْرُ
إلى أن دعتني همَّةُ الشيخ من مدى *** بعيد، ألا فادْنُ فعندي لك الذخر
فشمّرْتُ عن ذيلي الأطارَ وطار بي *** جناح اشتياق، ليس يُخشى له كسر
إلى أن أنخْنَا بالبطاح ركابَنا *** وحطت بها رحلي، وتمَّ لها البشر
أتاني مُرَبّي العارفين بنفسه *** ولا عجبٌ، فالشأن أضحى له أمر
وقال: فإني منذ أعداد حجة *** لمنتظر لقياك، يا أيها البدر
فأنت بُنيّي، مذ "ألسْتُ بربكم" *** وذا الوقت حَقَّاَ ضمه
اللوح والسطر
وجَدُّكَ قد أعطاك من قِدَمٍ لنا *** ذخيرتكم فينا، ويا حبذا الذخر
فقبَّلتُ من أقدامه وبساطه *** وقال لك البشرى، بذا قُضِيَ الأمر
وألقى على صُفْري بإِكسير سرِّهِ *** فقيل له: هذا هو الذهب التبر [الصفر هو النحاس]
محمد الفاسي، له من محمد *** صَفِيِّ الإله، الحال والشيم الغر
عليه صلاة الله ما قال قائل *** أمسعودُ جاء السعدُ والخير واليسر
ولد الأمير سنة 1222هـ الموافق 1807م بقرية قيطنة
في الجزائر. وتوفي في سنة 1300هـ الموافق 1883م ودفن
بجوار الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي داخل القبة رحمة الله تعالى عليهما. ثم نقل
رفاته إلى بلده الجزائر عام 1386هـ الموافق 1966م].
ابن عطاء الله
السكندري:
يقول ابن عطاء الله السكندري رضي الله عنه: (وينبغي
لمن عزم على الاسترشاد، وسلوك طريق الرشاد، أن يبحث عن شيخ من أهل التحقيق، سالك
للطريق، تارك لهواه، راسخ القدم في خدمة مولاه فإذا وجده فليمتثل ما أمر، ولينْتهِ
عما نهى عنه وزجر) [مفتاح
الفلاح" ص30].
وقال أيضاً: (ليس شيخك مَنْ سمعت منه، وإنما
شيخك من أخذت عنه، وليس شيخك من واجهتك عبارته، وإنما شيخك الذي سَرَتْ فيك
إشارته، وليس شيخك من دعاك إلى الباب، وإنما شيخك الذي رَفَع بينك وبينه الحجاب،
وليس شيخك من واجهك مقاله، إنما شيخك الذي نهض بك حاله.
شيخك هو الذي أخرجك من سجن الهوى، ودخل بك على
المولى.
شيخك هو الذي ما زال يجلو مرآة قلبك، حتى
تَجَلَّتْ فيها أنوار ربك، أنهضك إلى الله فنهضت إليه، وسار بك حتى وصلت إليه، وما
زال محاذياً لك حتى ألقاك بين يديه، فزجَّ بك في نور الحضرة وقال: ها أنت وربك) ["لطائف
المنن" ص167"].
وقال أيضاً: (لا تصحب من لا يُنهِضُكَ حاله،
ولا يدلك على الله مقاله) ["إيقاظ
الهمم" في شرح حكم ابن عطاء الله السكندري المتوفى سنة 709هـ لأحمد بن عجيبة الحسني ج1/ص74].
الشيخ عبد القادر
الجيلاني:
ويقول صاحب العينية سيدي عبد القادر الجيلاني
قدس الله سره:
وإن ساعد المقدور أو ساقك القضا *** إلى شيخ حق، في الحقيقة بارعُ
فقم في رضاه، واتَّبع لمراده *** ودع كل ما من قبل كنت تسارع
ولا تعترض فيما جهلت من أمره *** عليه، فإن الاعتراض تنازع
ففي قصة الخضر الكريم كفاية *** بقتل غلام، والكليمُ يدافع
فلما أضاء الصبح عن ليل سره *** وسلَّ حساماً للغياهب قاطع
أقام له العذرَ الكليمُ وإنه *** كذلك علم القومِ فيه بدائع
["فتوح
الغيب" للجيلاني، من قصيدة تسمى "النوادر العينية في البوادر
الغيبية" في 534 بيتاً ص201، وتوفي رضي الله عنه سنة 561هـ
في بغداد].
الشيخ عبد الوهاب
الشعراني:
قال العالم الرباني الشيخ عبد الوهاب الشعراني
في كتابه "العهود المحمدية":
(أُخِذَ علينا العهد العام من رسول الله صلى
الله عليه وسلم أن نواظب على الركعتين بعد كل وضوء، بشرط ألاَّ نحدِّث فيهما
أنفسنا بشيء من أُمور الدنيا، أو بشيء لم يُشرع لنا في الصلاة. ويحتاج من يريد
العمل بهذا العهد إلى شيخ يسلك به، حتى يقطع عنه الخواطر المشغلة عن خطاب الله
تعالى. ثم قال:
فاسلك يا أخي على يد شيخ ناصح، يشغلك بالله
تعالى، حتى يقطع عنك حديث النفس في الصلاة كقولك: أروحُ لكذا، أفعلُ كذا، أقول
كذا، أو نحو ذلك، وإلا فمِنْ لازِمِكَ حديث النفس في الصلاة، ولا يكاد يَسْلَمُ لك
منه صلاة واحدة، لا فرض ولا نفل، فاعلم ذلك، وإياك أن تريد الوصول إلى ذلك بغير
شيخ، كما عليه طائفة المجادلين بغير علم، فإن ذلك لا يصح لك أبداً) ["لواقح
الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية" للعارف بالله عبد الوهاب الشعراني
ج1/ص51 توفي رضي
الله عنه سنة 973 هـ في مصر].
وقال الشيخ الشعراني أيضاً: (وكانت صور
مجاهداتي لنفسي من غير شيخ أنني كنت أطالع كتب القوم كـ "رسالة
القشيري"، و"عوارف المعارف" و"القوت" لأبي طالب المكي
و"الإحياء" للغزالي، ونحو ذلك، وأعمل بما ينقدح لي من طريق الفهم، ثم
بعد مدة يبدو لي خلاف ذلك فأترك الأمر الأول وأعمل بالثاني... وهكذا، فكنت كالذي
يدخل درباً لا يدري هل ينفذ أم لا؟ فإن رآه نافذاً خرج منه، وإلاَّ رجع، ولو أنه
اجتمع بمن يُعرِّفه أمر الدرب قبل دخوله لكان بيَّن له أمره وأراحه من التعب، فهذا
مثال من لا شيخ له. فإن فائدة الشيخ إنما هي اختصار الطريق للمريد، ومن سلك من غير
شيخ تاه، وقطع عمره ولم يصل إلى مقصوده، لأن مثال الشيخ مثال دليل الحجاج إلى مكة
في الليالي المظلمة). [
"لطائف المنن والأخلاق" للإمام الشعراني ج1/ص48 - 49].
وقال أيضاً: (ولو أن طريق القوم يوصَلُ إليها
بالفهم من غير شيخ يسير بالطالب فيها لما احتاج مثل حجة الإسلام الإمام الغزالي
والشيخ عز الدين بن عبد السلام أخْذَ أدبهما عن شيخ مع أنهما كانا يقولان قبل
دخولهما طريق القوم: كل من قال: إن ثَمَّ طريقاً للعلم غير ما بأيدينا فقد افترى
على الله عز وجل. فلما دخلا طريق القوم كانا يقولان: قد ضيعنا عمرنا في البطالة
والحجاب. وأثبتا طريق القوم ومدحاها) ["لطائف
المنن والأخلاق" للإمام الشعراني ج1/ص25].
ثم قال: (وكفى شرفاً لأهل الطريق قول السيد
موسى عليه السلام للخضر: {هل أَتَّبِعُكَ على أنْ تُعَلِّمَنِ مما عُلِّمتَ
رُشداً} [الكهف: 66].
واعتراف الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى
عنه وأرضاه لأبي حمزة البغدادي بالفضل عليه، واعتراف الإمام أحمد بن سريج رحمه
الله لأبي القاسم الجنيد، وطلب الإمام الغزالي له شيخاً يدله على الطريق مع كونه
كان حجة الإسلام، وكذلك طلب الشيخ عز الدين بن عبد السلام له شيخاً مع أنه لُقِّبَ
بسلطان العلماء... وكان رضي الله عنه يقول: ما عرفت الإسلام الكامل إلا بعد
اجتماعي على الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه وأرضاه. فإذا كان هذان الشيخان
قد احتاجا إلى الشيخ مع سعة علمهما بالشريعة فغيرهما من أمثالنا من باب أولى)[ "لطائف المنن والأخلاق" للإمام الشعراني
ج1/ص50].
أبو علي الثقفي:
قال أبو علي الثقفي: (لو أن رجلاً جمع العلوم
كلها وصحب طوائف الناس لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ مؤدب ناصح. ومن لم
يأخذ أدبه عن آمرٍ له وناهٍ، يريه عيوب أعماله، ورعونات نفسه، لا يجوز الاقتداء به
في تصحيح المعاملات) ["طبقات
الصوفية" للسلمي ص365].
أبو مدين:
وقال أبو مدين رضي الله عنه:
(من لم يأخذ الآداب من المتأدبين، أفسد من
يتبعه) ["النصرة النبوية" ص13].
الشيخ أحمد زروق:
قال الشيخ أحمد زروق رحمه الله في قواعده: (أخذ
العلم والعمل عن المشايخ أتم من أخذه دونهم {بل هو آياتٌ بيِّناتٌ في صُدور الذينَ
أوتوا العلمَ} [العنكبوت: 49]،
{واتَّبِعْ سبيلَ مَنْ أنابَ إليَّ} [لقمان: 15]، فلزمت
المشيخة، سيما والصحابة أخذوا عنه عليه الصلاة والسلام، وقد أخذ هو عن جبريل،
واتبع إشارته في أن يكون عبداً نبياً، وأخذ التابعون عن الصحابة.
فكان لكلٌّ أتباعٌ يختصون به كابن سيرين وابن
المسيّب والأعرج في أبي هريرة، وطاوس ووهب ومجاهد لابن عباس، إلى غير ذلك.
فأما العلم والعمل فأخْذُه جَلِيٍّ فيما ذكروا
كما ذكروا.
وأما الإفادة بالهمة والحال، فقد أشار إليها
أنس بقوله: (ما نفضْنَا الترابَ عن أيدينا من دفنه عليه الصلاة والسلام حتى أنكرنا
قلوبنا) [رواه الإمام أحمد وابن
ماجه والترمذي وقال: حديث حسن صحيح غريب]. ولفظه عن
أنس رضي الله عنه قال:
(لما كان اليوم الذي
دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، أضاء منها كل شيء فلما كان اليوم
الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن النبي صلى الله عليه وسلم الأيدي حتى
أنكرنا قلوبنا).
فأبان أن رؤية شخصه الكريم كانت نافعة لهم في
قلوبهم، إذ مَنْ تحقق بحالة لم يخلُ حاضروه منها، فلذلك أمر بصحبة الصالحين، ونهى
عن صحبة الفاسقين) ["قواعد
التصوف" لأحمد زروق القاعدة 65].
علي الخواص:
وقال سيدي علي الخواص
رضي الله عنه:
لا تَسْلكَنَّ طريقاً لَسْتَ تعْرفُها بلا دليلٍ فَتَهوي في مَهَاويها
["المنن"
للشعراني ج1/ص51].
لأن الدليل والمرشد
يوصل السالك إلى ساحل الأمان ويجنبه مزالق الأقدام ومخاطر الطريق، وذلك لأن هذا
الدليل المرشد قد سبق له سلوك الطريق على يد دليل عارف بخفايا السير، مطلع على
مجاهله ومآمنه، فلم يزل مرافقاً له، حتى أوصله إلى الغاية المنشودة، ثم أذن له
بإرشاد غيره، وإلى هذا أشار ابن البنّا في منظومته:
وإنما القومُ مُسافِرونا *** لحضرةِ الحقِّ وظاعنونا
فافتقرُوا فيه إلى دليلِ *** ذِي بصرٍ بالسَّيرِ والمقيلِ
قدْ سلكَ الطريق ثمَّ عادَ *** لِيُخْبِرَ القومَ بما استفادَ
[أحمد بن
محمد التجيبي المعروف بابن البنا - "الفتوحات الإلهية" شرح المباحث
الأصلية ج1/ص142].
الشيخ محمد الهاشمي:
قال شيخنا الكبير مربي العارفين والدال على
الله سيدي محمد الهاشمي رحمه الله تعالى:
(فاسلك يا أخي على يد شيخ حيٌّ عارفٍ بالله،
صادق ناصح، له علم صحيح، وذوق صريح، وهمة عالية، وحالة مَرْضيَّة، سلك الطريق على
يد المرشدين، وأخذ أدبه عن المتأدبين، عارف بالمسالك، ليقيك في طريقك المهالك
ويدلك على الجمع على الله، ويعلمك الفرار من سوى الله، ويسايرك في طريقك حتى تصل
إلى الله، يوقفك على إساءة نفسك، ويعرِّفك بإحسان الله إليك، فإذا عرفته أحببته،
وإذا أحببته جاهدت فيه، وإذا جاهدت فيه هداك لطريقه، واصطفاك لحضرته، قال تعالى:
{والذين جاهدوا فينا لَنَهدِيَنَّهم سُبلَنا} [العنكبوت: 69]. فصحبة
الشيخ والاقتداء به واجب، والأصل فيه قوله تعالى: {واتَّبِعْ سبيلَ مَنْ أنابَ
إليَّ} [لقمان: 15] وقوله تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا
اتَّقوا اللهَ وكونوا مع الصادقينَ} [التوبة: 119].
ومن شرطه أيضاً أن يكون له الإذن في تربية
الخلق من مرشد كامل ذي بصيرة نافذة، ولا يقال أين مَنْ هذا وصفه؟ لأنا نقول كما
قال ابن عطاء الله السكَنْدَري في "لطائف المنن": (لا يُعْوِزُكَ وجود
الدالين، وإنما يعوزك وجود الصدق في طلبهم). جِدَّ صدقاً تجدْ مرشداً.
لكِنَّ سرَّ الله في صِدْقِ الطَّلب *** كَمْ رِيءَ* في أصحابهِ مِنَ
العَجَبْ
*[على وزن [قيل] مبني للمجهول].
وقال في "لطائف
المنن" أيضاً: (إنما يكون الاقتداء بولي دلك الله عليه، وأطلعك على ما أودعه
من الخصوصية لديه، فطوى عنك شهود بشريته في وجود خصوصيته، فألقيتَ إليه القياد،
فسلك بك سبيل الرشاد... الخ).
وقال ابن عطاء الله في حِكَمِهِ: سبحان من لم
يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا مَنْ أراد أن
يوصله إليه)["شرح شطرنج
العارفين" للشيخ محمد الهاشمي التلمساني ص14.
وفي آخر كتابنا هذا سنذكر شيئاً من ترجمة شيخنا الهاشمي رحمة الله عليه].
البحث عن
الوارث المحمدي
مما سبق يتبين أهمية صحبة
الوارث المحمدي للترقي في مدارج الكمال، وتلقي دروس الآداب والفضائل، واكتشاف
العيوب الخفية والأمراض القلبية.
ولكن قد يسأل سائل: كيف الاهتداء إليه؟ والوصول
إلى معرفته؟ وما هي شروطه وأوصافه؟ فنقول:
1 - حين يشعر
الطالب بحاجته إليه كشعور المريض بحاجته إلى الطبيب، عليه أن يصدق العزم، ويصحح
النية، ويتجه إلى الله تعالى بقلب ضارع منكسر، يناديه في جوف الليل، ويدعوه في
سجوده وأعقاب صلاته: (اللهم دلَّني على من يدلني عليك، وأوصلني إلى من يوصلني
إليك).
2 - عليه أن
يبحث في بلده، ويفتش ويسأل عن المرشد بدقة وانتباه غير ملتفت لما يشيعه بعضهم من
فقد المرشد المربي في هذا الزمن. يقول ابن عجيبة: (والناس في إثبات الخصوصية
ونفيها على ثلاثة أقسام:
1 - قسم أثبتوها
للمتقدمين ونفوها عن المتأخرين ؛ وهم أقبح العوام.
2 - وقسم
أقروها قديماً وحديثاً، وقالوا: إنهم أخفياء في زمانهم، فحرمهم الله بركتهم.
3 - وقوم
أقروا الخصوصية في أهل زمانهم، مع إقرارهم بخصوصية السلف، وعرفوهم، وظفروا بهم،
وعظموهم ؛ وهم السعداء الذين أراد الله أن يرحلهم إليه ويقربهم إلى حضرته، وفي
الحكم: (سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ؛ ولم يوصل
إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه). وبهذا يُرَدُّ على من زعم أن شيخ التربية
انقطع، فإن قدرة الله تعالى عامة، وملك الله قائم ؛ والأرض لا تخلو ممن يقوم
بالحجة حتى يأتي أمر الله) "البحر المديد في تفسير القرآن
المجيد" لابن عجيبة ج1/ص77.
ويحضرني في هذا الموضوع أبيات لبعضهم يَردُّ
فيها على من يدَّعي أن المرشدين قد عدموا في هذا العصر أو قلُّوا، قال:
يقول قوم عن هداهم ضلوا قد
عُدموا في عصرنا أو قَلُّوا
فقلت: كلا إنما قد جَلُّوا
عن أن تراهم أعين الجهال
وقد أدركنا والحمد لله
في زمننا هذا رجالاً عارفين مرشدين قد توفرت فيهم شروط التربية على الكمال، ذوي
همة وحال ومقال، تخرَّج على أيديهم خلق كثير، وانتفع بهم جم غفير، ولكن الخفاش لا
يستطيع أن يبصر النور.
فإذا لم يجد أحداً في مدينته فليبحث عنه في مدن
أخرى، ألا ترى المريض يسافر إلى بلدة ثانية للتداوي إذا لم يجد الطبيب المختص، أو
حين يعجز أطباء مدينته عن تشخيص دائه، ومعرفة دوائه. ومداواة الأرواح تحتاج إلى
أطباء أمهر من أطباء الأجسام.
وللمرشد شروط لا بد منها حتى يتأهل لإرشاد
الناس وهي أربعة:
1 - أن يكون
عالماً بالفرائض العينية.
2 - أن يكون
عارفاً بالله تعالى.
3 - أن يكون
خبيراً بطرائق تزكية النفوس ووسائل تربيتها.
4 - أن يكون
مأذوناً بالإرشاد من شيخه.
1 - أما الشرط
الأول: فينبغي أن يكون المرشد عالماً بالفرائض العينية: كأحكام الصلاة والصوم
والزكاة إن كان مالكاً للنصاب، وأحكام المعاملات والبيوع إن كان ممن يتعاطى
التجارة... الخ. وأن يكون عالماً بعقيدة أهل السنة والجماعة في التوحيد، فيعرف ما
يجب لله تعالى، وما يجوز وما يستحيل إجمالاً وتفصيلاً، وكذلك في حق الرسل عليهم
الصلاة والسلام، وهكذا سائر أركان الإيمان.
2 - وأما
الشرط الثاني: فينبغي أن يتحقق المرشد بعقيدة أهل السنة عملاً وذوقاً بعد أن عرفها
علماً ودراية، فيشهد في قلبه وروحه صحتها، ويشهد أن الله تعالى واحد في ذاته، واحد
في صفاته، واحد في أفعاله، ويتعرف على حضرات أسماء الله تعالى ذوقاً وشهوداً،
ويرجعها إلى الحضرة الجامعة، ولا يشتبه عليه تعدد الحضرات، إذ تعدد الحضرات لا يدل
على تعدد الذات.
3 - وأما
الشرط الثالث: فلا بد أن يكون قد زَكَّى نفسه على يد مربٍ ومرشد، فخبَرَ مراتب
النفس وأمراضها ووساوسها، وعرف أساليب الشيطان ومداخله. وآفات كل مرحلة من مراحل
السير، وطرائق معالجة كل ذلك بما يلائم حالة كل شخص وأوضاعه.
4 - وأما
الشرط الرابع: فلا بد للمرشد من أن يكون قد أُجيز من شيخه بهذه التربية وهذا
السير، فمن لم يشهد له الاختصاصيون بعلم يَدَّعيه لا يحق له أن يتصدر فيه،
فالإجازة: هي شهادة أهلية الإرشاد وحيازة صفاته وعليها أُسِّسَتْ الآن فكرة
المدارس والجامعات، فكما لا يجوز لمن لا يحمل شهادة الطب أن يفتح عيادة لمداواة
المرضى، ولا يصح لغير المجاز في الهندسة أن يرسم مخططاً للبناء، وكما لا يجوز للذي
لا يحمل شهادة أهلية التعليم أن يُدَرِّس في المدارس والجامعات، فكذلك لا يجوز أن
يدَّعي الإرشاد غير مأذون له به من قِبَلِ مرشدين مأذونين مؤهَّلين، يتصل سندهم
بالتسلسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على غرار علماء الحديث الذين تناقلوا
أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسند رجلاً عن رجل إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم، واعتبروا السند أساساً لحفظ السنة النبوية من الضياع والتحريف ولهذا
قال ابن المبارك: (الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء).
وكما أنه لا يصح من العاقل أن يتداوى عند جاهل
بالطب، كذلك لا يجوز للمرء أن يركن إلى غير المرشد المأذون المختص بالتوجيه
والإرشاد، وكل من درس الوضع العلمي في الماضي يعرف قيمة الإجازة من الأشياخ وأهمية
التلقي عندهم، حتى إنهم أطلقوا على من لم يأخذ علمه من العلماء اسم (الصحفي)، لأنه
أخذ علمه من الصحف والمطالعة الخاصة، قال ابن سيرين رحمه الله:
(إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم) [رواه مسلم
في مقدمة صحيحه عن محمد بن سيرين].
وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمر
رضي الله عنهما بذلك فقال:
(يا ابن عمر دينَك دينَك إنما هو لحمك ودمك
فانظرْ عمن تأخذ، خذ الدين عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا) [أخرجه
الحافظ ابن عدي عن ابن عمر كذا في "كنز العمال" ج3/ص152].
وقال بعض العارفين:
(العلم روح تُنفخ لا مسائل تُنسخ، فلْيَنْتبه
المتعلمون عمن يأخذون، ولْيَنْتبه العالِمون لمن يُعطون).
ثم اعلم أن من علامات المرشد أموراً يمكن
ملاحظتها:
- منها: أنك إذا جالسته تشعر بنفحة إيمانية،
ونشوة روحية، لا يتكلم إلا لله، ولا ينطق إلا بخير، ولا يتحدث إلا بموعظة أو
نصيحة، تستفيد من صحبته كما تستفيد من كلامه، تنتفع من قربه كما تنتفع من بعده،
تستفيد من لحظه كما تستفيد من لفظه.
- ومنها: أن تلاحظ في إخوانه ومريديه صور
الإيمان والإخلاص والتقوى والتواضع، وتتذكر وأنت تخالطهم المُثُلَ العليا من الحب،
والصدق والإيثار والأخوة الخالصة، وهكذا يُعرف الطبيب الماهر بآثاره ونتائج جهوده،
حيث ترى المرضى الذي شُفوا على يديه، وتخرجوا من مصحه بأوفر قوة، وأتم عافية.
علماً أن كثرة المريدين والتلاميذ وقلتهم ليست
مقياساً وحيداً، وإنما العبرة بصلاح هؤلاء المريدين وتقواهم، وتخلصهم من العيوب
والأمراض واستقامتهم على شرع الله تعالى.
- ومنها: أنك ترى تلامذته يمثلون مختلف طبقات
الأمة، وهكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالظفر به يدفع الطالب للأخذ بيده، والتزام
مجالسه، والتأدب معه، والعمل بنصحه وإرشاده، في سبيل الفوز بسعادة الدارين.
أخذ العهد
مما سبق ثبت أنه ينبغي
لمريد الكمال أن يلتحق بمرشد يتعهده بالتوجيه ويرشده إلى الطريق الحق، ويضيء له ما
أظلم من جوانب نفسه، حتى يعبد الله تعالى على بصيرة وهدى ويقين.
يبايع المرشد، ويعاهده على السير معه في طريق
التخلي عن العيوب والتحلي بالصفات الحسنة، والتحقق بركن الإحسان، والترقي في
مقاماته.
وأخذُ العهد ثابت في القرآن، والسنة، وسيرة
الصحابة:
فمن القرآن:
قول الله تعالى: {إنَّ الذينَ يُبايعونَك
إنَّما يبايعونَ اللهَ يدُ اللهِ فوق أيديهم فمَنْ نكث فإنَّما ينكث على نفسه
ومَنْ أوفى بما عاهَدَ عليهُ اللهَ فسيؤتيهِ أجراً عظيماً} [الفتح: 10].
ولما كانت البيعة في الواقع لله تعالى، حذَّر
الله من نقضها تحذيراً، فقال تعالى: {وأوفوا بعهد ِ الله إذا عاهدْتُم ولا
تنْقُضوا الأَيمَانَ بعد توكيدها وقد جعلتم اللهَ عليكم كفيلاً} [النحل: 91].
وقوله أيضاً: {وأوفوا بالعهدِ إنَّ العهد كانَ
مسؤولاً} [الإسراء: 34].
ومن السنة:
فإن أخذ العهد والبيعة في السنة المطهرة ما كان
يتخذ صورة واحدة من التلقين أو يختص بجماعة من المسلمين، وإنما كان أخذ العهد في
السنة جامعاً بين بيعة الرجال، وتلقين الجماعات والأفراد، ومبايعة النساء، بل وحتى
من لم يحتلم.
فأما بيعة الرجال: فقد أخرج البخاري في صحيحه
عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "بايعوني على أن لا
تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان
تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفَّى منكم فأجره على الله،
ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم
ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه ؛ وإن شاء عاقبه. فبايعناه على ذلك" [أخرجه
البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان. وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي كما في
"الترغيب والترهيب" ج2/ص415].
وأما التلقين جماعة:
فعن يعلى بن شداد قال: حدثني أبي شداد بن أوس
رضي الله عنه ؛ وعبادة بن الصامت حاضر يصدقه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال: "هل فيكم غريب؟" - يعني من أهل الكتاب - فقلنا: لا يا رسول
الله، فأمر بغلق الباب فقال: "ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله"،
فرفعنا أيدينا وقلنا: لا إله إلا الله، ثم قال صلى الله عليه وسلم: "الحمد
لله ؛ اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني عليها الجنة، وإنك لا
تخلف الميعاد"، ثم قال صلى الله عليه وسلم: "ألا أبشروا فإنَّ الله قد
غفر لكم" [أخرجه
الإمام أحمد والطبراني والبزار. ورجاله موثوقون. كما في "مجمع الزوائد"
ج1/ص19].
وأما التلقين
الإفرادي:
فإن علياً كرَّم الله وجهه سأل النبي صلى الله
عليه وسلم بقوله: (يا رسول الله دلني على أقرب الطرق إلى الله، وأسهلها على عباده،
وأفضلها عنده تعالى)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عليك بمداومة ذكر الله
سراً وجهراً"، فقال علي: (كلُّ الناس ذاكرون فخصَّني بشيء) ؛ قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله،
ولو أن السموات والأرضين في كفة ولا إله إلا الله في كفة لرجحت بهم، ولا تقوم
القيامة وعلى وجه الأرض من يقول: لا إله إلا الله"، ثم قال علي: (فكيف أذكر؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "غَمِّضْ عينيكَ واسمع مني لا إله إلا الله
ثلاث مرات، ثم قلها ثلاثاً وأنا أسمع، ثم فعل ذلك برفع الصوت" [رواه
الطبراني والبزار بإسناد حسن].
ومن التلقين الإفرادي: ما أخرج الطبراني في
"الأوسط" وأبو نعيم والحاكم والبيهقي وابن عساكر عن بشير بن الخصاصية
رضي الله عنه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبايعه فقلت: علامَ
تُبايعني يا رسول الله؟ فمدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، فقال: "تشهد
أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وتصلي الصلوات الخمس
لوقتها، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، وتُجاهد في سبيل
الله". قلت: يا رسول الله! كُلاًّ نطيق إلا اثنتين فلا أطيقهما: الزكاة،
والله ما لي إلا عَشْر ذَوْد [الذود من الإبل:
ما بين الثنتين إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر]
هُنَّ رِسْلُ [بالكسر ثم السكون: اللبن] أهلي وحَمُولتهن [بالفتح:
ما يحتمل عليه الناس من الدواب سواء أكانت عليها الأحمال أم لم تكن، وبالضم:
الأحمال]، وأما الجهاد ؛ فإني رجل جبان،
ويزعمون أنَّ من وَلَّى فقد باءَ بغضبٍ من الله، وأخاف إن حضر القتال أن أخشع
بنفسي فأفرَّ فأبوء بغضب من الله، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يدهُ ثم
حرَّكها ثم قال:"يا بشير! لا صدقة ولا جهاد!! فبم إذاً تدخل الجنة؟!"
قلت: يا رسول الله! ابسط يديك أُبايعك فبسط يده ، فبايعته عليهن) [أخرجه
الإمام أحمد، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" رجاله موثوقون ج1/ص42].
وروي عن جَرير بن عبد
الله رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله اشترط عليَّ فأنت أعلم بالشرط. قال:
(أبايعك على أن تعبد الله وحده، ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة،
وتنصح المسلم، وتبرأ من الشرك)[ رواه
الإمام أحمد والنسائي في باب البيعة على النصح لكل مسلم].
وعن جرير أيضاً قال: (بايعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم) [أخرجه
البخاري في صحيحه في باب البيعة على إقام الصلاة].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنا
إذا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة يقول لنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم: "فيما استطعتم"[أخرجه
البخاري في صحيحه في كتاب الأحكام، ومسلم في كتاب الإمارة].
وأما بيعة النساء: فعن سلمى بنت قيس رضي الله
عنها - وكانت إحدى خالات رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صلت معه القبلتِين،
وكانت إحدى نساء بني عدي بن النجار - قالت: (جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم
فبايعته في نسوة من الأنصار ؛ فلما شرط علينا على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا
نسرق ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا
نعصيه في معروف، قال: "ولا تغششن أزواجكن" قالت: فبايعناه ثم انصرفنا،
فقلتُ لامرأة منهن ارجعي فسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حُرِّم علينا من
مال أزواجنا؟ قالت: فسألته فقال: "تأخذ ماله فتُحابي به غيرَهُ") [رواه أحمد
وأبو يعلى والطبراني. ورجاله ثقات كما في "مجمع الزوائد" ج6/ص38].
وعن أُميمة بنت رُقَيْقِة قالت: (أتيتُ رسول
الله صلى الله عليه وسلم في نسوة يبايعنه فقلن: نبايعك يا رسولَ الله على أن لا
نشركَ بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه
بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيك في معروف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"فيما استطعتن وأطقتن"، فقلن: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، هَلُمَّ
نبايعك يا رسول الله، فقال: "إني لا أُصافح النساء، إنما قولي لمئة امرأة
كقولي لامرأة واحدة"[أخرجه
الترمذي في كتاب السِّيَر باب بيعة النساء، ورواه النسائي في باب بيعة النساء.
وإسناده حسن].
وجاءت أميمة بنت رُقَيْقَة رضي الله عنها إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم تبايعه على الإسلام، فقال: (أُبايعكِ على أن لا
تشركي بالله شيئاً، ولا تسرقي ولا تزني، ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترينه
بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تبرَّجي تبرج الجاهلية الأولى) [أخرجه
النسائي وصححه الترمذي. كما في "حياة الصحابة" ج1/ص231].
وعن عزة بنت خايل رضي الله عنها أنها أتت النبي
صلى الله عليه وسلم فبايعها: "أن لا تزنين، ولا تسرقين، ولا تئدين فَتُبدين
أو تخفين". قلت: أما الوأد المبدي فقد عرفته، أما الوأد الخفي فلم أسأل رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ولم يخبرني، وقد وقع في نفسي أنه إفساد الولد، فو الله
لا أفسد لي ولداً أبداً [رواه
الطبراني في "الأوسط" و"الكبير" كما في "مجمع
الزوائد" ج6/ص39].
وأما بيعة من لم يحتلم: فقد أخرج الطبراني عن
محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم، أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع الحسن
والحسين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم وهم صغار ولم
يُبْقِلوا [يقال: أبقل وجهه، إذا نبتت لحيته] ولم يبلغوا، ولم يبايع صغيراً إلا منَّا [قال
الهيثمي في "مجمع الزوائد" ج6/ص140: هو مرسل، ورجاله ثقات].
وأخرج الطبراني أيضاً عن عبد الله بن الزبير
وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهما أنهما بايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما
ابنا سبع سنين، فلمَّا رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم تبسم وبسط يده،
فبايعهما ["مجمع
الزوائد" ج9/ص285].
والخلاصة: إن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم
كانوا يبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم على حالات مختلفة. منها بيعتهم على
الإسلام، وبيعتهم على أعمال الإسلام، وبيعتهم على الهجرة وعلى النصرة والجهاد،
وبيعتهم على الموت، وبيعتهم على السمع والطاعة...
وأما بيعة الصحابة رضي الله عنهم لخلفاء رسول
الله صلى الله عليه وسلم فقد أخرج ابن شاهين في الصحابة عن إبراهيم بن المنتشر عن
أبيه عن جده قال: (كانت بيعة النبي صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله عليه: {إنّ
الذين يبايعُونَك إنَّما يبايعون الله} [الفتح: 10] التي بايع
الناس عليها البيعة لله والطاعة للحق، وكانت بيعة أبي بكر رضي الله عنه :
(تبايعوني ما أطعت الله)، وكانت بيعة عمر رضي الله عنه ومن بعده كبيعة النبي صلى
الله عليه وسلم) ["الإصابة"
ج3/ص458].
وعن أنس رضي الله عنه قال: (قدمت المدينة وقد
مات أبو بكر رضي الله عنه واستُخلف عمر رضي الله عنه، فقلت لعمر: ارفع يدك أُبايعك
على ما بايعت عليه صاحبك قبلك، على السمع والطاعة فيما استطعت) ["حياة
الصحابة" ج1/ص237].
عن سليم أبي عامر رضي الله عنه: (أنَّ وفد
الحمراء أتوا عثمان رضي الله عنه فبايعوه على ألاَّ يشركوا بالله شيئاً، ويقيموا
الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويصوموا رمضان، ويَدَعُوا عيد المجوس، فلما قالوا: نعم،
بايعهم)[رواه الإمام أحمد كما في نفس المرجع].
ثم نهج الورَّاث من مرشدي الصوفية منهج الرسول
صلى الله عليه وسلم في أخذ البيعة في كل عصر، فقد ذكر الأستاذ الندوي في كتابه
"رجال الفكر والدعوة في الإسلام": (أن الشيخ عبد القادر الجيلاني فتح
باب البيعة والتوبة على مصراعيه، يدخل فيه المسلمون من كل ناحية من نواحي العالم
الإسلامي، يجددون العهد والميثاق مع الله، ويعاهدون على ألاَّ يشركوا ولا يكفروا،
ولا يفسقوا، ولا يبتدعوا، ولا يظلموا، ولا يستحلوا ما حرَّم الله، ولا يتركوا ما
فرض الله، ولا يتفانوا في الدنيا، ولا يتناسوا الآخرة. وقد دخل في هذا الباب - وقد
فتحه الله على يد الشيخ عبد القادر الجيلاني - خلق لا يحصيهم إلا الله، وصلحت
أحوالهم، وحسن إسلامهم، وظل الشيخ يربيهم ويحاسبهم، ويشرف عليهم، وعلى تقدمهم،
فأصبح هؤلاء التلاميذ الروحيون يشعرون بالمسؤولية بعد البيعة والتوبة وتجديد
الإيمان) ["رجال الفكر
والدعوة في الإسلام" ص248]. فكان لهذه المعاهدات والبيعات من الأثر
في التزكية والإصلاح الفردي والجماعي أقوى شأن وأوفر نصيب.
تناقل الإذن
منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يومنا
هذا تناقل هذا الإذنَ والتلقينَ والعهدَ رجالٌ عن رجال، فوصل إلينا محققاً مسلسلاً
مسجلاً، والصوفية يُسمُّون البيعة والإذن والتلقين باسم "القبضة"،
يتلقاها واحد عن واحد، يقبض كل منهما يد الآخر، فكأنما الْتقى السالب بالموجب
فارتبط التيار واتصل السند، ونفذ التأثير الروحي المحسوس المجرب.
وما هؤلاء المرشدون المجددون على توالي العصور
والأزمان الذين يربطون قلوب الناس بهم حتى يوصلوها بنور سيدنا محمد صلى الله عليه
وسلم إلا كالمراكز الكهربائية التي توضع في الأماكن البعيدة عن المولِّد الكهربائي
فتأخذ النور من مركز التوليد لتعطيه لمن حولها قوياً وهَّاجاً ؛ فهذه المراكز ليست
مصدر النور ولكنها موزعة له وناقلة، ولكن لبعد المسافة يضعف نور الشريط المتصل
بالمولِّد، فاحتاج الأمر إلى هذه المراكز التي تعيد لهذا النور قوته وحيويته.
وهكذا فإن المرشدين يجددون النشاط الإيماني في
عصرهم، ويعيدون النور المحمدي إلى ضيائه وبريقه بعد تطاول الزمن وتعاقب القرون،
وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: "العلماء ورثة الأنبياء" [فقرة من حديث رواه الترمذي في كتاب العلم عن أبي
الدرداء رضي الله عنه].
والتجربة العملية هي الدليل الأكبر على ما
يثمره أخذ العهد من نتائج طيبة وآثار حميدة، ولهذا اعتصم به السلف، وورثه صالحوا
الخلف، وسار عليه جمهور الأمة.
أدب المريد
مع شيخه وإخوانه
بعد أن عرفنا فائدة
الصحبة وأهميتها، وبصورة خاصة صحبة الوارث المحمدي ؛ وهو الشيخ المرشد المأذون
بالتربية الذي ترقَّى في مقامات الرجال الكمل على يد مرشد كامل مسلسلاً إلى النبي
صلى الله عليه وسلم، وجمع بين الشريعة والحقيقة، ثم تبيَّن معنا أهمية بيعته وأخذ
العهد عنه وملازمته، نذكر هنا بعضاً من الآداب التي تطلب من المريد الصادق كي
يتحقق له الوصول إلى مطلوبه، فقد اتفق أهل الله قاطبة على أن من لا أدبَ له لا
سيرَ له، ومن لا سيرَ له لا وصولَ له، وأن صاحب الأدب يَبلغ في قليل من الزمن
مبلغَ الرجال، وها نحن نورد بعض آداب المريد مع شيخه وإخوانه:
1 - آداب المريد مع شيخه:
وهي نوعان: آداب باطنة، وآداب ظاهرة.
فأما الآداب الباطنة فهي:
1 - الاستسلام
لشيخه وطاعته في جميع أوامره ونصائحه، وليس هذا من باب الانقياد الأعمى الذي يهمل
فيه المرء عقله ويتخلى عن شخصيته، ولكنه من باب التسليم لِذي الاختصاص والخبرة ؛
بعد الإيمان الجازم بمقدمات فكرية أساسية، منها التصديق الراسخ بإذنه وأهليته
واختصاصه وحكمته ورحمته، وأنه جمع بين الشريعة والحقيقة.. الخ. وهذا يشبه تماماً
استسلام المريض لطبيبه استسلاماً كلياً في جميع معالجاته وتوصياته، ولا يُعَدُّ
المريض في هذا الحال مهملاً لعقله متخلياً عن كيانه وشخصيته، بل يُعْتَبَرُ منصفاً
عاقلاً لأنه سلَّم لذي الاختصاص، وكان صادقاً في طلب الشفاء.
2 - عدم
الاعتراض على شيخه في طريقة تربية مريديه، لأنه مجتهد في هذا الباب عن علم واختصاص
وخبرة، كما لا ينبغي أن يفتح المريد على نفسه باب النقد لكل تصرف من تصرفات شيخه ؛
فهذا من شأنه أن يُضْعِفَ ثقته به ويَحجُبَ عنه خيراً كثيراً، ويَقطعَ الصلة
القلبية والمدد الروحي بينه وبين شيخه.
قال العلامة ابن حجر الهيثمي: (ومَنْ فتح باب
الاعتراض على المشايخ والنظر في أحوالهم وأفعالهم والبحث عنها فإن ذلك علامة
حرمانه وسوء عاقبته، وأنه لا يَنْتُج قط، ومن ثَمَّ قالوا: [ من قال لشيخه لِم؟ لَمْ يفلح أبداً ] [المقصود بهذا
الأدب هو مريد التربية والكمال والوصول إلى الله تعالى، أما التلميذ الذي يأخذ
علمه عن العلماء فينبغي له مناقشتهم وسؤالهم حتى تتحقق له الفائدة العلمية] أي لشيخه في السلوك والتربية)[الفتاوى
الحديثية" ص55. للمحدث ابن حجر الهيثمي المكي
المتوفى سنة 974هـ].
وإذا أورد الشيطان على قلب المريد إشكالاً
شرعياً حول تصرفٍ من تصرفات شيخه بغية قطع الصلة ونزع الثقة فما على المريد إلا أن
يُحسِنَ الظن بشيخه ويلتمسَ له تأويلاً شرعياً ومخرجاً فقهياً، فإن لم يستطع ذلك
فعليه أن يسأل شيخه مستفسراً بأدب واحترام، كما سيأتي في بحث مذاكرة المريد
لمرشده.
قال العلامة ابن حجر الهيثمي: (ومن فتح باب
التأويل للمشايخ، وغض عن أحوالهم، ووكل أمورهم إلى الله تعالى، واعتنى بحال نفسه
وجاهدها بحسَب طاقته، فإنه يُرجى له الوصول إلى مقاصده، والظفر بمراده في أسرع
زمن)
["الفتاوى الحديثية" ص55].
3 - أن لا
يعتقد في شيخه العصمة، فإن الشيخ وإن كان على أكمل الحالات فليس بمعصوم، إذ قد
تصدر منه الهفوات والزلات، ولكنه لا يصر عليها ولا تتعلق همته أبداً بغير الله
تعالى، لأنه إذا اعتقد المريد في شيخه العصمة، ثم رأى منه ما يخالف ذلك، وقع في
الاعتراض والاضطراب مما يسبب له القطيعة والحرمان.
ولكن لا ينبغي للمريد حين يعتقد في شيخه عدم
العصمة أن يضع بين عينيه دائماً احتمال خطأ شيخه في كل أمر من أوامره أو توجيه من
توجيهاته، لأنه بذلك يمنع عن نفسه الاستفادة، كمثل المريض الذي يدخل إلى طبيبه
وليس في قلبه إلا فكرة احتمال خطأ الطبيب في معالجته فهذا من شأنه أن يُضعف الثقة
ويُحدثَ الشكَّ والاضطراب في نفسه.
4 - أن يعتقد
كمال شيخه وتمام أهليته للتربية والإرشاد، وإنما كَوَّن هذا الاعتقاد بعد أن فتش
ودقَّقَ بادىء أمره ؛ فوجد شروط الوارث المحمدي التي سبق ذكرها قد تحققت في شيخه،
ووجد أن الذين يصحبونه يتقدمون في إيمانهم وعباداتهم وعلمهم وأخلاقهم ومعارفهم
الإلهية [لا ينبغي للمرء أن يكون عاطفياً تغره
المظاهر ؛ فيقع في صحبة أدعياء التصوف دون أن يكون له ميزان شرعي صحيح وتفكير عقلي
سليم، إذ ليس كل من ادعى التصوف صار صوفياً ومربياً ؛ ولو تزيا بزي المرشدين. كما
أنه ليس كل من لبس ثوب الأطباء في المستشفى صار طبيباً لأن هذه الثياب يلبسها
الممرضون والآذنون وغيرهم].
5 - اتصافه
بالصدق والإخلاص في صحبته لشيخه، فيكون جاداً في طلبه، منزهاً عن الأغراض
والمصالح.
6 - تعظيمه
وحفظ حرمته حاضراً وغائباً. قال إبراهيم بن شيبان القرميسيني: (من ترك حرمة
المشايخ ابتلي بالدعاوي الكاذبة وافتضح بها) ["طبقات
الصوفية" ص405].
وقال محمد بن حامد الترمذي رضي الله عنه: (إذا
أوصلك الله إلى مقام ومنعك حرمة أهله والالتذاذ بما أوصلك إليه، فاعلم أنك مغرور
مستدرَج).
وقال أيضاً:
(من لم تُرضِهِ أوامر المشايخ وتأديبُهم فإنه
لا يتأدب بكتاب ولا سنة) ["طبقات
الصوفية" ص283].
وقال أبو العباس المرسي:
(تَتَبَّعْنا أحوال القوم فما رأينا أحداً أنكر
عليهم ومات بخير)["مدارج
السلوك إلى ملك الملوك" ص12. للشيخ أبو بكر
بن محمد بناني الشاذلي المتوفى سنة 1284هـ].
وقال الشيخ عبد القادر الجيلاني:
(من وقع في عِرض وليٌّ ابتلاه الله بموت القلب)
["مدارج السلوك إلى ملك الملوك" ص12. للشيخ أبو بكر بن محمد بناني الشاذلي المتوفى سنة 1284هـ].
7 - أن يحب
شيخه محبة فائقة شريطة أن لا ينقص من قدر بقية الشيوخ، وأن لا يصل غلوه في المحبة
إلى حدٌّ فاسد ؛ بأن يُخرج شيخه عن طور البشرية، وإنما تقوى محبة المريد لشيخه
بموافقته له أمراً ونهياً، ومعرفتِهِ لله تعالى في سيره وسلوكه، فالمريد كلما كبرت
شخصيته بالموافقة ازدادت معرفته، وكلما ازدادت معرفته ازدادت محبته.
8 - عدم تطلعه
إلى غير شيخه لئلا يتشتت قلبه بين شيخين، ومثال المريد في ذلك كمثل المريض الذي
يطبب جسمه عند طبيبين في وقت واحد فيقع في الحيرة والتردد [ينبغي الملاحظة أن المقصود بالشيخ هنا هو شيخ التربية لا شيخ
التعليم ؛ إذ يمكن لطالب العلم أن يكون له عدة أساتذة، ويمكن للمريد أن يكون له
أساتذة في العلم لأن ارتباطه بهم ارتباط علمي، بينما صلة المريد بشيخ التربية صلة
قلبية وتربوية].
وأما الآداب الظاهرة فهي:
1 - أن يوافق
شيخه أمراً ونهياً، كموافقة المريض لطبيبه.
2 - أن يلتزم
السكينة والوقار في مجلسه، فلا يتكىء على شيء يعتمده، ولا يتثاءب ولا ينام، ولا
يضحك بلا سبب، ولا يرفع صوته عليه، ولا يتكلم حتى يستأذنه لأن ذلك من عدم المبالاة
بالشيخ وعدم الاحترام له. ومن صحب المشايخ بغير أدب واحترام حرم مددهم وثمرات
ألحاظهم وبركاتهم.
3 - المبادرة
إلى خدمته بقدر الإمكان، فمن خَدَم خُدِم.
4 - دوام حضور
مجالسه، فإن كان في بلد بعيد فعليه أن يكرر زيارته بقدر المستطاع، ولذلك قيل:
(زيارة المربي ترقي وتربي).
وإن السادة الصوفية بنوا سيرهم على ثلاثة أصول
"الاجتماع والاستماع والاتباع" وبذلك يحصل الانتفاع.
5 - الصبر على
مواقفه التربوية كجفوته وإعراضه... الخ، التي يقصد بها تخليص المريد من رعوناته
النفسية وأمراضه القلبية.
قال ابن حجر الهيثمي: (كثير من النفوس التي
يراد لها عدم التوفيق إذا رأت من أستاذ شدة في التربية تنفر عنه، وترميه بالقبائح
والنقائص مما هو عنه بريء. فليحذر الموفق من ذلك، لأن النفس لا تريد إلا هلاك
صاحبها، فلا يطعها في الإعراض عن شيخه) ["الفتاوى
الحديثية" ص55].
6 - أن لا ينقل
من كلام الشيخ إلى الناس إلا بقدر أفهامهم وعقولهم لئلا يسيء إلى نفسه وشيخه، وقد
قال سيدنا علي رضي الله عنه: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّبَ الله
ورسولُهُ؟) [أخرجه البخاري في
صحيحه في كتاب العلم].
وهذه الآداب كلها إنما تُطلب من المريد الحقيقي
الذي يريد الوصول للحضرة الإلهية، وأما المريد المجازي فهو الذي ليس قصده من
الدخول مع الصوفية إلا التزيي بزيهم، والانتظام في سلك عقدهم، وهذا لا يُلزَم
بشروط الصحبة ولا بآدابها. ومثل هذا له أن ينتقل إلى طريق أخرى ولا حرج عليه، كما
أن طريق التبرك لا حرج في الانتقال منها إلى غيرها كما هو معروف عند المربين
المرشدين.
2 - آداب
المريد مع إخوانه:
1 - حفظ
حرمتهم غائبين أو حاضرين، فلا يغتاب أحداً منهم، ولا ينقص أحداً، لأن لحومهم
مسمومة كلحوم العلماء والصالحين.
2 - نصيحتهم
بتعليم جاهلهم وإرشاد ضالهم، وتقوية ضعيفهم.
وللنصيحة شروط ينبغي التزامها، وهي ثلاثة
للناصح، وثلاثة للمنصوح.
فشروط الناصح:
1 - أن تكون
النصيحة سراً.
2 - أن تكون
بلطف.
3 - أن تكون
بلا استعلاء.
وشروط المنصوح:
1 - أن يقبل
النصيحة.
2 - أن يشكر
الناصح.
3 - أن يطبق
النصيحة.
3 - التواضع
لهم والإنصاف معهم وخدمتهم بقدر الإمكان إذ "سيد القوم خادمهم" [أخرجه ابن ماجه والترمذي عن أبي قتادة رضي الله
عنه، كما في "فيض القدير" "شرح الجامع الصغير" للمناوي ج4/ص122].
4 - حسن الظن
بهم وعدم الانشغال بعيوبهم ووَكْلُ أمورهم إلى الله تعالى:
ولا تر العيب إلا فيك معتقداً
عيباً بدا بيِّناً لكنه استترا
5 - قبول
عذرهم إذا اعتذروا.
6 - إصلاح ذات
بينهم إذا اختلفوا واختصموا.
7 - الدفاع
عنهم إذا أُوذوا أو انتُهكِتْ حرماتهم.
8 - أن لا
يطلب الرئاسة والتقدم عليهم لأن طالب الولاية لا يُوَلَّى.
فهذه
جملة من الآداب التي يجب على السالك مراعاتها والمحافظة عليها فإن الطريق كلها
آداب، حتى قال بعضهم: (اجعل عملك ملحاً وأدبك دقيقاً).
وقال أبو حفص النيسابوري رضي الله عنه: (التصوف
كله آداب، لكل وقت آداب، ولكل حال آداب، ولكل مقام آداب، فمن لزم الأدب بلغ مبلغ
الرجال، ومن حُرم الأدب فهو بعيد من حيث يظن القرب، مردود من حيث يظن القبول) ["طبقات
الصوفية" للسلمي ص119].
وبالجملة فأدب المريد لا نهاية له مع شيخه ولا
مع إخوانه ولا مع عامة الوجود، وقد أفرده المربون بالتآليف، وألف فيه ابن عربي
الحاتمي، والشعراني، وأحمد زروق، وابن عجيبة، والسهروردي، وغيرهم.
لم نتطرق لبحث العلم في
الطبعة الأولى لأن كتابنا يعالج بشكل خاص توضيح معالم التصوف وبيانَ حقائقه ورد
الشبهات عنه، ولذلك لم نبحث في موضوعات العقائد والعبادات والمعاملات.. ومن ناحية
أخرى فإن المسلم حين يعمل على تزكية نفسه وتطهير قلبه وتصحيح ظاهره وباطنه لا بد
قبل ذلك أن يكون قد صحح إيمانه، وقام بجميع عباداته المفروضة واستقام في معاملاته،
ولا يتحقق ذلك إلا بالعلم الصحيح. وهذا أمر بدهي واضح لأن فضل العلم أمر ظاهر،
واشتراطه في تصحيح الأعمال أمر متفق عليه. وإننا نثبت بحث العلم في هذه الطبعة
تأكيداً لبيان منزلته وشرفه ورداً على كثير من المتسرعين الذين يتوهمون أن رجال
التصوف يقللون من شأن العلم ولا يعطونه ما يستحق من الاهتمام والعناية أساس الأعمال وإمامها ومصححها، فكما أنه لا فائدة
للعلم بلا عمل، كذلك لا ينفع عمل بلا علم...
وعالمٍ بعلمه لم يعملنْ *** معذب من قبل عُبَّاد الوثن
إذ كل من بغير علم يعمل *** أعماله مردودة لا تُقبل
فالعلم والعمل توأمان
لا ينفكان عن بعضهما، والسالك في طريق الإيمان والتعرف على الله تعالى والوصول إلى
رضاه لا يستغني عن العلم في أية مرحلة من مراحل سلوكه.
ففي ابتداء سيره لا بد له من علم العقائد
وتصحيح العبادات واستقامة المعاملات، وفي أثناء سلوكه لا يستغني عن علم أحوال
القلب وحسن الأخلاق وتزكية النفس...
ولهذا اعتُبِرَ اكتساب العلم الضروري من أهم
النقاط الأساسية في المنهج العملي للتصوف، إذ ليس التصوف إلا التطبيق العملي
للإسلام كاملاً غير منقوص في جميع جوانبه الظاهرة والباطنة.
ولأهمية العلم وفضله نذكر نبذة من الآيات
القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة التي تشير إلى علو منزلته وعظم شأنه.
فضل العلم في القرآن
الكريم:
قال الله تعالى: {إنَّما
يخشى اللـهَ مِنْ عِبادِهِ العلماءُ} [فاطر: 28].
و قال أيضاً: {هل يستوي
الذين يعلمونَ والذين لا يعلمونَ} [الزمر: 9].
وقال تعالى: {يَرفعِ
اللهُ الذين آمنوا مِنكم والذينَ أوتوا العلمَ درجاتٍ} [المجادلة: 11].
فضل العلم في السنة
الشريفة:
عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل
الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لَتَضَعُ أجنحتها لطالب العلم رضاً بما
يصنع، وإن العالم ليستغفر لَهُ مَنْ في السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في
الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماءَ ورثةُ
الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُوَرِّثُوا ديناراً ولا درهماً، وإنما وَرَّثُوا العلم
فمن أخذه أخذ بحظ وافر" [رواه
الترمذي وأبو داود وابن ماجه في كتاب العلم].
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: "يا أبا ذر لأَنْ تغدو فتَعَلَّمَ آية من كتاب الله خير
لك من أن تصلي مائة ركعة، ولأن تغدو فتَعَلَّمَ بابا من العلم عُمِلَ به أو لم
يُعْمَلْ به خير لك من أن تصلي ألف ركعة" [رواه ابن ماجه بإسناد حسن في أبواب السنة وله
شاهدان أخرجهما الترمذي].
وعن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: "يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء" [رواه ابن
ماجه في كتاب الزهد].
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: "إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين وألهمه
رشده" [رواه البزار والطبراني
في "الكبير" ورجاله موثوقون].
وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى
الله عليه وسلم يقول: "أُغْدُ عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً ولا تكن
الخامسة فتهلك"، قال عطاء: قال لي ابن مسعود: زدتنا خامسة لم تكن عندنا،
والخامسة: أن تبغض العلم وأهله [رواه
الطبراني في الثلاثة والبزار ورجاله موثوقون، كذا في "مجمع الزوائد" ج1/ص122].
حكم تعلم العلم:
ينقسم العلم من حيث حكمه
الشرعي إلى ثلاثة أقسام:
1 - مأمور به.
2 - منهي عنه. 3 - مندوب
إليه.
أ - العلوم المأمور بها، وهي صنفان:
الصنف
الأول:
فرض عين، وهو ما لا
يسقط عن المكلف إلا بقيامه به بنفسه.
لا بد قبل تعداد
العلوم المفروضة على المكلف فرض عين من أن نثبت بعض القواعد الأساسية في هذا
الموضوع منها قاعدة: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)
ومنها قاعدة: (العلم
تابع للمعلوم). فالعلم الذي يُتوصل به إلى إقامة الفرض يكون فرضاً والعلم الذي
يتوصل به إلى إقامة الواجب يكون واجباً، والعلم الذي يُتوصل به إلى إقامة السنة
يكون سنة.
وبناء على هذه القواعد
نعدد بعض العلوم المفروضة فرض عين على كل مكلف:
1 - تعلم عقيدة أهل السنة والجماعة مع الاستدلال الإجمالي على
كل مسألة من مسائل الإيمانيات، للخروج من ربقة التقليد، وللحفاظ على إيمانه أمام
تشكيك الملحدين ومغالطات الضالين.
2 - تعلم ما
يستطيع به المكلف أداء المفروض عليه من العبادات كالصلاة والزكاة والحج والصوم...
3 - مَنْ
تعاطى شيئاً من المعاملات كالبيوع والإجارة والنكاح والطلاق... يفترض عليه تعلم ما
يتمكن معه من تجنب الحرام والتزام حدود الشرع.
4 - تعلم
أحوال القلب من التوكل والخشية والرضا لأن المسلم واقع طيلة عمره في جميع الأحوال
القلبية.
5 - تعلم جميع
الأخلاق الحسنة والسيئة كي يطبق الحسنة كالتوكل على الله والرضا عنه والتسليم له
والتواضع والحلم... إلخ، ويجتنب السيئة كالكبر والغرور والبخل والحسد والحقد
والرياء... إلخ [انظر بحث
أهمية التصوف ص28]
ومن
ثَمَّ يجاهد نفسه على تركها، إذ إن المجاهدة فرض على كل مكلف ولا يمكن حصولها إلا
بمعرفة الأخلاق المذمومة والممدوحة، ومعرفة طرق المجاهدات التي اشتغل بها السادة
الصوفية، ولهذا قال أبو الحسن الشاذلي: (من مات ولم يتغلغل في علمنا هذا مات مصراً
على الكبائر وهو لا يشعر) مع العلم أن الكبائر والفواحش منها ظاهرة كالزنا وشرب
الخمر، ومنها باطنة قلبية كالكبر والنفاق... ولهذا نهانا الله عنهما جميعاً بقوله:
{ولا تقربوا الفواحِشَ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ} [الأنعام: 151] ويتوب
مرتكب الفواحش الظاهرة لاطلاعه على ضررها، وأما الفواحش الباطنة فقد يعيش دهراً
طويلاً ولا يفكر بالتوبة منها لجهله بحكمها أو لعدم شعوره بها.
الصنف
الثاني:
فرض كفاية، وهو ما إذا
قام به البعض سقط التكليف عن الباقين، وإذا لم يقم به أحد فالكل آثمون.
والعلوم المفروضة
كفائياً هي ما يتوقف عليها صلاح الأمة، كالتعمق في علم الفقه زيادة على مقدار
الحاجة [ولذلك لا بد في كل بلد من مُفْتٍ يكون
مرجعاً للناس في أمور دينهم يقوم بهذا الفرض الكفائي ويسقط الإثم عن الناس]، وكذلك علم التفسير والحديث، وأصول الفقه، وأصول
الاعتقاد. وكذلك علم الحساب والطب والصناعة وعلم السلاح لإعداد العدة.. إلخ.
ب - العلوم المنهي عنها:
1 - فمنها
الخوض في دراسة المذاهب الضالة والأفكار المشككة والعقائد الزائغة لا بنية الرد
عليها ودفع خطرها. أما تعلمها لبيان زيغها ورد شبهاتها تصحيحاً للعقائد وذوداً عن
الدين فهو فرض كفاية.
2 - علم
التنجيم لمعرفة مكان المسروق ومواضع الكنوز ومكان الضالة ونحو ذلك مما يزعمونه، وهو
من الكهانة، وقد كذبهم الشرع وحرم تصديقهم. أما تعلم علم النجوم للدراسات العلمية
ولمعرفة مواقيت الصلاة والقِبلة فلا بأس به.
3 - علم
السحر، إذا تعلمه للاحتراز عنه فيجوز ذلك كما قيل:
عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه *** ومن لم يعرف الشر فإنه يقع فيه
جـ - العلوم
المندوب إليها:
ومنها معرفة فضائل
الأعمال البدنية والقلبية، ومعرفة النوافل والسنن والمكروهات، ومعرفة فروض
الكفاية، والتعمق في علوم الفقه وفروعها والعقائد وأدلتها التفصيلية... إلخ [انظر تفصيل
هذا الموضوع في كتاب "الطريقة المحمدية" للإمام البركوي، وكتاب
"إحياء علوم الدين" لحجة الإسلام الإمام الغزالي وغيرهما].
خاتمة:
تبين مما سبق حكم العلم وأهميته في دين الله تعالى، وأن موقف السادة الصوفية من العلم أمر واضح لا يحتاج إلى تدليل، فهم أهل العلوم والمعارف وأرباب القلوب المشرقة والأرواح المنطلقة، وأهل التحقق بالإيمان والإسلام والإحسان. فبعد أن حصلوا العلوم العينية عمدوا إلى تطبيق العلم على العمل، وقاموا بإصلاح القلب وتزكية النفس وصدق التوجه إلى الله تعالى، ولهذا أكرمهم الله تعالى بالرضا والرضوان والمعرفة والغفران.
مجاهدة
النفس وتزكيتها
تمهيد:
سبق أن بينا في بحث أهمية
التصوف أن للنفس صفات خبيثة وأخلاقاً مذمومة، وأن إزالتها فرض عين - كما نص على
ذلك عامة الفقهاء - ولكن صفات النفس الناقصة لا تزول بالأماني ولا بمجرد الإطلاع
على حكم تزكيتها أو قراءة كتب الأخلاق والتصوف، بل لا بد لها بالإضافة إلى ذلك من
مجاهدة وتزكية عملية، وفطم لنزواتها الجامحة وشهواتها العارمة.
والنفس كالطفل إن تهمله شب على *** حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
تعريف المجاهدة:
قال الراغب الأصفهاني في "مفردات غريب
القرآن":
(الجهاد والمجاهدة:
استفراغ الوسع في مدافعة العدو، والجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة
الشيطان، ومجاهدة النفس، وتدخل ثلاثتها في قوله تعالى: {وجاهدوا في الله حقَّ
جِهادِهِ} [الحج: 78] وقوله:
{وجاهدوا بأموالِكُم وأنفُسِكم في سبيل الله} [التوبة: 41] وقال صلى
الله عليه وسلم: "جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم") ["المفردات
في غريب القرآن" مادة جهد ص101]. فمجاهدة النفس فطمها وحملها على خلاف
هواها المذموم، وإلزامها تطبيق شرع الله تعالى أمراً ونهياً.
دليلها من الكتاب والسنة:
قال الله تعالى: {والذينَ جاهَدوا فينا
لنَهديَنَّهم سُبُلَنا} [العنكبوت: 69] [وهي آية مكية، ومن المعلوم أن جهاد الكافرين قد شرع
في المدينة المنورة، وهذا يدل على أن المراد من الجهاد هنا جهاد النفس. وقال
العلامة المفسر ابن جزي في تفسير هذه الآية: (يعني جهاد النفس). وقال العلامة
المفسر القرطبي في تفسيره لهذه الآية: (قال السدي وغيره: إن هذه الآية نزلت قبل
فرض القتال)].
وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: "المجاهدُ مَنْ جاهد نفسَهُ في الله" [أخرجه
الترمذي في كتاب فضائل الجهاد وقال: حديث حسن صحيح، وزاد البيهقي في "شعب
الإيمان" برواية فضالة: "والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله،
والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب". "مشكاة المصابيح
للتبريزي" كتاب الإيمان رقم 34]. وفي رواية: لله.
حكمها:
تزكية النفس فرض عين كما
سبق أن بينا ذلك [انظر بحث
أهمية التصوف ص28]
ولا
تتم إلا بالمجاهدة ومن هنا كانت المجاهدة فرض عين من باب: (ما لا يتم الواجب إلا
به فهو واجب).
قال الشيخ عبد الغني
النابلسي رحمه الله: (المجاهدة في النفس عبادة ولا تحصل لأحد إلا بالعلم، وهي فرض
عين على كل مكلف) ["شرح
الطريقة المحمدية" للنابلسي ج1/ص323].
قابلية صفات النفس للتغيير:
لا شك أن النفس الإنسانية قابلة لتغيير صفاتها
الناقصة وتبديل عاداتها المذمومة، وإلا لم يكن هناك فائدة من بعثة الرسول الكريم
عليه الصلاة والسلام ؛ ولا ضرورة لمن بعده من ورثته العلماء العاملين والمرشدين
المصلحين.
وإذا كان كثير من سباع الطيور والبهائم قد أمكن
ترويضها وتبديل كثير من صفاتها، فالإنسان الذي كرمه الله تعالى وخلقه في أحسن
تقويم، من باب أولى.
وليس المراد من مجاهدة النفس استئصال صفاتها ؛
بل المراد تصعيدها من سيء إلى حسن، وتسييرها على مراد الله تعالى وابتغاء مرضاته.
فصفة الغضب مذمومة حين يغضب المرء لنفسه، أما
إذا غضب لله تعالى فعندها يصبح الغضب ممدوحاً كما كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يغضب إذا انتُهكت حرمات الله أو عُطِّل حد من حدوده، ولكنه حين أُوذي في الله
وضُرب وأُدمي عقبه يوم الطائف لم يغضب لنفسه ؛ بل دعا لمن آذَوْه بالهداية والتمس
لهم العذر فقال: "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" [رواه
البخاري في صحيحه في كتاب أحاديث الأنبياء].
وكذلك صفة الكبر فهي مذمومة حين يتكبر المسلم
على إخوته المسلمين، أما حين يتكبر على المتكبرين الكافرين فتصبح هذه الصفة محمودة
لأنها في سبيل الله وضمن حدود شرعه.
وهكذا معظم الصفات المذمومة تحوَّل بالمجاهدة
وتُصَعَّد إلى صفات ممدوحة.
طريقة المجاهدة:
وأول مرحلة في المجاهدة عدم رضى المرء عن نفسه،
وإيمانُه بوصفها الذي أخبر عنه خالقها ومبدعها: {إنَّ النفس لأمَّارةٌ بالسوء}
[يوسف: 53].
وعلمه أن النفس أكبر قاطع عن الله تعالى [والقواطع عن الله تعالى أربعة: النفس، والدنيا،
والشيطان، والخلق. أما عداوة النفس والشيطان فظاهرة، وأما الخلق فملاحظة مدحهم
وذمهم تعرقل سير السالك إلى ربه، وأما الدنيا فالاهتمام بها وانشغال القلب
بتقلباتها قاطع كبير عن الله تعالى، ففي حالة الفقر تكثر هموم المرء فتشغله عن
الله، وفي حال الغنى ينشغل بزينتها وزخرفها عن الله تعالى: {إنَّ الإنسانَ ليطغَى
. أنْ رآهُ استغنَى} [العلق: 6 -7]. أما إذا أخرج حبها من
قلبه فإنها لا تضره، كما قال شيخ الصوفية سيدي عبد القادر الجيلاني رحمه الله:
(أخرج الدنيا من قلبك، وضعها في جيبك أو في يدك فإنها لا تضرك) وراجع بحث الزهد في
هذا الكتاب]. كما أنها أعظم موصل إليه وذلك أن
النفس حينما تكون أمَّارة بالسوء لا تتلذذ إلا بالمعاصي والمخالفات، ولكنها بعد
مجاهدتها وتزكيتها تصبح راضية مرضية لا تُسَرُّ إلا بالطاعات والموافقات
والاستئناس بالله تعالى.
وإذا اكتشف المسلم عيوب نفسه وصدق في طلب
تهذيبها لم يعد عنده متسع من الوقت للانشغال بعيوب الناس وإضاعة العمر في تعداد
أخطائهم، وإذا رأيت أحداً من الناس قد صرف وقته في إحصاء أخطاء الآخرين غافلاً عن
عيوب نفسه فاعلم أنه أحمق جاهل. قال أبو مدين:
ولا تر العيب إلا فيك معتقداً
عيباً بدا بَيِّناً لكنه استترا
وقال بعضهم:
لا تلم المرء على فعله وأنت
منسوب إلى مثله
من ذم شيئاً أتى مثلَه فإنما
دل على جهله
ولذا قالوا: (لا ترَ
عَيْبَ غيرك ما دام فيك عيب، والعبد لا يخلو من عيب أبداً).
فإذا عرف المسلم ذلك أقبل على نفسه يفطمها عن
شهواتها المنحرفة وعاداتها الناقصة، ويلزمها بتطبيق الطاعات والقربات.
ويتدرج في المجاهدة على حسب سيره، فهو في بادىء
الأمر يتخلى عن المعاصي التي تتعلق بجوارحه السبعة، وهي:
اللسان والأذنان والعينان واليدان والرجلان
والبطن والفرج. لكل جارحة من الجوارح السبعة معاصٍ تتعلق بها، فمن معاصي اللسان:
الغيبةُ والنميمة والكذب والفحش. ومن معاصي الأذنين: سماعُ الغيبة والنميمة
والأغاني الفاحشة وآلات اللهو. ومن معاصي العينين: النظرُ للنساء الأجنبيات وعورات
الرجال. ومن معاصي اليدين: إيذاءُ المسلمين وقتلهم، وأخذ أموالهم بالباطل، ومصافحة
النساء الأجنبيات. ومن معاصي الرجلين: المشيُ إلى محلات المنكرات والفجور. ومن
معاصي البطن: أكل المال الحرام، وأكل لحم الخنزير، وشرب الخمور. ومن معاصي الفرج:
الزنا واللواطة...، ثم يحلي هذه الجوارح السبعة بالطاعات المناسبة لكل منها. فمن
طاعات اللسان: قراءة القرآن الكريم، وذكر الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر. ومن طاعات الأذنين: سماع القرآن الكريم والأحاديث نبوية والنصائح
والمواعظ. ومن طاعات العينين: النظر إلى وجوه العلماء والصالحين، والنظر إلى
الكعبة المشرفة، والنظر التأملي لآيات الله في الكون. ومن طاعات اليدين: مصافحة
المؤمنين، وإعطاء الصدقات. ومن طاعات الرجلين: المشي إلى المساجد وإلى مجالس
العلم، وعيادة المريض، والإصلاح بين الناس. ومن طاعات البطن: تناول الطعام الحلال
بنية التقوِّي على طاعة الله تعالى. ومن طاعات الفرج: النكاح المشروع بغية الإحصان
وتكثير النسل.. فهذه الجوارح السبعة منافذ على القلب إما أن تصب عليه ظلمات
المعاصي فتكدره وتمرضه، وإما أن تُدخل عليه أنوار الطاعات فتشفيه وتنوره.
ثم ينتقل في المجاهدة إلى الصفات الباطنة فيبدل
صفاته الناقصة كالكبر والرياء والغضب... بصفات كاملة كالتواضع والإخلاص والحِلم.
وبما أن طريق المجاهدة وعر المسالك متشعب
الجوانب، يصعب على السالك أن يَلِجَهُ منفرداً كان من المفيد عملياً صحبة مرشد
خبير بعيوبها، عالم بطرق معالجتها ومجاهدتها، يستمد المريد من صحبته خبرة عملية
بأساليب تزكية نفسه، كما يكتسب من روحانيته نفحات قدسية تدفع المريد إلى تكميل
نفسه وشخصيته، وترفعه فوق مستوى النقائص والمنكرات. فقد كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم المرشد الأول والمزكي الأعظم الذي ربَّى أصحابه الكرام وزكَّى نفوسهم
بقاله وحاله، كما وصفه الله تعالى بقوله: {هو الذي بعث في الأميين رسولاً مِنْهُم
يتلو عليهم آياتِه ويُزكِّيهم ويُعلِّمُهم الكِتاب والحِكمَةَ وإن كانوا من قَبْلُ
لَفي ضلالٍ مُبينٍ} [الجمعة: 2]. من هنا
نجد أن التزكية شيء وتعليم الكتاب والحكمة شيء آخر، لذا قال الله تعالى:
{ويزكيِّهمْ ويعلِّمهمُ الكتابَ والحكمةَ} ففرقٌ كبير بين علم التزكية وحالة
التزكية، كما يلاحظ الفرق الواضح بين علم الصحة وحالة الصحة، إذ قد يكون الطبيب
الماهر الذي عنده علم الصحة فاقداً حالة الصحة ومصاباً بالأمراض والعلل الكثيرة.
وكذلك الفرق ظاهر بين علم الزهد وحالة الزهد، كالمسلم الذي عنده علم واسع بالآيات
والأحاديث والشواهد المتعلقة بالزهد ولكنه يفقد حالة الزهد ويتصف بالطمع والشره
والتكالب على الدنيا الفانية.
والذي يحقق النفع للمريد هو استقامته على صحبة
مرشده واستسلامه له كاستسلام المريض للطبيب، فإذا ما أدخل الشيطان على قلب المريد
داء الغرور والاكتفاء الذاتي فأُعجب بنفسه واستغنى عن ملازمة شيخه باء بالفشل ووقف
وهو يظن أنه سائر، وقُطِعَ وهو يظن أنه موصول.
قال الشيخ إسماعيل حقي رحمه الله في تفسيره:
(فإن كثيراً من متوسطي هذه الطائفة "الصوفية" تعتريهم الآفات في أثناء
السلوك عند سآمة النفس من المجاهدات وملالتها من كثرة الرياضات، فيوسوس لهم
الشيطان، وتسول لهم أنفسهم أنهم قد بلغوا في السلوك رتبة قد استغنوا بها عن صحبة
الشيخ وتسليم تصرفاته، فيخرجون من عنده، ويشرعون في الطلب على وفق أنفسهم، فيقعون
في ورطة الخذلان وسخرة الشيطان) ["تفسير
روح البيان" للشيخ إسماعيل حقي ج2/ص149].
أقوال
العارفين والمربين المرشدين في المجاهدة:
قال أبو عثمان المغربي رحمه الله: (من ظن أنه
يُفتح له بهده الطريقة أو يكشف له عن شيء منها لا بلزوم المجاهدة فهو في غلط) ["الرسالة
القشيرية" ص48 - 50].
وقال الإمام الجنيد رحمه
الله تعالى: (سمعت السري السقطي يقول: يا معشر الشباب جِدُّوا قبل أن تبلغوا مبلغي
فتضعفوا وتُقصِّروا كما ضعفتُ وقَصَّرْتُ. وكان في ذلك الوقت لا يلحقه الشباب في
العبادة) ["الرسالة
القشيرية" ص48 - 50].
وقال أبو عثمان المغربي
رحمه الله: (لا يرى أحد عيب نفسه وهو مستحسن من نفسه شيئاً، وإنما يرى عيوب نفسه
من يتهمها في جميع الأحوال) ["الرسالة
القشيرية" ص48 - 50].
وقال أبو علي الدقاق رحمه
الله تعالى: (من زين ظاهره بالمجاهدة حسَّنَ الله سرائره بالمشاهدة، قال الله
تعالى: {والذين جاهدوا فينا لَنَهدِيَنَّهُم سُبُلَنا} [العنكبوت: 69]. واعلم أنه
من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذه الطريقة شمة) ["الرسالة
القشيرية" ص48 -50].
وقال الإمام البركوي رحمه
الله تعالى: (ما أسرع هلاك من لا يعرف عيبَه، فإن المعاصي بريد الكفر) ["الرسالة
القشيرية" ص48 -50].
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله
تعالى: (إنَّ نجاة النفس أنْ يخالف العبدُ هواها، ويحملَها على ما طلب منها
ربُّها) ["تعليقات على
الرسالة القشيرية" للشيخ زكريا الأنصاري].
وقال الإمام البركوي رحمه الله تعالى:
(المجاهدة: وهي فطم النفس وحملها على خلاف هواها في عموم الأوقات، فهي بضاعة
العُبَّاد ورأس مال الزهاد، ومدار صلاح النفوس وتذليلها، وملاك تقوية الأرواح
وتصفيتها ووصولها إلى حضرة ذي الجلال والإكرام. فعليك أيها السالك بالتشمير في منع
النفس عن الهوى وحملها على المجاهدة إن شئـت من الله الهدى، قـال الله تعالى:
{والذين جاهدوا فينا لَنَهدِيَنَّهُم سُبُلَنا}
[العنكبوت: 69]. وقال أيضاً:
{ومَنْ جاهَدَ فإنَّما
يُجاهد لنفسِهِ} [العنكبوت: 6])["الحديقة الندية شرح الطريقة المحمدية" ج1/ص455].
وقال ابن عجيبة رحمه الله
تعالى: (لا بد للمريد في أول دخوله الطريق من مجاهدة ومكابدة وصدق وتصديق، وهي
مُظهِر ومجلاة للنهايات، فمن أشرقت بدايته أشرقت نهايته، فمن رأيناه جادَّاً في
طلب الحق باذلاً نفسه وفلسه وروحه وعزه وجاهه ابتغاء الوصول إلى التحقق بالعبودية
والقيام بوظائف الربوبية ؛ علمنا إشراق نهايته بالوصول إلى محبوبه، وإذا رأيناه
مقصِّراً علمنا قصوره عما هنالك) ["إيقاظ
الهمم في شرح الحكم" ج2/ص370].
قال محي الدين بن عربي
رحمه الله (من كتاب "الفتوحات المكية" الرياضات والخلوات والمجاهدات
وأثرها):
"ولما رأت عقول أهل الإيمان بالله تعالى
أن الله تعالى قد طلب منها أن تعرفه بعد أن عرفتْه بأدلتها النظرية، علمت أن ثَمَّ
علماً آخر بالله لا تصل إليه من طريق الفكر، فاستعملت الرياضات والخلوات
والمجاهدات وقطع العلائق، والانفراد والجلوس مع الله بتفريغ المحل، وتقديس القلب
عن شوائب الأفكار ؛ إذ كان متعلَّق الأفكار الأكوان، واتخذت هذه الطريقة من
الأنبياء والرسل، وسمعت أن الحق جل جلاله [حديث
"ينزل الله إلى السماء الدنيا... الخ". رواه الدارمي في باب الصلاة] ينزل إلى عباده ويستعطفهم فعلمت أن الطريق إليه من
جهته أقرب إليه من الطريق من فكرها.
ولا بد لأهل الإيمان وقد عرفوا قوله تعالى [حديث "إذا تقرب إلي العبد شبراً تقربت إليه
ذراعاً..." رواه البخاري عن أنس وأبي هريرة وأبي عوان والطبري عن سليمان] "مَنْ أتاني يسعى أتيته هرولة" وأن قلبه
(أي قلب المؤمن) وسع جلاله وعظمته.
فتوجه العقل إليه تعالى بكله وانقطع من كل ما
يأخذ عنه من هذه القوى، فعند هذا التوجه (أفاض الله عليه من نوره علماً إلهياً
عرَّفه بأن الله تعالى من طريق المشاهدة والتجلي، لا يقبله كون ولا يردُّه كون)
ولذلك قال الله تعالى: {إنَّ في ذلك} [ق: 37] يشير إلى
العلم بالله من حيث المشاهدة {لذكرى لِمَنْ كان لهُ قلبٌ} [ق: 37] ولم يقل غير ذلك القوة
كقوة وراء طور العقل تصل العبد بالرب.
فإن القلب معلوم بالتقلب في الأحوال دائماً فهو
لا يبقى على حالة واحدة فكذلك التجليات الإلهية، فمن لم يشهد التجليات بقلبه
ينكرها بعقله، فإن العقل يقيِّد غيره من القوى إلا القلب فإنه لا يتقيد وهو سريع
التقلب في كل حال ولذا قال الشارع: "إن القلب بين أصبعين من أصابع الرحمن
يقلبه كيف يشاء".
فهو يتقلب بتقلب التجليات، والعقل ليس كذلك،
فالقلب هو القوة التي وراء طور العقل، فلو أراد الحق في هذه الآية بالقلب أنه
العقل ما قال {لِمَنْ كان لهُ قلبٌ} [ق: 37]، فإن كل
إنسان له عقل وما كلُّ إنسان يُعطى هذه القوى التي وراء طور العقل، المسماة قلباً
في هذه الآية، فلذلك قال: {لِمَنْ كان لهُ قلبٌ} [ق: 37] ["الفتوحات المكية" ص443].
رد الشبهات حول المجاهدة:
إن قال قائل: إن رجال التصوف يُحَرِّمون ما أحل
الله من أنواع اللذائذ والمتع، وقد قال الله تعالى: {قٌلْ مَنْ حرَّمَ زينة الله
التي أخرجَ لعبادِهِ والطيبات من الرزق...} [الأعراف: 32].
وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرِّموا
ما أحلَّ الله لكم ولا تعتدوا إنَّ الله لا يحب المعتدين} [المائدة: 87].
فنقول: إن رجال التصوف لم يجعلوا الحلالَ
حراماً، إذْ أسمى مقاصدهم هو التقيد بشرع الله، ولكنهم حين عرفوا أن تزكية النفس
فرضُ عين، وأن للنفس أخلاقاً سيئة وتعلقات شهوانية، توصِل صاحبها إلى الردى،
وتعيقه عن الترقي في مدراج الكمال، وجدوا لزاماً عليهم أن يهذبوا نفوسهم ويحرروها
من سجن الهوى.
وبهذا المعنى يقول الصوفي الكبير الحكيم
الترمذي رحمه الله رداً على هذه الشبهة، وجواباً لمن احتج بالآية الكريمة: {قُلْ
مَنْ حرَّمَ زينة الله....} [الأعراف: 32]: فهذا
الاحتجاج تعنيف، ومن القول تحريف لأنَّا لم نُرِدْ بهذا، التحريمَ، ولكنا أردنا
تأديب النفس حتى تأخذ الأدب وتعلم كيف ينبغي أن تعمل في ذلك، ألا ترى إلى قوله جل
وعلا: {إنّما حرّم ربيَ الفواحشَ ما ظهر منها وما بطنَ والإثمَ والبَغيَ بغيرِ
الحقِّ} [الأعراف: 33]. فالبغيُ في
الشيء الحلال حرامٌ، والفخرُ حرام، والمباهاةُ حرام، والرياء حرام، والسرف حرام،
فإنما أُوتِيَتِ النفسُ هذا المنعَ من أجل أنها مالت إلى هذه الأشياء بقلبها، حتى
فسد القلب. فلما رأيتُ النفس تتناول زينة الله والطيبات من الرزق تريد بذلك تغنياً
أو مباهاة أو رياء علمتُ أنها خلطت حراماً بحلال فضيَّعَتِ الشكرَ، وإنما رُزِقَتْ
لتشكُرَ لا لِتكْفرَ، فلما رأيتُ سوء أدبها منعتُها، حتى إذا ذلَّت وانقمعت، ورآني
ربي مجاهداً في ذاته حق جهاده، هداني سبيله كما وعد الله تعالى: {والذين جاهدوا
فينا لنهدينَّهم سُبُلَنا وإنَّ اللهَ لَمَعَ المحسنين} [العنكبوت: 69] فصرتُ
عنده بالمجاهدة محسناً فكان الله معي، ومن كان مع الله فمعه الفئة التي لا تغلب،
والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل، وقذفَ في القلب من النور نوراً عاجلاً
في دار الدنيا حتى يوصله إلى ثواب الآجل. ألا ترى إلى ما جاء عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أنه قال: "إذا قُذِفَ النورُ في قلب عبدٍ انفسح وانشرح".
قيل: يا رسول الله فهل لذلك من علامة؟ قال: "نعم، التجافي عن دار الغرور،
والإنابةُ إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله" وإنما تجافى عن دار
الغرور بما قُذفَ في قلبه من النور فأبصر به عيوب الدنيا ودواهيها وآفاتها وخداعها
وخرابها، فغاب عن قلبه البغيُ والرياء والسمعة والمباهاة والفخر والخيلاء والحسد،
لأن ذلك إنما كان أصله من تعظيم الدنيا وحلاوتها في قلبه، وحبه لها، وكان سببَ
نجاته من هذه الآفات - برحمة الله - رياضتُه هذه النفس بمنع الشهوات منها) [كتاب
"الرياضة وأدب النفس" للحكيم الترمذي ص124].
وقد تسرع بعض الناس فزعموا جهلاً أن التصوف في
مجاهداته ينحدر من أصل بوذي أو بَراهيمي، ويلتقي مع الانحرافات الدينية في
النصرانية وغيرها التي تعتبر تعذيب الجسد طريقاً إلى إشراق الروح وانطلاقها، ومنهم
من جعل التصوف امتداداً لنزعة الرهبنة التي ظهرت في ثلاثة رهط سألوا عن عبادة
النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا عنها كأنهم تقالُّوها، فقال أحدهم: أما
أنا فأصوم الدهر ولا أُفطر، وقال الثاني: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام، وقال
الثالث: أما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوج. ولما عُرض أمرهم على رسول الله صلى الله
عليه وسلم صحح لهم أفكارهم، وردهم إلى الصراط المستقيم والنهج القويم.
والجواب على ذلك: أن التصوف لم يكن في يوم من
الأيام شرعة مستقلة ولا ديناً جديداً، ولكنه تطبيق عملي لدين الله تعالى، واقتداء
كامل برسوله عليه الصلاة والسلام.
وإنما سرت الشبهة على هؤلاء المتسرعين لأنهم
وجدوا في التصوف اهتماماً بتزكية النفس وتربيتها وتصعيدها، ومجاهدتها على أُسس
شرعية وضمن نطاق الدين الحنيف، فقاسوا تلك الانحرافات الدينية على التصوف قياساً
أعمى دون تمحيص أو تمييز.
ففرقٌ كبير إذاً بين المجاهدة المشروعة المقيدة
بدين الله تعالى، وبين المغالاة والانحراف وتحريم الحلال وتعذيب الجسد كما عليه
البوذيون الكافرون
ومن الظلم والبهتان أن
يُحْكَمَ على كل من جاهد نفسه وزكاها أنه ينحدر من أصل بوذي أو بَراهيمي كما يزعم
المستشرقون ومَنْ خُدِعَ بهم، أو أنه يقتدي بهؤلاء الرهط الذي تقالُّوا عبادة رسول
الله صلى الله عليه وسلم، كما يقوله المتسرعون السطحيون، مع أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم صحح لهم خطأهم فرجعوا إلى هديه وسُنَّتِهِ.
وإذا وُجد في تاريخ التصوف من حرَّم الحلال أو
قام بتعذيب الجسد على غرار الانحرافات الدينية السابقة فهو مبتدع ومبتعد عن طريق
التصوف لذا ينبغي التفريق بين التصوف والصوفي. فليس الصوفي بانحرافه ممثلاً
للتصوف، كما أن المسلم بانحرافه لا يمثل الإسلام.
والمعترضون لم يفرقوا بين الصوفي والتصوف وبين
المسلم والإسلام فجعلوا تلازماً بينهما فوقعوا في الكاملين قياساً على المنحرفين.
وبعد، فإن منتهى آمال السالكين ترقيةُ نفوسهم،
فإن ظفروا بها وصلوا إلى مطلوبهم، والنفس تترقى بالمجاهدة والرياضة من كونها
أمَّارة إلى كونها لوَّامة ومُلْهَمة وراضية ومَرْضيّة ومطمئنة... إلخ، فالمجاهدة
ضرورية للسالك في جميع مراحل سيره إلى الله تعالى، ولا تنتهي إلا بالوصول إلى درجة
العصمة ؛ وهذه لا تكون إلا للأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.
وبهذا ندرك خطأ بعض السالكين الذي لم يُحكموا
شرط سيرهم - وهو مجاهدة النفس - ثم يَدَّعون لأنفسهم المحبة، ويترنمون بكلام
المحبين، وينشدون قول ابن الفارض تأييداً لمذهبهم:
وعن مذهبي في الحب ما ليَ مذهب
وإن مِلْتُ يوماً عنه فارقتُ مِلَّتي
وما علموا كيف كانت
بداية ابن الفارض من حيث مجاهدته لنفسه، وإليك بعض كلامه يصف مجاهداته في سيره مما
يدل على أهمية المجاهدة مع العلم أنه ابتدأ سيره إلى الله تعالى من نفس لوامة لا
أمارة بالسوء، ويبين أن السالك الذي لا مجاهدة له لا سير له ولا محبة له:
فنفسيَ كانت قبلُ لوَّامةً متى أُطع ها عصتْ أو أعْصِ كانت مطيعتي
فأوردتها ما
الموتُ أيسرُ بَعْضِهِ وأتعبتُها
كيما تكون مريحتي
فعادت ومهما حُمِّلتْهُ
تحملته مني وإنْ خفَّفتُ عنها
تَأذَّتِ
وأذهبتُ في تهذيبها
كلَّ لذةٍ بإبعادها عن
عادِها فاطمأنتِ
ولم يبقَ هولٌ
دونها ما ركبتُه وأشهدُ نفسيَ فيه غيرَ زكيَّة
ولهذا كان ابن الفارض
يعرِّض بمدَّعي المحبة الذين لم يتركوا حظوظهم ولم يجاهدوا نفوسهم فيقول:
تعرَّض قوم للغرام وأعرضوا
بجانبهم عن صحَّتي فيه واعْتَلُّوا
رَضُوا بالأماني وابْتُلوا بحظوظهم وخاضوا بحارَ الحُبِّ دعوى فما
ابتَلُّوا
فهم في السُّرى لم
يبرحوا من مكانهم وما ظعنوا في السيرِ
عنه وقد كلُّوا
فالمجاهدة إذاً شرط
أساسي لكل سالك في جميع مراحل سيره، ولكنها تتغير بحسب ترقي المريد في مدارج
السمو، ومثاله في ذلك الطالب، يكون في مرحلة الابتدائي، ثم الإعدادي ثم الثانوي ثم
الجامعي... وفي كل هذه المراحل يعتبر طالباً، ولكن هناك فرق كبير بين الطالب
الابتدائي والطالب الجامعي. وكذلك الفرق شاسع بين كون نفسه أمارة بالسوء تميل إلى
الفواحش، وبين كونها مطمئنةً راجعة إلى ربها راضية مرضية.
والخلاصة:
إن المجاهدة أصل من أُصول طريق الصوفية، وقد
قالوا: من حقق الأصول نال الوصول، ومن ترك الأصول حُرم الوصول.
وقالوا أيضاً: مَنْ لم تكن له بداية محرقة
"بالمجاهدات" لم تكن له نهاية مشرقة. والبدايات تدل على النهايات.
تمهيد ـ
معاني كلمة الذكر ـ دليله من الكتاب والسنة ـ أقوال العلماء فيه ـ
أقسامه ـ ألفاظه وصيغه ـ التحذير من تركه ـ
الحركة في الذكر ـ
الإنشاد والسماع في المسجد ـ فوائده وثمراته
تمهيد
الذكر يثمر المقامات
كلها من اليقظة إلى التوحيد، ويثمر المعارف والأحوال التي شمَّر إليها السالكون، فلا
سبيل إلى نيل ثمارها إلا من شجرة الذكر، وكلما عظمت تلك الشجرة ورسخ أصلها، كان
أعظم لثمرتها وفائدتها...
وهو أصل كل مقام
وقاعدته التي يبني عليها، كما يُبنى الحائط على أساسه، وكما يقوم السقف على جداره.
وذلك أن العبد إن لم
يستيقظ من غفلته لم يمكنه قطع منازل السير الموصلة إلى معرفة الله تعالى التي
خُلِقَ الإنسان لأجلها، قال تعالى: {وما خَلَقْتُ
الجِنَّ والإنسَ إلا ليعبدونِ} [الذاريات:
56] [قال ابن
عباس رضي الله عنهما: يعبدون أي: يعرفون]. ولا
يستيقظ المرء إلا بالذكر، فالغفلة نوم القلب أو موته.
وإن امتثال الصوفية
لأمر مولاهم عز وجل بالإكثار من ذكره جعل حياتهم كحياة الملائكة، لا تخطر الدنيا
على قلوبهم، ولا تشغلهم عن محبوبهم، نسوا أنفسهم بمجالستهم لربهم، وغابوا عن كل
شيء سواه فتواجدوا عندما وجدوا.
ذَكرْتُكَ لا أني نسيتُكَ لمحةً ***
وأيسرُ ما في الذكرِ ذكرُ لِساني
يذكر الصوفي ربه في كل
أحيانه، فيجد بذلك انشراح الصدر، واطمئنان القلب، وسمو الروح؛ لأنه حظي بمجالسة
ربه عز وجل “أهل ذكري أهل مجالستي... الحديث” [من حديث
قدسي أخرجه الإمام أحمد في مسنده].
فالعارف من داوم على
الذكر وأعرض بقلبه عن متع الدنيا الزائلة، فتولاه الله في جميع شؤونه. ولا عجب،
فمن صبر ظفر، ومن لازم قرع الباب يوشك أن يفتح له.
معاني كلمة
الذكر
أطلقت الآيات القرآنية
الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة كلمة “الذكر” على عدة معان:
1 فتارة قُصِدَ بها القرآن الكريم كما في قوله تعالى: {إنَّا نحن نزّلنا الذِّكرَ وإنّا لهُ لَحافظونَ} [الحجر: 9].
2 وتارة قُصِدَ بها صلاة الجمعة: {يا
أيُّها الذين آمنوا إذا نُودِيَ للصلاة من يوم الجمعة فاسعَوا إلى ذكرِ اللهِ} [الجمعة: 9].
3 وفي موطن آخر عُنِيَ بها العلم: {فاسألوا
أهل الذكر إنْ كنتم لا تعلمونَ} [الأنبياء:
7].
4 وفي معظم النصوص
أُريدَ بكلمة “الذكر”
التسبيحُ والتهليل والتكبير والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وما إلى هنالك
من الصيَغ،
كما في قوله تعالى: {فإذا قَضيتُمُ الصلاةَ فاذكروا اللهَ قياماً وقعوداً
وعلى جنوبِكُم} [النساء:
102].
وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتُمْ فِئةً فاثبتوا واذكروا
اللهَ كثيراً} [الأنفال:
45].
وقوله تعالى: {واذكُرِ اسمَ ربِّكَ وتَبَتَّلْ إليهِ تبتيلاً} [المزمل: 8].
- عن أبي
هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
“إن الله عز
وجل يقول: أنا مع عبدي إذا هو ذَكرني وتحركت بي شفتاه”
[رواه ابن
ماجه في كتاب الأدب وابن حبان في صحيحه. والإمام أحمد في مسنده والحاكم كما في “فيض القدير” ج1/ص309].
- وعن عبد
الله بن بِسر أن رجلاً قال:
(يا رسول
الله إن شرائع الإسلام قد كَثُرَتْ عليَّ، فأخبرني بشيء أتشبث به). قال: “لا يزال لسانُك
رَطْباً من ذكر الله”
[رواه
الترمذي في كتاب الدعوات وقال: حديث حسن].
أما ما يقوله بعضهم: (إن
المراد بالذكر هو العلم بالحلال والحرام)، فجوابه:
أن لفظ الذكر مشترك
بين العلم والصلاة والقرآن وذكر الله تعالى، لكن المعتبر في اللفظ المشترك ما غلب
استعماله فيه عرفاً، وغيره إنما يصرف إليه بقرينة حالية أو لفظية، ولفظ الذكر قد
غلب استعماله في ذكر الله حقيقة، ومن غير الغالب أن يطلق ويراد به العلم، كما قال
تعالى: {فاسألوا أهل الذكر} فالمراد به العلم بقرينة السؤال.
دليله من
الكتاب والسنة:
1 - أما من الكتاب:
1 - فقد قال تعالى: {فاذكُرُوني
أذكُرْكُم} [البقرة:
152].
2 - وقال تعالى: {الذين
يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جُنوبهم} [آل عمران:
191].
3 - وقال تعالى: {يا
أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسَبِّحُوه بكرةً وأصيلاً} [الأحزاب:
41 -42].
4 - وقال تعالى: {واذكرْ
ربَّك كثيراً وسبِّحْ بالعشي والإبكار) [آل عمران:
41].
5 - وقال عز من قائل: {الذين
آمنوا وتطمئِنُّ قُلوبُهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: 28].
6 - قال أيضاً: {واذكُرِ
اسمَ ربِّكَ بُكرَةً وأصيلاً} [الدهر: 25].
7 - وقال أيضاً: {واذكر
اسم ربِّك وتبتَّل إليه تبتيلاً} [المزمل: 8].
8 - وقال جل شأنه: {وَلَذِكرُ
الله أكبرُ} [العنكبوت:
45].
9 - وقال
أيضاً: {فإذا قضيتُمُ الصلاة فاذكروا الله قياماً
وقعوداً وعلى جُنوبِكُم} [النساء:
103].
10 - وقال
أيضاً: {فإذا قُضيتِ الصلاةُ فانتَشروا في الأرضِ
وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلَّكُم
تُفلحون}
[الجمعة: 10].
11 - وقال أيضاً: {ومن
أظلمُ مِمَّنْ مَنَعَ مساجدَ الله أن يُذْكَرَ فيها اسمُه}
[البقرة: 114].
12 - وقال تعالى: {في
بيوتٍ أَذِنَ الله أن تُرفعَ ويُذكر فيها اسمُهُ} [النور: 36].
13 - وقال أيضاً: {رِجال
لا تُلهيهم تجارة ولا بيعٌ عن ذكرِ اللهِ} [النور: 37].
14 - وقال أيضاً: {يا
أيها الذين آمنوا لا تُلهِكُم أموالُكم ولا أولادُكم عن ذكر الله} [المنافقون:
9].
15 - وقال أيضاً: {والذاكرين
الله كثيراً والذاكراتِ أعدّ اللهُ لهُم مغفِرَةً وأجراً عظيماً} [الأحزاب:
35].
قال ابن عباس رضي الله
عنهما:
(المراد:
يذكرون الله في أدبار الصلوات، وغدواً وعشياً وكلما استيقظ من نومه، وكلما غدا أو
راح من منزله، ذكر الله تعالى)
[“الفتوحات
الربانية على الأذكار النووية” ج1/ص106 - 109].
وقال مجاهد:
(لايكون من
الذاكرين الله كثيراً والذاكرات حتى يذكر الله تعالى قائماً وقاعداً ومضجعاً)
[“الفتوحات
الربانية على الأذكار النووية” ج1/ص106 - 109].
وجميع العبادات يشترط
لصحتها شروط إلا ذكر الله تعالى، فإنه يصح بطهارة وغيرها وفي جميع الحالات: في
القيام والقعود... وغيرها.
ولهذا قال النووي:
(أجمع
العلماء على جواز الذكر بالقلب واللسان للمُحْدِث والجنب والحائض والنفساء، وذلك
في التسبيح والتحميد والتكبير والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والدعاء
ونحو ذلك)
[“الفتوحات
الربانية على الأذكار النووية” ج1/ص106 -109].
فالذكر صقال القلوب،
ومفتاح باب النفحات، وسبيل توجه التجليات على القلوب، وبه يحصل التخلق، لا بغيره.
لذلك فالمريد لا يصيبه غم أو هم أو حزن إلا بسبب غفلته عن ذكر الله، ولو اشتغل
بذكر الله لدام فرحه وقرت عينه، إذ الذكر مفتاح السرور والفرح، كما أن الغفلة
مفتاح الحزن والكدر.
2 - وأما
من السنة:
1 - عن أبي موسى الأشعري
رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:
“مثل الذي
يذكر ربه والذي لا يذكر ربَّهُ مثل الحي والميت”
[رواه
البخاري في صحيحه في كتاب الدعوات].
2 - وعن أبي هريرة رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“إن لله
ملائكةً يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادوا:
هلموا إلى حاجتكم. قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا. قال: فيسألهم ربهم
عز وجل - وهو أعلم بهم ـ: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك
ويمجدونك. قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوْك؛ قال: فيقول:
وكيف لو رأوْني؟ قال: يقولون: لو رأوْك كانوا أشد لك عبادةً وأشد لك تمجيداً،
وأكثر لك تسبيحاً. قال: يقول: فما يسألونني؟ قال: يقولون: يسألونك الجنة. قال:
يقول: هل رأوْها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوْها. قال: فيقول: فكيف لو
أنهم رأوْها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوْها كانوا أشد عليها حرصاً، وأشد لها طلباً،
وأعظم فيها رغبة. قال: يقول: فمِمَّ يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: يقول:
وهل رأوْها؟ قال: يقولون: لا والله ما رأوها. قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال:
يقولون: لو رأوْها كانوا أشد منها فراراً وأشد لها مخافة. قال: فيقول: أُشْهِدُكم
أني قد غفرت لهم. قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة.
قال: يقول: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم”
[أخرجه
البخاري في صحيحه في كتاب الدعوات].
ففي هذا الحديث فضل
مجالس الذكر والذاكرين وفضل الاجتماع على ذلك، وإن جليسهم يندرج معهم في جميع ما
يتفضل عليهم ربهم إكراماً لهم؛ وإن لم يشاركهم في أصل الذكر، وبمجالسته لهم صار
سعيداً لأن من جالس جانس؛ إن صحَّت النية.
3 - وعن أنس رضي الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“إذا مررتم
برياض الجنة فارتعوا. قالوا: يا رسول الله وما رياضُ الجنة؟ قال: حِلَق الذكر”
[أخرجه
الترمذي في كتاب الدعوات وحسنه].
4 - وعن أبي الدرداء رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“لَيبعثنَّ
الله أقواماً يوم القيامة في وجوههم النور، على منابر اللؤلؤ، يغبطهم الناس، ليسوا
بأنبياء ولا شهداء، قال: فجثا أعرابي على ركبتيه فقال: يا رسول الله حِلْهُم [حلهم: صفهم
لنا وعرفنا نزلهم] لنا نعرفْهم! قال: هم
المتحابون في الله من قبائل شتى، وبلاد شتى يجتمعون على ذكر الله يذكرونه”
[رواه
الطبراني بإسناد حسن كما في “الترغيب والترهيب” 2/406].
5 - وعن أبي هريرة رضي
الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة فمر على جبل
يقال له: جُمْدان فقال: “سيروا هذا جُمْدان سبق
المفَرِّدون. قيل: وما المُفَرِّدون يا رسول الله؟ قال: المستَهتَرون بذكر الله،
يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون الله يوم القيامة خفافاً”
[أخرجه مسلم
في كتاب الذكر والترمذي في كتاب الدعوات].
والمستَهْتَرون: هم
المولعون بالذكر المداومون عليه، لا يبالون ما قيل فيهم ولا ما فُعِلَ بهم.
6 - وعن أبي الدرداء رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“ألا أُنبئكم
بخير أعمالكم، وأزْكاها عند مليكِكم، وأرفعها في درجاتكم، وخيرٍ لكم من إنفاق
الذهب والوَرِق [الورق:
الفضة]، وخيرٍ لكم من أن
تلْقَوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى. قال: ذكرُ الله تعالى”، فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: (ما شيءٌ أنجى من عذاب الله من ذكر الله)
[رواه
الترمذي في كتاب الدعاء باب ما جاء في فضل الذكر. ورواه ابن ماجه في “الأدب” باب فضل الذكر].
7 - وعن أبي هريرة رضي الله
عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى :
“أنا عند ظن
عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في
ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خيرٍ منهم، وإن تقرَّب إليَّ شبراً تقربتُ إليه ذراعاً، وإن
تقرَّبَ إليَّ ذراعاً تقربتُ إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة”
[أخرجه مسلم
في كتاب الذكر، والبخاري في كتاب التوحيد والترمذي في كتاب الدعوات، والنسائي،
وابن ماجه].
8 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال:
“يقول الله عز
وجل يوم القيامة: سَيعْلَمُ أهلُ الجمعِ مَنْ أهْلُ الكرَم، فقيل: ومَنْ أهلُ
الكرم يا رسول الله؟ قال: أهل مجالس الذكر في المساجد”
[رواه أحمد
وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه والبيهقي وغيرهم. “الترغيب
والترهيب” ج2/ص404].
9 - وعن
أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
“ما من قومٍ
اجتمعوا يذكرون الله عز وجل لا يريدون بذلك إلا وجهه؛ إلا ناداهم منادٍ من السماء
أن قوموا مغفوراً لكم فقد بُدلت سيئاتكم حسنات”
[رواه
الإمام أحمد، ورجاله رجال الصحيح كذا في “مجمع
الزوائد” ج10/ص76].
10 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“يقول الرب
تبارك وتعالى: مَن شغلَهُ قراءةُ القرآن وذكري عن مسألتي أعطيتُهُ أفضلَ ما أُعطي
السائلين.
”[أخرجه
الترمذي في كتاب “فضائل القرآن” وقال: حديث حسن والدارمي والبيهقي].
هذا وكل ما ورد في
فضائل الذكر والاجتماع عليه، والجهر والإسرار به، فهو من أدلة مشروعيته.
أقوال
العلماء بالله في فضل الذكر:
عبد الله
بن عباس (رضي الله عنهما):
قال عبد الله بن عباس
رضي الله عنهما: (لم يفرض الله تعالى على عباده
فريضة إلا جعل لها حداً معلوماً، ثم عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر؛ فإنه لم
يجعل له حداً ينتهي إليه، ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله، وأمرهم
بذكره في الأحوال كلها، فقال عز من قائل: {فاذكُروا
اللهَ قياماً وقعوداً وعلى جُنُوبِكُم} [النساء:
103]. وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً} [الأحزاب:
41] أي بالليل والنهار،
وفي البر والبحر، والسفر والحضر، والغنى والفقر، وفي الصحة والسقم، والسر
والعلانية، وعلى كل حال) [“نور
التحقيق” ص147].
ابن عطاء
الله السكندري:
قال سيدي ابن عطاء
الله السكندري: (الذكر هو التخلص من الغفلة
والنسيان بدوام حضور القلب مع الحق، وقيل: ترديد اسم الله بالقلب واللسان، أو
ترديد صفة من صفاته، أو حكم من أحكامه، أو فعل من أفعاله، أو غير ذلك مما
يُتقرَّبُ به إلى الله تعالى) [“مفتاح
الفلاح” ص4 لابن عطاء الله السكندري المتوفى 709هـ].
الإمام أبو
القاسم القشيري:
قال الإمام أبو القاسم
القشيري رضي الله عنه: (الذكر منشور الولاية،
ومنار الوصلة، وتحقيق الإرادة، وعلامة صحة البداية، ودلالة النهاية، فليس وراء
الذكر شيء؛ وجميع الخصال المحمودة راجعة إلى الذكر ومنشؤها عن الذكر). وقال أيضاً: (الذكر
ركن قوي في طريق الحق سبحانه وتعالى، بل هو العمدة في هذا الطريق، ولا يصل أحد إلى
الله تعالى إلا بدوام الذكر) [“الرسالة
القشيرية” ص110].
ابن قيم
الجوزية:
قال ابن قيم الجوزية: (ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما،
وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء، فإذا تُرك صدىء، فإذا ذكر
جلاه. وصدأ القلب بأمرين: بالغفلة، والذنب؛ وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر. فمن
كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكماً على قلبه، وصدؤه بحسب غفلته. وإذا
صدىء القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه؛ فيرى الباطل في صورة الحق،
والحق في صورة الباطل، لأنه لمَّا تراكم عليه الصدأ أظلم فلم تظهر فيه صور الحقائق
كما هي عليه. فإذا تراكم عليه الصدأ، واسودَّ، وركبه الرانُ فَسَدَ تصورُه وإدراكه
فلا يقبل حقاً، ولا ينكر باطلاً، وهذا أعظم عقوباتِ القلب. وأصل ذلك من الغفلة
واتباع الهوى، فإنهما يطمسان نور القلب ويعميان بصره. قال تعالى: {ولا تطعْ مَنْ أغفلْنا قلبَه عن ذكرِنا واتَّبَعَ هواه
وكان أمرُهُ فُرُطاً} [الكهف: 28]) [“الوابل الصيب من
الكلم الطيب” لابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751هـ
ص52].
فخر الدين
الرازي:
قال العلامة فخر الدين
الرازي في تفسيره عند قوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى....} [الأعراف:
180]: (إن الموجب لدخول جهنم هو الغفلة عن ذكر الله تعالى،
والمخلِّص من عذاب جهنم هو ذكر الله تعالى، وأصحاب الذوق والمشاهدة يجدون من
أرواحهم أن الأمر كذلك، فإن القلب إذا غفل عن ذكر الله، وأقبل على الدنيا
وشهواتها، وقع في باب الحرص وزمهرير الحرمان، ولا يزال ينتقل من رغبة إلى رغبة،
ومن طلب إلى طلب، ومن ظلمة إلى ظلمة، فإذا انفتح على قلبه باب ذكر الله ومعرفة
الله تخلِّص من نيران الآفات، ومن حسرات الخسارات، واستشعر بمعرفة رب الأرض
والسموات) [تفسير الفخر الرازي ج4/ص472].
أحمد زروق:
يقول أحمد زروق رحمه
الله في قواعده: (الخواص ثابتة في الأقوال
والأفعال والأعيان، وأعظمها خواص الأذكار، إذ ما عمل آدمي عملاً أنجى له من عذاب
الله من ذكر الله، وقد جعلها الله للأشياء كالأشربة والمعاجين في منافعها؛ لكلٌّ
ما يخصه. فلزم مراعاة العام في العموم، وفي الخاص مما يوافق حال الشخص) [“قواعد
التصوف” لأحمد زروق ص37].
أحمد بن
عجيبة:
قال أحمد بن عجيبة: (لا
يكون الفتح على تحقيق العبد بمقام الرضا إلا بعد تحققه بثلاثة أمور في بدايته:
1 - الاستغراق في الاسم المفرد [الله] و(هذا خاص بالمأذونين بذكر الاسم من مرشد كامل).
2 - صحبته للذاكرين.
3 - تمسكه بالعمل الصالح الذي لم يتصل به شيء من
العلل، وهو التمسك بالشريعة المحمدية) [“تجريد شرح
الأجرومية” لابن عجيبة ص29].
والخلاصة:
إن جميع المربين والمرشدين الكاملين قد نصحوا
السالكين في سيرهم إلى الله وأبانوا لهم أن الطريق العملي الموصل إلى الله تعالى
وإلى رضوانه هو الإكثار من ذكر الله في جميع الحالات، وصحبةُ الذاكرين، لأن أنفاس
الذاكرين تقطع شهوات النفس الأمَّارة بالسوء.
أقسام
الذكر:
أ - ذكر
السر والجهر:
إن ذكر الله تعالى مشروع سراً وجهراً، وقد
رغَّب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذكر بنوعيه: السري والجهري، إلاَّ أن
علماء الشريعة الإسلامية قرروا أفضلية الجهر بالذكر إذا خلا من الرياء، أو إيذاء
مُصَلٌّ أو قارىء أو نائم، مستدلين ببعض الأحاديث النبوية الشريفة، منها:
1 - عن أبي هريرة رضي الله
عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“يقول الله:
أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن
ذكرني في ملأ ذكرتُه في ملأ خير منهم”
[أخرجه
البخاري في صحيحه والترمذي والنسائي وابن ماجه].
والذكر
في الملأ لا يكون إلا عن جهر
2 - عن زيد بن أسلم رضي
الله عنه قال: قال ابن الأدرع رضي الله عنه: (انطلقت
مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة؛ فمر برجل في المسجد يرفع صوته، قلت: يا رسول
الله عسى أن يكون هذا مرائياً؟ قال: “لا، ولكنه
أوَّاه”)
[رواه
البيهقي. كما في “الحاوي للفتاوي” للسيوطي ج1/ص391].
3 - عن ابن عباس رضي الله
عنهما قال: (إن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف
الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: كنت أعلم
إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته)
[أخرجه
البخاري في صحيحه، والمعنى كنت أعلم انصرافهم بسماع الذكر، كما قال صاحب “الفتح” الحافظ ابن حجر
العسقلاني في ج2/ص259].
4 - عن السائب رضي الله
عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
“جاءني
جبريل قال: مُرْ أصحابك يرفعوا أصواتهم بالتكبير”
[رواه
الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه السيوطي في كتابه “الحاوي
للفتاوي” ج1/ص389].
5 - عن شداد بن أوس رضي الله
عنه قال: إنَّا لَعندَ النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال:
“ارفعوا
أيديكم فقولوا: لا إله إلا الله، ففعلنا، فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم إنَّك
بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة، إنك لا تخلف الميعاد، ثم
قال: أبشروا فإن الله قد غفر لكم”
[أخرجه
الحاكم. كما في المصدر السابق ج1/ص391].
وهناك أحاديث بلغت
حدَّ الكثرة، جمع منها العلامة الكبير جلال الدين السيوطي خمسة وعشرين حديثاً في
رسالة سماها “نتيجة الفكر في الجهر بالذكر” فقال: (الحمد لله
وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، سألتَ أكرمك الله عما اعتاده السادة الصوفية
من عقد حِلَق الذكر، والجهر به في المساجد، ورفع الصوت بالتهليل وهل ذلك مكروه،
أو؛ لا؟ .
الجواب: إنه لا كراهة في شيء من ذلك، وقد وردت
أحاديث تقتضي استحباب الجهر بالذكر، وأحاديث تقتضي استحباب الإسرار به، والجمع
بينهما أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وها أنا أُبين ذلك فصلاً فصلاً.
ثم ذكر الأحاديث الدالة على ذلك بكاملها ثم
قال: إذا تأملتَ ما أوردنا من الأحاديث، عرفت من مجموعها أنه لا كراهة البتة في
الجهر بالذكر، بل فيه ما يدل على استحبابه؛ إما صريحاً أو التزاماً - كما أشرنا
إليه ـ، وأما معارضته بحديث “خيرُ الذكر الخفي” فهو نظير معارضة أحاديث الجهر بالقرآن بحديث: “المسر بالقرآن كالمسر بالصدقة”،
وقد جمع النووي بينهما: بأن الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء، أو تأذَّى به مصلون أو
نيام، والجهر أفضل في غير ذلك؛ لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته تتعدى إلى
السامعين، ولأنه يوقظُ القارىء، ويجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه، ويطرد
النوم، ويزيد في النشاط. وقال بعضهم: يستحب الجهر ببعض القراءة والإسرار ببعضها،
لأن المُسِرَّ قد يملُّ فيأنس بالجهر، والجاهر قد يكلُّ فيستريح بالإسرار. وكذلك
نقول في الذكر على هذا التفصيل، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث. فإنْ قلتَ: قال الله
تعالى: {واذكُرْ ربَّكَ في نفسك تضرُّعاً وخيفةً
ودون الجهرِ من القولِ} [الأعراف:
205]. قلت: الجواب على هذه
الآية من ثلاثة أوجه:
الأول: إنها
مكية كآية الإسراء: {ولا تجهر بصلاتِكَ ولا
تخافِتْ بها} [الإسراء:
110]. وقد نزلت حين كان
النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بالقرآن، فيسمعه المشركون فيسبون القرآن ومَنْ
أنزله، فأُمِر بترك الجهر سداً للذريعة، كما نُهي عن سب الأصنام لذلك في قوله
تعالى : {ولا تسُبُّوا الذين يدعونَ مِنْ دون الله
فيسُبُّوا اللهَ عَدْواً بغيرِ علمٍ} [الأنعام:
108]. وقد زال هذا المعنى،
وأشار إلى ذلك ابن كثير في تفسيره.
الثاني: إن جماعة
من المفسرين - منهم عبد الرحمن بن زيد بن أسلم شيخ مالك، وابن جرير - حملوا الآية
على الذاكر حال قراءة القرآن، وأنه أمرٌ له بالذكر على هذه الصفة تعظيماً للقرآن
أن ترفع عنه الأصوات، ويقويه اتصالها بقوله تعالى: {وإذا
قُرِئ القرآنُ فاستمعوا له وأنصتُوا} [الأعراف:
204]. قلت وكأنه لما أمر
بالإنصات خشي من ذلك الإخلاد إلى البطالة، فنبه على أنه وإن كان مأموراً بالسكوت
باللسان إلا أن تكليف الذكر بالقلب باقٍ حتى لا يغفل عن ذكر الله، ولذا ختم الآية
بقوله: {ولا تَكُنْ مِنَ الغافلين} [الأعراف:
205].
الثالث: ما ذكره
الصوفية أن الأمر في الآية خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم الكامل المكمل، وأما
غيره - ممن هو محل الوساوس والخواطر الرديئة - فمأمور بالجهر، لأنه أشد تأثيراً في
دفعها.
قلتُ: ويؤيده من
الحديث ما أخرجه البزار عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: “من صلَّى منكم بالليل فليجهر بقراءته
فإن الملائكة تصلي بصلاته، وتسمع لقراءته، وإنَّ مؤمني الجن الذين يكونون في
الهواء، وجيرانه معه في مسكنه يصلون بصلاته، ويستمعون قراءته، وإنه ينطرد بجهره
بقراءته عن داره وعن الدور التي حوله فُسَّاق الجن ومردة الشياطين”.
فإن قلتَ: فقد قال
تعالى: {ادعُوا ربَّكم تضرعاً وخُفيةً إنَّه لا
يحبُّ المعتدينَ} [الأعراف:
55]. وقد فسر الاعتداء
بالجهر في الدعاء.
قلتُ: الجواب عنه من
وجهين:
أحدهما: أن
الراجح في تفسيره أنه تجاوزُ المأمور به، أو اختراعُ دعوة لا أصل لها في الشرع،
ويؤيده ما أخرجه ابن ماجه، والحاكم في مستدركه وصححه عن أبي نعامة رضي الله عنه: (أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم إني أسألك
القصر الأبيض عن يمين الجنة. فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون بالدعاء”) فهذا تفسير صحابي، وهو أعلم بالمراد.
الثاني: على
تقدير التسليم فالآية في الدعاء لا في الذكر، والدعاء بخصوصه؛ الأفضل فيه الإسرار،
لأنه أقرب إلى الإجابة، ولذا قال تعالى: {إذْ نادى
ربَّهُ نداءً خفياً} [مريم: 3]. ومن ثَمَّ
استحب الإسرار بالاستعاذة في الصلاة اتفاقاً لأنها دعاء.
فإن قلتَ: فقد نُقل عن
ابن مسعود رضي الله عنه أنه رأى قوماً يهللون برفع الصوت في المسجد فقال: ما أراكم
إلا مبتدعين حتى أخرجهم من المسجد. قلت: هذا الأثر عن ابن
مسعود يحتاج إلى بيان سنده، ومن أخرجه من الأئمة الحفاظ في كتبهم، وعلى تقدير ثبوته فهو مُعارَض بالأحاديث الكثيرة الثابتة
المتقدمة، وهي مقدمة عليه عند التعارض، ثم رأيت ما يقتضي إنكار ذلك عن ابن
مسعود، قال الإمام أحمد بن حنبل في كتاب الزهد: حدثنا حسين بن محمد حدثنا المسعودي
عن عامر بن شقيق عن أبي وائل قال: هؤلاء الذين يزعمون أن عبد الله كان يَنْهى عن
الذكر، ما جالستُ عبدَ الله مجلساً إلا ذَكَرَ الله فيه. وأخرج أحمد في الزهد عن
ثابت البناني قال: إن أهلَ ذكر الله ليجلسون إلى ذكر الله وإن عليهم من الآثام
أمثال الجبال، وإنهم ليقومون من ذكر الله تعالى ما عليهم منها شيء)
[“الحاوي
للفتاوي” في الفقه وعلوم التفسير والحديث والأصول
والنحو والإعراب وسائر الفنون للعلامة الكبير جلال الدين السيوطي المتوفى سنة
911هـ. ج1/ص394].
وقال العلامة الكبير
الشيخ محمود الألوسي في تفسيره عند قوله تعالى: {وإنْ
تجْهَرْ بالقول فإنَّه يعلم السِّرَ وأخفى} [طه: 7]. وقيل: نُهِيَ عن الجهر بالذكر والدعاء،
لقوله تعالى: {واذكرْ ربَّك في نفسِكَ تضرعاً
وخفيةً ودون الجهر من القولِ} [الأعراف:
205]. وأنت تعلم أن القول:
بأن الجهر بالذكر والدعاء منهي، لا ينبغي أن يكون على إطلاقه. والذي نصَّ عليه
الإمام النووي رضي الله عنه في فتاويه: أن الجهر بالذكر حيث لا محذور شرعاً؛ مشروع
مندوب إليه، بل هو أفضل من الإخفاء في مذهب الإمام الشافعي، وهو ظاهر مذهب الإمام
أحمد، وإحدى الروايتين عن الإمام مالك بنقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري. وهو قول
القاضيخان في فتاويه في ترجمة مسائل كيفية القراءة، وقوله في باب غسل الميت: (ويكره رفع الصوت بالذكر)
فالظاهر أنه لمن يمشي مع الجنازة كما هو مذهب الشافعية، لا مطلقاً، وقال الألوسي
أيضاً: واختار بعض المحققين أن المراد دون الجهر البالغ أو الزائد على قدر الحاجة
فيكون الجهر المعتدل، والجهر بقدر الحاجة داخلاً في المأمور به؛ فقد صح ما يزيد
على عشرين حديثاً في أنه صلى الله عليه وسلم كثيراً ما كان يجهر بالذكر، وصح عن
أبي الزبير رضي الله عنه أنه سمع عبد الله بن الزبير يقول: كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم إذا سلَّم من صلاته يقول بصوته الأعلى: “لا
إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ولا حول
ولا قوة إلا بالله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة وله الفضل” إلى أن قال: وقد ألَّف الشيخ إبراهيم الكوراني عليه الرحمة في تحقيق
هذه المسألة رسالتين جليلتين سمَّى أولاهما: “نثر
الزهر في الذكر بالجهر”. وثانيتهما: “اتحاف المنيب الأوّاه بفضل الجهر بذكر الله”) [“روح
المعاني” للعلامة الكبير الشيخ محمود الألوسي
المتوفى سنة 1270هـ ج16/ص147 - 148].
أفضلية ذكر الجهر:
قال العلامة الطحطاوي في حاشيته على مراقي
الفلاح: (اختُلِفَ؛ هل الإسرار بالذكر أفضل؟ فقيل:
نعم، لأحاديث كثيرة تدل عليه منها:
“خير الذكر
الخفي، وخير الرزق ما يكفي”. ولأن الإسرار أبلغ في
الإخلاص، وأقرب إلى الإجابة. وقيل: الجهر أفضل لأحاديث كثيرة:
منها ما رواه ابن الزبير رضي الله عنهما: كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلَّم من صلاته قال بصوته الأعلى: “لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد
وهو على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله...”
الحديث [رواه مسلم في صحيحه في كتاب المساجد ومواقع
الصلاة، والترمذي في كتاب الصلاة].
وقد كان صلى الله عليه وسلم يأمر من يقرأ
القرآن في المسجد أن يُسمِع قراءته. وكان ابن عمر يأمر من يقرأ عليه وعلى أصحابه
وهم يستمعون، لأنه أكثر عملاً، وأبلغ في التدَبُّر، ونفعه متعدٍ لإيقاظ قلوب
الغافلين.
وجُمع بين الأحاديث الواردة بأن ذلك يختلف بحسب
الأشخاص والأحوال؛ فمن خاف الرياء، أو تأذَّى به أحد كان الإسرار أفضل، ومتى فُقد
ما ذكر كان الجهر أفضل. قال في “الفتاوي”: لا يُمنع من الجهر بالذكر في المساجد، احترازاً عن
الدخول تحت قوله تعالى: {ومَنْ أظلَمُ مِمَّنْ
مَنَعَ مساجدَ اللهِ أنْ يُذكَرَ فيها اسمُه} [البقرة:
114]. كذا في البزازية.
ونص الشعراني في ذكر
الذاكر للمذكور والشاكر للمشكور ما لفظه: وأجمع العلماء سلفاً وخلفاً على استحباب
ذكر الله تعالى جماعة في المساجد وغيرها من غير نكير، إلا أن يشوش جهرهم بالذكر
على نائم أو مصلٌّ أو قارىء قرآن، كما هو مقرر في كتب الفقه [“حاشية
الطحطاوي على مراقي الفلاح” ص208].
وقال ابن عابدين في
حاشيته الشهيرة:
(وفي
الفتاوي الخيرية من الكراهية والاستحسان جاء في الحديث ما اقتضى طلب الجهر به نحو:
“وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم”. رواه الشيخان.
وهناك أحاديث اقتضت
طلب الإسرار. والجمع بينهما: أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، كما جُمع
بذلك بين أحاديث الجهر والإخفاء بالقراءة، ولا يعارض ذلك حديث “خير الذكر الخفي” لأنه
حيث خيف الرياء، أو تأذي المصلين أو النيام، فإن خلا مما ذكر فقال بعض أهل العلم:
إن الجهر أفضل، لأنه أكثر عملاً، ولتعدي فائدته إلى السامعين ويوقظ قلب الذاكر،
فيجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم، ويزيد النشاط. ا.هـ ملخصاً
وتمام الكلام هناك فراجعه،. وفي حاشية الحموي عن الإمام الشعراني : (أجمع العلماء سلفاً وخلفاً على استحباب ذكر الجماعة في
المساجد وغيرها إلا أن يشوش جهرهم على نائم أو مصلٌّ أو قارىء) [“حاشية ابن
عابدين” ج5/ص263].
ب - ذكر
اللسان وذكر القلب:
قال الشيخ عبد الوهاب
الشعراني: سمعت أخي أفضل الدين رحمه الله يقول: (الذكر
باللسان مشروع للأكابر والأصاغر، لأن حجاب العظمة لا يرتفع لأحد ولا للأنبياء، فلا
بد من حجاب لكنه يدق فقط) [“الميزان” للشيخ عبد الوهاب الشعراني ج1/ص160].
وقال الإمام النووي
رحمه الله: (أجمع العلماء على جواز الذكر بالقلب
واللسان للمحْدِث والجنب والحائض والنفساء وذلك في التسبيح والتحميد والتكبير
والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والدعاء ونحو ذلك) [“الفتوحات
الربانية على الأذكار النواوية” ج1/ص106 - 109].
وقال الإمام النووي
رحمه الله: (الذكر يكون بالقلب ويكون باللسان،
والأفضل منه ما كان بالقلب واللسان جميعاً، فإن اقتصر على أحدهما فالقلب أفضل. ثم
لا ينبغي أن يُترك الذكر باللسان مع القلب خوفاً من أن يُظن به الرياء، بل يذكر
بهما جميعاً، ويقصد به وجه الله تعالى).
قال الفضيل بن عياض
رحمه الله: (إن ترك العمل لأجل الناس رياء، ولو
فتح الإنسان عليه باب ملاحظة الناس والاحتراز من تطرق ظنونهم الباطلة لانْسَدَّ
عليه أكثر أبواب الخير، وضيَّع على نفسه شيئاً عظيماً من مهمات الدين، وليس هذا
طريق العارفين) [“الفتوحات
الربانية على الأذكار النواوية” ج1/ص127].
وقلب الغافل عليه
غشاوة، فلا يجد صاحبها لطعم الذكر حلاوة، ولا لغيره من العبادات ولذلك قيل: (لا خير في ذكر مع قلب غافلٍ ساهٍ) ولا نعني بذلك أن يترك الذكر مع الغفلة، إلا أن صاحب
الهمة العالية يجاهد نفسه، ويراقب قلبه مرة بعد مرة، حتى ينتقل إلى ذكر مع الحضور،
وذلك كالرامي؛ ففي المرة الأولى لا يصيب الهدف، ثم يحاول في الثانية والثالثة إلى
أن يتقن ذلك، فيصيب الهدف. وكذلك الإنسان مع قلبه؛ يحاول المرة تلو المرة بين ذكر
ومذاكرة حتى يعتاد القلب الحضور مع الله تعالى.
قال حجة الإسلام
الغزالي رحمه الله: (واعلم أنه قد انكشف لأرباب
البصائر أن الذكر أفضل الأعمال، ولكن له أيضاً قشور ثلاثة بعضها أقرب للُّب من بعض
وله لب وراء القشور الثلاثة، وإنما فضل القشور لكونها طريقاً إليه.
فالقشر الأعلى منه:
ذكر اللسان فقط.
والثاني: ذكر القلب
إذا كان القلب يحتاج إلى موافقته حتى يحضر مع الذكر، ولو تُرك وطبعه لاسترسل في
أودية الأفكار.
والثالث: أن يستمكن
الذكر من القلب، ويستولي عليه بحيث يحتاج إلى تكلف في صرفه عنه إلى غيره، كما
احتيج في الثاني إلى تكلف في قراره معه ودوامه عليه.
والرابع: وهو اللباب،
أن يستمكن المذكور من القلب، وينمحي الذكر ويخفى، وهو اللباب المطلوب، وذلك بأن لا
يلتفت إلى الذكر ولا إلى القلب بل يستغرق المذكورُ جملتَه، ومهما ظهر له في أثناء
ذلك التفات إلى الذكر فذلك حجاب شاغل. وهذه الحالة التي يعبر عنها العارفون
بالفناء... ثم قال رحمه الله: فهذه ثمرة لباب الذكر وإنما مبدؤها ذكر اللسان، ثم
ذكر القلب تكلفاً، ثم ذكر القلب طبعاً، ثم استيلاء المذكور وانمحاء الذكر) [كتاب “الأربعين في أصول الدين”
للإمام الغزالي ص52 - 55].
ج - الذكر
المنفرد والذكر مع الجماعة:
العبادات مع الجماعة -
وفيها ذكر الله تعالى - تزيد في الفضل على العبادة في حالة الانفراد؛ ففي الجماعة
تلتقي القلوب، ويكون التعاون والتجاوب، ويستقي الضعيف من القوي، والمُظْلِم من
المُنَوَّر، والكثيف من اللطيف، والجاهل من العالم وهكذا...
-
عن أنس رضي الله عنه
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
“إذا مررتم
برياض الجنة فارتعوا. قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حِلَقُ الذكر”
[أخرجه
الترمذي في كتاب الدعوات].
-
عن أبي هريرة رضي الله
عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“إن لله
تبارك وتعالى ملائكةً سيارةً وفضلاء يلتمسون مجالس الذكر في الأرض فإذا أتَوا على
مجلس ذكرٍ حفَّ بعضهم بعضاً بأجنحتهم إلى السماء، فيقول الله من أين جئتُم؟
فيقولون: جئنا من عند عبادك يسبحونك، ويحمدونك ويهللونك، ويسألونك، ويستجيرونك.
فيقول: ما يسألون؟ - وهو أعلم بهم - فيقولون: يسألونك الجنة. فيقول: وهل رأوْها؟
فيقولون: لا يا رب. فيقول: فكيف لو رأوْها؟ ثم يقول: ومِمَّ يستجيرون؟ - وهو أعلم
بهم - فيقولون: من النار. فيقول: وهل رأوْها؟ فيقولون: لا. فيقول: كيف لو رأوْها؟
ثم يقول: اشهدوا أني قد غفرتُ لهم، وأعطيتُهم ما سألوني، وأجرتُهم مما استجاروني.
فيقولون: ربَّنا إن فيهم عبداً خطَّاءً جلس إليهم وليس منهم؛ فيقول: وهو أيضاً قد
غفرتُ له، هم القوم لا يشقى بهم جليسُهم”
[أخرجه مسلم
في صحيحه في كتاب الذكر ، والترمذي في كتاب الدعوات، والحاكم].
-
وعن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي
الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“ما من قوم
يذكرون الله إلا حفَّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم
الله فيمن عنده”
[أخرجه مسلم
في كتاب الذكر، والترمذي في كتاب الدعوات].
- عن
معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على حَلْقةٍ من أصحابه فقال:
“ما
يُجْلِسُكُمْ؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده فقال: إنه أتاني جبريل فأخبرني أن
الله يُباهي بكم الملائكة”
[أخرجه مسلم
في كتاب الذكر، والترمذي في كتاب الدعوات].
-
عن أنس رضي الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“إن لله
تعالى سيارة من الملائكة يطلبون حِلَقَ الذكر، فإذا أتَوا عليهم حفُّوا بهم”
[رواه
البزار وقال الهيثمي: إسناده حسن].
-
وعن أنس أيضاً
رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“إذا مررتم
برياض الجنة فارتعوا. قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: حِلَقُ الذكر”
[رواه
الترمذي في كتاب الدعوات].
قال العلامة ابن علان شارح الأذكار في معنى هذا
الحديث: (والمعنى: إذا مررتم بجماعة يذكرون الله
فاذكروا موافقة لهم، أو اسمعوا أذكارهم، فإنهم في رياض من الجنة حالاً أو مآلاً.
قال تعالى: {ولمَنْ خافَ مقامَ ربِّهِ جنَّتانِ} [الرحمن:
46]) [“الفتوحات الربانية
على الأذكار النواوية” ج 1/94].
وقال العلامة ابن عابدين في حاشيته في معرِضِ
ذكر الله تعالى مع الجماعة: (وقد شبه الإمام
الغزالي ذكر الإنسان وحده وذكر الجماعة بأذان المنفرد وأذان الجماعة، قال: فكما أن
أصوات المؤذنين جماعة تقطع جِرم الهواء أكثر من صوت المؤذن الواحد، كذلك ذكر
الجماعة على قلب واحد أكثر تأثيراً في رفع الحجب الكثيفة من ذكر شخص واحد) [“حاشية ابن
عابدين” ج5/ص263].
وقال الطحطاوي في حاشيته:
(ونص الشعراني:
أجمع العلماء سلفاً وخلفاً على استحباب ذكر الله تعالى جماعة في المساجد وغيرها من
غير نكير، إلا أن يشوشَ جهرُهم بالذكر على نائم أو مصلٌّ أو قارىء قرآن، كما هو
مقرر في كتب الفقه) [“حاشية الطحطاوي
على مراقي الفلاح” ص208].
وأما الذكر منفرداً: فله أثر فعال في صفاء
القلب وإيقاظه، وتعويد المؤمن على الأنس بربه والتنعم بمناجاته، والشعور بقربه.
فلا بد للمؤمن من جلسة يذكر الله خالياً منفرداً بربه بعد أن يحاسب نفسه ويطلع على
عيوبه وأخطائه، فإذا ما رأى سيئة؛ استغفر وتاب وإذا ما رأى عيباً؛ جاهد نفسه
للتخلص منه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: “سبعة يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم
لا ظل إلا ظله... وذكر منهم: ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه” [أخرجه
البخاري في صحيحه في كتاب أبواب صلاة الجماعة، وأخرجه مسلم في كتاب الزكاة].
آداب الذكر
آداب الذكر
المنفرد:
وينبغي أن يكون الذاكر
على أكمل الصفات، فإن كان جالساً في موضع استقبل القِبلة متذللاً متخشعاً بسكينة
ووقار، مطرقاً برأسه، ولو ذكر على غير هذه الأحوال جاز ولا كراهة في حقه، ولكن إن
كان بغير عذر كان تاركاً للأفضل. وينبغي أن يكون الموضع الذي يذكر فيه خالياً
نظيفاً، فإنه أعظم في احترام الذكر والمذكور، ولهذا مُدح الذكر في المساجد
والمواضع الشريفة. وينبغي أن يكون فمُه نظيفاً، وإن كان به تغيُّرٌ أزاله بالسواك.
إذا كانت هذه النظافة الحسية قد نُدبنا إليها
فإن نظافة القلب الذي هو محل نظر الرب تبارك وتعالى أولى بالاعتبار، فلا بد من
تنقيته من أدرانه؛ كالحقد والكبر، والبخل والرياء، والعلائق الدنيوية والأغيار
والشواغل، حتى يتأهل لمجالسة الحق فلا يزال في الفيض الأقدس مقيماً.
والذكر محبوب في جميع الأحوال، والمراد من
الذكر حضور القلب، فينبغي أن يلاحظ الذاكر ذلك ويتدبر معاني ما يذكر.
فإن كان يستغفر فعليه أن يلاحظ بقلبه طلب
المغفرة والعفو من الله تعالى، وإن كان يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم فعليه
أن يستحضر عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقلبه، وإن كان يذكر بالنفي والإثبات
وهو “لا إله إلا الله”
فعليه أن ينفي كل شاغل يشغله عن الله تعالى. وعلى كلٌّ لا يَترك الذكر باللسان
لعدم حضور القلب، بل يذكر الله بلسانه ولو كان غافلاً بقلبه؛ لأن غفلة الإنسان عن
الذكر إعراض عن الله بالكلية، وفي وجود الذكر إقبال بوجهٍ ما، وفي شغل اللسان بذكر
الله تزيين له بطاعة الله، وفي فقده تعرضٌ لاشتغاله بأنواع المعاصي القولية
كالغيبة والنميمة وغيرها
يقول ابن عطاء الله
السكندري: (لا تترك الذكر لعدم حضور قلبك مع الله
تعالى فيه، لأن غفلتك عن وجود ذكره، أشد من غفلتك في وجود ذكره، فعسى أن يرفعك [الله] من ذكر
مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة، ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور،
ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع وجود غَيْبَةٍ عما سوى المذكور، وما ذلك على الله
بعزيز) [“إيقاظ
الهمم في شرح الحكم” لابن عجيبة ج1/ص79].
فعلى الإنسان ملازمة الذكر باللسان حتى يفتح
القلب، وينتقل الذكر إليه، فيكون من أهل الحضور مع الله تعالى.
آداب الذكر
الجهري مع الجماعة:
الذكر الجهري له آداب ثلاثة: آداب سابقة، وآداب
مقارنة، وآداب لاحقة، وكل قسم من هذه الثلاثة له ظاهر وباطن.
1 - فظاهر الآداب السابقة:
أن يكون الذاكر طاهر الثوب، طيب الرائحة
متوضئاً، نقياً من الحرام كسباً وغذاء.
وباطنها: أن يطهِّر قلبه بالتوبة الصادقة،
ويتخلى عن جميع الأمراض القلبية، ويتبرأ من حوله وقوته، ويدخل الحضرة متحققاً بذله
وفقره واحتياجه إلى نفحات الله وفضله.
2 - وظاهر الآداب المقارنة:
أن يجلس حيث انتهى به المجلس إذا كان الإخوان
جلوساً، وإذا كانوا وقوفاً ذكر خلفهم بذكرهم حتى ينتبه له أقربهم ويفسح له ليدخل
بينهم، وينتظم في حلقتهم، فإذا أراد أن يخرج لعذر طارىء وصل بين مَنْ على جانبيه
بلطف، وخرج حتى لا يقطع عليهما اشتغالهما بالذكر، وأن يكون موافقاً لهم في وضعهم؛
فلا يشذ عنهم بمخالفة، وأن يجتهد في إخفاء صوته في أصواتهم حتى لا يكون مميَّزاً
بينهم، وأن يغمض عينيه حتى لا يشغله أحد عن حضور قلبه مع الله تعالى.
وباطنها: أن يجاهد في طرد وساوس الشيطان وهواجس
النفس، وأن لا يشغل قلبَه أُمورُ الدنيا، وأن يجتهد في الحضور بقلبه وهمته فيما هو
فيه من الذكر وما يَرِدُ عليه من واردات وأحوال، متهيئاً لما يَمنُّ الله به عليه
من تجليات إفضاله.
3 - وظاهر الآداب اللاحقة:
أن يستمع بعد ذلك لعشر من القرآن الكريم
وللمذاكرة العلمية من الشيخ؛ فيسمع بعض النصائح والتوجيهات منه، ويصمت عن الكلام
في مختلف الأمور الدنيوية وغيرها ما دام في مكان الذكر، ويمتنع عن الأعمال
المنافية للآداب. وبعد الانتهاء من المذاكرة والدعاء يسلم على شيخه وإخوانه إما
بالمصافحة أو بتقبيل اليد.
حكم تقبيل
اليد
كثر تساؤل الناس عن
حكم تقبيل اليد، وخصوصاً في هذه الأيام التي كثر فيها اتباع الهوى والرأي، وضعف
التحقيق العلمي السليم، لكن الذي يمحص الحقائق، ويرجع إلى الأحاديث الصحيحة، وآثار
الصحابة الكرام، وأقوال الأئمة المحققين، يجد أن تقبيل يد العلماء والصالحين
والأبوين جائز شرعاً، بل هو مظهر من مظاهر الآداب الإسلامية في احترام أهل الفضل
والتقى، وإليك بعض النصوص الصريحة في ذلك:
1 - أما ما ورد من الأحاديث: فعن صفوان بن عسال،
قال: (قال يهودي لصاحبه: قم بنا إلى هذا النبي،
فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألا عن تسع آيات بينات، فذكر الحديث... إلى
قوله: فقبلا يده ورجله، وقالا: نشهد أنك نبي الله).
رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه، والنسائي وغيرهم.
وروى أبو داود عن أم أبان بنت الوازع بن زارع،
عن جدها زارع وكان في وفد عبد القيس، قال: (فجعلنا
نتبادر من رواحلنا فنقبل يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجله). وكذلك رواه البيهقي كما في “السيرة
الشامية”. وفيها: (ثم
جاء منذر الأشج حتى أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلها، وهو سيد
الوفد...).
وفي “شرح
البخاري” للحافظ ابن حجر العسقلاني: (أن أبا لبابة، وكعب بن مالك، وصاحبيه، قبلوا يد النبي
صلى الله عليه وسلم حين تاب الله عليهم) ج11/ص48.
2 - وأما ما ورد من الآثار : فقد أخرج الطبراني
والبيهقي والحاكم عن الشعبي: (أن زيد بن ثابت صلى
على جنازة فَقُرِّبتْ إليه بغلتهُ ليركبها فجاء عبد الله بن عباس رضي الله عنهما،
فأخذ بركابه، فقال زيد بن ثابت: خلِّ عنها يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه
وسلم. فقال ابن عباس: هكذا أُمِرْنا أن نفعلَ بالعلماء والكبراء، فقبَّل زيد بن
ثابت يد عبد الله وقال: هكذا أمِرنا أن نفعل بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم).
وأخرج البخاري في “الأدب
المفرد” من رواية عبد الرحمن بن رزين قال: (أخرج لنا سلمة بن الأكوع كفاً له ضخمة كأنها كف بعير
فقمنا إليها فقبلناها). كذا في شرح
البخاري لابن حجر العسقلاني ج11/ص48.
وعن ثابت: (أنه
قبل يد أنس) وأخرج أيضاً: (أن علياً قبل يد العباس ورجله).
وأخرج من طريق أبي مالك الأشجعي: (قلت لابن أبي
أوفى: ناولني يدك التي بايعتَ بها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فناولَنيها،
فقبلتُها). كذا في ابن حجر
المذكور.
قال ابن كثير في تاريخه - البداية والنهاية - ج7/ص55، في فتح
بيت المقدس على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد كلام...: ( فلما وصل عمر بن الخطاب إلى الشام تلقاه أبو عبيدة
ورؤوس الأمراء، كخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان، فترجَّل أبو عبيدة وترجَّل
عمر، فأشار أبو عبيدة ليقبل يد عمر، فهمَّ عمر بتقبيل رِجل أبي عبيدة فكف أبو
عبيدة، فكف عمر).
وفي “غذاء
الألباب شرح منظومة الآداب” للعلامة محمد
السفاريني الحنبلي قال: (وفي الآداب الكبرى: وتباح
المعانقة وتقبيل اليد والرأس تديّناً وتكرّماً واحتراماً مع أمن الشهوة) ج1/ص287.
وقال الحافظ ابن الجوزي في “مناقب أصحاب الحديث”: (ينبغي للطالب أن يبالغ في التواضع للعالم ويذل له، قال:
ومن التواضع تقبيل يده. وَقبَّل سفيانُ بن عيينة والفضيلُ بن عياض أحدهما يد
الحسين بن علي الجعفي، والآخر رِجْلَه). كذا في “شرح منظومة الآداب”
للسفاريني ج1/ص287.
وقال أبو المعالي في “شرح
الهداية”: (أما
تقبيل يد العالم والكريم لرفده فجائز؛ وأما أن تُقَبَّلَ يده لغناه، فقد روي: “من تواضع لغني لغناه فقد ذهب ثلثا دينه”، وقد علمت أن الصحابة قَبَّلوا يد المصطفى صلى الله
عليه وسلم، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند قدومهم من غزوة مؤتة). كذا في المصدر السابق.
أقوال الأئمة الأربعة:
الحنفية:
قال العلامة ابن
عابدين في حاشيته، عند كلام صاحب الدر المختار: (ولا
بأس بتقبيل يد الرجل العالم والمتورع على سبيل التبرك، وقيل: سنة، قال الشرنبلالي:
وعلمت أن مفاد الأحاديث سنيته أو ندبه كما أشار إليه العيني) “حاشية ابن
عابدين” المشهورة. ج5/ص254. وفي حاشية
الطحطاوي على مراقي الفلاح، قال: (وفي غاية البيان
عن الواقعات: تقبيل يد العالم أو السلطان العادل جائز. وورد في أحاديث ذكرها البدر
العيني... ثم قال: فعُلِمَ من مجموع ما ذكرنا إباحة تقبيل اليد...). ص209.
المالكية:
قال الإمام مالك: (إن كانت - قُبلة يد الرجل - على وجه التكبر والتعظيم
فمكروهة، وإن كانت على وجه القربة إلى الله لدينه أو لعلمه أو لشرفه فإن ذلك جائز). شرح البخاري لابن حجر العسقلاني
ج11/ص48.
الشافعية:
قال الإمام النووي: (تقبيل يد الرجل لزهده، وصلاحه وعلمه، أو شرفه، أو نحو
ذلك من الأمور الدينية؛ لا يكره بل يستحب، فإن كان لغناه، أو شوكته، أو جاهه عند
أهل الدنيا فمكروه شديد الكراهة) كذا في شرح
البخاري للعسقلاني ج11/ص48.
الحنبلية:
وفي “غذاء الألباب” شرح
منظومة الآداب للعلامة السفاريني الحنبلي قال: (قال
المرزوي: سألت أبا عبد الله - الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله عن قُبلة اليد،
فقال: إن كان على طريق التدين فلا بأس، قَبَّلَ أبو عبيدة يد عمر بن الخطاب رضي
الله عنهما، وإن كان على طريق الدنيا فلا). ج1/ص287.
وأحسن ما قيل في تقبيل
اليد قول ابن شرف الحكيم:
كأنيَ إذ أوالي لثم راحته عجزت عن شكره حتى سددت فمي
وقال آخر في ذلك:
قبل يد الخِيَرَةِ أهل التقى ولا تخف طعن أعاديهم
ريحانة الرحمن عُبَّاده وشمها لثم أياديهم
حكم القيام
للعلماء والصالحين والوالدين
أما حكم القيام لذوي
الفضل فجائز، وهو من الآداب الإسلامية المطلوبة وقد نصت كتب الفقه في مختلف
المذاهب على جوازه.
أ - نصوص السادة الشافعية:
نقل العلامة الفقيه محمد الشربيني في كتابه “المغني المحتاج” ج3/ص135: (ويُسَنُّ القيامُ لأهل الفضل من علم وصلاح أو شرف أو
نحو ذلك لا رياءً وتفخيماً. قال في الروضة: وقد ثبت فيه أحاديث صحيحة) ا هـ.
وللإمام النووي رسالة خاصة سماها “رسالة الترخيص بالقيام لذوي الفضل” في جواز القيام للقادم، واستدل على ذلك بأحاديث كثيرة
منها:
1 - أخرج أبو داود في سننه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً يوماً فأقبل
أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فجلس عليه، ثم أقبلت أمه من الرضاعة فوضع لها شق
ثوبه من الجانب الآخر، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام فأجلسه بين يديه).
2 - وأخرج الإمام مالك في قصة عكرمة بن أبي جهل
رضي الله عنه، لمَّا فرَّ إلى اليمن يوم الفتح ورحلت امرأته إليه حتى أعادته إلى
مكة مسلماً: (فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم
وثب إليه فرحاً ورمى عليه رداءه).
3 - وقام النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم جعفر
من الحبشة فقال: “ما أدري بأيِّهما أنا أُسَرُّ
بقدوم جعفر أو بفتح خيبر”.
4 - وجاء بحديث عائشة رضي الله عنها: (قدم زيد بن حارثة المدينة والنبي صلى الله عليه وسلم في
بيتي، فقرع الباب فقام إليه فاعتنقه وقبله).
5 - وأخرج أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدثنا فإذا
قام قمنا إليه حتى نراه قد دخل).
ب - نصوص السادة الحنفية:
نقل العلامة الفقيه
المحقق ابن عابدين عند قول صاحب الدُّر: وفي الوهبانية يجوز؛ بل يندب القيام
تعظيماً للقادم، كما يجوز القيام ولو للقارىء بين يدي العالم: (قال في “القنية”: قيام الجالس في المسجد لمن دخل عليه تعظيماً وقيام
قارىء القرآن لمن يجيء تعظيماً لا يُكره إذا كان ممن يستحق التعظيم. وفي “مشكل الآثار”: القيام
لغيره ليس بمكروه لعينه، إنما المكروه محبة القيام لمن يُقام له، فإن قام لمن لا
يقام له لا يكره. قال ابن وهبان: أقول: وفي عصرنا ينبغي أن يُستحب ذلك - أي القيام
- لما يورث تركه من الحقد والبغضاء والعداوة، ولا سيما إذا كان في مكان اعتيد فيه
القيام. وما ورد من التوعد عليه، في حق من يحب القيام بين يديه كما يفعله الترك
والأعاجم). ا هـ. حاشية ابن عابدين
ج5/ص254.
ج - نصوص شراح الحديث:
قال أبو سليمان
الخطابي الشافعي شارحاً الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري رضي الله
عنه: (أن أهل قُرَيْظَةَ لما نزلوا على حكم سعد
أرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء على حمار أقمر، فقال النبي عليه الصلاة
والسلام: “قوموا إلى سيدكم أو إلى خيركم”، فجاء حتى قعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم).
قال الخطابي: (فيه من العلم أن قول الرجل لصاحبه: يا سيدي، غير محظور،
إذا كان صاحبه خيِّراً فاضلاً، وإنما جاءت الكراهة في تسويد الرجل الفاجر، وفيه أن
قيام المرؤوس للرئيس الفاضل وللولي العادل، وقيام المتعلم للعالم مستحب غيرُ
مكروه، وإنما جاءت الكراهة فيمن كان بخلاف أهل هذه الصفات).
وقال الخطابي أيضاً في
شرحه لحديث أبي داود الذي رواه معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول: “من أحب أن يُمَثَّلَ له الرجال قياماً
فليتبوأ مقعده من النار”: (قوله صلى الله عليه وسلم: “يمثل” معناه: يقوم وينتصب بين يديه، ووجهه هو أن يأمرهم بذلك
ويلزمه إياهم على مذهب الكبر والنخوة). ا هـ. “معالم السنن” للخطابي
شرح سنن أبي داود ج4/ص155 - 156.
وقال العلامة
السفاريني: (وفي مسند الإمام أحمد رضي الله عنه “قوموا إلى سيدكم فأنزلوه”
لكن يَنْصُرُ كونَ الأمر بالقيام له آخرُ الخبَرِ: وكان رجال من بني الأشهل
يقولون: قمنا له على أرجلنا صفين يحييه كل رجل منا حتى انتهى إلى رسول الله عليه
الصلاة والسلام. كما في “السيرة الشامية”. “غذاء
الألباب شرح منظومة الآداب” للعلامة السفاريني
الحنبلي ج1/ص276.
وقد أورد هذا الخبر
العلامة علي بن برهان الدين الحلبي في كتابه “السيرة
الحلبية” ج2/ص339. في بحث غزوة
بني قريظة.
كما ذكره أيضاً مفتي
السادة الشافعية بمكة المشرفة العلامة أحمد زيني دحلان في كتابه “السيرة النبوية والآثار المحمدية” ج2/ص131].
وباطنها: أن يصمت
بقلبه عن الخواطر، ويصونه عن الالتفات، منتظراً عطاء مولاه، ثم يخرج عاقداً همته،
جامعاً نيته على أن يعود إلى أول مجلس من مجالس ذكر الله تعالى يلي هذا الاجتماع.
الذكر
المقيد والذكر المطلق
أما الذكر المقيد: فهو
الذي ندبَنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم مقيَّداً بزمان خاص أو مكان خاص؛
كالذكر بعد أداء كل صلاة، من تسبيح وتحميد وتكبير، وأذكار المسافر والآكل والشارب،
وأذكار النكاح، وأذكار تقال عند الشدة ودفع الآفات والمصائب، وعند المرض والموت
وما يتعلق بهما، وبعد صلاة الجمعة وليلتها، وعند رؤية الهلال، وإفطار الصائم، وأذكار
الحج بأنواعها، وأذكار تقال في الصباح والمساء، وعند النوم والاستيقاظ، وأذكار
الجهاد في سبيل الله، وأذكار متفرقة: عند صياح الديك، ونهيق الحمار، وأذكار عند
رؤية مبتلى بمرض وغيره.
هذه نبذ قليلة من
الأذكار المقيدة، وإن أردت استيعابها فارجع إلى كتب الأذكار.
وأما الذكر المطلق:
فهو ما لم يقيد بزمان ولا مكان، ولا وقت ولا حال، ولا قيام ولا قعود، فالمطلوب من
المؤمن أن يذكر ربه في كل حال حتى لا يزال لسانه رطباً بذكر الله، والآيات في ذلك
كثيرة منها قوله تعالى: {فاذكُرُوني أذكُرْكُم} [البقرة:
152]. وقوله تعالى: {يُسَبِّحون الليل والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء:
20]. وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكُروا اللهَ ذكراً كثيراً
وسَبِّحُوه بُكرة وأصيلاً} [الأحزاب:
41 -42]. وقوله
تعالى: {والذاكرين الله كثيراً والذاكراتِ أعدَّ
اللهُ لهُمْ مغفِرَةً وأجراً عظيماً} [الأحزاب:
35]. وغيرها من الآيات
التي تدعو إلى الإكثار من ذكر الله مطلقاً دون تقييد بزمان ومكان، كما أن الرسول
الأعظم صلى الله عليه وسلم ندبنا إلى ذكر الله مطلقاً في جميع أحوالنا وأوقاتنا.
فقد روى عبد الله بن
بسر رضي الله عنه، أن رجلاً قال: يا رسول الله إن شرائع الإسلام قد كثُرت عليَّ،
فأخبرني بشيء أتشبثُ به، قال: “لا يزالُ لسانُك
رَطباً من ذكر الله” [رواه
الترمذي في كتاب الدعوات وقال: حديث حسن].
وقد وصفت السيدة عائشة
رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولها: (كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله في كل أحيانه)
[أخرجه مسلم في كتاب الطهارة وفي كتاب الفضائل،
والترمذي في كتاب الدعوات، وأبو داود وابن ماجه في كتاب الطهارة].
وقد دعانا عليه الصلاة
والسلام في أحاديثَ كثيرةٍ إلى أنواع من صيغ الذكر من تسبيح وتهليل وتكبير
واستغفار، دون أن يحدد لها وقتاً معيناً، أو مناسبة خاصة.
قال ابن عباس رضي الله
عنهما: (لم يفرض الله تعالى على عباده فريضة إلا
جعل لها حداً معلوماً، ثم عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر، فإنه لم يجعل له
حداً ينتهي إليه، ولم يعذر أحداً في تركه إلا مغلوباً على عقله، وأمرَهُم بذكره في
الأحوال كلها، فقال عز من قائل: {فاذْكُروا اللهَ
قياماً وقعوداً وعلى جُنُوبِكُم} [النساء:
103]. وقال تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا اذكروا اللهَ ذكراً كثيراً} [الأحزاب:
41]. أي بالليل والنهار،
وفي البر والبحر، والسفر والحضر، والغنى والفقر، وفي الصحة والسقم، والسر والعلانية،
وعلى كل حال [“نور
التحقيق” ص147]. وقد نهج
الصوفية على هذا المنوال فذكروا الله في جميع أحوالهم وأطوارهم.
وكما أن الذكر منه
مقيد بزمن، ومنه مطلق عن ذلك، فكذلك الذكر منه مقيد بعدد، ومنه مطلق عن العدد.
أما المقيد بالعدد
فكالتسبيح دبر كل صلاة، وكالتحميد والتكبير...
عن أبي هريرة رضي الله
عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ سبح
الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحمد الله ثلاثاً وثلاثين، وكبر الله ثلاثاً
وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له
الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر” [رواه
الإمام مسلم في صحيحه في كتاب المساجد ومواضع الصلاة].
وعن سعد بن أبي وقاص
رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “أيعجز أحدكم أن يكسب في كل يوم ألف حسنة؟ فسأله سائل من
جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: يُسبح مائة تسبيحة فتُكتَب له ألفُ حسنة،
أو تُحَط عنه ألفُ خطيئة” [رواه
الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الذكر والدعاء].
وعن الأغَرِّ بن يسار
المُزَني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب في
اليوم مائة مرة” [رواه
الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الذكر والدعاء].
وعن أبي هريرة رضي
الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من
قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو وعلى كل شيء قدير في
يوم مائة مرة، كانت له عدلَ عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة،
وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضلَ مما جاء به إلا
رجل عمل أكثر منه” [رواه
البخاري في صحيحه في كتاب الدعوات ومسلم في كتاب الذكر].
يقول ابن علان في شرحه
لهذا الحديث: (قال القاضي عياض: ذِكْرُ هذا العدد
من المئة، وهذا الحصر لهذه الأذكار دليل على أنها غاية وحدٍّ لهذه الأجور، ثم
نبَّه صلى الله عليه وسلم بقوله: “ولم يأت أحد
بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه” إلى أنه
يجوز أن يُزاد على هذا العدد، فيكون لقائله من الفضل بحسب ذلك لئلا يُظن أنها من
الحدود التي نُهي عن اعتدائها، وأنه لا فضل للزيادة عليها كالزيادة على ركعات
السنن المحدودة وأعداد الطهارة.
وبالغ آخرون فقالوا:
إن الثواب الموعود به موقوف على العدد المذكور.
قال ابن الجوزي: وهذا
غلط ظاهر، وقول لا يُلتفت إليه، بل الصواب أنه كما قال الشاعر: ومن زاد زاد الله
في حسناته) [“الفتوحات
الربانية على الأذكار النواوية” ج1/ص209 للعلامة
ابن علان الصديقي توفي سنة 1057هـ].
وأما الذكر المطلق عن
العدد: فهو الذي وجهنا الله تعالى إلى الإكثار منه في جميع أحوالنا وأوقاتنا دون
تقييده بعدد مخصوص، كما في قوله تعالى: {يا أيُّها
الذين آمنوا اذكروا اللهَ ذكراً كثيراً} [الأحزاب: 41]. وكلما علت
همة المؤمن وزادت محبته لله تعالى أكثر من ذكره، لأن من أحب شيئاً أكثر من ذكره.
ولا بأس للمرشد الموجه
أن يُرغِّبَ المريدَ بأعداد معينة من الأذكار ليرفع من همته ويشد من عزيمته، ويدفع
عنه الإهمال والتقاعس، وحتى يكون من المكثرين من ذكر الله تعالى.
ألفاظ الذكر
وصيغه
ذكرُ الله تعالى بجميع
صيغه دواء لأمراض القلوب وعلل النفوس. فمن هذه الصيغ: لا إله إلا الله، ومنها
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والاستغفار وبعض أسماء الله الحسنى، ومنها
الاسم المفرد [الله]،
وهكذا... وكل هذه الأدوية مستخرجة من صيدلية القرآن والحديث.
وبما أن صيغ الأذكار
كثيرة متنوعة، ولكل صيغة تأثير قلبي خاص ومفعول نفسي معين، فإن مرشدي السادة
الصوفية - أطباء القلوب وورَّاث الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم في الدعوة
والتوجيه والتربية - يأذنون لمريديهم بأذكار معينة تتناسب مع أحوالهم وحاجاتهم،
وترقيهم في السير إلى رضوان الله تعالى، وذلك كما يعطي الطبيب الجسماني للمريض
أنواعاً من الأدوية والعلاجات تتلاءم مع علله وأسقامه، ثم يبدل له الدواء حسب تقدمه
نحو الشفاء، ولهذا لا بد للمريد السالك أن يكون على صلة بالمرشد، يستشيره ويذاكره،
ويعرض عليه ما يجده في الذكر من فوائد روحية، وأحوال قلبية، وحظوظ نفسية، وبذلك
يترقى في السير، ويتدرج في السمو الخُلقي والمعارف الإلهية.
حكم الذكر
بالاسم المفرد [الله]
أما الذكر بالاسم
المفرد [الله]
فجائز بدليل قول الله تعالى:
{واذْكُرِ اسمَ ربِّكَ وتبتَّلْ إليه تبتيلاً} [المزمل:
8]. وقوله تعالى: {واذْكُرِ اسمَ ربِّكَ بكرةً وأصيلاً} [الدهر: 25].
وقد ورد في الحديث
الشريف الذي رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله” [أخرجه مسلم
في صحيحه في كتاب الإيمان، والترمذي في كتاب الفتن، وقال: حديث حسن، والإمام أحمد
في مسنده]. فهذا اسم مفرد ورد
ذكره مكرراً في هذا الحديث.
وفي رواية أخرى عن أنس
رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا
تقوم الساعة على أحدٍ يقول: الله، الله” [أخرجه مسلم
في صحيحه في كتاب الإيمان، والترمذي في كتاب الفتن، وقال: حديث حسن، والإمام أحمد
في مسنده]. قال العلامة علي
القاري في شرح هذا الحديث: (أي لا يُذكَرُ الله
فلا يبقى حكمة في بقاء الناس، ومن هذا يُعرَفُ أن بقاء العالم ببركة العلماء
العاملين والعُبَّاد الصالحين وعموم المؤمنين، وهو المراد بما قال الطيبي رحمه
الله: معنى حتى لا يُقالَ [الله، الله]: حتى لا يُذكَرَ اسمُ الله ولا يُعبَد) [“مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح” لملا علي القاري ج5/ص226].
ثم إن الآيات الكريمة
والأحاديث الشريفة التي رَغَّبَتْ في الذكر جاءت عامة ومطلقة لم تخصص ذكراً
معيناً، ولم يرد نص شرعي يُحَرِّمُ الذكرَ بالاسم المفرد [الله].
ومن هنا يظهر خطأ بعض
المتسرعين بالاعتراض على الذكر بالاسم المفرد بحجة أنه لم يَرِدْ به نص في الكتاب
والسنة، مع أن النصوص المذكورة آنفاً ظاهرة جلية كما بينا.
واعترض بعضهم أيضاً
على الذكر بالاسم المفرد بحجة أنه لا يؤلف جملة تامة مفيدة كما في قولنا: الله
جليل
والجواب على ذلك: أن
الذاكر بهذا الاسم المفرد لا يكلم مخلوقاً فلا يُشترط أن يكون كلامه تاماً مفيداً؛
لأنه يذكر الله سبحانه الذي هو عالم بنفسه مطلع على قلبه. ولقد نص جمهور العلماء
على جواز الذكر بالاسم المفرد [الله]، وإليك بعض أقوالهم:
يقول العلامة ابن
عابدين في حاشيته الشهيرة عند شرح البسملة وبحثه عن لفظة [الله]: (روى هشام عن
محمد عن أبي حنيفة أنه [أي الله] اسم الله الأعظم، وبه قال الطحاوي، وكثير من
العلماء وأكثر العارفين حتى إنه لا ذكر عندهم لصاحب مقام فوق الذكر به، كما في “شرح التحرير” لابن أمير
حاج) [حاشية ابن
عابدين ج1/ص5].
وقال العلامة الخادمي:
(واعلم أن اسم الجلالة [الله] هو الاسم الأعظم عند أبي حنيفة والكسائي والشعبي
وإسماعيل بن إسحق وأبي حفص وسائر جمهور العلماء، وهو اعتقاد جماهير مشايخ الصوفية
ومحققي العارفين، فإنه لا ذكر عندهم لصاحب مقام فوق مقام الذكر باسم [الله] مجرداً.
قال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام: {قُلِ اللـهُ
ثُمَّ ذرهُمْ} [الأنعام:
91]).
وقال العلامة المحدث
المناوي شارحاً حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن
الله تعالى يقول: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه”
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والحاكم في
مستدركه، وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه]: (فهو مع من يذكره بقلبه، ومع من يذكره بلسانه، لكن معيته
مع الذكر القلبي أتم، وخص اللسان لإفهامه دخول الأعلى بالأوْلى، لكن محبته وذكره
لما استولى على قلبه وروحه وصار معه وجليسه. ولزوم الذكر عند أهل الطريق من
الأركان الموصلة إلى الله تعالى، وهو ثلاثة أقسام: ذكر العوام باللسان، وذكر
الخواص بالقلب، وذكر خواص الخواص بفنائهم عن ذكرهم عند مشاهدتهم مذكورهم، حتى يكون
الحق مشهوداً لهم في كل حال.
قالوا: وليس للمسافر
إلى الله في سلوكه أنفع من الذكر المفرد القاطع من الأفئدة الأغيارَ، وهو [الله] وقد ورد في حقيقة الذكر وتجلياته ما لا يفهمه
إلا أهل الذوق) [“فيض القدير
شرح الجامع الصغير” للعلامة المناوي ج2/ص309].
وقال الإمام الجنيد
رحمه الله: (ذاكر هذا الاسم [الله] ذاهب عن
نفسه، متصل بربه، قائم بأداء حقه، ناظرٌ إليه بقلبه، قد أحرقت أنوار الشهود صفات
بشريته) [“نور
التحقيق” ص174].
وقال سيدي أبو العباس
المرسي رحمه الله: (ليكن ذكرك [الله، الله]،
فإن هذا الاسم سلطان الأسماء، وله بساط وثمرة، فبساطه العلم، وثمرته النور، وليس
النور مقصوداً لذاته؛ بل لِما يقع به من الكشف والعيان، فينبغي الإكثار من ذكره،
واختياره على سائر الأذكار، لتضمنه جميع ما في [لا
إله إلا الله] من العقائد والعلوم والآداب
والحقائق... إلخ) [“نور
التحقيق” ص 174].
وقال العارف بالله ابن
عجيبة: (فالاسم المفرد[الله] هو سلطان الأسماء، وهو اسم الله الأعظم، ولا يزال
المريد يذكره بلسانه ويهتز به حتى يمتزج بلحمه ودمه، وتسري أنواره في كلياته
وجزئياته... إلى أن قال: فينتقل الذكر إلى القلب ثم إلى الروح ثم إلى السر، فحينئذ
يخرس اللسان ويصل إلى الشهود والعيان) [“تجريد ابن
عجيبة على شرح متن الأجرومية” ص15].
فتمسَّكْ أيها المريد
الصادق بذكر الاسم المفرد [الله] إذا كنت مأذوناً به من مرشد كامل، فإنه أسرع في
قلع عروق النفس من منابتها من السكين الحاد.
وأما ما يراه المريد
في أول سيره أثناء ذكره لهذا الاسم من حرارة وضيق فلأن نفسه لا حَظَّ لها من هذا
الذكر، حيث إن هذا الاسم يزيل عالم الخلق من القلب ويفرغه من الأكوان.
لذا نرى المربين الكمل
يأمرون مريديهم بذكر [لا اللهه إلا الله] في بادىء أمرهم، فإذا تمكن النفي والإثبات من
قلوبهم نقلوهم إلى ذكر الاسم المفرد، وأوصوهم بملازمته ومجاهدة النفس على تحمل
مرارته.
فإن لم يصبروا على هذه
المرارة في ابتداء أمرهم وأهملوا ذكر الاسم
المفرد وقفوا في سيرهم وحُرِموا خيراً عظيماً بسبب فساد عزيمتهم وضعف
إرادتهم.
أما إذا عزموا على ذكر
هذا الاسم وصبروا واستقاموا عليه انطبع هذا الاسم في قلوبهم وارتحلت عنهم الغفلة
حتى يكون الاسم سارياً في عروقهم ممزوجاً بأرواحهم، ويكون المذكور تجاههم لا
يغفلون إذا غفل الناس، وعندها يتحققون بمقام الإحسان الذي أشار إليه رسول الله صلى
الله عليه وسلم بقوله: “الإحسان أن تعبد الله كأنك
تراه...”.
التحذير من
ترك الذكر
لقد حذر الله تعالى
عباده من ترك ذكره في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، كما حذر
العارفون بالله من المربين المرشدين مريديهم من ترك الذكر كذلك.
أما في كتاب الله
الكريم:
فقد قال تعالى: {ومَنْ يَعْشُ عن ذكر الرحمن نُقَيّضْ له شيطاناً فهو له
قرين . وإنَّهم لَيَصُدُّونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون} [الزخرف: 36 -37].
وقال تعالى: {واذكر ربَّك في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول
بالغُدُوِّ والآصالِ ولا تكُنْ مِنَ الغافلين} [الأعراف:
205].
وقال في ذم المنافقين:
{ولا يذكرونَ اللهَ إلا قليلاً} [النساء:
142].
وأما في سنة رسول الله
صلى الله عليه وسلم:
- فقد روي عن أبي
هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما منْ قوم يقومون من مجلس لا يذكرون فيه الله إلا
قاموا عن مثلِ جيفة حمار، وكان عليهم حسرةً يوم القيامة” [أخرجه أبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
كما في “الترغيب والترهيب”
ج2/ص410].
- وعن عن أبي هريرة
رضي الله عنه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من قعد مقعداً لم يذكر الله فيه كان عليه من الله
تِرةً، ومن اضطجع مضطجعاً لا يذكر الله فيه كان عليه من الله ترة، وما مشى أحدٌ
ممشى لا يذكر الله فيه إلا كان عليه من الله ترة” [رواه أبو
داود في سننه، والإمام أحمد وابن أبي الدنيا والنسائي وابن حبان في صحيحه واللفظ
لأبي داود. والترة: النقص والتبعة والحسرة والندامة].
- وعن أبي هريرة رضي
الله عنه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما
جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه، ولم يُصلُّوا على نبيهم، إلا كان عليهم تِرةً
فإن شاء عذَّبهم، وإن شاء غفر لهم” [رواه
الترمذي في كتاب الدعوات وقال: حديث حسن، وأبو داود في سننه].
- وعن معاذ بن جبل رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ليس
يتحسر أهل الجنة إلا على ساعة مرت بهم لم يذكروا الله فيها” [أخرجه
الطبراني ورواه البيهقي بأسانيد أحدها جيد].
وأما ما ورد من أقوال
العارفين:
فقد قال سهل: (ما أعلم معصية أقبح من ترك ذكر هذا الرب).
وقال أبو الحسن
الشاذلي رضي الله عنه: (من علامة النفاق ثقل الذكر
على اللسان، فتب إلى الله تعالى يخفُّ الذكر على لسانك)
[“روضة الناظرين” ص44].
كأنه اقتبس ذلك من وصف
الله تعالى للمنافقين: {إنَّ المنافقين يُخادعون
اللهَ وهو خادعُهُم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كُسالى يُراؤونَ الناسَ ولا
يذكرونَ اللهَ إلا قليلاً} [النساء:
142].
وقيل: (لكل شيء عقوبة، وعقوبة العارف انقطاعه عن الذكر).
فعلى العاقل أن ينتبه
من غفلته، وأن يسعى جاداً في إيقاظ قلبه بذكر ربه، متصفاً بصفة المؤمنين الذاكرين
الله كثيراً، بعيداً عن صفة المنافقين الذي لا يذكرون الله إلا قليلاً.
الحركة في
الذكر
الحركة في الذكر أمر
مستحسن، لأنها تنشط الجسم لعبادة الذكر وهي جائزة شرعاً بدليل ما أخرجه الإمام
أحمد في مسنده والحافظ المقدسي برجال الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه قال: (كانت الحبشة يرقصون بين يدي رسول الله صلى الله عليه
وسلم، ويقولون بكلام لهم: محمد عبد صالح، فقال صلى الله عليه وسلم: “ماذا يقولون؟” فقيل:
إنهم يقولون: محمد عبد صالح، فلما رآهم في تلك الحالة لم ينكر عليهم، وأقرهم على
ذلك، والمعلوم أن الأحكام الشرعية تؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره،
فلما أقرهم على فعلهم ولم ينكر عليهم تبين أن هذا جائز.
وفي الحديث دليل على
صحة الجمع بين الاهتزاز المباح ومدحِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الاهتزاز
بالذكر لا يُسمى رقصاً محرماً، بل هو جائز لأنه ينشط الجسم للذكر، ويساعد على حضور
القلب مع الله تعالى؛ إذا صحت النية. فالأمور بمقاصدها، وإنما الأعمال بالنيات
وإنما لكل امرىء ما نوى.
ولنستمع إلى الإمام
علي رضي الله عنه كيف يصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو أراكة: (صلّيتُ مع علي صلاة الفجر، فلما انفتل عن يمينه مكث
كأنَّ عليه كآبة، حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح صلى ركعتين، ثم قلب
يده فقال: والله لقد رأيت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فما أرى اليوم شيئاً
يشبههم، لقد كانوا يصبحون صفراً شعثاً غبراً، بين أيديهم كأمثال رُكَب المَعْزى،
قد باتوا لله سجداً وقياماً، يتلون كتاب الله يتراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا
أصبحوا فذكروا الله مادوا [أي تحركوا] كما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى
تَنْبَلَّ - والله - ثيابُهم) [“البداية
والنهاية في التاريخ” للإمام الحافظ المفسر المؤرخ
إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي المتوفى 774هـ. ج8/ص6. وأخرجه أيضاً أبو نعيم في “الحلية” ج1/ص76].
ويهمنا من عبارة
الإمام علي رضي الله عنه قوله: (مادوا كما يميد
الشجر في يوم الريح)، فإنك تجده صريحاً في
الاهتزاز، ويُبطل قولَ من يدَّعي أنه بدعة محرمة، ويثبت إباحة الحركة في الذكر
مطلقاً. وقد استدل الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله بهذا الحديث في إحدى رسائله
على ندب الاهتزاز بالذكر، وقال: هذا صريح بأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتحركون
حركة شديدة في الذكر. على أن الرجل غير مؤاخذ حين يتحرك ويقوم ويقعد على أي نوع
كان حيث إنه لم يأت بمعصية ولم يقصدها كما ذكرنا.
إلاَّ أن هناك جماعة
من الدخلاء على الصوفية - نسبوا أنفسهم إليهم وهم منهم براء - شوَّهوا جمال حلقات
الأذكار بما أدخلوا عليها من بدع ضالة، وأفعال منكرة، تحرمها الشريعة الغراء؛
كاستعمال آلات الطرب المحظورة، والاجتماع المقصود بالأحداث، والغناء الفاحش، فلم
يَعُدْ وسيلةً عملية لتطهير القلب من أدرانه، وصلته بالله تعالى، بل صار لتسلية
النفوس الغافلة، وتحقيق الأغراض الدنيئة.
ومما يُؤسَف له أن بعض
أدعياء العلم قد تهجموا على حِلَقِ الذكر ولم يميزوا بين هؤلاء الدخلاء المنحرفين
وبين الذاكرين السالكين المخلصين الذي يزيدهم ذكر الله رسوخاً في الإيمان،
واستقامة في المعاملة، وسُموَّاً في الخلق واطمئناناً في القلب.
وهناك علماء منصفون قد
ميَّزوا بين الصوفية الصادقين السائرين على قدم الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم،
وبين الدخلاء المارقين، وأوضحوا حكم الله في الذكر، وعلى رأسهم العلاَّمة ابن
عابدين في رسالته “شفاء العليل”، فقد ندد بالدخلاء على الصوفية، واستعرض بدعهم
ومنكراتهم في الذكر وحذر منهم، ومن الاجتماع بهم، ثم قال: (ولا كلام لنا مع الصُّدَّق من ساداتنا الصوفية المبرئين من كل خصلة
ردية ، فقد سئل إمام الطائفتين سيدنا الجنيد: إن أقواماً يتواجدون ويتمايلون؟
فقال: دعوهم مع الله تعالى يفرحون، فإنهم قوم قطعت الطريق أكبادهم، ومزق النصب
فؤادهم، وضاقوا ذرعاً فلا حرج عليهم إذا تنفسوا مداواة لحالهم، ولو ذقتَ مذاقهم
عذرتهم... ثم قال: (وبمثل ما ذكره الإمام الجنيد
أجاب العلاَّمة النحرير ابن كمال باشا لمَّا استفتي عن ذلك حيث قال:
ما في التواجد إن حققتَ من حرج ولا التمايل إن أخلصتَ من باس
فقمتَ تسعى على رِجْلٍ وَحُقَّ
لمن دعاه مولاه أن يسعى على الراس
الرخصة فيما ذكر من
الأوضاع، عند الذكر والسماع للعارفين الصارفين أوقاتهم إلى أحسن الأعمال، السالكين
المالكين لضبط أنفسهم عن قبائح الأحوال، فهم لا يستمعون إلا من الإله، ولا يشتاقون
إلا له، إن ذكروه ناحوا، وإن شكروه باحوا، وإن وجدوه صاحوا، وإن شهدوه استراحوا،
وإن سرحوا في حضرات قربه ساحوا، إذا غلب عليهم الوجد بغلباته، وشربوا من موارد
إرادته، فمنهم من طرقته طوارق الهيبة فَخَرَّ وذاب، ومنهم من برقت له بوارق اللطف
فتحرك وطاب، ومنهم من طلع عليهم الحِبُّ من مطلع القرب فسكر وغاب، هذا ما عنَّ لي
في الجواب، والله أعلم بالصواب). ثم قال أيضاً: (ولا كلام لنا مع من اقتدى بهم، وذاق من مشربهم، ووجد من
نفسه الشوق والهيام في ذات الملك العلام، بل كلامنا مع هؤلاء العوام الفسقة
اللئام...)[ مجموعة
رسائل ابن عابدين - الرسالة السابعة - شفاء العليل وبل الغليل في حكم الوصية
بالختمات والتهاليل للفقيه الكبير ابن عابدين ص172 -
173].
من هذا نرى أن ابن
عابدين رحمه الله تعالى يبيح التواجد والحركة في الذكر، وأن الفتوى عنده الجواز،
وأن النصوص المانعة التي ساقها في حاشيته المشهورة في الجزء الثالث تُحمل على ما
إذا كانت في حِلَق الذكر منكرات: من آلات اللهو والغناء، والضرب بالقضيب،
والاجتماع مع المرد الحسان، وإنزال المعاني على أوصافهم، والتغزل بهم، وما إلى ذلك
من المخالفات.
ولم يتمسك المانعون المستندون إلى كلام ابن
عابدين برأيهم؛ إلا لعدم إطلاعهم على كلامه في مجموعة الرسائل حيث فَرَّق - كما
مرَّ - بين الدخلاء والصادقين، وأباح فيها التواجد للعارفين الواصلين، والمقتدين
بهم من المقلدين، فراجع المصدرين يَبِنْ لك الحق.
ولا شك أن التواجد هو
تكلف الوجد وإظهاره من غير أن يكون له وجد حقيقة، ولا حرج فيه إذا صحت النية كما
قال العلامة ابن عابدين في حاشيته:
ما في التواجد إن حققت مِنْ حرج ولا
التَّمايلِ إن أخلصت من باس
فإذا كان التواجد
جائزاً شرعاً ولا حرج فيه كما نص عليه الفقهاء، فالوجد من باب أْولى. وما وَجْدُ
الصوفية وتواجدهم إلا قبس مما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وها هو مفتي السادة
الشافعية بمكة المكرمة العلامة الكبير أحمد زيني دحلان رحمه الله يورد في كتابه
المشهور في السيرة النبوية مشهداً من إحدى حالاتهم، ويعلق عليه فيقول: (وبعد فتح خيبر قدم من الحبشة جعفر بن أبي طالب رضي الله
عنه ومن معه من المسلمين وهم ستة عشر رجلاً فتلقى النبي صلى الله عليه وسلم جعفر
وقبَّل جبهته وعانقه وقام له - وقد قام لصفوان بن أُمية لما قدم عليه، ولعدي بن
حاتم رضي الله عنهما - ثم قال صلى الله عليه وسلم: “ما
أدري بأيهما أفرح بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟” وقال
صلى الله عليه وسلم لجعفر: “أشبهتَ خَلْقي وخُلُقي”، فرقص رضي الله عنه من لذة هذا الخطاب، فلم ينكر عليه
صلى الله عليه وسلم رقصه، وجُعل ذلك أصلاً لرقص الصوفية عندما يجدون من لذة
المواجيد في مجالس الذكر والسماع) [“السيرة
النبوية والآثار المحمدية” لزيني دحلان، على هامش
السيرة الحلبية ج2/ص252. والحديث رواه البخاري في صحيحه في كتاب الصلح].
وقال العلامة الألوسي
في تفسيره عند قوله تعالى: {الذينَ يذكُرونَ اللهَ
قِياماً وقُعوداً وعلى جُنوبِهم} [آل عمران: 191]: (وعليه فيُحمل ما حُكي عن ابن عمر رضي الله عنهما وعروة
بن الزبير وجماعة رضي الله عنهم من أنهم خرجوا يوم العيد إلى المصلى، فجعلوا
يذكرون الله تعالى، فقال بعضهم: أمَا قال الله تعالى: {يذكرون
الله قياماً وقعوداً}؟ فقاموا يذكرون الله تعالى
على أقدامهم، على أنّ مرادهم بذلك التبرك بنوع موافقة للآية في ضمن فرد من أفراد
مدلولها) [“روح المعاني” للعلامة محمود الألوسي ج4/ص140].
ولسيدي أبي مدين رضي الله عنه:
وقل للذي ينهَى عن الوجد أهلَه إذا لم تذق معنى شرابِ الهوى دعنا
إذا اهتزت الأرواحُ شوقاً إلى
اللِّقا نعمْ ترقص الأشباح يا جاهلَ
المعنى
أمَا تنظرُ الطيرَ المقفَّص يا
فتى إذا ذكر الأوطان حنَّ إلى
المغنى
يفرِّجُ بالتغريد ما بفؤاده فتضطرب الأعضاء في الحس والمعنى
كذلك أرواح المحبين يا فتى تهزْهزُها الأشواق للعالم الأسنى
أنُلزِمها بالصبر وهي مَشوقةٌ وهل يستطيع الصبر من شاهد المعنى
فيا حاديَ العشاق قم واشدُ
قائماً وزَمْزم لنا باسم الحبيب
وروِّحْنا
والخلاصة:
يُفهم مما سبق أن
الحركة في الذكر مباحة شرعاً، هذا بالإضافة إلى أن الأمر بالذكر مطلق يشمل جميع
الأحوال؛ فمن ذكر الله تعالى قاعداً أو قائماً، جالساً أو ماشياً، متحركاً أو
ساكناً... فقد قام بالمطلوب ونفَّذَ الأمر الإلهي. فالذي يدَّعي تحريم الحركة في
الذكر أو كراهتها هو المطالَب بالدليل، لأنه يخصص بعض الحالات المطلقة دون بعض
بحكم خاص.
وعلى كلّ؛ فإن غاية المسلم في دخوله حلقات
الأذكار قيامه بعبادة الذكر، وإن الحركة في ذلك ليست شرطاً، ولكنها وسيلة للنشاط
في تلك العبادة وَتَشبُّهٌ بأهل الوجد إن صحت النية.
فتَشَبَّهوا إنْ لم تكونوا
مثلهم إنَّ التشبهَ بالكرام فلاحُ
الإنشاد
والسماع في المسجد
- عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: “إن من الشعر حكمة”
[رواه البخاري في صحيحه في كتاب الأدب. ومسلم في
كتاب الجهاد].
- وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينقل
اللَّبن مع القوم في بناء المسجد وهم يرتجزون [قال
ابن الأثير في “النهاية”:
الرجز بحر من بحور الشعر معروف، ونوع من أنواعه يكون كل مصراع منه مفرداً، وتسمى
قصائده أراجيز، فهو كهيئة السجع إلا أنه في وزن الشعر. ج2/ص70] ويقولون:
اللهم لا عيشَ إلا عيشُ الآخرة فانصر الأنصار والمهاجرة
[رواه
البخاري في صحيحه في كتاب الأدب. ومسلم في كتاب الجهاد].
- وعن سلمة بن الأكوع
رضي الله عنه قال: “خرجنا مع النبي صلى الله عليه
وسلم إلى خيبر، فسرنا ليلاً، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع ألا تسمعنا من
هُنَيْهاتِك؟ وكان عامر رجلاً شاعراً، فنزل يحدو بالقوم ويقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فاغفرْ فداءٌ لك ما اقتضينا وثبِّتِ الأقدام إن لاقينا
وألْقيَنْ سكينةً علينا إنا إذا صِيحَ بنا أتينا
وبالصياح عَوَّلوا علينا
فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: “مَنْ هذا السائق؟” قالوا: عامر بن الأكوع، قال: “يرحمه
الله”، فقال رجل من القوم: وجبت يا رسول الله،
لولا أمتَعْتنا به، فأصيبَ...” الحديث [رواه
البخاري في صحيحه في كتاب الأدب. ومسلم في كتاب الجهاد].
- وعن سعيد بن المسيب
قال: (مرَّ عمرُ في المسجد وحسان يُنشد، فلحِظَه
عمر [أي نظر إليه نظرة إنكار]، فقال: كنت أُنشد وفيه من هو خير منك [يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم]، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال:
(أُنشِدُك
بالله أسمعتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: “أجب
عني، اللهم أيده بروح القدُس؟” قال: نعم) [رواه
البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة. وأول الحديث “يا
حسان أجب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، اللهم أيده بروح القدس”. ورواه مسلم في صحيحه في باب فضائل حسان
بن ثابت].
- عن عائشة رضي الله
عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يضع لحسان منبراً في المسجد يقوم عليه قائماً
يفاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
“إن الله
يؤيد حسانَ برُوح القدُس ما نافح أو فاخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم” [رواه مسلم
في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة وأول الحديث: “إن
روح القدس...”].
يقول العلامة
السفاريني شارح “منظومة الآداب”: (وفي رواية أبي بكر
بن الأنباري، أن كعب بن زهير لما جاء تائباً وقال قصيدته المشهورة:
بانت سعادُ فقلبي اليومَ
متْبولُ مُتَيَّمٌ إثرَها لم يُفْدَ
مكبولُ
إلى أن وصل:
إن الرسول لسيفٌ يُستضاء به مُهنَّدٌ من سيوف الهند مسلولُ
رمى صلى الله عليه
وسلم إليه بردة كانت عليه، وأن معاوية بذل فيها عشرة آلاف فقال: ما كنت لأوثر بثوب
رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً، فلما مات كعب بعث معاوية إلى ورثته بعشرين
ألفاً فأخذها منهم... إلى أن قال: تحصَّل من إنشاد قصيدة كعب بن زهير رضي الله عنه
بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعطائه صلى الله عليه وسلم البردة عدةُ
سننٍ:
1 - إباحة إنشاد الشعر.
2 - استماعه في المساجد.
3 - الإعطاء عليه)
[“غذاء الألباب” ص155].
ذكر الإمام الشاطبي في
كتابه “الاعتصام”:
(أن أبا الحسن القرافي الصوفي يروي عن الحسن
البصري رحمه الله: أن قوماً أتوا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالوا: يا أمير
المؤمنين إن لنا إماماً إذا فرغ من صلاته تغنَّى، فقال عمر رضي الله عنه: مَنْ هو؟
فذُكر الرجل، فقال: قوموا بنا إليه، فإنا إن وجهنا إليه يظن أنا تجسسنا عليه أمره،
قال: فقام عمر رضي الله عنه مع جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتوا
الرجل وهو في المسجد، فلما أن نظر إلى عمر قام فاستقبله فقال: يا أمير المؤمنين ما
حاجتك؟ وما جاء بك؟ إن كانت الحاجة لنا كنا أحق بذلك منك أن نأْتيك، وإن كانت
الحاجة لله فأحق مَنْ عظمناه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له عمر:
ويحك بلغني عنك أمر ساءني. قال: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: أَتَتَمجَّن في
عبادتك؟! قال: لا يا أمير المؤمنين، لكنها عظة أعظ بها نفسي. قال عمر: قلْها فإن
كان كلاماً حسناً قلتُه معك، وإن كان قبيحاً نهيتُك عنه فقال:
وفؤادي كلما عاتبْتُه في مدى الهجران يبغي تعبي
لا أُراه الدهرَ إلا لاهياً في تماديه فقد برَّحَ بي
يا قرينَ السوء ما هذا الصِّبّا فَنِيَ العمرُ كذا في اللعب
وشباب بَانَ عني فمضى قبل أن أقضي منه أربي
ما أُرَجِّي بعده إلا الفَنا ضيَّقَ الشيبُ عليَّ مطلبي
ويْحَ نفسي لا أراها أبداً في جميلٍ لا ولا في أدب
نفسُ لا كنتِ ولا كان الهوى راقبي المولى وخافي وارهبي
فقال عمر رضي الله
عنه:
نفسُ لا كنتِ ولا كان الهوى راقبي المولى وخافي وارهبي
ثم قال عمر رضي الله
عنه: على هذا فليغنِّ مَنْ غنَّى) [“الاعتصام” للإمام الشاطبي ج1/ص220].
وقال الإمام الشافعي
رضي الله عنه: (الشعر كلام؛ فحَسَنُه حَسَنٌ،
وقبيحه قبيح) [قال
المحدث ابن حجر العسقلاني: (أخرج البخاري في “الأدب المفرد” من حديث
عبد الله بن عمرو مرفوعاً بلفظ: “الشعر بمنزلة
الكلام فحَسَنُه كحَسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام”
وسنده ضعيف وأخرجه الطبراني. وقد اشتهر هذا الكلام عن الشافعي رحمه الله، واقتصر
ابن بطال على نسبته إليه فقصر وعاب القرطبي المفسر على جماعة من الشافعية الاقتصار
على نسبة ذلك للشافعي. “فتح الباري في شرح
صحيح البخاري” للمحدث ابن حجر العسقلاني ج10/ص443].
وقال العلامة النووي: (لا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا كان مدحاً للنبوة أو
الإسلام، أو كان حكمة أو في مكارم الأخلاق، أو الزهد ونحو ذلك من أنواع الخير) [“شرح صحيح
مسلم” للإمام النووي كتاب فضائل الصحابة ج16/ص45].
وقال أبو بكر ابن
العربي المالكي شارح سنن الترمذي: (لا بأس بإنشاد
الشعر في المسجد إذا كان في مدح الدين وإقامة الشرع)
[“تحفة الأحوذي شرح سنن
الترمذي” ج2/ص276].
وأما الحداء فقد قال
حجة الإسلام الغزالي في “الإحياء”: (لم يزل الحداء وراء
الجمال من عادة العرب في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وزمان الصحابة رضي
الله عنهم، وما هو إلا أشعار تُؤَدّى بأصوات طيبة وألحان موزونة، ولم يُنْقَل عن
أحد من الصحابة إنكاره) [“إحياء علوم
الدين” لحجة الإسلام الغزالي ج2/ص242].
- وعن أنس رضي الله
عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر،
وكان غلام يحدو بهن يقال له أنجشة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “رويدَك يا أنجشة سَوْقك بالقوارير” قال أبو قلابة: يعني ضَعَفَة النساء) [رواه البخاري في
صحيحه في كتاب الأدب، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة].
- وعن أنس بن مالك رضي
الله عنه قال: (كان للنبي صلى الله عليه وسلم حادٍ
يقال له أنجشة، وكان حسن الصوت، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “يا أنجشُ رويدك لا تكسر القوارير”. قال قتادة: يعني ضَعَفَة النساء) [رواه
البخاري في صحيحه في كتاب الأدب].
قال الحافظ ابن حجر في
شرح البخاري: (قال ابن بطال: القوارير: كناية عن
النساء اللاتي كن على الإبل التي تُساق حينئذ، فأمر عليه السلام الحادي بالرفق
بالحداء، لأنه يحث الإبل حتى تسرع، فإذا أسرعت لم يُؤْمَن على النساء السقوطُ،
وإذا مشت رويداً أمن على النساء السقوط... إلى أن قال: نقل ابن عبد البر الاتفاق
على إباحة الحداء، وفي كلام بعض الحنابلة خلاف فيه، ومن منعه محجوج بالأحاديث
الصحيحة.
ويلتحق بالحداء هنا الحداء للحجيج المشتمل على
التشوق إلى الحج بذكر الكعبة وغيرها من المشاهد، ونظيره ما يحرِّض أهل الجهاد على
القتال.
وأخرج الطبري من طريق ابن جريج قال: سألت عطاءً
عن الحداء والشعر والغناء، فقال: لا بأس به، ما لم يكن فحشاً.
وقال ابن بطال: ما كان في الشعر والرجز ذكراً
لله تعالى، وتعظيماً له، ووحدانيتَه، وإيثارَ طاعته، والاستسلامَ له فهو حسن
مرغَّب فيه، وهو المراد من الحديث: “إنَّ من الشعر
حكمة”. وما كان كذباً وفحشاً فهو مذموم... إلى أن
قال: ومحصله: أن الحداء بالرجز والشعر لم يزل يُفعل في الحضرة النبوية، وربما
التُمِس ذلك، وليس هو إلا أشعاراً توزن بأصوات طيبة، وألحان موزونة) [“فتح الباري شرح صحيح البخاري”
للحافظ أحمد بن حجر العسقلاني ج10/ص442. توفي سنة 852هـ].
وقال العلامة السفاريني في “منظومة الآداب”: (قال في الإقناع وغيره: ويباح الحداء الذي تساق به الإبل
ونشيد الأعراب).
وقال السفاريني أيضاً: (المذهب
الإباحة من غير كراهة لما تضافرت به الأخبار، وتظاهرت به الآثار من إنشاد الأشعار،
والحداء في الأسفار، وقد ذكر بعض العلماء الإجماع على إباحة الحداء)[ “غذاء الألباب شرح منظومة الآداب” للعلامة السفاريني ج1/ص145].
قال الفقيه خليل
النحلاوي الدمشقي في كتابه “الحظر والإباحة”: الباب السبعون: الغناء وهو السماع. قال في “الفتاوي الخيرية” (ج2/ص167) - بعد نقل أقوال العلماء واختلافهم في مسألة
السماع ـ: (وأما سماع السادة الصوفية رضي الله
عنهم، فبمعزل عن هذا الخلاف، بل ومرتفع عن درجة الإباحة إلى رتبة المستحب كما صرح
به غير واحد من المحققين) [“الدرر المباحة في
الحظر والإباحة” للفقية الشيخ خليل بن عبد القادر
الشيباني الشهير بالنحلاوي ص93].
ولما كانت الغاية من الإنشاد الإرشاد والمواعظ
والفوائد، حيث إن من طبيعة سماعه إثارة كوامن النفوس، وتهييج مكنونات القلوب، بما
فيها من الأنس بالحضرة القدسية، والشوق إلى الأنوار المحمدية، مما اتصف به ساداتنا
الصوفية الذين لم يُحْجَبُوا بالأصوات لهواً، ولا يجتمعون عبثاً، وهم في وادٍ
والناس في وادٍ آخر، والسر أنهم سمعوا ما لم يسمع الناس، وعرفوا ما لم يعرف الناس،
فسماعهم يثير أحوالهم الحسنة، ويظهر وَجْدَهم، ويبعث ساكن الشوق ويحرك القلب، ولما
كانت قلوبهم بربهم متعلقة، وعليه عاكفة، وفي حضرة قربه قائمة؛ فالسماع يسقي
أرواحهم، ويسرع في سيرهم إلى الله تعالى، خلافاً لسماع الفسقة اللئام؛ يجتمعون على
اللهو وآلات الطرب، فيبعث ما في قلوبهم من الفحش والفسق، وينسيهم واجباتهم تجاه
الله تعالى، وعلى ذلك لا يمكن قياس الأبرار بالفجار، ولا الصالحين على الطالحين.
وفي معرض الحديث عن
فوائد الاستماع لدى ساداتنا الصوفية يطيب للنفس ذِكرُ بعض الشواهد المروية عنهم،
فمنها:
ما قاله مسلم
العباداني: (قدم علينا صالح المُري، وعتبة الغلام،
وعبد الواحد بن زيد، ومسلم الأسواري، ونزلوا على الساحل ذات ليلة، فهيأت لهم
طعاماً، ودعوتهم إليه، فجاؤوا إليَّ، ولما وضعت الطعام بين أيديهم قال قائل:
وتُلهيك عن دارِ الخلود مَطاعمٌ ولَذةُ نفسٍ غيُّها غيرُ نافع
فصاح عتبة الغلام
صيحةً وخر مغشياً عليه، وبكى القوم، فرفعت الطعام من بين أيديهم، وما ذاقوا والله
لقمة منه) [“الإحياء” ج2/ص152].
قال أبو عثمان النيسابوري: (أنشدَ قَوَّالٌ بين يدي الحارث المحاسبي هذه الأبيات:
أنا في الغربةِ أبكي ما بكتْ عينُ غريبِ
لم أكن يوم خروجي من بلادي بمصيبِ
عجباً لي ولتركي وطناً فيه حبيبي
فقام يتواجد ويبكي،
حتى رحمه كل من حضره) [“طبقات
الصوفية” لأبي عبد الرحمن السلمي المتوفى 412هـ
بتحقيق نور الدين شريبة ص60].
(لمَّا ورد ذو
النون المصري بغداد جاءه قوم من الصوفية بقوَّالهم، وطلبوا منه أن يأذن له بأن
يقول، فأذن له فأنشد:
صغيرُ هواك عذبني فكيف به إذا احتنكا
وأنت جمعتَ في قلبي هوىً قد كان مشتركا
أما ترثي لمكتئبٍ إذا ضحك الخليُّ بكى
فقام ذو النون وسقط
على وجهه) [“الإحياء” ج2/ص250].
وروي: (أن أبا
الحسين النوري كان مع جماعة في دعوة، فجرى بينهم مسألة في العلم وأبو الحسين ساكت.
ثم رفع رأسه وأنشدهم:
رُبَّ ورقاءَ هتوفٍ في الضحى ذاتِ شجوٍ صدحتْ في فَنَنِ
ذَكرتْ إلفاً ودهراً صالحاً وبكتْ حُزْناً فهاجتْ حَزني
فبكائي ربما أرَّقها وبُكاها ربما أرَّقني
ولقد أشكو فما أُفهمها ولقد تشكو فما تُفهمني
غير أني بالجَوى أعرفها وهي أيضاً بالجوى تعرفني
قال: فما بقي أحد من
القوم إلا قام وتواجد، ولم يحصل لهم هذا الوجد من العلم الذي خاضوا فيه، وإن كان
العلم جِداً وحقاً) [الإحياء.
ج2/ص263].
قال السفاريني في “غذاء
الألباب”: (والسماع
مهيجٌ لما في القلوب، محرك لما فيها، فلما كانت قلوب القوم معمورة بذكر الله
تعالى، صافية من كدر الشهوات، محترقة بحب الله، ليس فيها سواه، الشوق والوجد
والهيجان والقلق كامن في قلوبهم كمون النار في الزناد، فلا تظهر إلا بمصادفة ما
يشاكلها؛ فمراد القوم فيما يسمعون إنما هو مصادف ما في قلوبهم فيستثيره بصدمة طُروقهِ،
وقوةِ سلطانه، فتعجز القلوب عن الثبوت عند اصطدامه، فتبعث الجوارح بالحركات
والصرخات والصعقات لثوران ما في القلوب، لا أن السماع يحدث في القلوب شيئاً.
ولهذا قال أبو القاسم الجنيد قدس الله سره: (السماع لا يُحدِث في القلوب شيئاً، وإنما هو مهيجُ ما
فيها. فتراهم يهيجون من وجدهم، وينطقون من حيث قصدُهم، ويتواجدون من حيث كامناتُ
سرائرهم، لا من حيث قول الشاعر، ولا يلتفتون إلى الألفاظ لأن الفهم سبق إلى ما
يتخيله الذهن.
وشاهدُ ذلك كما حكي: أن أبا حكمان الصوفي سمع
رجلاً يطوف وينادي: [يا سعتر بري] فسقط وغشي عليه، فلما أفاق قيل له في ذلك، فقال
سمعته وهو يقول: [اسعَ ترَ بري]. ألا ترى أن حركة وجْده من حيث هو فيه، لا من قول
القائل ولا قصده؟.
كما روي عن بعض الشيوخ أنه سمع قائلاً يقول: [الخيار عشرة بحبة].
فغلبه الوجد، فسئل عن ذلك فقال: [إذا كان
الخيار عشرة بحبة، فما قيمة الأشرار؟!].
فالمحترق بحب الله تعالى لا تمنعه الألفاظ
الكثيفة عن فهم المعاني اللطيفة حيث لم يكن واقفاً مع نغمة، ولا مشاهدة صورة، فمن
ظن أن السماع يرجع إلى رقة المعنى. وطيب النغمة، فهو بعيد من السماع.
قالوا: وإنما السماع حقيقة ربانية ولطيفة
روحانية، تسري من السميع المُسمِع إلى الأسرار بلطائف التحف والأنوار، فتمحق من
القلب ما لم يكن، ويبقى فيه ما لم يزل، فهو سماع حق بحق من حق
قالوا: وأما الحال
الذي يلحق المتواجد فمِنْ ضعفِ حاله عن تحمل الوارد، وذلك لازدحام أنوار اللطائف
في دخول باب القلب، فيلحقه دهش، فيعبث بجوارحه، ويستريح إلى الصعقة والصرخة
والشهقة، وأكثر ما يكون ذلك لأهل البدايات. وأما أهل النهايات فالغالب عليهم
السكون والثبوت لانشراح صدورهم، واتساع سرائرهم للوارد عليهم، فهم في سكونهم
متحركون، وفي ثبوتهم متقلقلون، كما قيل لأبي القاسم الجنيد رضي الله عنه: ما لنا
لا نراك تتحرك عند السماع؟! فقال: {وتَرى الجبالَ
تحسَبُها جامدةً وهيَ تمرُّ مرَّ السَّحابِ} [النمل:88] [“غذاء الألباب” 1/137].
فوائد الذكر إجمالاً
1 - عن
أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: “ما من قوم يذكرون الله، إلا حفتهم
الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده” [أخرجه
مسلم في كتاب الذكر، والترمذي في كتاب الدعاء وقال: حسن صحيح].
2 - عن
أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “يقول الرب تبارك وتعالى: من شغله قراءة القرآن وذكري عن
مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين” [أخرجه الترمذي وحسنه، والدارمي والبيهقي. كما مرَّ في ص121].
3 - عن
أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يقول الرب يوم القيامة سيَعلَم أهلُ الجمع اليوم مَنْ
أهل الكرم. فقيل: ومن أهل الكرم يا رسول الله؟ قال: أهل مجالس الذكر في المساجد” [رواه الإمام أحمد
وأبو يعلى والبيهقي وابن حبان في صحيحه. كما مرَّ في ص120].
4 - وعن
معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على حَلْقةٍ من أصحابه فقال:
“ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده، فقال:
أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة” [أخرجه مسلم من حديث طويل في كتاب الذكر، والترمذي في كتاب
الدعاء].
5 - وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: “ما من قوم اجتمعوا
يذكرون الله إلا ناداهم منادٍ من السماء: قوموا مغفوراً لكم قد بُدلت سيئاتكم
حسنات” [أخرجه أحمد وغيره. ومرَّ عزوه في ص121].
6 - وعن ثابت
قال: كان سلمان في عصابة يذكرون الله، فمرَّ النبي صلى الله عليه وسلم فكفوا، فقال:
“ما كنتم تقولون؟ قلنا: نذكر الله. قال: إني رأيت
الرحمة تنزل، فأحببت أن أشارككم فيها، ثم قال: الحمد لله الذي جعل في أُمتي من
أُمرت أن أصبر نفسي معهم” [أخرجه الإمام أحمد والحاكم وصححه].
قال ابن قيم
الجوزية في فوائد الذكر: (وفي الذكر أكثر من مائة
فائدة:
إحداها: أنه يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره.
الثانية: أنه يرضي الرحمن عز وجل.
الثالثة: أنه يزيل الهم والغم عن القلب.
الرابعة: أنه يجلب للقلب الفرح والسرور والبسط.
الخامسة: أنه ينور الوجه والقلب.
السادسة: أنه يقوي القلب والبدن.
السابعة: أنه يجلب الرزق.
الثامنة: أنه يكسو الذاكر المهابة والحلاوة والنُضْرة.
التاسعة: أنه يورث المحبة التي هي روح الإسلام، وقطب رحى
الدين ومدار السعادة والنجاة، وقد جعل الله لكل شيء سبباً، وجعل سبب المحبة دوام
الذكر، فمن أراد أن ينال محبة الله تعالى فليلهج بذكره، فالذكر باب المحبة،
وشعارها الأعظم، وصراطها الأقوم.
العاشرة: أنه يورث المراقبة حتى يدخله في باب الإحسان، فيعبد الله
كأنه يراه، ولا سبيل للغافل عن الذكر إلى مقام الإحسان، كما لا سبيل للقاعد إلى
الوصول إلى البيت.
الحادية عشرة: أنه يورث الإنابة، وهي الرجوع إلى الله عز وجل، فَمَنْ
أكثر الرجوع إليه بذكره أورثه ذلك رجوعه بقلبه إليه في كل أحواله فيبقي الله عز
وجل مَفزعه وملجأه ومَلاذه ومعاذه، وقِبلة قلبه، ومَهْرَبَه عند النوازل والبلايا.
الثانية عشرة: أنه يورث القرب منه، فعلى قدر ذكره لله عز وجل يكون قربه
منه، وعلى قدر غفلته يكون بُعده.
الثالثة عشرة: أنه يفتح له باباً عظيماً من أبواب المعرفة، وكلما أكثر
من الذكر ازداد من المعرفة.
الرابعة عشرة: أنه يورثه الهيبة لربه عز وجل وإجلاله، لشدة استيلائه على
قلبه، وحضوره مع الله تعالى، بخلاف الغافل، فإن حجاب الهيبة رقيق في قلبه.
الخامسة عشرة: أنه يورثه ذكر الله تعالى له، كما قال تعالى: {فاذكُرُونِي أذكُرْكُم}
[البقرة: 152]. ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلاً وشرفاً.
وقال صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى : “من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير
منهم” [من حديث أخرجه
البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد عن أبي هريرة رضي الله عنه، ومرَّ في ص120 و125].
السادسة عشرة: أنه يورثه حياة القلب. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس
الله تعالى روحه يقول: الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق
الماء؟.
السابعة عشرة: أنه يورث جلاء القلب من صدأه، وكل شيء له صدأ؛ وصدأ القلب
الغفلة والهوى، وجلاؤه الذكر والتوبة والاستغفار.
الثامنة عشرة: أنه يحط الخطايا ويذهبها، فإنه من أعظم الحسنات، والحسنات
يذهبن السيئات.
التاسعة عشرة: أنه يزيل الوحشة بين العبد وربه تبارك وتعالى، فإن الغافل
بينه وبين الله عز وجل وحشة لا تزول إلا بالذكر.
العشرون: أن العبد إذا تعرف إلى الله تعالى بذكره في الرخاء، عرفه
في الشدة، وقد جاء أثرٌ معناه: إن العبد المطيع الذاكر لله تعالى، إذا أصابته شدة،
أو سأل الله حاجة، قالت الملائكة: يا رب، صوتٌ معروفٌ من عبدٍ معروفٍ. والغافل
المعرض عن الله تعالى إذا دعاه وسأله قالت الملائكة: يارب، صوتٌ منكَرٌ من عبدٍ
منكَرٍ.
الحادية والعشرون: أنه مُنْجٍ من عذاب الله تعالى، كما قال معاذ رضي الله
عنه ويروى مرفوعاً: “ما عمل آدمي عملاً أنجى له من
عذاب الله عز وجل من ذكر الله تعالى” [رواه الترمذي في كتاب الدعاء ومرَّ في ص120].
الثانية والعشرون: أنه سبب تنزُّلِ السكينة، وغشيان الرحمة، وحفوف الملائكة
بالذاكر، كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم [انظر صفحة 173 الحديث الأول].
الثالثة والعشرون: أنه سبب انشغال اللسان عن الغيبة والنميمة، والكذب والفحش
والباطل، فإن العبد لا بد له من أن يتكلم، فإن لم يتكلم بذكر الله تعالى وذِكرِ
أوامره تكلم بهذه المحرمات أو بعضها، ولا سبيل إلى السلامة منها البتة إلا بذكر
الله تعالى. والمشاهدة والتجربة شاهدان بذلك، فمن عوَّد لسانه ذكر الله صان لسانه
عن الباطل واللغو، ومن يبس لسانه عن ذكر الله ترطب بكل باطل ولغو وفحش، ولا حول
ولا قوة إلا بالله.
الرابعة والعشرون: أن مجالس الذكر مجالس الملائكة، ومجالس اللغو والغفلة
مجالس الشياطين، فليتخير العبد أعجبهما إليه وأولاهما به، فهو مع أهله في الدنيا
والآخرة.
الخامسة والعشرون: أنه يُسعِد الذاكر بذكره، ويُسعد به جليسه وهذا هو
المبارك أينما كان. والغافل واللاغي يشقى بلغوه وغفلته، ويشقى به مُجالسه.
السادسة والعشرون: أنه يؤمِّن العبد من الحسرة يوم القيامة، فإنَّ كل مجلس
لا يذكر العبد فيه ربه تعالى كان عليه حسرة وتِرَةً يوم القيامة [انظر صفحة 155 الحديث الأول والثاني].
السابعة والعشرون: أنه مع البكاء في الخلوة سبب لإظلال الله تعالى العبد يوم
الحر الأكبر في ظل عرشه [انظر
صفحة 138 حديث: سبعة يظلهم الله...].
الثامنة والعشرون: أن الاشتغال به سبب لعطاء الله للذاكر أفضل ما يعطي
السائلين، ففي الحديث عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قال سبحانه وتعالى: من شغله قراءة القرآن وذكري عن
مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين” [انظر صفحة 121 الحديث العاشر].
التاسعة والعشرون: أنه أيسر العبادات، وهو من أجلِّها وأفضلها، فإن حركة
اللسان أخف حركات الجوارح وأيسرها، ولو تحرك عضو من أعضاء الإنسان في اليوم
والليلة بقدر حركة لسانه لشق عليه غاية المشقة، بل لا يمكنه ذلك.
الثلاثون: أنه غِراس الجنة، فقد روى الترمذي في جامعه من حديث عبد
الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لقيت
ليلة أُسري بي إبراهيم الخليل عليه السلام فقال: يا محمد، أقرىء أُمتك السلام،
وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غِراسها؛ سبحان الله،
والحمد لله، ولا اله إلا الله، والله أكبر”. قال
الترمذي: حديث حسن غريب من حديث ابن مسعود كما في كتاب الدعوات.
الحادية والثلاثون: أن العطاء والفضل الذي رتب عليه لم يرتب على غيره من
الأعمال، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: “من قال لا اله إلا الله وحده لا شريك له، له
الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب،
وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى
يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه”
[انظر صفحة 148 الحاشية]. ومن قال: “سبحان الله
وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر”.
الثانية والثلاثون: أن دوام ذكر الرب تبارك وتعالى يوجب الأمان من نسيانه
الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه ومعاده، فإن نسيان الرب سبحانه وتعالى يوجب نسيان
نفسه ومصالحها. قال تعالى: {ولا تكونوا كالذينَ
نًسُوا اللهَ فأنساهُم أنفُسَهُم أولئِكَ هُمُ الفاسقونَ}
[الحشر: 19].
الثالثة والثلاثون: أن الذكر يسيِّر العبد وهو في فراشه وفي سوقه وفي حال
صحته وسقمه، وفي حال نعيمه ولذته، وليس شيءٌ يعم الأوقات والأحوال مثله، حتى إنه
يسيِّر العبدَ وهو نائم على فراشه، فيسبق القائمَ مع الغفلة، فيصبح هذا وقد قطع
الركبَ، وهو مستلق على فراشه، ويصبح ذلك القائم الغافل في ساقة الركب، وذلك فضل
الله يؤتيه من يشاء.
وحكي عن رجل من العُباد أنه نزل برجل ضيفاً، فقام العابد
ليله يصلي، وذلك الرجل مستلق على فراشه، فلما أصبحا، قال له العابد: سبقك الركب.
فقال: ليس الشأن فيمن بات مسافراً وأصبح مع الركب، الشأن فيمن بات على فراشه وأصبح
قد قطع الركب. وهذا ونحوه له محل صحيح ومحل فاسد، فمن حكم على أن الراقد المضطجع
على فراشه يسبق القائم القانت، فهو باطل، وإنما محله أن هذا المستلقي على فراشه
علق قلبه بربه عز وجل، وألصق حبة قلبه بالعرش، وبات قلبه يطوف حول العرش مع
الملائكة، قد غاب عن الدنيا وما فيها، وقد عاقه عن قيام الليل عائق من وجع أو برد
يمنعه عن القيام، أو خوف على نفسه من رؤية عدو يطلبه، أو غير ذلك من الأعذار، فهو
مستلق على فراشه؛ وفي قلبه ما الله تعالى به عليم. وآخر قائم يصلي ويتلو، وفي قلبه
من الرياء والعجب وطلب الجاه والمحمدة عند الناس ما الله به عليم، أو قلبه في وادٍ
وجسمه في واد، فلا ريب أن ذلك الراقد يصبح وقد سبق هذا القائم بمراحل كثيرة.
الرابعة والثلاثون: أن الذكر رأس الأصول، وطريق عامة الطائفة الصوفية ومنشور
الولاية، فمن فُتح له فيه فقد فتح له باب الدخول على الله عز وجل، فليتطهر وليدخل
على ربه يجدْ عنده كل ما يريد، فإن وجد ربه عز وجل وجد كل شيء، وإن فاته ربه عز
وجل فاته كل شيء.
الخامسة والثلاثون: أن الذكر شجرة تثمر المعارف والأحوال التي شمَّر إليها
السالكون، فلا سبيل إلى نيل ثمارها إلا من شجرة الذكر، وكلما عظمت تلك الشجرة ورسخ
أصلها كان أعظم لثمرتها، فالذكر يثمر المقامات كلها من اليقظة إلى التوحيد، وهو
أصل كل مقام وقاعدته التي يُبنى ذلك المقام عليها، كما تبنى الحائط على أسسها،
وكما يقوم السقف على حائطه، وذلك أن العبد إن لم يستيقظ لم يمكنه قطع منازل السير،
ولا يستيقظ إلا بالذكر كما تقدم، فالغفلة نوم القلب أو موته.
السادسة والثلاثون: أن الذاكر قريب من مذكوره، ومذكوره معه، وهذه المعية معية
خاصة، غير معية العلم والإحاطة العامة، فهي معية بالقرب والولاية والمحبة،
والنُصرة والتوفيق، كقوله تعالى: {إنَّ اللهَ مع
الذينَ اتَّقَوا والذينَ هُم مُحسِنُونَ} [النحل: 128]، {واللهُ معَ الصابرينَ} [العنكبوت:
69]، {وإنَّ اللهَ لَمَعَ
المحسِنينَ} [الأنفال: 66]، {لا تحزَنْ إنَّ اللهَ
معنا} [التوبة: 40]. وللذاكر من هذه المعية نصيب وافر كما في الحديث الإلهي: “أنا مع عبدي ما ذكرني، وتحركت بي شفتاه” [رواه
الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم وابن حبان وصححه. كما في “فيض
القدير” ج1/ص309]، وفي أثر آخر: “أهل ذكري
أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا
أُقنِّطُهم من رحمتي، إن تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، فإني أُحب التوابين وأُحب
المتطهرين، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب” [أخرجه
الإمام أحمد في مسنده]. والمعية الحاصلة للذاكر معية لا يشبهها شيء، وهي أخص من
المعية الحاصلة للمحسن والمتقي، وهي معية لا تدركها العبارة ولا تنالها الصفة
وإنما تُعلَمُ بالذوق.
السابعة والثلاثون: أن أكرم الخلق على الله تعالى من المتقين مَنْ لا يزال
لسانه رطباً بذكره، فإنه اتقاه في أمره ونهيه، وجعل ذكره شعاره، فالتقوى أوجبت له
دخول الجنة، والنجاة من النار، وهذا هو الثواب والأجر، والذكر يوجب له القرب من
الله عز وجل والزلفى لديه، وهذه هي المنزلة.
الثامنة والثلاثون: أن في القلب قسوة لا يذيبها إلا ذكر الله تعالى، فينبغي
للعبد أن يداوي قسوة قلبه بذكر الله تعالى.
وذكر حماد بن زيد: أن رجلاً قال للحسن: يا أبا سعيد، أشكو
إليك قسوة قلبي. قال: أَذِبْه بالذكر. وهذا لأن القلب كلما اشتدت به الغفلة اشتدت
به القسوة، فإذا ذكر الله تعالى ذابت تلك القسوة كما يذوب الرصاص في النار، فما
أذيبت قسوة القلوب بمثل ذكر الله تعالى.
التاسعة والثلاثون: أن الذكر شفاء القلب ودواؤه، والغفلة مرضه، فالقلوب مريضة
ودواؤها وشفاؤها ذكر الله تعالى، قال مكحول: (ذكر
الله تعالى شفاء، وذكر الناس داء) [رواه البيهقي عن مكحول مرسلاً بلفظ: (إن ذكر الله). كما في “كشف الخفا” للعجلوني
ج1/ص419]. وقيل:
إذا مرضنا تداوينا بذكركُم
ونترك الذكر أحياناً فننتكسُ
الأربعون: أن الذكر أصل موالاة الله عز وجل ورأسها، والغفلة أصل
معاداته ورأسها، فإن العبد لا يزال يذكر ربه حتى يحبه فيواليه، ولا يزال يغفل عنه
حتى يبغضه فيعاديه. قال الأوزاعي: قال حسان بن عطية: ما عادى عبد ربه بشيءٍ أشد
عليه من أن يكره ذكره أو مَنْ يذكره. فهذه المعاداة سببها الغفلة، ولا تزال بالعبد
حتى يكره ذكر الله، ويكره من يذكره، فحينئذ يتخذه الله عدواً كما اتخذ الذاكرَ
وليَّاً.
الحادية والأربعون: أن مُدْمنَ الذكر يدخل الجنة وهو يضحك، لِما ذُكر عن أبي
الدرداء قال: (الذين لا تزال ألسنتهم رطبة بذكر
الله عز وجل، يدخل أحدهم الجنة وهو يضحك).
الثانية والأربعون: أن الذكر سَدٍّ بين العبد وبين جهنم، فإذا كانت إلى جهنم
طريق من عمل من الأعمال، كان الذكر سداً في تلك الطريق، فإذا كان ذكراً دائماً
كاملاً كان سداً محكماً لا ينفذ فيه، وإلا فبحَسَبِه.
الثالثة والأربعون: أن جميع الأعمال إنما شُرعت إقامةً لذكر الله تعالى
فالمقصود بها تحصيل ذكر الله تعالى، قال تعالى: {وأَقِمِ
الصلاةَ لِذكْرِي} [طه: 14] [“الوابل الصيب من
الكلم الطيب” لابن قيم الجوزية].
وما يلفت النظر أن ابن عطاء الله السكندري ذكر هذه الفوائد نفسها في كتابه “مفتاح الفلاح” ص30.
فنقلها عنه ابن القيم مع شيء من التنسيق والإضافات البسيطة دون أن يعزو ذلك إلى
مصدره الأصلي “مفتاح الفلاح” لابن عطاء الله، والمعلوم أن ابن عطاء الله توفي سنة 709هـ.
بينما كانت وفاة ابن القيم سنة 751هـ.
ومن أراد التوسع في معرفة فوائد الذكر فعليه أن يرجع إلى
الكتب المطولة في الأذكار ككتاب “الأذكار” للإمام النووي رحمه الله، و”مفتاح
الفلاح” لابن عطاء الله السكندري، و”عمل اليوم والليلة”
لجلال الدين السيوطي وغيرها من كتب الأذكار.
والسادة الصوفية واظبوا على ذكر الله تعالى في جميع
أحوالهم، حتى لمسوا فوائده الكثيرة فتحدثوا عنه عن خبرة يقينية، ونصحوا غيرهم
بالإكثار من ذكر ربهم، من باب “لا يؤمن أحدكم حتى
يحب لأخيه ما يحب لنفسه” [أخرجه البخاري ومسلم في كتاب الإيمان عن أنس، والنسائي في
كتاب الإيمان، والترمذي في كتاب صفة القيامة].
يقول الحسن البصري إمام التابعين: (أحبُّ
عباد الله إلى الله أكثرهم ذِكراً وأتقاهم قلباً).
وقال ذو النون المصري: (ما
طابت الدنيا إلا بذكره ولا طابت الآخرة إلا بعفوه، ولا طابت الجنة إلا برؤيته).
يقول أبو سعيد الخراز رحمه الله: (إن
الله تعالى عجل بأرواح أوليائه التلذذ بذكره والوصول إلى قربه، وعجل بأبدانهم
النعمة بما نالوه من مصالحهم وأجزل نصيبهم من كل كائن، فعيش أبدانهم عيش الجنانيين
[أهل الجنة].
وعيش أرواحهم عيش الربانيين) [“حلية الأولياء” لأبي نعيم
ج1/ص247].
والذكر على قسمين: ذكر العامة، وذكر الخاصة.
أما ذكر العامة: فهو ذكر الأجر والثواب: وهو أن يذكر العبدُ
مولاه بما شاء من ذكر، مع بقائه في صفاته المذمومة كالرياء والكبر، والعجب
والغرور، وغير ذلك.
وأما ذكر الخاصة: فهو ذكر الحضور، وهو أن يذكر العبد مولاه
بأذكار معلومة على صفة مخصوصة، لينال بذلك المعرفة بالله سبحانه، بطهارة نفسه من
كل خُلُق ذميم، وتحليتها بكل خلق كريم، طلباً للخروج من ظلمة الحس، وطمعاً في
إدراك الأسرار الروحانية. والأوْلى له اتخاذ سبحة، يحصي بها ما أراد من الأعداد؛
فيسلم من تعب حصر مقدارها .
دليل السبحة
والسبحة جائزة في
الإسلام، وليست مبتدعة، قال العلامة ابن علان في شرحه على الأذكار النواوية عند
قوله صلى الله عليه وسلم: “وأن يعقدن بالأنامل،
فإنهن مسؤولات مستنطقات” بعد كلام: (ولهذا اتخذ أهل العبادة وغيرهم السبحة. وفي “شرح المشكاة” لابن حجر:
ويستفاد من الأمر بالعقد المذكور في الحديث ندب اتخاذ السبحة، وزَعْمُ أنها بدعة
غير صحيح، إلا أن يحمل على تلك الكيفيات التي اخترعها بعض السفهاء، مما يمحضها
للزينة أو الرياء أو اللعب.
وقال ابن الجوزي: إن
السبحة مستحبة، لما في حديث صفية أنها كانت تسبح بنوى أو حصى، وقد أقرها صلى الله
عليه وسلم على فعلها، والسبحة في معناها؛ إذ لا يختلف الغرض عن كونها منظومة أو
منثورة.
وقال ابن علان: وهذا أصل صحيح بتجويز السبحة
بتقريره صلى الله عليه وسلم. ولا يُعتد بقول من عدها بدعة. وروي أنه رؤي مع الإمام
الجنيد رحمه الله سبحة في يده حال انتهائه، فسئل عن ذلك، فقال: شيء وصلنا به إلى
الله تعالى كيف نتركه؟ وقال ابن علان: وقد أفردتُ السبحة بجزء لطيف سميته “إيقاد المصابيح لمشروعية اتخاذ المسابيح” وأوردت فيه ما يتعلق بها من الأخبار والآثار،
والاختلاف في تفاضل الاشتغال بها أو بعقد الأصابع في الأذكار.
وحاصل ذلك أن استعمالها في أعداد الأذكار
الكثيرة التي يلهي الاشتغال بها عن التوجه للذكر أفضل من العقد بالأنامل ونحوه...). إلى آخر كلامه. فراجعه. من “الفتوحات
الربانية على الأذكار النواوية” للعلامة محمد بن
علان الصديقي. المتوفى 1057هـ. ج1/ص251 -
252.
وقال ابن سعد في الطبقات: (حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل عن جابر عن
امرأة حدثته عن فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم: أنها كانت
تسبح بخيط معقود فيها).
وأخرج عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في “زوائد الزهد” من طريق
نعيم بن محرز بن أبي هريرة عن جده أبي هريرة: (أنه
كان له خيط فيه ألفا عقدة فلا ينام حتى يسبح به).
وإن أردت الإطلاع على تفاصيل الموضوع فعليك
بمطالعة كتاب “الحاوي للفتاوي” للعلامة المشهور جلال الدين السيوطي المتوفى 911هـ. فقد
ألف فيه رساله سماها “المنحة في السبحة” جمع فيها ما ورد من الأخبار والآثار في ذلك فراجعه إن
شئت.
وقال العلامة ابن عابدين في حاشيته المشهورة: (لا بأس باتخاذ السبحة، ودليل الجواز ما رواه أبو داود
والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم وقال: صحيح الإسناد، عن سعد بن أبي وقاص: أنه
دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة، وبين يديها نوى أو حصى تسبح به،
فقال: “أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل من
هذا فقال: سبحان الله عدد ما خلق في السماء وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض
وسبحان الله عدد ما بين ذلك”. فلم ينهها عن ذلك
وإنما أرشدها إلى ما هو أيسر وأفضل، ولو كان مكروهاً لبيَّن ذلك. ولا تزيد السبحة
على مضمون هذا الحديث إلا بضم النوى في خيط، ومثل ذلك لا يظهر تأثيره في المنع،
فلا جرم أن نُقِلَ اتخاذها والعمل بها عن جماعة من الصوفية الأخيار وغيرهم). ا.هـ من حاشية ابن عابدين
ج1/ص457].
فالذكر صقال قلوب المريدين، ومفتاح باب
النفحات، وسبيل توجه التجليات على القلوب، وبه يحصل التخلق بالأخلاق المحمدية.
ورد الصوفية
ودليله من الكتاب والسنة
الورد بالكسر، كما في
المصباح: الوظيفة من قراءة ونحو ذلك، والجمع: أوراد. ويطلقه الصوفية على أذكار
يأمر الشيخ تلميذه بذكرها صباحاً بعد صلاة الصبح حكم ذكر الله بعد صلاة الصبح:
إن من أفضل الأعمال بعد
صلاة الفجر، الاشتغال بذكر الله تعالى، خلافاً لما يظن بعض الناس بأن الاشتغال
بقراءة القرآن بعد صلاة الصبح أولى وأفضل، وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة منها:
1 - عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: “من صلى صلاة الغداة [الصبح] في
جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم قام فصلى ركعتين انقلب بأجر حجة وعمرة”. رواه الطبراني وإسناده جيد كما في “مجمع الزوائد”
ج10/ص104.
2 - وعن أنس بن مالك ضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: “من صلى الفجر في جماعة
ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة تامة” أخرجه الترمذي وحسنه.
3 - وعن عمرة قالت: سمعت أم المؤمنين [تعني عائشة]
رضي الله عنها تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من صلى صلاة الفجر فقعد في مقعده فلم يَلْغُ بشيء من
أمر الدنيا، ويذكر الله حتى يصلي الضحى أربع ركعات خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه لا
ذنب له”. رواه أبو يعلى
والطبراني كذا في “مجمع الزوائد” ج10/ص105.
4 - وعن معاذ بن أنس قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: “من صلى صلاة الفجر ثم قعد يذكر الله
تعالى حتى تطلع الشمس وجبت له الجنة”. رواه أبو
يعلى كذا في المصدر السابق ج10/ص105.
5 - وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: سمعت
جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ما من
عبد يصلي صلاة الصبح ثم يجلس يذكر الله حتى تطلع الشمس إلا كان ذلك حجاباً من
النار”. رواه الطبراني كذا في
المصدر السابق ج10/ص106. وقد
نص فقهاء الحنفية على أولوية الاشتغال بالذكر بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس أخذاً
من الأحاديث المذكورة. قال العلامة الحصكفي صاحب “الدر
المختار”: (ذِكرُ
الله من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس أوْلى من قراءة القرآن).
حاشية
ابن عابدين ج5/ص280]، ومساءً
بعد صلاة المغرب.
والوارد في اللغة: هو الطارق والقادم، يقال ورد
علينا فلان أي قدم. وفي الاصطلاح: ما يُتْحفه الحق تعالى قلوبَ أوليائه من النفحات
الإلهية، فيكسبه قوة محركة، وربما يدهشه، أو يُغيِّبه عن حسه، ولا يكون إلا بغتة،
ولا يدوم على صاحبه [“شرح الحكم” لابن عجيبة ج1/ص160].
والورد يضم ثلاث صيغ من صيغ الذكر المطلوبة
شرعاً، والتي دعا إليها كتاب الله تعالى، وبينت السنة الشريفة فضلها ومثوبتها.
1 - الاستغفار: بصيغة [أستغفر
الله] مائة مرة، بعد محاسبة النفس على الزلات
لتعود صفحة الأعمال نقية بيضاء. وقد أمرنا الله تعالى بذلك بقوله: {وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُم مِنْ خير تجِدُوه عند
اللهِ هوَ خيراً وأعظَمَ أجراً واستغفروا اللهَ إنَّ اللهَ غفورٌ رحيم} [المزمل: 20].
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من
الاستغفار تعليماً لأمته وتوجيهاً، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه قوله: “والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من
سبعين مرة” [أخرجه
البخاري في صحيحه في كتاب الدعوات].
وعن عبد الله بن بِسر رضي الله عنه قال: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “طوبى لمن
وَجد في صحيفته استغفاراً كثيراً” [أخرجه ابن
ماجه في كتاب الأدب وقال في “الزوائد”: إسناده صحيح ورجاله ثقات].
2 - الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: بصيغة [اللهم صلِّ على سيدنا محمد عبدك ورسولك النبي الأمي
وعلى آله وصحبه وسلِّم] مائة مرة مع استحضار
عظمته صلى الله عليه وسلم، وتذكُّرِ صفاته وشمائله، والتعلق بجنابه الرفيع، محبة
وتشوقاً وقد أمرنا الله تعالى بذلك بقوله: {إنَّ
اللهَ وملائكَتَهُ يُصلُّونَ على النبيِّ يا أيُّها الذين آمنوا صَلُّوا عليهِ
وسلِّمُوا تسليماً} [الأحزاب:
56].
وكذلك رغَّب رسول الله صلى الله عليه وسلم
بكثرة الصلاة والسلام عليه فقال: “من صلَّى عليَّ
واحدةً صلَّى الله عليه بها عشراً” [رواه مسلم
في صحيحه في كتاب الصلاة، والنسائي في كتاب الافتتاح].
وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من صلى عليَّ
واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحُطَّتْ عنه عشرُ سيئات ورُفعتْ له عشر درجات” [أخرجه
النسائي في كتاب الافتتاح].
وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: “أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة” [رواه
الترمذي في كتاب أبواب الصلاة وقال: حديث حسن].
3 - كلمة التوحيد: بصيغة: [لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على
كل شيء قدير] مئة مرة، أو [لا إله إلا الله]
فقط مائة مرة. مع التفكير بأنه لا خالق ولا رازق ولا نافع ولا ضار ولا قابض ولا
باسط.. إلا الله وحده، مع محاولة محوِ ما يسيطر على القلب، من حبِّ الدنيا
والأهواء والشهوات والوساوس والشواغل والعلائق والعوائق الكثيرة حتى يكون القلب لله
وحده لا لسواه.
ولهذا دعانا الله تعالى إلى هذا التوحيد الخالص
فقال: {فاعلّمْ أنَّهُ لا إله إلا اللهُ} [محمد: 19].
وكذلك رغبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في
الإكثار من ترداد كلمة التوحيد، وبين أفضليتها ومثوبتها؛ فقال: “أفضل الذكر لا إله إلا الله”
[رواه الترمذي في كتاب الدعوات وقال: حديث حسن].
يقول العلامة ابن علان في شرح هذا الحديث: “إنها [أي لا إله
إلا الله] تؤثر تأثيراً بيِّناً في تطهير
القلب عن كل وصف ذميم راسخ في باطن الذاكر، وسببه أن لا إله نفي لجميع أفراد
الآلهة، وإلا الله إثبات للواحد الحق الواجب لذاته المنزه عن كل ما لا يليق
بجلاله، فبإدمان الذكر لهذه ينعكس الذكر من لسان الذاكر إلى باطنه، حتى يتمكن فيه؛
فيضيئه ويصلحه، ثم يضيء ويُصلح سائر الجوارح، ولذا أمر المريد وغيره بإكثارها
والدوام عليها” [“الفتوحات الربانية
على الأذكار النواوية” للعلامة ابن علان الصديقي
ج1/ص213].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: “جددوا إيمانكم، قيل: يا رسول
الله وكيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله” [رواه الإمام أحمد
في مسنده ج2/ص359].
وقال صلى الله عليه وسلم أيضاً: “من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله
الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير؛ في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكُتبت له
مائة حسنة، ومُحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يُمسي،
ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه”
[رواه البخاري في كتاب الدعوات، ومسلم في كتاب
الذكر، والترمذي في كتاب الدعوات].
مع الملاحظة أن هذا الورد يكون في الصباح
والمساء في جلسة يخلو فيها العبد بربه، وبذلك يكون قد افتتح نهاره بذكر الله تعالى
وختمه بذكره وطاعته؛ لعله يكون من الذين قال الله تعالى فيهم: {والذاكرينَ اللهَ كثيراً والذاكراتِ أعدَّ اللهُ لهم
مغفِرَةً وأجراً عظيماً} [الأحزاب:
35].
وهكذا تلقينا عن شيخنا سيدي محمد الهاشمي رحمه
الله تعالى كما تلقاه هو أيضاً عن شيخه...
ولا ينبغي للسالك في طريق أهل الله أن يكون
ورده مقصوراً على العدد المذكور، بل ينبغي له أن يزيد ذكره لله تعالى، لأن قلب
السالك في ابتداء سيره كالطفل الصغير، فكما أن الطفل كلما كبر زيدت له كمية
الغذاء، كذلك كلما كبر المريد في سيره إلى الله تعالى زاد ذكره لله، لأن الذكر
غذاء لقلبه وحياة له.
ولما كان الورد سبيل السالكين إلى الله تعالى
قعد الشيطان في طريقهم، يصدهم عن ذكر الله تعالى بحجج شتى، ومغالطات خفية،
وتلبيسات منوعة، فقد يترك بعض المريدين قراءة أورادهم محتجين بكثرة أعمالهم وعدم
فراغهم لها، ويوحي إليهم شيطانهم أن هذا عذر مشروع، ومبرر مقبول، وأنه لا بأس
بتأجيل الأوراد لوقت الفراغ.
ولكن السادة الصوفية حذروا السالكين من الإهمال
والتسويف وانتظار الفراغ، لأن العمر سرعان ما ينتهي، والمشاغل لا تزال في تجدد.
قال ابن عطاء الله في حكمه: (إحالتك الأعمال على وجود الفراغ من رعونة النفس).
وقال الشارح ابن عجيبة: (فالواجب على الإنسان أن يقطع علائقه وعوائقه، ويخالف
هواه، ويبادر إلى خدمة مولاه، ولا ينتظر وقتاً آخر، إذ الفقير [الصوفي] ابن
وقته) [“إيقاظ
الهمم في شرح الحكم” ج1/ص49].
وقد يزين الشيطان لبعض السالكين أن يتركوا
الذكر بحجة أن ذكرهم لا يَسْلَمُ من الوساوس، والذكر لا يفيد إلا إذا كان الذاكر
حاضر القلب مع الله تعالى.
ولكن مرشدي السادة الصوفية حذروا مريديهم من
هذا المدخل الشيطاني الخطير، فقال ابن عطاء الله السكندري: (لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه، لأن غفلتك عن
وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره، فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر
مع وجود يقظة، ومن ذكر مع حضور يقظة إلى ذكر مع وجود حضور، ومن ذكر مع وجود حضور
إلى ذكر مع وجود غيبة عما سوى المذكور، وما ذلك على الله بعزيز) [“إيقاظ
الهمم” ج1/ص79].
وقد يترك بعض السالكين أورادهم اكتفاء بالوارد،
وما علموا أن الورد مطلوب منهم للتقرب الله تعالى، وأن السادة الصوفية لم يتركوا
أورادهم مهما بلغوا من مراتب الكمال.
قال أبو الحسن الدراج رحمه الله: (ذكَرَ الجنيدُ أهل المعرفة بالله، وما يراعونه من
الأوراد والعبادات بعد ما أتحفهم الله به من الكرامات، فقال الجنيد رضي الله عنه:
العبادة على العارفين أحسن من التيجان على رؤوس الملوك. وقد رأى رجلٌ الجنيدَ رضي
الله عنه وفي يده سبحة، فقال له: أنت مع شرفك تأخذ في يدك سبحة؟! فقال: نعم، سبب
وَصَّلَنا إلى ما وصلنا فلا نتركه أبداً) [“إيقاظ
الهمم” ج1/ص162. وراجع هذا الخبر في ص184].
قال ابن عطاء الله: (لا
يستحقر الورد إلا جهول، الوارد يوجد في الدار الآخرة، والورد ينطوي بانطواء هذه
الدار وأوْلى ما يُعتنى به ما لا يُخلَف وجوده، الورد هو طالبه منك والوارد أنت
تطلبه منه، وأين ما هو طالبه منك مما هو مطلبك منه)
[“إيقاظ الهمم” ج1/ص160].
وأخيراً فإن المريد إذا ترك ورده لسبب من
الأسباب السابقة، ثم عاد إلى يقظته والتزام عهده؛ فلا ينبغي أن يقنط من رحمة الله
نتيجة تقصيره وإهماله، بل عليه أن يتوب إلى الله تعالى، ثم يقضي ما فاته من أوراد،
إذ الأوراد تُقضَى كسائر العبادات والطاعات.
قال الإمام النووي: (ينبغي
لمن كان له وظيفة من الذكر في وقت من ليل أو نهار، أو عقيب صلاة أو حالة من
الأحوال ففاتته أن يتدراكها، ويأتي بها إذا تمكن منها، ولا يهملها، فإنه إذا اعتاد
الملازمة عليها لم يُعرِّضْها للتفويت، وإذا تساهل في قضائها سَهُلَ عليه تضييعُها
في وقتها، وقد ثُبت في صحيح مسلم [كتاب صلاة
المسافرين وقصرها] عن عمر بن الخطاب رضي الله
عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من
نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما
قرأه من الليل” [“الأذكار” للنووي ص13].
المذاكرة
المذاكرة: هي استفادة
المريد من خبرة مرشده بسؤاله عن أحكام شرعية تتعلق بتصحيح العقائد أو العبادات أو
المعاملات، أو بأن يعرض له ما يحدث معه من أحوال قلبية وخواطر نفسية وشيطانية قد
تلتبس عليه فتوقعه في شكوك وأوهام، كالشكوك في العقائد الإيمانية، وكالتعلقات
الدنيوية، التي يقف حيالها حائراً مضطرباً.
أو بأن يكشف له عن أمراضه القلبية كالكبر
والحسد والنفاق وحب الرئاسة، وعن رعوناته النفسية كالتحدث عن كراماته ومرائيه بغية
الثناء والشهرة... وغير ذلك من الصفات الناقصة بغية معرفة طريق الخلاص منها.
وهكذا يرجع المريد لمرشده في جميع أحوال سيره
لاجتياز العقبات التي تعترض طريقه.
وقد يذاكر المريد شيخه في أحواله الطيبة
ومقامات سيره، واستشراف روحه للحضرة الإلهية، وما يرد على قلبه من واردات رحمانية
أو ملكية ومفاهيم قرآنية وعلوم وهبية ... والقصد من ذلك الاستيثاق من صحتها حتى
يكون المريد على بصيرة من مراحل سيره.
فالمذاكرة لها أهمية كبرى في سير المريد إلى
الله تعالى، وهي ركن عظيم من أركان الطريق الخمسة: الذكر، والمذاكرة، ومجاهدة
النفس، والعلم، والمحبة.
ومثل المريد مع مرشده كمثل المريض الذي يكشف
لطبيبه كل ما يلقاه من أعراض مرضية، كما يخبره عن جميع مراحل تحسن جسمه وصحته.
ومن جهة أخرى فإن المذاكرة تُقوِّي الصلة بين
المريد والمرشد، فتزداد المحبة ويقوى التجاوب، كما أن المريد يستفيد بالمذاكرة من
شيخه علماً وحالاً ومعرفة، لأن العلم روح تنفخ لا مسائل تنسخ.
فالمذاكرة إذن تطبيق عملي لأدب من آداب الشرع،
وخلق أساسي من أخلاق الإسلام، وهو الشورى التي مدح الله بها المؤمنين بقوله: {وأمرُهُمْ شُورى بينَهُم}
[الشورى: 38]. والتي دعا
إليها الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام بقوله: “المستشار
مؤتمن” [رواه
الترمذي عن أبي هريرة في كتاب الأدب وقال: حديث حسن. والبخاري في “الأدب المفرد” في باب
المستشار مؤتمن].
وإذا كانت الشورى هي للاستفادة من خبرة أهل
الاختصاص في أي جانب من جوانب الحياة، كالمريض الذي يستفيد من خبرة الطبيب،
والبَنَّاءِ الذي يستفيد من خبرة المهندس، والمظلوم الذي يستفيد من خبرة
المحامي... إلخ.
فإن المذاكرة هي للاستفادة من خبرة المرشد في
ميدان التطبيق العملي لدين الله تعالى، وقد نوَّه الله تعالى لهذه الاستفادة
بقوله: {فاسألُوا أَهْلَ الذِّكرِ إنْ كُنتُم لا
تعلمونَ} [النحل: 43]. وبقوله تعالى: {الرحمنُ فاسألْ بِهِ خبيراً} [الفرقان:
59].
الفرق بين
المذاكرة وبين الاعتراف عند النصارى:
قد يتوهم بعض الناس بأن هناك تشابهاً بين
مذاكرة المريد لمرشده وبين الاعتراف عند النصارى، ولكن العاقل المنصف لا يتسرع في
الحكم، ولا يلقي الكلام جزافاً دون تفكير أو تدبر، بل يفرق بين من يأتي لإنسان
مثله فيكشف له عن آثامه وجرائمه بغية أن يغفر له، كما هو الأمر عند النصارى، وبين
من يأتي لخبير عالم فيكشف له عن أمراضه وأحواله بغية أن يدله على الطريق العملي
للتخلص منها، كما يكشف المريض عن أمراضه ولو كانت مما يُستحى منها من أجل تشخيص
الداء ووصف الدواء الناجع.
الفرق بين
المذاكرة وبين المجاهرة بالمعصية:
وقد يشتبه الأمر على بعض
الناس فيظنون أن مذاكرة المريد لمرشده في أمراضه القلبية وأحواله النفسية من معاصٍ
ومخالفات نوع من المجاهرة بالمعصية.
ولكن هناك فرق كبير بين
من يرتكب الإثم، ثم يأتي للناس يحدّث عنه من باب المباهاة والتلذذ بذكره والدعوة
إليه، وبين من يندم على ذنبه ويتحير في معرفة العلاج الجذري الذي ينقذه من وضعه
المذموم، فيأتي ليستفيد من خبرة مرشده.
قال الإمام النووي معلقاً على حديث: “كل أمتي معافاةٌ إلا المجاهرين، وإن من الإجهار أن يعمل
الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله تعالى عليه، فيقول: يا فلان عملتُ
البارحة كذا وكذا،
وقد بات يستره ربه،
ويصبح يكشف ستر الله عنه” [رواه البخاري في صحيحه في كتاب الأدب، ومسلم في
كتاب الزهد والرقائق]: (يكره للإنسان إذا ابتُلِيَ بمعصية أو نحوها أن يخبر
غيره بذلك، بل ينبغي أن يتوب إلى الله تعالى؛ فيقلع عنها في الحال، ويندم على ما
فعل، ويعزم ألا يعود إلى مثلها أبداً، فهذه الثلاثة هي أركان التوبة، لا تصح إلا
باجتماعها، فإن أخبر بمعصيته شيخه أو شبهه ممن يرجو بإخباره أن يعلمه مخرجاً من
معصيته، أو يعلمه ما يسلم به من الوقوع في مثلها، أو يعرفه السبب الذي أوقعه فيها،
أو يدعو له، أو نحو ذلك، فلا بأس به، بل هو حسن، وإنما يُكره إذا انتفت هذه
المصلحة) [“الأذكار” للنووي ص327].
ونقل الإمام المناوي في معرض شرحه لحديث
المجاهرة قول الإمام الغزالي: (الكشف المذموم إذا
وقع على وجه المجاهرة والاستهزاء؛ لا على وجه السؤال والاستفتاء، بدليل خبر من
واقع امرأته في رمضان [روى هذا
الخبر البخاري في صحيحه في كتاب الصوم، ومسلم في كتاب الصيام، والترمذي في كتاب
الصوم باب ما جاء في كفارة الفطر في رمضان]، فجاء
فأخبر المصطفى عليه الصلاة والسلام، فلم ينكر عليه)
[“فيض القدير شرح الجامع
الصغير” ج5/ص12].
1 - تعريفها:
قال الشيخ أحمد زروق في
قواعده: (الخلوة أخص من العزلة، وهي بوجهها
وصورتها نوع من الاعتكاف، ولكن لا في المسجد، وربما كانت فيه، وأكثرها عند القوم
لا حدَّ له، لكن السنة تشير للأربعين بمواعدة موسى عليه السلام، والقصد في الحقيقة
ثلاثون، إذ هي أصل المواعدة، وجاور عليه الصلاة والسلام بحراء شهراً كما في مسلم [أخرج مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان عن جابر بن عبد
الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “جاورت بحراء شهراً، فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت بطن
الوادي...”]،
وكذا اعتزل نساءه، وشهر الصوم واحد. وزيادة القصد ونقصانه كالمريد في سلوكه.
وأقلها عشرة لاعتكافه عليه الصلاة والسلام للعشر، وهي للكامل زيادة في حاله،
ولغيره ترقية، ولا بد من أصل يُرجع إليه. والقصد بها تطهير القلب من أدناس
الملابسة، وإفراد القلب لذكر واحد، وحقيقة واحدة، ولكنها بلا شيخ مخطرة، ولها فتوح
عظيم، وقد لا تصح بأقوام، فليعتبر كل أحد بها حالَه) [“قواعد التصوف” ص39 لأبي العباس الشيخ أحمد الفاسي المشهور بزروق توفي
سنة 899هـ في طرابلس الغرب].
فالخلوة إذن: انقطاع عن البشر لفترة محدودة، وترك للأعمال الدنيوية لمدة يسيرة، كي يتفرغ القلب من هموم الحياة التي لا تنتهي، ويستريح الفكر من المشاغل اليومية التي لا تنقطع، ثم ذكرٌ لله تعالى بقلب حاضر خاشع، وتفكرٌ في آلائه تعالى آناء الليل وأطراف النهار، وذلك بإرشاد شيخ عارف بالله، يُعلِّمه إذا جهل، ويذكِّره إذا غفل، وينشطه إذا فتر، ويساعده على دفع الوساوس وهواجس النفس.
2 - طريقتها:
يذكر الغزالي رحمه الله طريقة الخلوة ومراحلها
ومقاماتها، فيبين: (أن الشيخ يُلزِم المريد زاوية
ينفرد بها، ويوكل به من يقوم له بقدر يسير من القوت الحلال - فإنَّ أصل الدين
القوت الحلال - وعند ذلك يلقنه ذكراً من الأذكار، حتى يشغل به لسانه وقلبه، فيجلس
ويقول مثلاً: الله، الله، أو سبحان الله، سبحان الله، أو ما يراه الشيخ من
الكلمات، فلا يزال يواظب عليه، حتى يسقط الأثر عن اللسان، وتبقى صورة اللفظ في
القلب، ثم لا يزال كذلك حتى تُمحى من القلب حروف اللفظ وصورته، وتبقى حقيقة معناه
لازمة للقلب، حاضرة معه، غالبة عليه، قد فرغ عن كل ما سواه، لأن القلب إذا اشتغل
بشيء خلا عن غيره - أيَّ شيء كان - فإذا اشتغل بذكر الله تعالى وهو المقصود، خلا
لا محالة من غيره. وعند ذلك يلزمه أن يراقب وساوس القلب، والخواطر التي تتعلق
بالدنيا، وما يتذكر فيه مما قد مضى من أحواله وأحوال غيره، فإنه مهما اشتغل بشيء
منه - ولو في لحظة - خلا قلبه عن الذكر في تلك اللحظة، وكان أيضاً نقصاناً.
فليجتهد في دفع ذلك، ومهما دفع الوساوس كلها، وردَّ النفس إلى هذه الكلمة، جاءته الوساوس
من هذه الكلمة، وإنها ما هي؟ وما معنى قولنا: الله؟ ولأي معنى كان إلهاً، وكان
معبوداً؟ ويعتريه عند ذلك خواطر تفتح عليه باب الفكر، وربما يَرِدُ عليه من وساوس
الشيطان ما هو كفر وبدعة، ومهما كان كارهاً لذلك، ومُتَشمِّراً لإماطته عن القلب
لم يضره ذلك.
وهذه الوساوس منقسمة إلى
قسمين:
أ - ما يعلم قطعاً أن
الله تعالى منزه عنه، ولكن الشيطان يُلْقي ذلك في قلبه، ويُجريه على خاطره،
فَشَرْطُهُ أن لا يبالي به، ويفزع إلى ذكر الله تعالى، ويبتهل إليه ليدفعه عنه،
كما قال تعالى: {وإمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ
الشيطانِ نَزْغٌ فاستعذ باللهِ إنَّهُ سميعٌ عليمٌ}
[الأعراف: 200]. و قال
تعالى: {إنَّ الذينَ اتَّقَوا إذا مسَّهُم طائفٌ
مِنَ الشيطان تذَكَّروا فإذا هم مبصرونَ} [الأعراف:
201].
ب - ما يشك فيه، فينبغي أن يَعرض ذلك على شيخه،
بل كلُّ ما يجد في قلبه من الأحوال، من فترة أو نشاط، أو التفات إلى علْقة، أو صدق
في إرادة، فينبغي أن يُظهر ذلك لشيخه، وأن يستره عن غيره، فلا يطلع عليه أحداً) [“الإحياء” للغزالي ج3/ص66].
3 - مشروعيتها:
ليست الخلوة ابتداعاً من الصوفية، وإنما هي
امتثال لأمر الله تعالى في كتابه العزيز، وتأسٌّ واقتداء برسول الله صلى الله عليه
وسلم؛ فقد كان يخلو بغار حراء يتعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، حتى
جاءه الحق، وهو في غار حراء. وبهذا تكون قد ثبتت مشروعيتها.
الدليل عليها من
القرآن الكريم:
قال تعالى: {واذكرِ اسم ربِّكَ وتَبَتَّلْ إليه تبتيلاً} [المزمل: 8].
قال العلامة أبو السعود مفسراً قوله تعالى: {واذكُرِ اسمَ ربِّك...}
[المزمل: 8]: (ودُم على ذكره تعالى ليلاً ونهاراً على أي وجه كان؛ من
التسبيح والتهليل والتحميد... إلى أن قال: وانقطعَ إليه بمجامع الهمة واستغراق
العزيمة في مراقبته، وحيث لم يكن ذلك إلا بتجريد نفسه عليه الصلاة والسلام عن
العوائق الصادرة المانعة عن مراقبة الله تعالى، وقطع العلائق عما سواه) [تفسير
العلامة أبي السعود على هامش تفسير فخر الدين الرازي ج8/ص338].
وكل أمرٍ أُمِر به صلى الله عليه وسلم تشريع له
ولأمته إلا فيما خُصَّ به، وخصوصياته معروفة، وهذا الأمر في هذه الآية المذكورة
عام له ولأمته.
الدليل عليها من
السنة:
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (أولُ ما بُدِىءَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من
الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم
حُبِّبَ إليه الخلاءُ، وكان يخلو بغار حِراءَ؛ فيتَحَنَّثُ فيه - وهو التعبد -
الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة،
ويتزود لمثلها، حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء) [رواه
البخاري في صحيحه باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم].
قال ابن أبي جمرة في شرحه لهذا الحديث: (في الحديث دليل على أن الخلوة عون للإنسان على تعبده
وصلاح دينه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتزل عن الناس وخلا بنفسه، أتاه
هذا الخير العظيم، وكل أحد امتثل ذلك أتاه الخير بحسب ما قسم له من مقامات الولاية
.
وفيه دليل على أن الأوْلى بأهل البداية الخلوة
والاعتزال، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في أول أمره يخلو بنفسه.
وفيه دليل على أن البداية ليست كالنهاية، لأن
النبي صلى الله عليه وسلم أول ما بُدِىءَ في نبوته بالمرائي، فما زال عليه الصلاة
والسلام يرتقي في الدرجات والفضل، حتى جاءه المَلكُ في اليقظة بالوحي، ثم ما زال
يرتقي، حتى كان كقاب قوسين أو أدنى، وهي النهاية. فإذا كان هذا في الرسل فكيف به
في الأتباع؟! لكن بين الرسل والأتباع فرق، وهو أن الأتباع يترقون في مقامات
الولاية - ما عدا مقام النبوة ، فإنه لا سبيل لهم إليها، لأن ذلك قد طُويَ بساطه -
حتى ينتهوا إلى مقام المعرفة والرضا، وهو أعلى مقامات الولاية.
ولأجل هذا تقول الصوفية: من نال مقاماً فدام
عليه بأدبه ترقى إلى ما هو أعلى منه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ أولاً في
التحنث ودام عليه بأدبه، إلى أن ترقى من مقام إلى مقام، حتى وصل إلى مقام النبوة،
ثم أخذ في الترقي في مقامات النبوة حتى وصل به المقام إلى قاب قوسين أو أدنى كما
تقدم. فالوارثون له بتلك النسبة؛ من دام منهم على التأدب في المقام الذي أُقيم فيه
ترقى في المقامات حيث شاء الله، عدا مقام النبوة التي لا مشاركة للغير فيها بعد
النبي صلى الله عليه وسلم) [“بهجة
النفوس” شرح مختصر البخاري للإمام الحافظ أبي محمد
عبد الله بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي المتوفى 699هـ. ج1/ص10 - 11].
وقال القسطلاني رحمه الله تعالى في شرحه لحديث
عائشة المذكور: (وفيه تنبيه على فضل العزلة لأنها
تريح القلب من أشغال الدنيا، وتفرغه لله تعالى، فتنفجر منه ينابيع الحكمة. والخلوة
أن يخلو عن غيره، بل وعن نفسه بربه، وعند ذلك يصير خليقاً بأن يكون قالبه ممراً
لواردات علوم الغيب، وقلبه مقراً لها) [“إرشاد الساري لشرح
صحيح البخاري “ ج1/ص62 للقسطلاني المتوفى سنة
923هـ].
إشكال:
فإن قلتَ: أمر الغار قبل
الرسالة، ولا حكم إلا بعد الرسالة؟ قال المحدث القسطلاني مجيباً: (إنه أول ما بدىء به عليه الصلاة والسلام من الوحي
الرؤيا الصالحة، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء كما مر، فدل على أن الخلوة
حكم مرتب على الوحي، لأن كلمة [ثم] للترتيب. وأيضاً لو لم تكن من الدين لنهى عنها، بل
هي ذريعة لمجيء الحق، وظهورُه مبارك عليه وعلى أمته تأسِّيَاً وسلامة من المناكير
وضررها، ولها شروط مذكورة في محلها من كتب القوم) [“إرشاد الساري لشرح
صحيح البخاري” للقسطلاني ج1/ص62].
وقال المحدث الكشميري
رحمه الله تعالى معلقاً على هذه الفقرة من الحديث: (ثم
حُبِّبَ إليه الخلاء): (وهذا
على نحو مجاهدات الصوفية وخلواتهم، ثم إن اعتكاف الفقهاء وخلوات الصوفية عندي قريب
من السواء) [“فيض الباري
على صحيح البخاري” ج1/ص23].
وقال الزهري رحمه الله تعالى: (عجباً من الناس، كيف تركوا الاعتكاف، ورسول الله صلى
الله عليه وسلم كان يفعل الشيء ويتركه، وما ترك الاعتكاف حتى قُبِض) [“حاشية
الطحطاوي على مراقي الفلاح” ص463].
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى في شرح
حديث عائشة عند قوله: “حبب إليه الخلاء”: (أما الخلاء فهو
الخلوة، وهي شأن الصالحين، وعباد الله العارفين. ثم قال: قال أبو سليمان الخطابي
رحمه الله: حُبِّبَتْ إليه العزلة صلى الله عليه وسلم لأن معها فراغ القلب، وهي
معينة على التفكر، وبها ينقطع عن مألوفات البشر، ويتخشع قلبه) [صحيح مسلم
بشرح الإمام النووي ج2/ص198].
وقال شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني رحمه
الله تعالى في شرحه على حديث عائشة المذكور عند قوله: (ثم
حبب إليه الخلاء): (والخلاء
بالمد: الخلوة، والسر فيه أن الخلوة فراغ القلب لما يتوجه له... إلى أن قال: وإلا
فأصل الخلوة قد عُرفتْ مدتها وهي شهر، وذلك الشهر كان رمضان) [“فتح الباري شرح صحيح البخاري”
للعسقلاني ج1/ص18].
وقال العلامة الكبير محمود العيني رحمه الله
تعالى في شرحه على حديث عائشة عند الأسئلة والأجوبة: (الوجه
الثالث: ما قيل: لِمَ حُبِّبَ إليه الخلوة؟ أجيب بأن معها فراغ القلب، وهي معينة
على التفكر، والبشر لا ينتقل عن طبيعته إلا بالرياضة البليغة، فحُبِّبَ إليه
الخلوة لينقطع عن مخالطة البشر، فينسى المألوفات من عادته)
[“عمدة القاري شرح صحيح
البخاري” للعيني المتوفى سنة 855هـ ج1/ص60 - 61].
وقال الكرماني رحمه الله تعالى في شرحه لحديث
عائشة رضي الله عنهاالمذكور: (ثم حبب إليه الخلاء
بالمد وهو الخلوة، وهو شأن الصالحين وعباد الله العارفين، حببت إليه العزلة لأن
فيها فراغ القلب، وهي معينة على التعبد وبها ينقطع عن مألوفات البشر ويخشع قلبه) [“شرح صحيح
البخاري” للعلامة الكرماني ج1/ص32].
هذه أقوال علماء الحديث وشراحه في الخلوة من
حيث تسميتها، ومن حيث مشروعيتها، ومن حيث فوائدها، ومن حيث اعتناء السلف الصالح
بها؛ فليقل المغرضون بعد ذلك ما شاؤوا.
وما أحسن قول البوصيري رحمه الله تعالى في
همزيته يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدايته:
أَلِفَ النُسكَ
والعِبَادَةَ والخَلْـوَةَ طفلاً وهكذا النجباءُ
قال شارح الهمزية محمد بن أحمد بنيس رحمه الله تعالى: (وروى ابن إسحاق وغيره أنه عليه الصلاة والسلام كان يخرج
إلى حراء شهراً في كل عام يتنسَّك فيه.
وقال المناوي رحمه الله تعالى: حبب إليه صلى
الله عليه وسلم الخلاء والانفراد والنفور من المخالطة حتى في الأهل والمال والعيال
بالكلية، واستغرق في بحر الأذكار العلية، فانقطع عن الأضداد، فاستشعر حصول المراد،
وحصل له الأنس بالخلوة، فتذكر من أجل ذلك الجلوة، ولم يزل ذلك الأنس يتضاعف،
ومرآته تزداد من الصفاء والصقال، حتى بلغ أقصى درجات الكمال، فظهرت تباشير صبح
الوحي وأشرقت، وانتشرت بروق السعادة وأبرقت، فكان لا يمر بشجر وحجر، إلا قال بلسان
صحيح ونطق فصيح: السلام عليك يا رسول الله، فلا يرى شيئاً)
[“لوامع الكوكب الدري في
شرح الهمزية” للبوصيري ص48 - 49].
وقال سليمان الجمل رحمه الله تعالى شارحاً
للهمزية: (وكان تَعَبُّدَهُ صلى الله عليه وسلم
أنه يخرج إلى حراء شهراً في كل عام يتنسك فيه، حتى إذا انصرف من مجاورته في حراء،
لم يدخل بيته حتى يطوف بالكعبة، وكان يعبد الله في حِراء بالذكر والفكر، وكان يكثر
الخلوة في غير حراء أيضاً) [“الفتوحات
الأحمدية بالمنح المحمدية على شرح الهمزية” ص21].
ومن غار حراء انبثق النور، وأطل الفجر، وانطلقت
اللمعة الأولى في نور التصوف الإسلامي، وما ترك الرسول صلى الله عليه وسلم هذه
الخلوة، بعد أن خرج من الغار، فكان بعدئذ يخلو في العشر الأواخر من رمضان، وقد
سماه الفقهاء اعتكافاً.
4 - أقوال العلماء في أهمية الخلوة
وفوائدها:
إن للخلوة فوائد جليلة وآثاراً هامة، وإنما
يدركها من ذاق حلاوتها وجنى ثمارها. فمن فوائدها:
تهذيب النفس وتزكيتها،
ورياضتها على طاعة الله تعالى، والاستئناس بمجالسته؛ لأن من طبائع النفس الأمارة
حب مجالسة الناس، والميلَ إلى اللهو والعبث والبطالة، وكراهيةَ الخلوة مع الله،
والنفورَ من الانفراد للمحاسبة على الهفوات واللوم على الأخطاء. فإذا جاهدناها على
ذلك، فإنها تشعر بالضيق والضجر في بادىء أمرها، ولكن سرعان ما تُذعِنُ وتخضع، ثم
تذوق حلاوة الأنس بالله ولذة مناجاته، وخصوصاً عندما تنطلق، وتتحرر من قيود
المادة، وتسبح في عوالم الملكوت؛ إذ الخلوة تروض النفسَ على الإذعان لبارئها
والأنس بربها.
ألا ترى الطير البازي كيف
كان نفاره من الآدميين في الجبال الشامخات، ثم حين يُصاد ويلقى في البيت، وتخاط
عيناه حتى ينقطع عن الطيران، ويربى باللحم، ويرفق به، حتى يأنس بصاحبه، ويألفه
إلفاً؛ إذا دعاه فسمع صوته أجابه، حتى إذا أرسله وحثَّه على الطيران طار، فصاد
وأمسك صيده، تحرياً لموافقة مولاه، ثم إن دعاه من الطيران رجع، وآثر هوى صاحبه على
هوى نفسه.
أفلا يحق على مؤمن أبصر هذا أن يموت كمداً
وعبرة وأسفاً على فوت هذا من نفسه، أن يكون طيره أسمع له وأطوع، وأشد تحرياً
لموافقته وألزم لنصيحته من العبد المؤمن لربه.
والخلوة تريح القلب والفكر والعقل من الشواغل
الدنيوية المتعاقبة، وهمومها المتلاحقة، وعند ذلك يذوق العبد طعم الإيمان، ويستنشق
نسيم السعادة والطمأنينة. وإليك بعض أقوال السادة العلماء في ذلك:
الفيروزأبادي
صاحب القاموس:
قال العلامة الكبير
الفيروز أبادي رحمه الله تعالى صاحب القاموس في ذكر حال حضرة رسول الله صلى الله
عليه وسلم قبل نزول الوحي: (ولما قربت أيام الوحي
أحب الخلوة والانفراد، فكان يتخلى في جبل حراء، وهو على ثلاثة أميال من الكعبة،
وبه غار صغير طوله أربعة أذرع وعرضه ذراع وثلث في بعض المواضع، وفي بعضها أقل،
واختار محل الخلوة هناك.
وللعلماء في عبادته في
خلوته قولان: قال بعضهم: كانت عبادته بالفكر. وقال بعضهم: بالذكر. وهذا القول هو
الصحيح، ولا تعريج على الأول ولا التفات إليه؛ لأن خلوة طلاب طريق الحق على أنواع:
الأول: أن تكون
خلوتهم لطلب مزيد علم الحق من الحق لا بطريق النظر والفكر، وهذا غاية مقاصد أهل
الحق، لأن من خاطب في خلوته كوناً من الأكوان، أو فكَّر فيه فليس هو في خلوة. قال
شخص من طلاب الطريق لبعض الأكابر: اذكرني عند ربك في خلوتك. قال: إذا ذكرتك فلستُ
معه في خلوة. ومن ثَمَّ يُعلم سر “أنا جليس مَنْ
ذكرني”. وشرط هذه الخلوة أن يذكر بنفسه وروحه، لا
بنفسه ولسانه.
الثاني: أن تكون
خلوتهم لصفاء الفكر لكي يصح نظرهم في طلب المعلومات، وهذه الخلوة لقوم يطلبون
العلم من ميزان العقل، وذلك الميزان في غاية اللطافة، وهو بأدنى هوى يخرج عن
الاستقامة، وطلاب طريق الحق لا يدخلون في مثل هذه الخلوة، بل تكون خلوتهم للذكر،
وليس للفكر عليهم قدرة ولا سلطان، ومهما وُجِدَ الفكر إلى صاحب الخلوة فينبغي أن
يعلم أنه ليس من أهل الخلوة، ويخرج من الخلوة ويعلم أنه ليس من أهل العلم الصحيح
الإلهي، إذ لو كان من أهل ذلك لحالت العناية الإلهية بينه وبين دوران رأسه بالفكر.
الثالث: خلوة
يفعلها جماعة لدفع الوحشة من مخالطة غير الجنس، والاشتغال بما لا يعني، فإنهم إذا
رأوا الخلق انقبضوا، فلذلك اختاروا الخلوة.
الرابع: خلوة
لطلب زيادة لذة توجد في الخلوة.
وخلوة حضرة صاحب
الرسالة من القسم الأول، وكان بعيداً جداً من جميع المخالطات حتى الأهل والمال
وذات اليد، واستغرق في بحر الأذكار القلبية، وانقطع عن الأضداد بالكلية، وظهر له
الأنس والجلوة بتذكر مَنْ لأجله الخلوة، ولم يزل في ذلك الأنس، ومرآة الوحي تزداد
من الصفاء والصقال حتى بلغ أقصى درجات الكمال) [“كتاب سفر
السعادة” للفيروز أبادي المتوفى سنة 826هـ ص3 - 4].
الإمام
الشافعي:
وقال الإمام الشافعي
رحمه الله تعالى: (ومن أحب أن يفتح الله قلبه،
ويرزقه العلم، فعليه بالخلوة وقلة الأكل، وترك مخالطة السفهاء وبعض أهل العلم الذي
ليس معهم إنصاف ولا أدب) [“بستان العارفين” للإمام الفقيه الحافظ أبي زكريا محي الدين النووي
المتوفى 676هـ ص47].
الإمام
الغزالي:
وقال الإمام الغزالي
رحمه الله تعالى: (وأما الخلوة ففائدتها دفع
الشواغل، وضبط السمع والبصر، فإنهما دهليز القلب، والقلب في حكم حوض تنصب إليه
مياه كريهة كدرة قذرة من أنهار الحواس. ومقصود الرياضة تفريغ الحوض من تلك المياه
ومن الطين الحاصل منها؛ ليتفجر أصل الحوض، فيخرج منه الماء النظيف الطاهر. وكيف
يصح له أن ينزح الماء من الحوض، والأنهار مفتوحة إليه؟ فيتجدد في كل حال أكثر مما
ينقص. فلا بد من ضبط الحواس إلا عن قدر الضرورة، وليس يتم ذلك إلا بالخلوة) [“الإحياء” للغزالي
ج3/ص66].
وعندما يسلم من علله
وأمراضه وتعلقاته ومشاغله، وخواطر الشيطان ووساوسه، يستحق نعيم قربه ويستعد لتلقي
العلوم اللدنية، والأسرار الربانية، والنفحات النورانية.
وقال الغزالي أيضاً: (وانكشف لي في أثناء هذه الخلوات أُمور لا يمكن إحصاؤها
واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره ليُنتفعَ به، أني علمت يقيناً أن الصوفية هم
السالكون لطريق الله خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقتهم أصْوَبُ الطرق،
وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جُمِع عقل العقلاء، وحكمة العلماء، وعلم الواقفين
على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئاً من سَيْرِهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو
خير منه، لم يجدوا إليه سبيلاً، فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم
مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به) [“المنقذ من الضلال” لحجة
الإسلام الغزالي ص131 - 132].
الشيخ
الأكبر:
وقال الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي (رحمه الله تعالى): (فإن المتأهب الطالب للمزيد، المتعرض لنفحات الجود
بأسرار الوجود إذا لزم الخلوة والذكر، وفرَّغ المحل من الفكر، وقعد فقيراً لا شيء
له عند باب ربه، حينئذ يمنحه الله تعالى، ويعطيه من العلم به والأسرار الإلهية
والمعارف الربانية التي أثنى الله سبحانه بها على عبده خضر فقال: {عبْداً مِنْ عِبادِنا آتيناهُ رحمَةً مِنْ عندِنا
وعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا علماً} [الكهف: 65]. وقال تعالى: {واتَّقوا
اللهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللهُ} [البقرة:
282]. قال تعالى: {إنْ تتَّقوا اللهَ يَجعَلْ لكُمْ فُرقاناً} [الأنفال:
29]. وقال: {ويجعلْ لَكُمْ نُوراً تمشونَ به} [الحديد: 28].
وقيل للجنيد: بم نلت
ما نلت؟ فقال: بجلوسي تحت تلك الدرجة ثلاثين سنة.
وقال أبو يزيد: أخذتم
علمكم ميتاً عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت. فيحصل لصاحب الهمة في
الخلوة مع الله وبه جلَّت هيبته وعظمت منته، من العلوم ما يغيب عندها كل متكلم على
البسيطة، بل كل صاحب نظر وبرهان، ليست له هذه الحالة)
[“الفتوحات المكية” ج1/ص31].
محمد
السفاريني:
وقال العلامة محمد
السفاريني الحنبلي رحمه الله تعالى شارحاً قصيدة “منظومة
الآداب”: (وقد
أكثر الناس من مدح الخلوة، وكفِّ رِجْلِ الرجل عن الاختلاط بالناس:
أنستُ بوحدتي ولزمتُ بيتي فدام الأُنسُ لي ونما السرورُ
[“غذاء
الألباب شرح منظومة الآداب” للشيخ الإمام محمد
السفاريني الحنبلي المتوفى سنة 1188هـ. ج2/ص388].
الدكتور
مصطفي السباعي :
وقال الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله تعالى في
كتابه “مذكرات في فقه السيرة”: (يجب على الداعية إلى
الله أن تكون له بين الفَيْنة والفَيْنة أوقات يخلو فيها بنفسه، تتصل فيها روحه
بالله جل شأنه، وتصفو فيها نفسه من كدورات الأخلاق الذميمة والحياة المضطربة من
حوله. ومثل هذه الخلوات تدعوه إلى محاسبة نفسه إن قصرت في خير، أو زلت في اتجاه،
أو جانبت سبيل الحكمة، أو أخطأت في منهج أو طريق، أو انغمست مع الناس في الجدال
والنقاش، حتى أنْسَتْهُ تذكُّرَ الله والأنس به، وتذكر الآخرة وجنتها ونارها
والموتِ وغصصه وآلامه. ولذلك كان التهجد وقيام الليل فرضاً في حق النبي صلى الله
عليه وسلم، مستحباً في حق غيره. وأحق الناس بالحرص على هذه النافلة هم الدعاة إلى
الله وشريعته وجنته. وللخلوة والقيام لله بالعبودية في أعقاب الليل لذة لا يدركها
إلا من أكرمه الله بها. وقد كان إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى يقول في أعقاب
تهجده وعبادته: نحن في لذة لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها) [“مذكرات في
فقه السيرة” للدكتور مصطفى السباعي ص18].
عماد الدين
الواسطي:
ويقول الشيخ الإمام
عماد الدين أحمد الواسطي: (وليكن لنا جميعاً من
الليل والنهار ساعة نخلو فيها بربنا جل اسمه وتعالى قدسه، نجمع بين يديه في تلك
الساعة همومنا ونطرح أشغال الدنيا عن قلوبنا، فنزهد فيما سوى الله ساعة من نهار،
فبذلك يعرف الإنسان حاله مع ربه، فمن كان له مع ربه حال، تحركت في تلك الساعة
عزائمه، وابتهجت بالمحبة والتعظيم سرائره، وطالت إلى العلا زفراته وكوامنه. وتلك
الساعة أنموذج لحالة العبد في قبره حين خلوه عن ماله وولده. فمن لم يخل قلبه لله
ساعة من نهار لَمَا احتوشته من الهموم الدنيوية ذواتُ الآصار، فليعلم أنه ليس له
ثَمَّ رابطة علوية، ولا نصيب من المحبة ولا المحبوبية، فليبك على نفسه، ولا يرض
منها إلا بنصيب من قرب ربه وأُنسه. فإذا خلصت لله تلك الساعة؛ أمكن إيقاع الصلوات
الخمس على نمطها من الحضور والخشية والهيبة للرب العظيم في السجود والركوع، فلا
ينبغي أن نبخل على أنفسنا في اليوم والليلة من أربع وعشرين ساعة، بساعة لله الواحد
القهار، نعبده فيها حق عبادته، ثم نجتهد على إيقاع الصلوات على ذلك النهج)[“غذاء
الألباب” ج1/ص47].
ابن عجيبة:
وقال ابن عجيبة شارحاً
قول ابن عطاء الله رحمهما الله تعالى: ما نفعَ القلبَ شيءٌ مثلُ عُزلةٍ يدخل بها
مَيْدانَ فكرة:
(والعزلة
انفراد القلب بالله. وقد يراد بها الخلوة التي هي انفراد القالب عن الناس، وهو
المراد هنا، إذ لا ينفرد القلب بالله إلا إذا انفرد القالب. والفكرة سير القلب إلى
حضرة الرب، وهي على قسمين: فكرة تصديق وإيمان، وفكرة شهود وعيان. ولا شيء أنفع
للقلب من عزلة مصحوبة بفكرة، لأن العزلة كالحِمْية، والفكرة كالدواء، فلا ينفع
الدواء بغير حمية، ولا فائدة في الحمية من غير دواء، فلا خير في عزلة لا فكرة فيها
ولا نهوض بفكرة لا عزلة معها، إذ المقصود من العزلة هو تفريغ القلب، والمقصود من
التفرغ هو جَولاَن القلب واشتغال الفكرة، والمقصود من اشتغال الفكرة تحصيل العلم
وتمكنه من القلب، وتمكن العلم بالله من القلب هو دواؤه وغاية صحته، وهو الذي سماه
الله القلب السليم، قال الله تعالى في شأن القيامة: {يومَ
لا ينفَعُ مالٌ ولا يَنونَ إلا مَنْ أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ} [الشعراء:
88 -89].
وقد قالوا: إن القلب كالمعدة إذا قويت عليها
الأخلاط مرضت، ولا ينفعها إلا الحمية، وهو قلة موادها، ومنعها من كثرة الأخلاط (المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء). وكذلك القلب إذا قويت عليه الخواطر واستحوذ عليه الحس
مرض، وربما مات، ولا ينفعه إلا الحمية منها، والفرار من مواطنها، وهي الخلطة، فإذا
اعتزل الناس واستعمل الفكرة نجح دواؤه، واستقام قلبه، وإلا بقي سقيماً حتى يلقى
الله بقلب سقيم بالشك والخواطر الرديئة، نسأل الله العافية.
قال الجنيد رحمه الله تعالى: أشرف المجالس
الجلوس مع الفكر في ميدان التوحيد.
وقال أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: ثمار
العزلة الظفر بمواهب المنة، وهي أربعة:
كشف الغطاء، وتنزل الرحمة، وتحقيق المحبة، ولسان
الصدق في الكلمة.
ثم ذكر للخلوة عشر فوائد:
1 - السلامة من آفات اللسان، فإنَّ مَنْ كان وحده
لا يجد معه من يتكلم، ولا يسلم في الغالب من آفاته إلا من آثرَ الخلوة على
الاجتماع.
2 - السلامة من آفات النظر،فإنَّ من كان معتزلاً
عن الناس سلم من النظر إلى ما هم مُنْكَبُّون عليه من زهرة الدنيا وزخرفها، قال
بعضهم: (من كثرت لحظاته دامت حسراته).
3 - حفظ القلب وصونه عن الرياء والمداهنة وغيرهما
من الأمراض.
4 - حصول الزهد في الدنيا والقناعة منها، وفي ذلك
شرف العبد وكماله.
5 - السلامة من صحبة الأشرار ومخالطة الأرذال، وفي
مخالطتهم فساد عظيم.
6 - التفرغ للعبادة والذكر، والعزم على التقوى
والبر.
7 - وُجْدانُ حلاوة الطاعات، وتمكن لذيذ المناجاة
بفراغ سره، قال أبو طالب المكي في “القوت”: (ولا يكون المريد
صادقاً حتى يجد في الخلوة من الحلاوة والنشاط والقوة ما لا يجده في العلانية).
8 - راحة القلب والبدن، فإن في مخالطة الناس ما
يوجب تعب القلب.
9 - صيانة
نفسه ودينه من التعرض للشرور والخصومات التي توجبها الخلطة.
10 - التمكن من عبادة التفكر والاعتبار، وهو
المقصود الأعظم من الخلوة) [“إيقاظ
الهمم في شرح الحكم” لأحمد بن عجيبة ج1/ص30].
هذه نبذة يسيرة من
أقوال السادة العلماء الأفاضل، تُبين بوضوح أن الخلوة هي السبيل العملي الذي سنه
رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس، كي يقوى إيمانهم، وتصفو نفوسهم، وتسمو
أرواحهم، وتتطهر قلوبهم، وتتأهل لتجليات الله تعالى.
أليس هذا التوجيه من
رسول الله صلى الله عليه وسلم سبباً للتعرف على فاطر السموات والأرض؟
أليس هذا أساساً
للأذواق والمواجيد الصوفية، وسبيلاً للكشف والفيض والإشراق والصفاء؟
ألم يقل رسول الله صلى
الله عليه وسلم في حديث: “سبعة يظلهم الله في ظله
يوم لا ظل إلا ظله... ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه”
[رواه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق عن أبي
هريرة رضي الله عنه].
أليس هذا الحديث
دليلاً قاطعاً على مشروعية الخلوة لذكر الله تعالى؟.
وفي هذه الخلوة يذكر
الصوفي ربه خالياً فيغمره بأنواره ويحظى بمجالسته “أهل
ذكري أهل مجالستي” [أخرجه
الإمام أحمد في مسنده من حديث طويل]. لا يدور
بخَلدِه أي طائف يشغله عن ربه، حتى إنه لينسى نفسه في حضرة القدُس الأعلى. وما
أحسن قول عمر بن الفارض رحمه الله تعالى معبراً عن تلك الحالة الشائقة:
ولقد خَلوتُ مع الحبيب وبَيننا سرٍّ أرقُّ مِنَ النسيم إذا سرى
فدهشتُ بين جماله وجلالهِ وغدا لسانُ الحالِ عني مخْبراً
فتفيض عيناه دمعاً مما
عرف من الحق، ذاهلاً بالله خاشعاً له مستأنساً بحضرته:
وَليُّ الله ليس له أنيسُ سوى الرحمن فهو له جليسُ
فيذكرهُ ويذكرهُ فيبكي وحيدُ الدهر جوهره نفيسُ
فالعبد المقصر إذا
أراد اللحاق بهؤلاء الأولياء المخلصين خلا بنفسه الأمارة بالسوء؛ فعاتبها وزجرها
وصدق في سيره إلى ربه، فرقَّ قلبه، وذرفت عيناه بالدمع حزناً وأسفاً على ضياع عمره
في اللهو والغفلة قائلاً:
على نفسه فليبك من ضاع عمرهُ وليس له فيها نصيب ولا سهمُ
فانتبهَ من رقدته،
وصحا من غفلته، وأقبل على ربه راجياً عفوه وغفرانه ومعاهداً إياه على طاعته
وعبادته، ففرح الله بتوبته حين تاب، وأقبل عليه حين تقرب منه. قال تعالى في الحديث
القدسي: “وإن تقرَّب إليَّ شبراً تقربتُ إليه
ذراعاً، وإذا تقرَّبَ إليَّ ذراعاً تقربتُ إليه باعاً، وإذا أتاني يمشي أتيتُهُ
هرولة” [من
حديث قدسي أوله: “أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه
إذا ذكرني. فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير
منهم، وإن تقرب إلي شبراً...”. الحديث
أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد عن أبي هريرة رضي الله عنه]. واستحق - ببشارة رسول الله صلى الله
عليه وسلم - إظلال الله تعالى له يوم الحر الأكبر في ظل عرشه والناس في حر الشمس،
قد صهرتهم في ذلك الموقف الرهيب.
وأخيراً فلعل القارىء
الكريم بعد هذه النصوص الصريحة والنقول الكثيرة عن العلماء الأعلام الذين نأخذ
عنهم تعاليم ديننا تبيَّنَ له أن الخلوة مشروعة في الإسلام، وليست مبتدعة، وأنها
ليست غاية تقصد، بل وسيلة لشفاء القلب من علله وأمراضه، حتى يكون سليماً، فينجو
صاحبه يوم الحساب الأكبر {يومَ لا ينْفَعُ مالٌ
ولا يَنونَ إلا مَنْ أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ} [الشعراء:
88 -89]
وليست الخلوة عزلة
دائمة، وانزواءً مستمراً عن الناس، فكما أن المريض يقضي فترة يسيرة من الوقت في
المستشفى كي يتخلص من أمراضه الجسدية، ثم يخرج للعمل بصحة أوفر ومناعة أقوى،
متلذذاً بنعيم العافية؛ فكذلك المسلم يقضي في الخلوة فترة يسيرة، يخرج بعدها
للحياة العملية، قوي الصلة بربه، عامر القلب بالإيمان واليقين متمتعاً بالمناعة
القوية من تسرب بهارج الحياة الخادعة ومفاتنها المغرية إلى نفسه، وخصوصاً بعد أن
اطلع على حقائقها الفانية، وتَذوَّقَ معنى قوله تعالى: {كُلُّ
مَنْ عليها فانٍ} [الرحمن: 26].
فكم نرى من الناس من
يهتم بجسمه الفاني ويوفر له أسباب الصحة، ويفرغ له كثيراً من وقته للاستجمام
والاستشفاء والراحة، فإذا دُعي إلى تطبيب قلبه وتهذيب نفسه، في فترة وجيزة يخلو
فيها بربه، إذا به يُعرض ويستغرب، ويعتبر ذلك - لجهله - ضياعاً للوقت، وابتداعاً
لا أصل له في الدين. فمثل هذا ينطبق عليه قول بعْضِهم:
تطبِّبُ جسمكَ الفاني ليَبْقى وتتركُ قلبكَ الباقي مريضاً
فلو فَهم حقيقة
الإسلام، وأنه دعا لإصلاح الأبدان والقلوب معاً لاهتم بقلبه، كما يهتم بجسمه:
يا خادمَ الجسمِ كم تسْعى
لخدمته أتطلُبُ الربحَ مما فيه
خسرانُ
أقبلْ على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالروح لا بالجسم إنسانُ
فعلى المؤمن أن تكون
له خلوات يراقب بها ربه، ويحاسب نفسه على ما قدمت من خير أو شر.
ولقد كان شيخي وسيدي محمد الهاشمي رحمه الله
تعالى يرغب مريديه بالخلوة حيث يجلس المريد منفرداً في مكان منعزل عن الناس بعيد
عن صخب الدنيا وضوضائها، ثم يأذن له الشيخ بذكر الاسم المفرد [الله] ليردده
مستغرقاً جميع أوقاته في الليل والنهار، لا يتوقف إلا لصلاة أو طعام أو نوم، ولا
يشغل نفسه بالتحدث إلى الناس، بل يتفرغ للذكر موافقة لقوله تعالى: {واذكر اسم ربِّكَ وتبَتَّلْ إليه تبتيلاً} [المزمل: 8].
ويواصل الذكر ملاحظاً قلبه طارداً عنه أنواع
الوساوس والخواطر وصور الأكوان، جامعاً قلبه على الله تعالى، مستعيناً بما يمنحه
شيخه من خبرته ومعارفه وأحواله وتوجيهاته.
وحينئذ ينفذ الذكر إلى سويداء قلبه؛ فيرتسم
الاسم المفرد فيه، وترتحل عنه الغفلة، وتزول الأغيار، ويشعر بحلاوة الأنس بالله
تعالى، ويترقى في مدارج الأذواق والمعارف مما لا يستطيع البيان أن يعبر عنه، وليس
له سوى الذوق إفشاء.
والخلاصة:
إن الخلوة نوعان: خلوة
عامة، ينفرد بها المؤمن ليتفرغ لذكر الله تعالى بأية صيغة كانت، أو لتلاوة القرآن
الكريم، أو محاسبة نفسه، أو ليتفكر في خلق السموت والأرض.
وخلوة خاصة: يقصد منها
الوصول إلى مراتب الإحسان والتحقق بمدارج المعرفة، وهذه لا تكون إلا بإشراف مرشدٍ
مأذون، يُلَقِّنُ المريدَ ذكراً معيناً، ويكون على صلة دائمة به ليزيل عنه الشكوك
ويدفعه إلى آفاق المعرفة، ويرفع عنه الحجب والأوهام والوساوس، وينقله من الكون إلى
المُكَوِّن.
ولا يظنَنَّ أحد أن
الخلوة خاتمة السير، بل هي أول خطوة في طريق الوصول إلى الله تعالى، فلا بد أن
تتلوها خلوات ومجاهدات طويلة ومذاكرة متواصلة للمرشد بهمة وصدق واستقامة، وملازمة
على ذكر الاسم المفرد في الصباح والمساء، وعند كل فراغ، حتى يكون على اتصال دائم
بالله تعالى، قد جمع بين مرتبتي الإحسان: المراقبة والمشاهدة؛ اللتين أشار إليهما
الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: “الإحسان
أن تعبدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تره فإنه يراك”.
الباب
الثالث
طريق
الوصول إلى الله
1ـ
التوبة. 2ـ المحاسبة. 3 الخوف.
4ـ الرجاء. 5ـ الصدق. 6ـ الإخلاص.
7ـ الصبر. 8ـ الورع.
9ـ
الزهد. 10ـ الرضا. 11ـ التوكل.
12ـ الشكر.
طريق الوصول
إلى الله
بعد أن بينا نبذة عن
المنهج العملي الذي اقتبسه أئمة الصوفية من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله
عليه وسلم؛ كالصحبة والعلم والذكر والخلوة.. وغيرها، وهي أعمال بدنية في شكلها
ومحلها، قلبية في روحها وجوهرها لا بد من بيان الطريق الذي يختص بأحوال القلب،
وصفات النفس، ويعنى بالجانب الروحي، لأن الأصل صلاح القلب وشفاؤه من أمراضه،
وتحليته بصفات الكمال.
فطريق الوصول إلى الله
تعالى هو تلك المقامات القلبية: كالتوبة والمحاسبة والخوف والرجاء والمراقبة...
والصفات الخُلُقية: كالصدق والإخلاص والصبر... التي يتحلى بها السالك في طريقه إلى
معرفة الله تعالى معرفة ذوقية، والوصول إلى مقام الإحسان الذي لا حدَّ لمراتبه.
وليس المراد بالوصول
المعنى المفهوم بين ذوات الأشياء، فإن الله تعالى جلَّ أن يحده مكانٌ أو زمانٌ،
ولذا قال ابن عطاء الله السكندري: (وصولك إلى الله
وصولك إلى العلم به، وإلا فجَلَّ ربُّنا أن يتصل به شيء، أو يتصل هو بشيء) [“إيقاظ
الهمم” ج2/ص295].
وقال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: (معنى الوصول هو الرؤية والمشاهدة بسر القلب في الدنيا،
وبعين الرأس في الآخرة، فليس معنى الوصول اتصال الذات بالذات، تعالى الله عن ذلك
علواً كبيراً) [“روض
الطالبين” للغزالي ص150].
وإن السير في طريق الوصول إلى الله تعالى صفة
المؤمنين الصالحين، ومن أجله جاء الأنبياء والمرسلون، وإليه يدعو العلماء
والمرشدون، كي يرتقي المرء من حضيض المادية والحيوانية إلى مستوى الإنسانية
والملكية، ويذوق نعيم القرب ولذة الأنس بالله تعالى.
وإن الطريق واحدة في حقيقتها، وإن تعددت المناهج
العملية، وتنوعت أساليب السير والسلوك تبعاً للاجتهاد وتبدل المكان والزمان، ولهذا
تعددت الطرق الصوفية وهي في ذاتها وحقيقتها وجوهرها طريق واحدة.
وفي هذا المعنى قال
ابن القيِّم: (الناس قسمان: عِلْيةٌ [علية: فلان من علية الناس، وهو جمع رجل علي، أي
شريف رفيع مثل صبي وصبية] وسِفْلة، فالعلية:
من عرف الطريق إلى ربه، وسلكها قاصداً للوصول إليه، وهذا هو الكريم على ربه،
والسِّفْلة: من لم يعرف الطريق إلى ربه، ولم يتعرفها، فهذا هو اللئيم الذي قال
الله تعالى فيه: {ومَنْ يُهِنِ اللـهُ فما له مِنْ
مُكَرِّم} [الحج: 18]. والطريق إلى الله في الحقيقة واحدة لا
تعدد فيها... وأما ما يقع في كلام بعض العلماء أن الطريق إلى الله متعددة متنوعة،
جعلها الله كذلك لتنوع الاستعدادات واختلافها، رحمة منه وفضلاً، فهو صحيح لا ينافي
ما ذكرناه من وحدة الطريق.
وكشف ذلك وإيضاحه أن
الطريق واحدة جامعة لكل ما يرضي الله، وما يرضيه متعدد متنوع، فجميع ما يرضيه طريق
واحدة، ومراضيه متعددة متنوعة بحسب الأزمان والأماكن والأشخاص والأحوال، وكلها طرق
مرضاته. فهذه الطرق جعلها الله لرحمته وحكمته كثيرة متنوعة جداً لاختلاف استعدادات
العباد وقوابلهم، ولو جعلها نوعاً واحداً مع اختلاف الأذهان والعقول وقوة
الاستعدادات لم يسلكها إلا واحد بعد واحد. ولكن لما اختلفت الاستعدادات تنوعت
الطرق ليسلك كل امرىء إلى ربه طريقاً يقتضيها استعداده وقوته وقبوله، ومن هنا
يُعلم تنوع الشرائع واختلافها، مع رجوعها كلها إلى دين واحد، مع وحدة المعبود
ودينه) [“طريق
الهجرتين” لابن قيم الجوزية ص223 - 225].
ولقد عني رجال التصوف برسم معالم هذا الطريق،
وتوضيح منازله ومقاماته، ووسائل السير فيه.
قال أبو بكر الكتاني وأبو الحسن الرملي رحمهما
الله تعالى: سألْنا أبا سعيد الخراز، فقلنا: أخبرنا عن أوائل الطريق إلى الله
تعالى؟ فقال: (التوبة، وذكر شرائطها، ثم يُنقل من
مقام التوبة إلى مقام الخوف، ومن مقام الخوف إلى مقام الرجاء، ومن مقام الرجاء إلى
مقام الصالحين، ومن مقام الصالحين إلى مقام المريدين، ومن مقام المريدين إلى مقام
المطيعين، ومن مقام المطيعين إلى مقام المحبين، ومن مقام المحبين إلى مقام
المشتاقين، ومن مقام المشتاقين إلى مقام الأولياء، ومن مقام الأولياء إلى مقام
المقريبن. وذكروا لكل مقام عشر شرائط، إذا عاناها وأحكمها وحلَّت القلوب هذه
المحلة أدمنت النظرة في النعمة، وفكرت في الأيادي والإحسان، فانفردت النفوس
بالذكر، وجالت الأرواح في ملكوت عزه بخالص العلم به، واردةً على حياض المعرفة،
إليه صادرة، ولِبابهِ قارعة، وإليه في محبته ناظرة، أما سمعت قول الحكيم وهو يقول:
أُراعي سواد الليل
أنساً بذكر هو شوقاً إليه غير مستكره الصبر ولكن سروراً دائماً وتعرضاً وقرعاً لباب
الرب ذي العز والفخر فحالهم أنهم قَرُبُوا
فلم يتباعدوا، ورُفعت لهم منازل فلم يُخفَضوا، ونُوِّرتْ قلوبهم لكي ينظروا إلى
مُلْك عدن بها ينزلون، فتاهوا بمن يعبدون، وتعززوا بمَنْ به يكتفون، حلَّوا فلم
يظعنوا، واستوطنوا محلته فلم يرحلوا، فهم الأولياء وهم العاملون، وهم الأصفياء وهم
المقربون، أين يذهبون عن مقام قربٍ هم به آمنون، وعزوا في غرف هم بها ساكنون،
جزاءً بما كانوا يعملون، فلمثل هذا فليعمل العاملون)
[“حلية الأولياء” لأبي نعيم ج10/ص248 -
249].
ولكي يقطع المرء عقبات الطريق، ويجتاز مقاماته
لا بد له من مجاهدات نفسية ومواصلة للذكر والمراقبة والمحاسبة والخلوات، فالوصول
إلى الله تعالى لا يُنال بالتشهي والتمني بل لا بد من إيمان وتقوى، وصدق في القصد،
وإخلاص في الغاية، وعند ذلك يكرم الله السالكين إليه بالمعرفة الكاملة، والسعادة
القلبية الحقة.
قال الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي رحمه الله
تعالى: (إن طريق الوصول إلى علم القوم الإيمان
والتقوى {ومَنْ يتَّقِ اللهَ يجعلْ لَهُ مَخْرَجاً
ويَرْزُقْهُ مِنْ حيث لا يحتسِبُ} [الطلاق: 3]. والرزق نوعان: روحاني وجسماني، قال
الله تعالى:{واتَّقوا اللهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللهُ}[البقرة:
282]. أي يعلمكم ما لم
تكونوا تعلمونه بالوسائط من العلوم الإلهية) [“النصرة
النبوية” للشيخ مصطفى المدني ص84 بتصرف].
ومن كلام الشيخ محي الدين يتبين أن الإنسان لا
يمكن له أن يسير إلى الله تعالى إلا بإيمان صحيح وعقيدة ثابتة، وقلب يرعى حدود
الله، وأعمال مقيدة بشريعة الله، وأخلاقٍ عالية مقتبسة من رسول الله صلى الله عليه
وسلم. فمن لم يترفَّع عن الشهوات الدنيئة والرعونات النفسية لا بد إلا أن ينحرف في
سيره، أو ينقطع في منتصف الطريق، فيضل ويشقى.
قال ابن القيم رحمه الله: (لو كشف للعبد الغطاء عن ألطافه تعالى وبره وصنعه له من
حيث يعلم ومن حيث لا يعلم لذاب قلبه محبة له وشوقاً إليه، ولكن حجب القلوب عن
مشاهدة ذلك إخلادها إلى عالم الشهوات والتعلق بالأسباب، فصدت عن كمال نعيمها، وذلك
تقدير العزيز العليم، وإلا فأي قلب يذوق حلاوة معرفة الله ومحبته ثم يركن إلى
غيره، ويسكن إلى ما سواه؟! هذا ما لا يكون أبداً، ومن ذاق شيئاً من ذلك، وعرف
طريقاً موصلة إلى الله ثم تركها، وأقبل على إرادته وراحته وشهواته ولذاته وقع في
آثار المعاطب، وأودع قلبه سجون المضايق، وعُذِّب في حياته عذاباً لم يعذَّب به أحد
من العالمين، فحياته عجز وغم وحزن، وموته كدر وحسرة، ومعاده أسف وندامة... فنارُ
الحجاب تطلع كل وقت على فؤاده، وإعراض الكون عنه - إذا أعرض عن ربه - حائل بينه
وبين مراده، فهو قبر يمشي على وجه الأرض، وروحه في وحشة من جسمه، وقلبه في ملال من
حياته...
فأصبح كالبازي المنتَّفِ ريشُه يَرى حسراتٍ كلما طار طائرُ
وقد كان دهراً في الرياض منعماً على كل ما يهوى من الصيد قادر
إلى أن أصابته من الدهر نكبة إذا هو مقصوصُ الجناحين حاسر)
[“طريق
الهجرتين” ابن القيم ص227
- 230].
فالانقطاع عن الطريق مصيبة كبرى، وخسران مبين،
وسببه موافقة السالك لشهوات نفسه وتطلعه للمقامات والكشوفات وانحرافه عن مقصده
الأسمى. فالسالك الصادق المخلص لا يطلب المقامات ولا يقصد المراتب والكرامات،
وإنما هي منازل يقطعها في طريقه إلى الغاية الكبرى دون انحراف أو التفات:
فلا تلتفتْ في السير غيراً وكلُّ
ما سوى الله غيرٌ فاتخذْ ذكره حصناً
وكل مقام لا تقم فيه، إنه حجاب فجدَّ السيرَ واستنجد العونا
ومهما ترى كلَّ المراتب تُجتَلى عليك فحُلْ عنها، فعن مثلها حُلنا
وقل ليس لي في غير ذاتك مطلب فلا صورة تُجْلى، ولا طرفة تُجنى
قال ابن عطاء الله
السكندري رحمه الله تعالى: (ما أرادت همة سالك أن
تقف عند ما كُشف لها إلا ونادته هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك) [“إيقاظ
الهمم في شرح الحكم” ج1/ص51].
وكما أن لكل طريق حسي مخاطر وعوائق وقطاعاً،
فإن للطريق الروحي القلبي مزالق ووهاداً وعقباتٍ لا بد من الانتباه إليها، ومن هنا
يظهر فضل الدليل، وضرورة المرشد الذي يمسك بيد السالك فيجنبه المخاطر، ويقيه شر
المهالك. ولطالما كثر تحذيرُ العلماء المرشدين للسائرين إلى الله تعالى من الوقوف
والانقطاع، وشحذُ هممهم لمواصلة السير ومتابعة الجد، وترغيبُهم بنعيم الوصول
وسعادة القرب.
قال ابن القيم رحمه الله: (السائر إلى ربه إذا أبصر الطريق وأعلامها، وأبصر
المغاير والوهاد والطرق الناكبة عنها؛ فقد حصل له شطر السعادة والفلاح، وبقي عليه
الشطر الآخر؛ وهو أن يضع عصاه على عاتقه ويشمر مسافراً في الطريق، قاطعاً منازلها
منزلة بعد منزلة، فكلما قطع مرحلة استعد لقطع الأخرى، واستشعر القرب من المنزل،
فهانت عليه مشقة السفر، وكلما سكنت نفسه من كلال السير ومواصلة الشدِّ والرحيل؛
وعَدَها قرب التلاقي وبرد العيش عند الوصول، فيُحدث لها ذلك نشاطاً وفرحاً وهمة
فهو يقول: يا نفس أبشري فقد قرب المنزل، ودنا التلاقي فلا تنقطعي في الطريق دون
الوصول فيحال بينك وبين منازل الأحبة، فإن صبرتِ وواصلتِ المسرى وصلتِ حميدة
مسرورة جذلة وتلقتك الأحبةُ بأنواع التحف والكرامات، وليس بينك وبين ذلك إلا صبر
ساعة، فإن الدنيا كلها كساعة من ساعات الآخرة، وعمرك درجة من درج تلك الساعة، الله
الله لا تنقطعي في المفازة، فهو والله الهلاك والعطب لو كنتِ تعلمين.
فإن استصعبتْ عليه فليذكِّرها ما أمامها من
أحبابها، وما لديهم من الإكرام والإنعام، وما خلفها من أعدائها، وما لديهم من
الإهانة والعذاب وأنواع البلاء. فإن رجعت فإلى أعدائها رجوعُها، وإن تقدمت فإلى
أحبابها مصيرها، وإن وقفت في طريقها أدركها أعداؤها فإنهم وراءها في الطلب. ولا بد
لها من قسم من هذه الأقسام الثلاثة فلتختر أيها شاءت. وليجعلْ حديث الأحبة حاديها
وسائقها، ونور معرفتهم وإرشادهم هاديها ودليلها، وصِدقَ وِدادهم وحبهم غذاءها
وشرابها ودواءها، ولا يوحشْه انفرادُه في طريق سفره، ولا يغترَّ بكثرة المنقطعين،
فألم انقطاعه وبعاده واصل إليه دونهم، وحظه من القرب والكرامة مختص به دونهم فما
معنى الاشتغال بهم والانقطاع معهم؟!.
وليعلم أن هذه الوحشة لا تدوم، بل هي من عوارض
الطريق، فسوف تبدو له الخيام، وسوف يخرج عليه المتلقون يهنئونه بالسلامة والوصول
إليهم، فيا قرة عينه إذ ذاك، ويا فرحته إذ يقول: {يا
ليتَ قومي يعلمونَ بما غَفَرَ لي ربّي وجعلني مِنَ المُكرَمينَ} [يس: 26 -27]) [“طريق الهجرتين” لابن
القيم ص232 - 233].
ويختلف الواصلون في وصولهم إلى الله تعالى كل
على حسب مقامه وهمته:
فمنهم من وصل في سيره إلى وحدة الأفعال ذوقاً
وشهوداً، ويفنى فعله وفعل غيره، ويتذوق معنى قوله تعالى: {وما
رميتَ إذ رميتَ ولكِنَّ اللهَ رمى} [الأنفال:
17]. وهذه رتبة في الوصول.
ومنهم من يصل في سيره إلى وحدة الصفات ذوقاً
وشهوداً، فيتذوق معنى قوله تعالى: {وما تشاؤون إلا
أن يشاء اللهُ} [الدهر:
30]. ويتذوق
معنى الحديث القدسي: “فإذا أحببْتُه كنتُ سمعَه
الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به” [أخرجه
البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق عن أبي هريرة رضي الله عنه]. وهذه رتبة في الوصول.
ومنهم من يترقى إلى مقام الفناء في الذات،
فيشهد عَرَضية كل شيء مقابل وجود الحق عز وجل، وتفيض عليه أنوار اليقين، ولسان
حاله يقول:
وجودي أن أغيبَ عن
الوجود ِبما يبدو عليَّ من الشهود ويتذوق
قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أصدق كلمة
قالها الشاعر كلمة لَبيد: ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطلُ...” [أخرجه البخاري في
صحيحه في كتاب المناقب عن أبي هريرة رضي الله عنه والمراد بالبطلان:
الفناءُ أي: {كُلُّ مَنْ عليها فانٍ . وَيَبقى
وَجهُ ربِّكَ ذو الجلال والإكرام} [الرحمن: 26 -27] كما في “هداية الباري لترتيب أحاديث البخاري” ج1/ص92].
والصوفية في طريقهم للوصول إلى الله تعالى قد
جعلوا قدوتهم ورائدهم سيد الوجود وإمام المتقين محمداً رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فنهجوا نهجه حين فرَّ عليه الصلاة والسلام إلى ربه، ولجأ إليه بعيداً عن
الجو الوثني وعبادة الأصنام والأحجار وعن صخب الحياة وأوضارها.
قال الله تعالى: {يا
أيُّها النبيُّ إنَّا أرسلْناكَ شاهداً ومُبَشِّراَ ونذيراً . وداعياً إلى اللهِ
بإذنِهِ وسِراجاً منيراً} [الأحزاب:
45 -46]. فساروا
وراءه متبعين له في جميع حالاته وأخلاقه وأفعاله.
وقال الله تعالى: {قل
إنْ كنْتُم تحبُّون اللهَ فاتَّبعوني يُحبِبْكُمُ اللهُ ويغفرْ لكُمْ ذنوبَكُم} [آل عمران:
31]. فساروا في طريقه
الحنيف الذي سنه لهم غير منحرفين ولا ملتفتين.
وسمعوا نداء الله : {وأنَّ
هذا صراطي مُستقيماً فاتَّبِعوه ولا تتَّبِعوا السُبُلَ فتفرَّقَ بكم عن سبيله} [الأنعام:
153]. وقوله تعالى: {وما خلقتُ الجنَّ والإنس إلا لِيَعبُدونِ} [الذاريات:
56]. فلم تغرَّهم الدنيا
بزخارفها ولم توقفهم بعلائقها.
وسمعوا هواتف الحقيقة تهتف من وراء حجب الغيب: {أفَحَسِبْتُم أنَّما خلقْناكُم عبَثاً وأنَّكُم إلينا
لا ترجعون} [المؤمنون:
115]. فأحبوا لقاء مَنْ
سيرجعون إليه، وجدُّوا واجتهدوا في سيرهم الحثيث حتى وصلوا إلى ربهم سالمين
غانمين.
وها نحن نوضح بعض المقامات التي يمر بها السالك
في سيره إلى الله تعالى، وأولها التوبة؛ فمن لا توبة له لا سير له، وهي منطلق
السالك في سيره إلى ربه.
وهي تهيئة الوازع الديني في النفس، وتربيتها
على تنمية اللوم الباطني الذي يجردها من كل ما يقف أمامها عقبة في طريق الصفاء
والمحبة والإيثار والإخلاص. وللصوفية في هذا المقام قدم راسخة وجهاد مشكور، وهم
على أثر الرسول صلى الله عليه وسلم ينهجون منهجه، ويهتدون بهديه. قال صلى الله
عليه وسلم: “الكيِّسُ من دان نفسَه وعمل لما بعد
الموت، والعاجز مَنْ أتْبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني” [رواه الترمذي في
كتاب صفة القيامة عن شداد بن أوس رضي الله عنه وقال: حديث حسن. الكيس: العاقل. دان
نفسه: حاسبها].
ومن حاسب نفسه لا يترك لها سبيلاً إلى الاشتغال
بالباطل، إذ هو يشغلها بالطاعات، ويلومها على التقصير مع الله تعالى خشية منه،
فكيف تجد سبيلاً إلى اللهو والبطالة؟!
قال السيد أحمد الرفاعي رحمه الله تعالى: (من الخشية تكون المحاسبة، ومن المحاسبة تكون المراقبة،
ومن المراقبة يكون دوام الشغل بالله تعالى) [“البرهان
المؤيد” للسيد أحمد الرفاعي ص56].
وما أشبه حال الصوفية
في هذا بما كان يأخذ به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من تربية روحية خالصة
تغرس في نفوسهم اللوم الباطني؛ فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوماً
من بيته، يطوي بطنه على الجوع، فالتقى بصاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فعلم
منهما أن أمرهما كأمره، وأنهما لا يجدان قوت يومهما، والتقى بهم رجل من الأنصار،
لم تخدعه بشاشتُهم، فعلم أمرهم فاستضافهم، فلما وصلوا إلى منزله وجدوا تمراً وماءً
بارداً وظلاً وارفاً، فلمَّا تبلَّغوا بتمرات، وشربوا من الماء، قال صلوات الله
وسلامه عليه: “هذا من النعيم الذي تُسألون عنه” [“تفسير ابن
كثير” ج4/ص545 موجزاً].
أيٍّ نعيم هذا حتى يُسألوا عنه، ويُحاسَبوا
عليه؟! بضع تمرات، وجرعة ماء تنقع الغليل، يعتبرها الرسول صلى الله عليه وسلم من
النعيم الذي يسألهم ربهم عنه يوم القيامة. أليس في هذه اللفتة الكريمة من الرسول
صلى الله عليه وسلم نفحة ترمي إلى طبع النفس بطابع الوازع القوي والإحساس المرهف
والشعور الدقيق والتبعة الكبرى والمسؤولية الضخمة في كل تصرف تهدف إليه النفس بين
حين وآخر؟
وإن المحاسبة لتثمر الشعور بالمسؤولية تجاه
الله تعالى وتجاه خلقه، وتجاه النفس المكلفة بالتكاليف الشرعية من أوامر ونواهٍ.
فبالمحاسبة يفهم الإنسان أنه ما وُجد عبثاً، وأنه لا بدَّ راجع إلى الله تعالى،
كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما منكم
من أحد إلا سيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما
قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء
وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة”
[رواه مسلم في كتاب الزكاة عن عدي بن حاتم رضي
الله عنه، والترمذي في كتاب صفة القيامة].
فينبثق من قلبه الرجوع الاختياري بالتوبة
النصوح، ويترك الشواغل الفانية التي تشغله عن خالقه تعالى، ويفر إلى الله من كل
شيء: {فَفِرُّوا إلى اللهِ إنِّي لكم مِنْهُ نذير
مبينٌ} [الذاريات:
50].
ففرَّ مع تلك الفئة المؤمنة الصوفية في سفرهم إلى
الله تعالى، مجيباً هواتف الغيب: {يا أيُّها
الذينَ آمنوا اتَّقوا اللهَ وكونوا معَ الصادقينَ}
[التوبة:
119].
وإنما القوم مسافرونا لحضرة الحق وظاعنونا
فآواهم المبيت في
حضرته الكبرى، وأكرمهم الجناب الأقدس بتلك العندية التي ينشدها كلُّ محب لله
تعالى: {في مقعَدِ صدقٍ عندَ مليكٍ مقتدرٍ} [القمر: 55].
قال الشيخ أحمد زروق رحمه الله تعالى في
قواعده: (الغفلة عن محاسبة النفس توجب غلظها فيما
هي به، والتقصير في مناقشتها يدعو لوجود الرضا عنها، والتضييق عليها يوجب نفرتها،
والرفق بها معين على بطالتها. فلزم دوام المحاسبة مع المناقشة، والأخذ في العمل
بما قارب وصح، دون مسامحة في واضح، ولا مطالبة بخفي من حيث العمل، واعتبر في النظر
تركاً وفعلاً واعتبر في قولهم: من لم يكن يومه خيراً من أمسه فهو مغبون، ومن لم
يكن في زيادة فهو في نقصان، وإن الثبات في العمل زيادة فيه، ومِنْ ثَمَّ قال
الجنيد رحمه الله: لو أقبل مقبل على الله سَنة ثم أعرض عنه لكان ما فاته منه أكثر
مما ناله) [“قواعد
التصوف” للشيخ أحمد زروق ص75].
قال حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله
تعالى: (اعلم أن حقيقة الخوف هو تألم القلب
واحتراقه بسبب توقع مكروه في المستقبل، وقد يكون ذلك من جريان ذنوب، وقد يكون
الخوف من الله تعالى بمعرفة صفاته التي توجب الخوف لا محالة، وهذا أكمل وأتم، لأن
من عرف الله خافه بالضرورة، ولهذا قال الله تعالى: {إنَّما
يخشى اللـهَ من عبادِهِ العلماءُ} [فاطر:28]) [“الأربعين في أصول
الدين” ص196].
وقد دعا الله تعالى عباده إلى الخوف منه وحده
فقال: {وإيَّايَ فارهبونِ}
[البقرة: 40].
ومدح المؤمنين ووصَفَهم بالخوف فقال: {يخافونَ رَبَّهُم مِنْ فوقِهم}
[النحل: 50].
وجعل الله الخوف من شروط كمال الإيمان فقال: {وخافونِ إنْ كنتُم مؤمنينَ}
[آل عمران: 175].
ووعد الله من خاف مقامه جنتين: جنةَ المعارف في
الدنيا، وجنةَ الزخارف في الآخرة فقال: {ولِمَنْ
خاف مقامَ ربِّه جنَّتانِ} [الرحمن: 46].
وجعل الله الجنة مأوى من خاف مقام ربه فقال: {وأمَّا مَنْ خاف مقامَ ربِّهِ ونهى النفس عنِ الهوى
فإنَّ الجَنَّة هي المأوى} [النازعات:
40ـ41].
قال الشيخ أحمد زروق رحمه الله تعالى في
قواعده: (من بواعث العمل وجود الخشية وهي تعظيم
يصحبه مهابة. والخوف هو انزعاج القلب من انتقام الرب)
[“قواعد التصوف” ص74].
والخوف يتمثل في نشيج من يُقدِّر خطورة العواقب
فيقف عند الواجب، ولا يعرض نفسه لزيغ ولا إثم؛ بل ولا يقف في مواطن توشك أن توقعه
في الشر والفساد، ثم يترقى الصوفي في الخوف فيتحلى بأشرف ما يتحلى به المقربون،
وعندئذ تنتقل مظاهر الخوف من عالم الجسم إلى عالم الروح؛ فتكون للعارف أشجان لا
يدركها إلا أهل الصفاء.
وفي هذا المقام يصف سيدي عبد الوهاب الشعراني
رضي الله عنه السيدة رابعة العدوية بأنها كانت كثيرة البكا والحزن، وكانت إذا سمعت
ذكر النار غشي عليها زماناً، وكان موضع سجودها كهيئة الحوض الصغير من دموعها، وكأن
النار ما خلقت إلا لأجلها، وسر ذلك الخوف إنما هو الاعتقاد بأن كل بلاء دون النار
يسير، وأن كل خَطْبٍ دون البعد عن الله تعالى هين.
ويرى الصوفية أن المحب لا يُسقى كأس المحبة إلا
بعد أن ينضح الخوفُ قلبَه. ومن لم يكن له مثل تقواه لم يدرِ ما الذي أبكاه، ومن لم
يشاهد جمال يوسف لم يدرِ ما الذي آلم يعقوب.
وليس الخائف الذي يبكي ويمسح عينيه، إنما
الخائف من يترك ما يخاف أن يعذَّب عليه.
قال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى: (ما فارق الخوف قلباً إلا خرب)
[“الرسالة القشيرية” ص60].
وليس الخائفون بمرتبة واحدة؛ بل هم على مراتب
مختلفة، وقد صنف ابن عجيبة رحمه الله تعالى مراتبهم إلى ثلاث مراتب فقال: (خوف العامة من العقاب وفوات الثواب، وخوف الخاصة من
العتاب وفوات الاقتراب، وخوف خاصة الخاصة من الاحتجاب بعروض سوء الأدب) [“معراج
التشوف إلى حقائق التصوف” ص6].
قال الشيخ أحمد زروق رحمه الله تعالى في تعريف
الرجاء: (الرجاء: السكون لفضله تعالى بشواهد العمل
في الجميع، وإلا كان اغتراراً) [“قواعد
التصوف” ص74].
وقد حثنا الله تعالى على الرجاء ونهانا عن
القنوط من رحمته فقال: {قُلْ يا عباديَ الذينَ
أسرَفوا على أنْفُسِهم لا تقنَطوا مِنْ رحمةِ اللهِ إنَّ الله يغفر الذنوبَ جميعاً
إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ} [الزمر: 53].
وقال تعالى مبشراً بسعة رحمته: {ورحمَتي وَسِعَتْ كُلَّ شيءٍ}
[الأعراف: 155].
وقال تعالى في وصف الذين يرجون رحمته: {إنَّ الذينَ آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل اللهِ
أولئكَ يَرجُونَ رحمة اللهِ} [البقرة:
218].
وجاء الحث على رجاء رحمة الله في كثير من
الأحاديث الشريفة منها:
ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده
لو لم تُذْنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله تعالى فيغفر لهم” [أخرجه مسلم
في كتاب التوبة].
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: “يجيء يوم القيامة ناس من
المسلمين بذنوب أمثال الجبال يغفرها الله لهم، ويضعها على اليهود والنصارى” [أخرجه مسلم
في كتاب التوبة].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: “يُدنى المؤمن يوم
القيامة من ربه حتى يضع عليه كنفَه فيقرره بذنوبه فيقول: أتعرف ذنْبَ كذا؟ أتعرف
ذنب كذا؟ فيقول: رَبِّ أعرِفُ. قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها
لك اليوم. فيعطى صحيفة حسناته” [أخرجه مسلم في كتاب التوبة، والبخاري في
صحيحه في كتاب الرقاق. كنفه: ستره ورحمته].
والرجاء يختلف عن التمني، إذ الراجي هو الذي
يأخذ بأسباب الطاعة طالباً من الله الرضى والقبول، بينما يترك المتمني الأسباب
والمجاهدات، ثم ينتظر من الله الأجر والمثوبة، فهو الذي قال في حقه عليه الصلاة
والسلام: “والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على
الله الأماني” [رواه
الترمذي في كتاب صفة القيامة وقال: حديث حسن، وابن ماجه في كتاب الزهد. كلاهما عن
شداد بن أوس رضي الله عنه].
إذ كل مَنْ رجا الله تعالى وطلبه، عليه أن يشمر
عن ساعد الجد والاجتهاد بصدق وإخلاص حتى ينال مطلوبه، ولهذا قال تعالى معلماً طريق
طلبه: {فمَنْ كانَ يرجو لقاءَ ربِّه فليعْمَلْ
عملاً صالحاً ولا يُشرِكْ بعبادة ربِّه أحداً} [الكهف: 110].
فعلى العبد إن كان في ريعان شبابه مقارفاً
للذنوب مطيعاً لنفسه الشهوانية أن يُغَلِّب جانب الخوف على الرجاء. أما إذا كان في
نهاية عمره فعليه أن يُغَلِّب الرجاء كما قال تعالى في الحديث القدسي: “أنا عند ظن عبدي بي” [خرجه
البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد عن أبي هريرة رضي الله عنه].
وكما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي
يرويه جابر بن عبد الله رضي الله عنه: “لا يموتن
أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل” [رواه مسلم
في كتاب الجنة باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى].
وإن كان العبد مقبلاً على ربه سالكاً طريق قربه
فعليه أن يجمع بين مقامي الخوف والرجاء، لا يُغَلِّبُ الخوفَ على الرجاء حتى يقنط
من رحمة الله تعالى وعفوه، ولا يُغَلِّبُ الرجاءَ على الخوف حتى يسترسل في مهاوي
المعاصي والسيئات، بل يطير بهما محلقاً في أجواء صافية؛ فلا يزال في قرب ودنو من
الحضرة الإلهية، قد حقق صفة هؤلاء الذين وصفهم ربهم بقوله: {تتجافى جُنُوبُهم عنِ المضاجِعِ يدعونَ ربَّهَم خوفاً
وطَمَعاً} [السجدة: 16] خوفاً من ناره، وطمعاً في جنته.. خوفاً
من بعده، وطمعاً في قربه.. خوفاً من هجره وطمعاً في رضاه.. خوفاً من قطيعته وطمعاً
في وصاله..
وليس الراجون بمرتبة واحدة، بل هم على مراتب
ذكرها ابن عجيبة رحمه الله تعالى إذ قال: (رجاء
العامة حسن المآب بحصول الثواب، ورجاء الخاصَّة حصول الرضوان والاقتراب، ورجاء
خاصة الخاصَّة التمكين من الشهود وزيادة الترقي في أسرار الملك المعبود) [“معراج
التشوف” ص6].
لا بد للمريد الطالب سلوكَ سبيل النجاة والوصول
إلى الله تعالى من أن يتحقق بصفات ثلاث: الصدق والإخلاص والصبر، لأن جميع صفات
الكمال لا يتحلى بها الإنسان إلا إذا كان متصفاً بهذه الصفات الثلاث، وكذلك لا تتم
الأعمال إلا بها، فإذا فارقَتِ الأعمالَ فسدت ولم تنل القبول.
ولما كان الباعث على العمل الصالح والترقي في
مدارج الكمال هو الصدق؛ نبتدىء بالكلام عليه أولاً، ثم بالإخلاص ثانياً، ثم بالصبر
ثالثاً.
لقد ذهب العلماء في تقسيم الصدق مذاهب شتى،
فمنهم من أسهب في التفصيل والتفريع، ومنهم من سلك مسلك الاقتضاب والإيجاز.
فقد ذكر حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله
تعالى للصدق معان ستة فقال: (اعلم أن لفظ الصدق
يستعمل في ستة معان: صدق في القول، وصدق في النية والإرادة، وصدق في العزم، وصدق
في الوفاء بالعزم، وصدق في العمل، وصدق في تحقيق مقامات الدين كلها، فمن اتصف
بالصدق في جميع ذلك فهو صدِّيق:
1 - صدق اللسان يكون في الإخبار، وفيه يدخل الوفاء
بالوعد والخلف فيه. وقيل: في المعاريض مندوحة عن الكذب.
2 - صدق في النية والإرادة، ويرجع ذلك إلى
الإخلاص؛ وهو أن لا يكون له باعث في الحركات والسكنات إلا الله تعالى.
3 - صدق في العزم على العمل لله تعالى.
4 - صدق في الوفاء بالعزم بتذليل العقبات.
5 - صدق في الأعمال حتى لا تدل أعماله الظاهرة على
أمر في باطنه لا يتصف به.
6 - الصدق في مقامات الدين كالخوف والرجاء
والتعظيم والزهد، والرضا والتوكل والحب) [“إحياء علوم
الدين” ج4/ص334].
وأما القاضي زكريا الأنصاري رحمه الله تعالى
فقد ذكر للصدق محلات ثلاثة فقال: (الصدق هو الحكم
المطابق للواقع، ومحله اللسان والقلب والأفعال، وكل منها يحتاج إلى وصف يخصه، فهو
في اللسان: الإخبار عن الشيء على ما هو عليه. وفي القلب: العزم الأكيد. وفي
الأفعال: إيقاعها على وجه النشاط والحب. وسببه: الوثوق بخبر المتصف، وثمرته: مدحُ
الله والخلقِ للمتصف به) [“الرسالة
القشيرية” ص97].
ومفهوم الصدق عند عوام المسلمين قاصر على صدق
اللسان، ولكن السادة الصوفية قصدوا بالصدق مفهومه العام الذي يشمل بالإضافة إلى
صدق اللسان صدق القلب وصدق الأفعال والأحوال
قال العلامة ابن أبي شريف رحمه الله تعالى في
حواشي العقائد: (الصدق استعمله الصوفية بمعنى
استواء السر والعلانية والظاهر والباطن بألاَّ تكذب أحوالُ العبد أعمالَه، ولا
أعمالُه أحوالَه [“شرح رياض
الصالحين” لابن علان الصديقي. ج 1 ص 282] فالصدق بمفهومهم هذا، صفة ينبعث منها
العزم والتصميم والهمة على الترقي في مدارج الكمالات، والتخلي عن الصفات الناقصة
المذمومة.
والصدق بهذا الاعتبار سيف الله تعالى في يد
السالك يقطع به حبال العلائق والعوائق التي تعترض طريقه في سيره إلى الله تعالى،
ولولاه لما استطاع أن ينطلق في مدارج الترقي ولكان معرَّضاً للوقوف والانقطاع.
قال العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: (إنَّ صدق التأهب للقاء الله هو مفتاح جميع الأعمال
الصالحة والأحوال الإيمانية، ومقامات السالكين إلى الله، ومنازل السائرين إليه من
اليقظة والتوبة والإنابة والمحبة والرجاء والخشية والتفويض والتسليم وسائر أعمال
القلوب والجوارح، فمفتاح ذلك كله صدق التأهب والاستعداد للقاء الله، والمفتاح بيد
الفتاح العليم، لا إله غيره ولا ربَّ سواه) [“طريق
الهجرتين” لابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751هـ
ص223].
فإذا تحلى السالك بالصدق استطاع أن يسير بخطى
سريعة نحو مراتب الإيمان العالية، إذ هو القوة الدافعة والمحركة، وهو الصفة
اللازمة لكل مقام من مقامات السلوك إلى الله تعالى.
فأول مراحل السير هو صدق العبد في إنابته إلى
ربه بالتوبة النصوح التي هي أساس الأعمال الصالحة، وأول درجات الكمال.
والصدق في تهذيب النفس الأمارة، يحقق النجاح
الكبير في التخلص من أمراضها وشهواتها، ويطهر القلب من الخبائث حتى ينتهي إلى
الإيمان الذوقي الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: “ذَاقَ طَعمَ الإيمانِ...”
[“ذاق طعم
الإيمان من رضي بالله تعالى رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً”. أخرجه مسلم في كتاب الإيمان عن أبي
هريرة رضي الله عنه، والإمام أحمد والترمذي عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه].
والصدق في محاربة الشيطان والتخلص من وساوسه
يجعل المؤمن في نجاة من كيده وأمان من شره، كما يجعل الشيطانَ في يأس وقنوط من
إضلاله وغوايته.
والصدق في إخراج حب الدنيا من القلب يحْملُ
الإنسان على المجاهدة المستمرة بالصدقة والإيثار والتعاون الخيري، حتى يتخلص من
حبها وينجو من سيطرتها على قلبه.
والصدق في طلب العلم تخلصاً من الجهل وتصحيحاً
للعمل، يحمل الإنسان على الاستقامة والمثابرة، وتحمل المشاق وسهر الليالي كي ينال
منه أوفر نصيب وأكبر قسط، وما نبغ العلماء إلا بصدقهم وإخلاصهم وصبرهم.
والصدق في العمل هو ثمرة العلم وغايته، إذ يجعل
العبد في ارتقاء دائم، ويجعل علمه سبباً في كماله، ولا بد من إخلاص في ذلك، وإلا
قد يدخل على السائر بعضُ العلل الموقفة له عن مطلوبه من حب الشهرة والسمعة
والالتفات إليها...
فالإخلاص في الصدق يزيل هذه الشوائب من طريق
الغاية المنشودة وهي رضاء الله تعالى ومعرفته ومحبته.
ومن هنا تظهر أهمية الصدق وعظيم آثاره، ولذلك
اعتبره الحق سبحانه أرفع الدرجات بعد النبوة والرسالة، قال أبو القاسم القشيري
رحمه الله تعالى: (الصدق عماد الأمر وبه تمامه،
وفيه نظامه، وهو تالي درجة النبوة. قال الله تعالى : {ومَنْ
يُطِعِ اللهَ ورسولَهُ فأُولئكَ معَ الذينَ أنْعَمَ اللهُ عليهم من النَّبيِّينَ
والصِّدِيقينَ والشهداءِ والصالحينَ وحسُنَ أولئكَ رفيقاً}
[النساء: 69]) [“الرسالة القشيرية” ص97].
ولهذا أمر الله تعالى المؤمنين أن يلازموا أهل
الصدق ليستفيدوا من حالهم وينتفعوا من صدقهم فقال: {يا
أيها الذين آمنوا اتَّقوا اللهَ وكونوا مع الصادقينَ}
[التوبة: 119].
ووصف الله تعالى الصادقين بالقلة، وأنهم الفئة
المختارة من المؤمنين فقال: {مِنَ المؤمنينَ
رِجالٌ صدقوا ما عاهدوا اللهَ عليه} [الأحزاب: 23].
وقال معروف الكرخي رحمه الله تعالى مشيراً إلى
قلة الصادقين: (ما أكثر الصالحين وأقل الصادقين في
الصالحين!) [“طبقات
الصوفية” للسلمي ص87].
كما ندَّدَ الله تعالى بالمنافقين الذين لم
يَصْدُقوا في إيمانهم وعهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {فلو صدَقُوا اللهَ لكانَ خيراً لهُم} [محمد: 21].
وقد أخبر الله تعالى أن العبد يوم القيامة يجني
ثمار صدقه، ويكون صدقه سبب نفعه ونجاته فقال: {هذا
يومُ يَنْفَعُ الصادقينَ صِدْقُهُم}
[المائدة:
119].
وقد اعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم الصدق
سبيلاً موصلاً إلى البر الذي يشمل كل الفضائل والكمالات التي تؤهل العبد لدخول
الجنة، كما جعل دوام الاتصاف بالصدق مفتاحاً لنيل مرتبة الصدِّيقية فقال: “إن الصدق يهدي إلى البِر، وإن البِر يهدي إلى الجنة،
وإن الرجل ليصْدُقُ حتى يُكتَبَ عند الله صدِّيقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور،
وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل لَيَكذِبُ حتى يُكتبَ عند الله كذاباً” [أخرجه
البخاري في صحيحه في كتاب الأدب، ومسلم في كتاب البر عن ابن مسعود رضي الله عنه].
وقد أوضح الرسول عليه الصلاة والسلام أن الصدق
يثمر طمأنينة القلب وراحة الفكر، بينما يسبب الكذب حالات من القلق والاضطراب والشك
وعدم الاستقرار، فقد روي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه قال: حفظت من رسول
الله صلى الله عليه وسلم: “دع ما يريبك إلى ما لا
يريبك فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة” [أخرجه الترمذي في كتاب صفة القيامة وقال: حديث حسن
صحيح].
وليس الصادقون بمرتبة واحدة، بل هناك الصادق،
وأعلى منه الصِّديق. قال أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى: (أقل الصدق استواء السر والعلانية، والصادق من صدق في
أقواله، والصِّدِّيق من صدق في جميع أقواله وأفعاله وأحواله) [“الرسالة
القشيرية” ص97]. ورتبة
الصدِّيقية في نفسها مراتب متفاوتة، بعضها أعلى من بعض، وقد نال أبو بكر الصديق
رضي الله عنه ذروة سنام الصديقية، وشهد الله تعالى بذلك فقال: {والذي جاءَ بالصِّدقِ وصدَّقَ به} [الزمر: 32].
ولا يعلو مقامَ الصديقية إلا مقامُ النبوة،
فمقام الصديقية مقام الولاية الكبرى والخلافة العظمى، وهذا المقام تترادَفُ فيه
الفتوحات وتعظم التجليات وتتم المشاهدات والكشوفات لكمال النفس وحسن صفائها.
الخلاصة:
إن من يعمر باطنه بالصدق والإخلاص، تجري حركاته
وسكناته على حسب ما في قلبه؛ فيظهر الصدق في أحواله وأقواله وأعماله، لأن من
أَسَرَّ سريرة ألبسه الله رداءها.
قال العلامة القرطبي رحمه الله تعالى: (حقٍّ على كل من فهم عن الله تعالى أن يلازم الصدق في
الأقوال، والإخلاص في الأعمال، والصفاء في الأحوال، فمَنْ كان كذلك لحق بالأبرار،
ووصل إلى رضاء الغفار) [“شرح رياض
الصالحين” لابن علان ج1/ص284].
فعليك
أيها المريد أن تكون صادقاً في أقوالك لأن الكذب من صفات المنافقين. قال عليه
الصلاة والسلام: “آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث
كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان” [أخرجه
البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان، ومسلم في كتاب الإيمان عن أبي هريرة رضي الله
عنه.
قال المناوي في شرح هذا الحديث: (النفاقُ ضربان:
شرعي: وهو إبطان الكفر وإظهار الإيمان، وعرفي: وهو أن يكون سره خلاف علانيته، وهو
المراد هنا). “فيض القدير
شرح الجامع الصغير” ج1/ص63].
وكن صادقاً في طلب الوصول إلى الله تعالى،
فالمقاصد العالية لا تُنال بالتشهي، لذلك قيل: (لا
ينال الوصول من كان في قلبه شهوة الوصول) بل يناله
بالجد والاجتهاد.
وعمّر قلبك بالصدق لتنبعث منه الهمة والنشاط في
سيرك إلى الله تعالى.
وتحقق بالصدق إن قلت
ياالله فالصدق وجهه مقبول وعليك بالصدق في
عهدك مع مرشدك ودليلك إلى الله تعالى حتى يكون ذلك عوناً لك على ترقيك وسرعة
وصولك.
وكن صادقاً في موافقتك لربك أمراً ونهياً وفي
اتباعك لرسوله صلى الله عليه وسلم حتى تتحقق بالعبدية لله تعالى، فهي أُمنية
السالكين لربهم في جميع مراتبهم ومقاماتهم.
تعريفه:
قال أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى معرفاً
الإخلاص: (الإخلاص إفراد الحق سبحانه في الطاعة
بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر من تصنعٍ لمخلوق أو
اكتسابِ مَحْمَدَةٍ عند الناس أو محبة مدحٍ لمخلوق أو معنى من المعاني سوى التقرب
إلى الله تعالى. وقال: ويصح أن يقال: الإخلاص تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين) [“الرسالة
القشيرية” ص95 -
96].
وقال أبو علي الدقاق رحمه الله تعالى: (الإخلاص: التوقي عن ملاحظة الخلق، فالمخلص لا رياء له) [“الرسالة
القشيرية” ص95 -
96].
وقال الفضيل بن عياض
رحمه الله تعالى: (ترك العمل من أجل الناس رياء،
والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما)
[“الرسالة القشيرية” ص95 - 96].
وقال الإمام الجنيد رحمه الله تعالى: (الإخلاص سِرٍّ بين الله وبين العبد، لا يعلمه ملك
فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوىً فيميله) [“الرسالة
القشيرية” ص95 -
96].
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله
تعالى: (حق المخلص أن لا يرى إخلاصه ولا يسكن
إليه، فمتى خالف ذلك لم يكمل إخلاصه، بل سماه بعضهم رياء)
[“الرسالة القشيرية” ص95 - 96].
هذه الأقوال والعبارات المتنوعة في الإخلاص
ترجع إلى مقصد واحد وهو أن لا يكون للنفس حظ في عمل من الأعمال التعبدية، الجسمية
منها والقلبية والمالية، وأن لا يرى إخلاصه.
أهميته في الكتاب
والسنة:
لما كان قبول الأعمال موقوفاً على وجود الإخلاص
فيها، أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بالإخلاص في عبادته تعليماً لهذه
الأمة فقال: {قلْ إنِّي أُمرتُ أنْ أعبُدَ اللهَ
مُخلِصاً لهُ الدينَ} [الزمر: 11] وقال: {قل
اللهَ أعبُدُ مخلِصاً لهُ ديني} [الزمر: 14]. وقال عز وجل: {فاعبُدِ اللهَ مخْلِصاً له الدينَ ألا لله الدينُ الخالصُ} [الزمر: 2].
كما أمر الله تعالى خلقه أن تكون جميع عباداتهم
القولية والفعلية والمالية خالصة له تعالى، بعيدة عن الرياء فقال: {وما أُمِروا إلا لِيَعبُدوا اللهَ مُخلِصينَ له الدينَ} [البينة: 5].
وأوضح الحق سبحانه أن السبيل إلى لقاء الله
تعالى يوم القيامة لقاء رضى وإنعام هو العمل الصالح الخالص لوجه الله، السليمُ من
ملاحظة الخلق فقال: {فمَنْ كان يرجو لِقاءَ
رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عملاً صالحاً ولا يُشْرِكْ بعِبادَةِ رَبِّهِ أحداً} [الكهف: 110].
وجاءت الأحاديث الشريفة توجِّه العبد إلى
الإخلاص في جميع أعماله وتحذِّره أن يقصد بعبادته ثناء الناس ومدحَهم وتبين أن كل
عمل لم يتصف بالإخلاص لله تعالى فهو مردود على صاحبه، وتوضح أن الله تعالى لا ينظر
إلى ظاهر أعمال العبد، بل ينظر إلى ما في قلبه من النوايا والمقاصد، لأن الأعمال
بالنيات، والأمور بمقاصدها.
وقد سمى الرسول صلى الله عليه وسلم الرياء
شركاً أصغرَ تارة، وسماه شركَ السرائر تارة أخرى. وأخبر أن الله تعالى سوف يتبرأ
من المرائي يوم القيامة، ويحيله إلى الناس الذين أشركهم في عبادته.
وهذه بعض الأحاديث الشريفة التي تبين أهمية
الإخلاص وتوضح هذه المعاني المذكورة:
1 - عن أبي أمامة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقال: “أرأيتَ رجلاً غزا يلتمس
الأجر والذكر، ما له؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا شيء له، فأعادها ثلاث
مرات، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا شيء له، ثم قال: إن الله عز وجل لا
يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً، وابتُغِيَ به وجهه”
[رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد].
2 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: “إن الله لا ينظر إلى أجسامكم
ولا إلى صوَرِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم” [رواه مسلم
في كتاب البر والصلة].
3 - عن شداد بن أوس رضي الله عنه أنه سمع النبي
صلى الله عليه وسلم يقول: “مَنْ صام يرائي فقد
أشرك، ومن صلى يرائي فقد أشرك، ومن تصدق يرائي فقد أشرك”
[رواه البيهقي كما في “الترغيب
والترهيب” ج2/ص31].
4 - وعن محمود بن لبيد قال: خرج النبي صلى الله
عليه وسلم فقال: “يا أيها الناس إياكم وشرك
السرائر. قالوا: يا رسول الله وما شركُ السرائر؟ قال: يقوم الرجل فيصلي، فيزين
صلاته جاهداً لما يرى من نظر الناس إليه، فذلك شرك السرائر” [رواه ابن
خزيمة في صحيحه].
5 - وعن محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: “إن أخوَف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر،
قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء. يقول الله عز وجل إذا جُزِيَ
الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم
جزاءً” [رواه
الإمام أحمد بإسناد جيد].
6 - وعن أبي سعيد بن أبي فضالة رضي الله عنه، وكان
من الصحابة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة ليومٍ لا ريب فيه، نادى
منادٍ: مَنْ أشرك في عمله لله أحداً فليطلب ثوابه من عنده، فإن الله أغنى الشركاء
عن الشرك” [رواه
الترمذي في كتاب التفسير، تفسير سورة الكهف].
أقوال العلماء في
أهمية الإخلاص:
قال مكحول رحمه الله تعالى: “ما أخلص عبد أربعين يوماً إلا ظهرت ينابيع الحكمة من
قلبه على لسانه” [“الرسالة
القشيرية” ص 95 -96].
وقيل لسهل بن عبد الله التستري رحمه الله
تعالى: أي شيء أشد على النفس؟ قال: (الإخلاص، لأنه
ليس لها فيه نصيب) [“الرسالة
القشيرية” ص 95 -96].
وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى: (إذا أخلص العبد انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء) [“الرسالة
القشيرية” ص 95 -96].
وقال ابن عجيبة في شرح حكمة ابن عطاء الله
السكندري رحمهما الله تعالى: [الأعمال صور
قائمة، وأرواحها وجود سر الإخلاص فيها]: (الأعمال كلها أشباح وأجساد، وأرواحها وجود الإخلاص
فيها، فكما لا قيام للأشباح إلا بالأرواح وإلا كانت ميتة ساقطة؛ كذلك لا قيام
للأعمال البدنية والقلبية إلا بوجود الإخلاص فيها، وإلا كانت صوراً قائمة وأشباحاً
خاوية لا عبرة بها) [“إيقاظ
الهمم في شرح الحكم” لابن عجيبة ج1/ص25].
وكلام العلماء والعارفين في الإخلاص أكثر من أن
يحصى، وكلهم يؤكدون عظيم أهميته وكبير أثره.
مراتب الإخلاص:
قال ابن عجيبة رحمه الله تعالى: (الإخلاص على ثلاث درجات: إخلاص العوام والخواص وخواص
الخواص.
فإخلاص العوام: هو إخراج الخلق من معاملة الحق
مع طلب الحظوظ الدنيوية والأخروية كحفظ البدن والمال وسعة الرزق والقصور والحور.
وإخلاص الخواص: طلب الحظوظ الأخروية دون
الدنيوية.
وإخلاص خواص الخواص: إخراج الحظوظ بالكلية،
فعبادتهم تحقيق العبودية والقيامُ بوظائف الربوبية محبة وشوقاً إلى رؤيته، كما قال
ابن الفارض:
ليس سؤْلي من الجنان نعيماً غيرَ أني أحبها لأراكا
وقال آخر:
كلهم يعبدون من خوفِ نارٍ ويروْن النجاة حظاً جزيلاً
أو بأنْ يسكنوا الجنان فيضحوا في رياضٍ ويشربوا السلسبيلا
ليس لي في الجنان والنارِ رأيٌ أنا لا أبتغي بِحِبِّي بديلا
وقال: والحاصل لا يمكن
الخروج من النفس والتخلصُ من دقائق الرياء من غير شيخ أبداً. والله تعالى أعلم) [“إيقاظ الهمم في شرح الحكم” ج1/ص25 - 26].
وأسمى مقاصد الصوفية أن يرتقوا بإخلاصهم إلى
أرفع الدرجات ويعبدوا الله مبتغين وجهه دون أن يقصدوا ثواباً:
فما مقصودهم جنات عَدْنٍ ولا الحورُ الحسانُ ولا الخيامُ
سوى نظرِ الجليل وذا مُناهم وهذا مقصد القوم الكرامُ
كما قالت رابعة: ما
عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك، وإنما عبدتك لذاتك. فلو لم يكن ثَمَّة
ثواب ولا عقاب، ولا جنة ولا نار، لَمَا تأخروا عن عبادتهم ولما انثنوا عن طاعاتهم
لأنهم يعبدون الله لله، ولأن أعمالهم تصدر عن قلب عَمَّرَه حبُّ الله وحده، وطلبُ
قربه ورضوانه، بعد أن أدركوا نعمه وآلاءه، وذاقوا بِرَّه وإحسانه.
وليس معنى هذا أنهم لا يحبون دخول الجنة، ولا
يرغبون في البعد عن النار - كما فهم بعض الحمقى من أعداء التصوف - [فإن بعضهم أخذ يندد بكلام رابعة العدوية، واتهمها
بأنها فقدت الرغبة والرهبة. وهذا جهل ومغالطة فإنها لم تخرج عن حدود الرغبة
والرهبة، ولكنها سَمَتْ بهما وارتفعت، فكانت رغبتها في رضاء الله وقربه وحبه،
ورهبتها من غضبه وبعده، فكلما عظم إيمان المرء ازدادت رهبته وسمَت رغبته، وكم كانت
رابعة كثيرة البكاء والخوف والنحيب؟!] فهم
يكرهون النار ويخافونها لأنها مظهر سخط الله وغضبه ونقمته، ويحبون الجنة ويطلبونها
لأنها مظهر حب الله ورضاه وقربه، كما قالت آسية زوجة فرعون: {ربِّ ابنِ لي عندكَ بيتاً في الجَنَّةِ} [التحريم:
11]. فهي قد طلبت
العِنْدية والقُرب قبل أن تطلب الجنة، طلبت الجوار قبل الدار.
وما حُبُّ الديارِ شَغَفْنَ
قَلبي ولكن حب من سكن الديارا
ولم تكن رغبتها في
الجنة إلا لنوال الحب والقرب والرضا منه تعالى.
وهكذا عندما ترتفع همة العبد وتسمو غاياته يَتَرَفَّع
عن ملاحظة لذائذه البدنية ومنافعه الشخصية، سواء كانت دنيوية أم أخروية، ويبغي في
جميع عباداته الحب والقرب، والتحقق بالعبودية الخالصة، فعلى قدر همة العبد يكون
مطلبه.
ولا نقصد من هذا أن الذي يبغي من طاعاته
وعباداته النعيم الأخروي والتمتع بلذائذ الجنة، أو الخلاصَ من عذاب النار، أنه
منحرف ضال، ولا ندَّعي أنه محروم من وعد الله؛ بل هو مؤمن طائع صالح، إلا أن
مرتبته أدنى من مرتبة أولئك الذين سمت نياتهم، وارتفعت هممهم في إخلاصهم لربهم.
قال الإمام السيوطي رحمه الله تعالى: (القيامُ بالأوامر والنواهي لله وحده، لا لجلب ثواب ولا
لدفع عقاب، وهذا حال من عبدَ الله لله، خلافُ من عبدَ الله للثواب وخوف العقاب،
فإنما عَبَدَ لِحَظِّ نفسه، وإن كان هو محباً أيضاً، لكنه في درجة الأبرار، وذاك
في درجة المقربين) [“تأييد
الحقيقة العلية” للإمام السيوطي ص61].
قال الشيخ أحمد زروق رحمه الله تعالى في “قواعد التصوف”: (تعظيم ما عظَّم الله متعيِّن، واحتقار ذلك ربما كان
كفراً، فلا يصح فَهْمُ قولهم: [ما عبدناه
خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنته]. على
الإطلاق إما احتقاراً لهما - وقد عظمهما الله تعالى - فلا يصح احتقارهما من مسلم،
وإما استغناء عنهما ولا غنى للمؤمن عن بركة مولاه. نعم لم يقصدوهما بالعبادة بل
عملوا لله تعالى لا لشيء، وطلبوا منه الجنة والنجاة من النار لا لشيء. وشاهد ذلك
في قوله تعالى: {إنَّما نُطعِمُكم لوجهِ اللهِ} [الإنسان: 9] إذ جعل عِلَّة العمل إرادة وجهه تعالى) [“قواعد التصوف” للشيخ أحمد زروق ص76].
شوائب الإخلاص في
أعمال السالك:
قد تدخل على السالك آفاتٌ كثيرة تَشُوبُ
إخلاصه، وما هذه الآفات إلا حجب تعرقل سيره إلى الله تعالى، لذا كان من الضروري
الإشارة إليها، وتحذير السالكين من مخاطرها، ثم بيان طريق الخلاص منها حتى تكون جميع
أعمال السالك خالصة لوجهه تعالى.
الحجاب الأول: رؤيته لعمله وإعجابه به وحجابه
به عن المعمول له وبالعبادة عن المعبود.
فالذي يخلصه من رؤية عمله علمُهُ بفضل الله
تعالى عليه وتوفيقه له، وأنه مخلوق هو وعمله لله تعالى: {واللهُ
خلَقَكُم وما تعمَلونَ} [الصافات:
96]. إلا أن له نسبةَ
الكسب فقط.
وإذا دقق في صفات النفس، وعلم أنها كما وصفها
الله تعالى: {إنَّ النفسَ لأمَّارةٌ بالسوءِ} [يوسف: 53]. أدرك أن كل خير يصدر منه هو محض فضل من
الله تعالى ومنَّة، وعندئذٍ يتذوق معنى قوله تعالى: {ولولا
فضلُ اللهِ عليكم ورحمتُهُ ما زكى منكُمْ من أحدٍ}
[النور: 21].
فتخلصُ العبد من رؤية أعماله وإعجابه بها يكون
بمعرفة نفسه ومعرفة دخائلها، فليجتهد الإنسان في تحصيل هذه المعرفة.
الحجاب الثاني: طلبه العوض لعمله، والعوض إما
أن يكون في الدنيا أو في الآخرة.
أما الذي يكون في الدنيا، فطلبه الشهوات
المنوَّعة، ومنها شهوة السمعة والشهرة، وحب الظهور وغير ذلك، وكذلك طلبه للأحوال
والمقامات والمكاشفات والمعارف.
ولهذا يقول العارف الكبير الشيخ أرسلان رحمه
الله تعالى ناصحاً كل ملتفت إلى غير مطلوبه ومحبوبه ومقصوده: (يا أسير الشهوات والعبادات، يا أسير المقامات
والمكاشفات، أنت مغرور) [“خمرة الحان
ورنة الألحان” ص177]. وإنما كان
أسيرها لأنها من جملة الأغيار ومن عالم الخلق، فالوقوف عندها قاطع عن الوصول إلى
معرفة خالقها تعالى، قال تعالى: {وأنَّ إلى ربِّكَ
المنتهى} [النجم: 42].
ويقول الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله
تعالى معلقاً على كلامه: (إذ لو كنت صادقاً ما
التفتَّ إلى شهوة أو عبادة، ولا مقام ولا مكاشفة، ولأفردْتَ القصد إليه تعالى وحده
دون جميع ما عداه، ولجَرّدْتَ العزم والهمة فيه تعالى، وتركت ما سواه. ثم قال:
ونقل ابن عطاء الله السكندري في “التنوير في إسقاط
التدبير” عن شيخه أبي العباس المرسي رضي الله عنه،
أنه يقول: (لن يصل الولي إلى الله حتى تنقطع عنه
شهوة الوصول إلى الله تعالى). ومن كلام بعضهم: (لو رُفعتَ إلى ذروة الأكوان وترقيتَ إلى حيث لا مكان،
ثم اغتررْتَ بشيء طرفة عين فلست من أُولي الألباب)
ويقول ابن الفارض رحمه الله تعالى:
قال لي حُسْن كل شيء
تجلَّى بي تَمَلَّ فقلت قصدي وراك
فالالتفات إلى حسن
المكوَّنات والمخلوقات، والوقوف عندها اغترار وانقطاع)
[“خمرة الحان ورنة
الألحان” شرح رسالة الشيخ أرسلان الدمشقي لعبد
الغني النابلسي رحمه الله تعالى ص29].
ويقول بعضهم ناصحاً لمن هذا حاله:
ومهما ترى كلَّ
المراتب تُجتلَى عليك فحُلْ عنها فعَنْ مثلِها حُلْنا ويقول ابن عطاء الله رحمه الله تعالى: (ما أرادتْ همةُ سالك أن تقف عند ما كشف لها، إلا نادته
هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك) [“إيقاظ
الهمم في شرح الحكم” ج1/ص51].
وطلبُ العبدِ لهذه المقامات وغيرها شهوة خفية،
وذلك إما أن ينالها فيطمئن إليها، ويُحجب بها عن المقصود؛ وإما أن لا ينالها عندما
سار إليها، إلا أنه جعلها غاية، والله تعالى وسيلة، فيجتهد لتحصيلها فلا يصل،
فيفتر عزمه، ويقنط وييأس، وعندئذٍ يرجع القهقرى، إلا إذا لاحظتْه العنايةُ بإرشاد
المرشدين، فيمكنه التخلص من هذه الورطة، وإلا دام منقطعاً، وانقلب على وجهه
خاسراً.
وأما طلب العوض في الآخرة: فدخول الجنة والنجاة
من النار.
وتصحيح سيره بأن يعتقد أن دخول الجنة برحمة
الله تعالى لا بعمله؛ فقد روي عنه عليه الصلاة والسلام: “لن
يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن
يتغمدني الله برحمته” [رواه
البخاري في كتاب المرضى ومسلم في كتاب صفات المنافقين].
فالذي يُخَلِّص العبد من طلب العوض على عمله
عِلْمُهُ بأنه عبد محض، وأنه لا ينال دخول الجنة والنجاة من النار إلا بفضل الله
تعالى، والعبد لا يملك مع سيده شيئاً، إذ عبادته لله تعالى لمحض العبودية، فما
يناله من الأجر والثواب تفضلٌ وإحسان من الله تعالى في الدنيا والآخرة؛ وكذلك
توفيقه للعبادة، فإذا ما شهد هذا التوفيق من جملة نعم الله عليه، يسارع في شكر
الله على هذه النعم، عندئذٍ يخلص من طلب العوض لعمله.
والحجاب الثالث: رضاه عن أعماله واغتراره بها،
وتخليصه وإنقاذه من رضاه بعمله يكون بشيئين:
1 - إطلاعه على عيوبه في أعماله، فقلَّ عمل من
الأعمال إلا وللشيطان فيه نصيب، وللنفس فيه حظ.
أما
نصيب الشيطان، فقد أرشدنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما سئل عن التفات
الرجل في صلاته، فقال: “هو اختلاس يختلسه الشيطان
من صلاة العبد” [رواه
البخاري في كتاب أبواب صفة الصلاة عن عائشة رضي الله عنها. والترمذي في كتاب أبواب
الصلاة وقال: حسن صحيح].
يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: (فإذا كان هذا الالتفات طرفة أو لحظة، فكيف التفات قلبه
إلى ما سوى الله تعالى! هذا أعظم نصيب للشيطان من العبودية) [“مدارج
السالكين” ج2/ص51].
وأما حظ النفس من العمل، فلا يعرفه إلا أهل
البصائر من العارفين.
2 - علم العبد بما يستحقه الرب جل جلاله من حقوق
العبودبة وآدابها الظاهرة والباطنة وشروطها. فلو اجتهد العبد بالليل والنهار لرأى
نفسه مقصراً تجاه الله تعالى، وأين العبد العاجز الضعيف من خالق الأكوان؟ لهذا
بيَّنَ لنا حضرة الله أن موقف خلقه منه التقصير فقال: {وما
قدَرُوا اللهَ حقَّ قدرِهِ}[الزمر: 67].
الخلاصة:
إن الإخلاص تصفية العمل من العلل والشوائب،
سواء أكان مصدرها التعلق بالخلق، كطلب مدحهم وتعظيمهم والهرب من ذمهم، أو كان
مصدرها التعلق بالعمل، كالاغترار به، وطلب العوض عنه...
لذا فإن أهل الهمم العالية أخلصوا دينهم لله،
وسمعوا نداء الله في قلوبهم {فَفِرُّوا إلى اللهِ} [الذرايات:
50] فاستجابوا لهاتف الحق،
وقال قائلهم ملبياً له: تركت الناس كلهمُ ورائي وجئت إليك.
تعريفه:
عرف العلماء الصبر بتعاريف كثيرة، وأهمها ما
قاله ذو النون المصري رحمه الله تعالى: (الصبر: هو
التباعد عن المخالفات، والسكون عند تجرع غصص البلية، وإظهار الغنى عند حلول الفقر
بساحة المعيشة) [“شرح رياض الصالحين” لابن علان ج1/ص194].
وما ذكره الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى في
مفرداته: (الصبر: حبس النفس على ما يقتضيه العقل
أو الشرع أو عما يقتضيان حبسها عنه) [“شرح رياض
الصالحين” لابن علان ج1/ص194].
وما ذكره السيد الجرجاني رحمه الله تعالى في
تعريفاته: (الصبر: هو ترك الشكوى من ألم البلوى
لغير الله) [“شرح رياض
الصالحين” لابن علان ج1/ص194].
ويفهم من تعريف السيد أن الشكوى لله تعالى لا
تُنافي الصبر، إنما ينافيه شكوى الله إلى غيره؛ كما رأى بعضهم رجلاً يشكو إلى آخر
فاقة وضرورة فقال: يا هذا أتشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك، ثم أنشد:
وإذا عرَتْك بلية فاصبر لها صَبْرَ الكريم فإنه بك أعلم
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
أقسامه:
ذكر العلماء للصبر تقسيمات منوعة [انظر كتاب “الإحياء” للغزالي، و”قوت القلوب” لأبي طالب
المكي، و”مدارج السالكين”
لابن القيم، وغير ذلك من الكتب الموسعة]، وكلها ترجع
إلى هذه الأنواع الثلاثة: صبر على الطاعات، وصبر عن المعاصي، وصبر على المصائب.
فالصبر على الطاعات: هو الاستقامة على شرع
الله، والمثابرة الدائمة على العبادات المالية والبدنية والقلبية، ومواصلة الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على ما يعترض ذلك من أنواع الابتلاء وصنوف
المحن؛ لأن من ورث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوته وجهاده لا بد أن يصيبه
ما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من تكذيب ومحاربة وأذى، قال تعالى حكاية عن
لقمان يوصي ابنه: {يا بُنَيَّ أقِمِ الصلاةَ
وأمُرْ بالمعروفِ وانْهَ عنِ المنكَرِ واصبِرْ على ما أصابَكَ} [لقمان: 17].
وقد أقسم الله تعالى أن الناجين هم مَنْ
تحقَّقوا بصفات أربع: الإيمان، والعمل الصالح، والنصح للأمة، ثم الصبر على ذلك.
فقال تعالى: {والعصرِ . إنَّ الإنسانَ لفي خسْرٍ .
إلا الذينَ آمنوا وعمِلوا الصالِحاتِ وتواصَوا بالحقِّ وتواصَوا بالصبرِ} [العصر].
والصبر عن المعاصي: هو مجاهدة النفس في
نزواتها، ومحاربة انحرافها، وتقويم اعوجاجها، وقمع دوافع الشر والفساد التي يثيرها
الشيطان فيها؛ فإذا ما جاهدها وزكاها وردَّها عن غيِّها وصل إلى الهداية التامة،
قال الله تعالى: {والذينَ جاهدوا فينا
لَنَهدِيَنَّهُم سُبُلَنا} [العنكبوت:
69]. وكان من المفلحين
ببشارة الله تعالى بقوله: {قد أفلَحَ مَنْ تزَكَّى
وذكر اسم ربِّهِ فصلَّى} [الأعلى: 14 -15]، وقوله
تعالى: {وأما مَنْ خاف مقامَ ربِّهِ ونهى النَّفسَ
عن الهوى . فإنَّ الجَنَّةَ هي المأوى} [النازعات:
40ـ41].
وأما الصبر على المصائب: بما أن الحياة الدنيا
دار امتحان وابتلاء، فإن الله تعالى يختبر إيمان عباده - وهو أعلم بهم - بأنواع
المصائب، ويُمحص المؤمنين بصنوف المحن كي يميز الخبيث من الطيب، والمؤمن من
المنافق.
قال تعالى: {الم
. أحسِبَ الناسُ أن يتُرَكُوا أنْ يقولوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفتَنونَ} [العنكبوت:
1 -2]. سواء أكانت
هذه المصائب في المال أو في البدن أو في الأهل، قال تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ في أموالِكُم وأنْفُسِكُم} [آل عمران:
186]. وقال تعالى: {ولَنَبْلُوَنَّكَم بشيءٍ مِنَ الخوفِ والجوعِ ونَقْصٍ
من الأموالِ والأنْفُسِ والثَّمراتِ وبَشِّرِ الصابرينَ . الذين إذا أصابَتْهُم
مصيبة قالوا إنَّا لله وإنَّا إليهِ راجعونَ . أولئكَ عليهم صلواتٌ مِنْ ربِّهِم
ورحمةٌ}
[البقرة:
156 -157].
ولا شك أن المؤمن الصادق يتلقى هذه المصائب
بالصبر والتسليم؛ بل بالرضا والسرور، لأنه يعلم أن هذه النكبات ما نزلت عليه من
خالقه إلا لتكفير ذنوبه ومحو سيئاته، كما قال عليه الصلاة والسلام: “ما يصيبُ المسلمَ من نَصبٍ ولا وَصبٍ، ولا همٌّ ولا
حزَنٍ، ولا أذى ولا غمٌّ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه” [رواه
البخاري في صحيحه في كتاب المرض، ومسلم في كتاب البر عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي
الله عنهما. والوصب: المرض]. كما
أنه يعلم أن هذه النوازل إنما ترفع المؤمنين الصابرين درجات عالية ومنازلَ رفيعة
عند الله تعالى؛ إذا هو تلقاها بالرضا والتسليم، كما قال عليه السلام: “إذا سبقت للعبد من الله تعالى منزلة لم ينلها بعمله
ابتلاه الله في جسده وفي أهله وماله، ثم صبَّره على ذلك حتى ينال المنزلة التي
سبقت له من الله عز وجل” [رواه أبو
داود في سننه في كتاب الجنائز باب الأمراض المكفرة للذنوب رقم (3074) عن محمد بن خالد
السلمي رضي الله عنه].
أهميته وبعض ما ورد في
فضله:
الصبرُ نصف الإيمان، وسر سعادة الإنسان، ومصدر
العافية عند البلاء، وعدة المؤمن حين تدلهمُّ الخطوب وتحدق الفتن وتتوالى المحن،
وهو سلاح السالك في مجاهداته لنفسه، وحملها على الاستقامة على شرع الله تعالى
وتحصنها من الانزلاق في مهاوي الفساد والضلال. ولعظيم أهميته ورفيع مقامه ذكره
الله تعالى في القرآن الكريم في نحو تسعين موضعاً. فتارة يأمر الله تعالى به
فيقول: {استعينوا بالله واصبروا} [الأعراف:
128]. وفي موطن آخر يثني على
أهله فيقول: {والصابرينَ في البأساء والضراء وحينَ
البأس أولئكَ الذين صدقوا وأولئكَ همُ المُتَّقونَ}
[البقرة: 177]. وفي بعض
الآيات يخبر عن محبته للصابرين فيقول: {واللهُ
يُحِبُّ الصابرينَ} [آل عمران:
146] وطوراً يبين الله
تعالى معيته للصابرين معية حفظ وتأييد ونُصرة فيقول: {إنَّ
اللهَ معَ الصابرينَ} [البقرة:
153]. وفي موضع آخر يخبر عن
إيجاب الجزاء لهم بغير حساب فيقول: {إنَّما
يُوَفَّى الصابرون أجرَهُم بغير حسابٍ} [الزمر: 10]. وفي موطن آخر يبين أن الهداة المرشدين
قد نالوا هذا المقام الرفيع بالصبر فيقول: {وجعلْنا
منهُمْ أئِمَّةً يهدونَ بأمرِنا لمَّا صبروا} [السجدة: 24]
ولقد جاءت الأحاديث
النبوية الكثيرة مؤكدةً فضل الصبر، وما له من أثر عميق في سعادة المؤمن وتلقيه صدمات
الحياة ونوائب الدهر.
كما تواردت الأخبار المستفيضة عن صبر رسول الله
عليه الصلاة والسلام، وتحمله صنوف الأذى وأنواع الشدائد، وحياة الرسول صلى الله
عليه وسلم كلها صبر وجهاد وتضحية.
وهذه نبذة يسيرة من
الأحاديث الشريفة:
1 - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: “ما أُعطيَ أحد من عطاء خيراً
وأوسع من الصبر” [رواه البخاري في صحيحه ومسلم والنسائي وأبو داود في
كتاب الزكاة، والترمذي في كتاب البر والصلة].
2 - وعن صهيب بن سنان رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: “عجباً لأمر المؤمن؛ إن
أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له،
وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له” [رواه مسلم في كتاب الزهد والرقائق].
3 - وعن يحيى بن وثاب عن شيخ من أصحاب النبي صلى
الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “المسلم
الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم” [أخرجه
الترمذي في كتاب صفة القيامة].
4 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كأني أنظر
إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، يحكي نبياً من أنبياء الله، ضربه قومه،
فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه وهو يقول: “اللهم
اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون” [أخرجه
البخاري في صحيحه في كتاب أحاديث الأنبياء، ومسلم في كتاب الجهاد والسيرة].
5 - وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا أحدَ أصبَرُ
على أذى سمعه؛ من الله عز وجل؛ إنه ليُشْرَكُ به، ويُجعلُ له الولد، ويعافيهم
ويرزقهم” [أخرجه
البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد، ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم].
تحقق الصالحين بالصبر
ودعوتهم إليه:
تتبع الصحابة رضوان الله عليهم أثر رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وورثوا عنه الصبر جادِّين في نشر الإسلام، بإيمان لا يعرف
اليأس، وعزيمة لا تعرف الخَوَرَ، وثبات لا يتطرق إليه الوهن.
ثم أخذ التابعون عنهم هذه الروح الإيمانية
الصابرة، وهكذا انتقلت هذه الروح في كل عصر وزمان إلى يومنا هذا. قال عليه الصلاة
والسلام: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتي
أمر الله وهم ظاهرون” [رواه البخاري في صحيحه في كتاب الاعتصام عن المغيرة
بن شعبة رضي الله عنه].
قال سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لما
مات ولده الصالح: (إن الله أحب قبضه، وإني أعوذ
بالله أن تكون لي محبة في شيء من الأمور يخالف محبة الله).
ومن أروع الصبر ما وقع للإمام مالك رضي الله
عنه حين لدغته عقرب - وهو يحدِّث - ستَّ عشْرة مرة، فصار يَصفرُّ ويتلوَّى حتى تم
المجلس، ولم يقطع كلامه تعظيماً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم [“شرح
الزرقاني على موطأ مالك” ج1/ص3].
ودخل ذو النون المصري على مريض يعوده، فبينما
كان يكلمه أنَّ أَنَّةً، فقال له ذو النون: (ليس
بصادق في حبه من لم يصبر على ضربه، فقال المريض: بل ليس بصادق في حبه من لم يتلذذ
بضربه) [“اللمع” للطوسي ص77].
وكان ابن شبرمة إذا نزل به بلاء قال: (سحابة ثم تنقشع).
وللصوفية في الصبر كلام عجيب، ومنطق طريف، فقد
سئل الشبلي عن الصبر فتمثل بقوله:
صابرَ الصبرَ فاستغاث
به الصــبرُ فصاح المحب بالصبر صبراً فلله
درُّ الصوفية، لقد تعرَّضوا لرضوان الله الأكبر في ظلال الصبر، وانطبق عليهم وصف
الله تعالى في قوله: {الذينَ إذا أصابَتْهُم
مضيبةٌ قالوا إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجِعونَ} [البقرة:
156].
فهم لله وإلى الله، ولذا كانوا جديرين بأن
يوفيهم ربهم أجرهم بغير حساب، ولنعم أجر الصابرين: {أولئكَ
عليهم صلواتٌ مِنْ رَبِّهِم ورحمَةٌ} [البقرة:
157].
إن مثلهم الأعلى، وقدوتهم في الصبر هو رسول
الله صلى الله عليه وسلم، الذي تعرض لصنوف الابتلاء وشتى المحن؛ فلم يزدد إلا
صبراً وثباتاً، وهذه سنة الأنبياء والرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام.
قال تعالى: {فاصبِرْ
كما صَبَرَ أولُو العَزْمِ مِنَ الرُسُلِ} [الأحقاف:
35].
ولقد أوصاه الله تعالى بتحمل مشاق الدعوة
وأعباء الرسالة، والصبر على أذى المشركين بقوله: {واصْبِرْ
وما صبْرُكَ إلا باللهِ ولا تحزَنْ عليهم ولا تَكُ في ضَيقٍ مما يمكُرُونَ} [النحل: 127].
الخلاصة:
إن الصبر صفة الأنبياء، وحلية الأصفياء، ومفتاح
الخيرات، وسبيل السالكين إلى الله تعالى؛ لا يستغني السالك عنه في أية مرحلة من
مراحل سيره، إذ لكل مقام صبر يناسبه.
قال ابن عجيبة رحمه الله تعالى: (الصبر حبس القلب على حكم الرب.
فصبر العامة: حبس القلب على مشاق الطاعات ورفض
المخالفات.
وصبر الخاصة: حبس النفس على الرياضات
والمجاهدات، وارتكاب الأهوال في سلوك طريق الأحوال مع مراقبة القلب في دوام
الحضور، وطلب رفع الستور.
وصبر خاصة الخاصة: حبس الروح والسر في حضرة
المشاهدات والمعاينات، أو دوام النظرة والعكوف في الحضرة)
[“معراج التشوف إلى
حقائق التصوف” ص6].
وأخيراً فهذه الصفات الثلاث: الصدق والإخلاص
والصبر، هي أركان السير إلى الله تعالى؛ من لم يَبْنِ عليها سيره وسلوكه فهو مقطوع
ولو زعم أنه موصول، وواقف ولو زعم أنه سائر.
وحقيقة الإخلاص توحيد المطلوب، كما أن حقيقة
الصدق توحيد الطلب، والصبر على ذلك هو عين الكمال.
تعريفه ومراتبه:
قال السيد الجرجاني رحمه الله تعالى: (هو اجتناب الشبهات خوفاً من الوقوع في المحرمات) [تعريفات
السيد ص170].
وقال العلامة محمد بن علان الصدِّيقي رحمه الله
تعالى: (هو عند العلماء ترك ما لا بأس به حذراً
مما به بأس) [“دليل
الفالحين شرح رياض الصالحين” ج5/ص26].
وقال ابن عجيبة رحمه الله تعالى: (الورع كف النفس عن ارتكاب ما تكره عاقبته) [“معراج
التشوف” ص7].
ولتوضيح معنى الورع نبين مراتبه التي يسعى طالب
الكمال أن يتحقق بها.
فورع العوام: هو ترك الشبهات حتى لا يتردى في
حمأة المخالفات، اتباعاً لإرشاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: “إن الحلال بيِّن، وإن الحرام بيِّن، وبينهما أمور
مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهاتِ فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن
وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن
لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه...” [رواه البخاري في
صحيحه في كتاب الإيمان، ومسلم في كتاب المساقاة عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما].
وورع الخواص: ترك ما يكدر القلب ويجعله في قلق
وظلمة. فأهل القلوب يتورعون عما يهجس في قلوبهم من الخواطر، وما يَحيك في صدورهم
من الوساوس؛ وقلوبهم الصافية أعظم منبه لهم حين يترددون في أمر أو يشكُّون في حكم؛
كما أشار إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: “دع
ما يريبك إلى ما لا يريبك” [رواه
الترمذي في كتاب صفة القيامة وقال: حديث حسن صحيح]، وبقوله: “البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطَّلع
عليه الناس” [رواه مسلم
في كتاب البر والصلة عن النواس بن سمعان رضي الله عنه. حاك: أي جال وتردد].
وفي هذا يقول سفيان
الثوري رحمه الله تعالى: (ما رأيت أسهل من الورع،
ما حاك في نفسك فاتركه) [“الرسالة القشيرية” ص54].
وورع خاصة الخاصة: رفض التعلق بغير الله تعالى،
وسدُّ باب الطمع في غير الله تعالى، وعكوف الهمم على الله تعالى، وعدمُ الركون إلى
شيء سواه، وهذا هو ورع العارفين الذين يرون أن كل ما يشغلك عن الله تعالى هو شؤم
عليك.
قال الشبلي رحمه الله تعالى: (الورع أن تتورع عن كل ما سوى الله) [“الرسالة القشيرية” ص54].
فضله:
مما سبق يتضح أن الورع صفة جامعة لكل خصال
الكمال، فلقد دخل الحسن البصري رحمه الله مكة فرأى غلاماً من أولاد علي بن أبي
طالب رضي الله عنه قد أسند ظهره إلى الكعبة يعظ الناس، فوقف عليه الحسن وقال: (ما ملاك الدين؟ فقال: الورع، قال: فما آفة الدين؟ قال:
الطمع. فتعجب الحسن منه، وقال: مثقال ذرة من الورع خير من ألف مثقال من الصوم
والصلاة) [“الرسالة
القشيرية” ص54].
قال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى: (ليس يدل على فهم العبد كثرةُ علمه، ولا مداومتُه على
ورده، وإنما يدل على نوره وفهمه غناه بربه وانحياشه إليه بقلبه، والتحرر من رق
الطمع، والتحلي بحلية الورع) [“معراج
التشوف” ص7].
وليس أدلَّ على منزلة الورع، وأنه أرقى أنواع
العبادة من وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه، حيث قال: “يا أبا هريرة كن ورعاً تكن أعبدَ الناس” [رواه ابن
ماجة عن أبي هريرة في كتاب الزهد - باب الورع والتقوى - بإسناد حسن].
ولهذا كان الورع سبيلاً لنيل المنح الإلهية
الكبرى، كما قال يحيى بن معاذ رضي الله عنه: (من
لم ينظر في الدقيق من الورع، لم يصل إلى الجليل من العطاء)
[“الرسالة القشيرية” ص54].
ولأهمية الورع، ورفعة منزلته، وعلو شأنه، وعظيم
أثره، أشار إليه الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، نورد هنا بعضها:
1 - عن عطية بن عروة السعدي الصحابي رضي الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يبلغ
العبد أن يكون من المتقين، حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس” [رواه
الترمذي في كتاب صفة القيامة وقال: حديث حسن غريب].
2 - عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فضل العلم خير من
فضل العبادة، وخير دينكم الورع” [رواه
الطبراني في “الأوسط”،
والبزار بإسناد حسن].
3 - وروي عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: “ثلاث مَنْ كنَّ فيه استوجب
الثواب واستكمل الإيمان: خُلُقٌ يعيش به في الناس، وورع يحجزه عن محارم الله،
وحِلم يردُّ به جهل الجاهل” [رواه
البزار كما في “الترغيب والترهيب”].
4 - عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه
وسلم وجد تمرة في الطريق فقال: “لولا أني أخاف أن
تكون من الصدقة لأكلتها” [رواه البخاري في صحيحه في كتاب الزكاة، ورواه مسلم
في صحيحه في كتاب الزكاة].
5 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أخذ الحسن بن
علي رضي الله عنهما تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه.فقال النبي صلى الله عليه
وسلم: “كخْ كخْ، ارمِ بها، أما علمت أنَّا لا نأكل
الصدقة، أو أنَّا لا تحل لنا الصدقة” [رواه
البخاري في صحيحه في كتاب الزكاة، ورواه مسلم في صحيحه في كتاب الزكاة].
وإن السادة الصوفية إذ يتحققون بمراتب الورع المتسامية،
إنما يحيون لنا ذكر الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم.
فقد روي أن الصدِّيق رضي الله عنه أكل طعاماً
أتاه به غلامه، ثم أخبره الغلام أن فيه شبهة، فما وسع الصدِّيق رضي الله عنه إلا
أن أدخل يده في فمه، فقاء كل شيء في بطنه [أخرجه
البخاري في صحيحه باب أيام الجاهلية].
وكان يقول: (كنا
ندع سبعين باباً من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام)
[“الرسالة القشيرية” ص53].
وحُملَ إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه مسك
من الغنائم، فقبض على مشامِّه وقال: (إنما يُنتفعُ
من هذا بريحه، وأنا أكره أن أجد ريحه دون المسلمين)
[“الرسالة القشيرية” ص55].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (اشتريت إبلاً، وسقتها إلى الحمى، فلما سمنت؛ قدمت بها،
فدخل عمر رضي الله عنه السوق فرأى إبلاً سِماناً.
فقال: لمن هذه؟
فقيل: لعبد الله بن عمر.
فجعل يقول: يا عبد الله! بخ بخ... ابنَ أمير
المؤمنين وقال: ما هذه الإبل؟!
قلت: إبل أنضاء “هزيلة” اشتريتها وبعثت بها إلى الحمى أبتغي ما يبتغي
المسلمون.
فقال: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل
ابن أمير المؤمنين! يا عبد الله بن عمر خذ رأس مالك، واجعل الربح في بيت مال
المسلمين) [“الرياض النضرة” ج2/ص47].
قال خزيمة بن ثابت: (كان
عمر إذا استعمل عاملاً كتب له عهداً وأشهد عليه رهطاً، واشترط أن لا يركب برذوناً
ولا يأكل نقياً، ولا يلبس رقيقاً، ولا يغلق بابه دون ذوي الحاجات، فإن فعل شيئاً
من ذلك حلت عليه العقوبة) [“البداية
والنهاية” لابن كثير ج7/ص34].
وقصته مع زوجته معروفة، يوم اقتصدت لتشتري
الحلوى، وطالبته بالشراء فقال: من أين لك ثمن الحلوى؟ قالت: اقتصدت قال: رديه لبيت
المال فلو احتجت إليه ما اقتصدت. وهو الذي كان يجوع لتشبع رعيته.
وكان لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه غلام
يأتيه بقمقم من ماء مسخَّن يتوضأ منه، فقال للغلام يوماً: (أتذهب بهذا القمقم إلى مطبخ المسلمين فتجعله عنده حتى يسخن، ثم تأتي
به؟
قال: نعم، أصلحك الله.
قال: أفسدته علينا. قال: فأمر مزاحماً أن يغلي
ذلك القمقم، ثم ينظر ما يدخل فيه من الحطب، ثم يحسب تلك الأيام التي كان يغليه
فيها، فيجعله حطباً في المطبخ) [“سيرة عمر
بن عبد العزيز” لابن عبد الحكم ص37].
وقال العلامة المناوي رحمه الله تعالى: (وقد رجع ابن المبارك رحمه الله من خراسان إلى الشام في
رد قلم استعاره منها... وبعد أن أورد المناوي عدة قصص في ورع الصوفية قال: فانظر
إلى ورع هؤلاء، وتشبَّهْ بهم إن أردت السعادة) [“فيض القدير
شرح الجامع الصغير” ج5/ص52].
وحُكي عن بشر الحافي رحمه الله تعالى أنه حُمل
إلى دعوة، فوُضع بين يديه طعام، فجهد أن يمد يده إليه، فلم تمتد، ثم جهد فلم تمتد
ثلاث مرات، فقال رجل ممن كان يعرفه: (إن يده لا تمتد
إلى طعام حرام، أو فيه شبهة، ما كان أغنى صاحب هذه الدعوة أن يدعو هذا الرجل إلى
بيته) [“اللمع” للطوسي ص71].
فما نهج الصوفية في ورعهم إلا اقتداء برسول
الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام، وأثر من آثار حبهم لله تعالى وتمسكهم
بهديه، ونتيجة لخوفهم الشديد من أن يقعوا في مخالفة لله تعالى. لأن من ذاق طعم
الإيمان أكرمه الله بالتقوى، ومن تحقق بالتقوى كان عن الشبهات متورعاً، ومن الله
تعالى خائفاً ولفضله راجياً كما قال شاه الكرماني: (علامة
التقوى الورع، وعلامة الورع الوقوف عند الشبهات، وعلامة الخوف الحزن، وعلامة
الرجاء حسن الطاعة) [“طبقات
الصوفية” للسلمي ص193].
فاجتهد أيها القارىء أن تلحق بأهل الهمم
العالية، وجالسهم لتجانسهم ومن جالس جانس.
تعريف الزهد:
قال ابن الجلاّء: (الزهد
هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال لتصغر في عينك فيسهل عليك الإعراض عنها) [“الرسالة
القشيرية” ص56].
وقيل: (الزهد
عزوف النفس عن الدنيا بلا تكلف) [“الرسالة
القشيرية” ص56].
وقال الإمام الجنيد رحمه الله تعالى: (الزهد استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب) [“الرسالة القشيرية” ص56].
وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى: (الزهد فراغ القلب من الدنيا لا فراغ اليد، وهذا زهد
العارفين، وأعلى منه زهد المقربين فيما سوى الله تعالى من دنيا وجنة وغيرهما، إذ
ليس لصاحب هذا الزهد إلا الوصول إلى الله تعالى والقرب منه) [“الفتوحات الوهبية
بشرح الأربعين حديث النووية” للشيخ إبراهيم
الشبرخيتي].
فالزهد تفريغ القلب من حب الدنيا وشهواتها،
وامتلاؤه بحب الله ومعرفته. وعلى قدر تخلص القلب من تعلقاته بزخارف الدنيا
ومشاغلها يزداد لله تعالى حباً وله توجهاً ومراقبة ومعرفة، ولهذا اعتبر العارفون
الزهد وسيلة للوصول إلى الله تعالى، وشرطاً لنيل حبه ورضاه، وليس غاية مقصودة
لذاتها.
مشروعية الزهد:
نفى بعضهم وجود الزهد في الإسلام نفياً قاطعاً،
واعتبر الزهد بدعة دخيلة على الدين، تسربت إليه عن طريق الرهبنة النصرانية أو
النسك الأعجمي، ولا شك أن موقفهم هذا تسرُّعٌ في الحكم مع جهل بحقيقة الإسلام. فلو
رجع هؤلاء المنكرون إلى أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجدوا أنه عليه
الصلاة والسلام يدعو إلى الزهد صراحة، ويعتبر الزهد وسيلة لنيل محبة الله تعالى.
فقد روى سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقال: يا رسول الله دُلَّني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس
قال له: “ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في
أيدي الناس يحبوك” [رواه ابن
ماجه في كتاب الزهد].
ثم إن كل مسلم حين يتصفح كتاب الله تعالى، يجد
كثيراً من الآيات الكريمة تصغِّر من شأن الدنيا وتبين حقارتها وسرعة زوالها،
وانقضاء نعيمها، وأنها دار الغرور، وفتنة الغافلين؛ ومقصود الحق من ذلك أن يُزَهّد
الناس فيها بإخراج حبها من قلوبهم حتى لا تشغلهم عما خلقوا له من معرفة الله تعالى
وإقامة دينه. قال الله تعالى: {يا أيُّها الناسُ
إنَّ وَعْدَ اللهِ حقٌّ فلا تغُرَّنَّكُم الحياةُ الدنيا ولا يَغُرَّنَّكُم بالله
الغَرورُ} [الروم: 60].
وقال أيضاً: {وما
هذه الحياة الدنيا إلا لهوٌ ولَعِبٌ وإنَّ الدارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحيوانُ لو
كانوا يعلمونَ} [العنكبوت:
64].
وقال تعالى: {المالُ
والبنونَ زينَةُ الحياة الدنيا والباقياتُ الصالحاتُ خيرٌ عندَ ربِّكَ ثواباً
وخيرٌ أملاً} [الكهف: 46].
وهكذا سائر الآيات الكريمة التي تضرب على هذا
الوَتَر وترمي إلى هذا الهدف العظيم.
وإذا استعرضنا سيرة رسول الله صلى الله عليه
وسلم نجده كثيراً ما يوجه أصحابه إلى العزوف عن الدنيا والزهد في زخارفها، وذلك
بتصغير شأنها وتحقير مفاتنها. كل ذلك كي لا تشغلهم عن المهمة العظمى التي خُلقوا
من أجلها، ولا تقطعهم عن الرسالة المقدسة التي يحملونها.
فتارة يبين أن الله تعالى جعل الدنيا زينة لنا
ابتلاءً واختباراً لينظر هل نتصرف فيها على نحو ما يرضيه أم لا؟ فيقول عليه الصلاة
والسلام: “إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله تعالى
مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء” [أخرجه مسلم
في كتاب الذكر والدعاء عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وتمام
الحديث “فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء”]. وتارة ينبه
الرسول عليه الصلاة والسلام أصحابه إلى أن الدنيا ظل زائل ومتعة عابرة، حتى لا
يركنوا إليها فتقطعهم عن الله تعالى. عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول
الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: “كن في
الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل”، وكان ابن عمر رضي
الله عنهما يقول: إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحتَ فلا تنتظر المساء، وخذ
من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك [أخرجه
البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق].
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: نام رسول الله
صلى الله عليه وسلم على حصير فقام وقد أثّر في جنبه، فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا
لك وطاء. فقال: “ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا
إلا كراكب، استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها” [أخرجه
الترمذي في كتاب الزهد، وقال: حديث صحيح]. وتارة
يشير الرسول صلى الله عليه وسلم إلى حقارة شأنها في نظر الحق سبحانه فيقول: “لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافراً
منها شربة ماء” [رواه
الترمذي في كتاب الزهد عن سهل بن سعد الساعدي. وقال: حديث حسن صحيح].
وهكذا سار الرسول عليه الصلاة والسلام هو
وخلفاؤه وأصحابه الكرام على هذا المنهج الكريم، فعزفتْ نفوسهم عن الدنيا، وزهدت
قلوبهم فيها.
مرت بهم فترات من الفقر والشدائد والمحن فما
ازدادوا إلا صبراً وتسليماً ورضاء بحكم الله تعالى، ثم جاءتهم الدنيا صاغرة، وألقت
بين أيديهم خزائنها ومقاليدها فاتخذوها سُلَّماً للآخرة ووسيلة إلى رضوان الله
تعالى، دون أن تشغل قلوبهم عن الله تعالى وطاعته، أو توقعهم في الترف والبطر، أو
الكبر والغرور، أو الشح والبخل. فقد خرج أبو بكر رضي الله عنه عن ماله كله في سبيل
الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما
تركتَ لأهلك؟ قال: تركتُ الله ورسوله” [رواه أبو
داود في كتاب الزكاة والترمذي في كتاب المناقب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وقال: حديث حسن صحيح].
وأما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهو صاحب اليد
الطولى في هذا المضمار، وببذله وزهده تُضرب الأمثال.
وأما عثمان رضي الله عنه فهو الذي جهز جيش
العسرة، وأنفق عليه من ماله، غير مكترث بعظم هذه النفقات بجانب رضاء الله، ولبالغ
تضحيته وإيثاره وعزوفه عن الدنيا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حقه: “ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم” [رواه
الترمذي في كتاب المناقب عن كثير مولى عبد الرحمن بن سمرة].
وكتبُ السيرة طافحة بأخبار زهد الرسول صلى الله
عليه وسلم وزهد أصحابه الكرام رضوان الله عليهم. ويضيق المجال عن التفصيل، ونكتفي
بذكر النبذ اليسيرة التالية:
عن نافع قال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما
يقول: (والله ما شمل النبي صلى الله عليه وسلم في
بيته ولا خارج بيته ثلاثة أثواب، ولا شمل أبا بكر في بيته ثلاثة أثواب، غير أني
كنت أرى كساهم إذا أحرموا، كان لكل واحد منهم مئزر ومشمل لعلها كلها بثمن درع
أحدكم، والله لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرقع ثوبه، ورأيت أبا بكر تخلل
بالعباءة، ورأيت عمر يرقع جبته برقاع من أدم وهو أمير المؤمنين، وإني لأعرف في
وقتي هذا من يجيز المائة، ولو شئت لقلت ألفاً [“تاريخ عمر
بن الخطاب” لابن الجوزي ص102].
وقالت حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما
لعمر: (يا أمير المؤمنين لو لبسْتَ ثوباً هو ألين
من ثوبك، وأكلت طعاماً هو ألين من طعامك، وقد وسَّع الله من الرزق وأكثر من الخير،
فقال: إني سأخصمك إلى نفسك، ألا تذكرين ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى
من شدة العيش؟ فما زال يُذكِّرها حتى أبكاها، فقال لها: أما والله لئن استطعتُ
لأشاركهما في مثل عيشهما الشديد لعلِّي أدرك معهما عيشهما الرخي) [“تاريخ عمر
بن الخطاب” لابن الجوزي ص104].
وعن قتادة رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي
الله عنه أبطأ عن الناس يوم الجمعة، قال: ثم خرج فاعتذر إليهم في احتباسه وقال: (إنما حبسني غسل ثوبي هذا، كان يُغسل ولم يكن لي ثوب
غيره) [“تاريخ عمر
بن الخطاب” ص102].
وما حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه
الكرام إلا القدوة العملية الكاملة التي سار المؤمنون الصادقون على نهجها فكانوا
مثالاً للزهد والعفة والطهر والاستقامة.
تصحيح مفهوم الزهد:
من تعريفات الزهد السالفة الذكر وبيان مشروعيته
يتضح أن الزهد مرتبة قلبية؛ إذ هو إخراج حب الدنيا من القلب، بحيث لا يلتفت الزاهد
إليها بقلبه، ولا ينشغل بها عن الغاية التي خلقه الله من أجلها.
وليس معنى الزهد أن يتخلى المؤمن عن الدنيا
فيفرغ يده من المال، ويترك الكسب الحلال ويكون عالة على غيره.
وقد أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم المقصود
الحقيقي من الزهد حين قال: “الزهادة في الدنيا
ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة أن تكون بما في يد الله تعالى
أوثق منك بما في يدك، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أُصبت بها أرغبَ منك فيها لو
أنها أُبقيتْ لك” [أخرجه
الترمذي في كتاب الزهد عن أبي ذر رضي الله عنه، وقال: حديث غريب].
قال العلامة المناوي رحمه الله تعالى معلقاً
على هذا الحديث: (فليس الزهد تجنب المال بالكلية
بل تساوي وجوده وعدمه، وعدمُ تعلقه بالقلب إليه، فقد كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم قدوة الزاهدين، يأكل اللحم والحلوى والعسل، ويحب النساء والطيب والثياب
الحسنة، فخذ من الطيبات بلا سرف ولا مخيلة، وإياك وزهد الرهبان) [“فيض القدير شرح
الجامع الصغير” للمناوي ج4/ص72].
وهكذا فهم السادة الصوفية أن الزهد مرتبة
قلبية. قال عمرو بن عثمان المكي: (اعلم أن رأس
الزهد وأصله في القلوب هو احتقار الدنيا واستصغارها، والنظر إليها بعين القلة،
وهذا هو الأصل الذي يكون منه حقيقة الزهد)[ “طبقات الصوفية” للسلمي
ص203].
وقد عبر سيدي عبد القادر الجيلاني قدس الله سره
عن مفهوم الزهد الحقيقي تعبيراً واضحاً جامعاً حين قال: (أخرج
الدنيا من قلبك وضعها في يدك أو في جيبك، فإنها لا تضرك)
[“الفتح الرباني” للشيخ عبد القادر الجيلاني].
وفي هذا المعنى قال بعض العارفين: (ليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك وهي في قلبك، وإنما
الزهد أن تتركها من قلبك وهي في يدك).
ولهذا عرَّف ابن عجيبة الزهد بقوله: (هو خلو القلب من التعلق بغير الرب) [“معراج
التشوف” لابن عجيبة ص7].
وقد بين الإمام الزهري رحمه الله تعالى أن من
معاني الزهد الحقيقي أن تشكر الله تعالى على ما رزقك من الحلال، وأن تحبس نفسك عن
طلب الحرام قانعاً بما قسم لك من الرزق، فقال حين سئل عن زهد المسلم: (هو أن لا يغلب الحلال شكره، ولا الحرام صبره) [“النهاية في
غريب الحديث” لابن الأثير مادة (زهد)].
وقد أوضح العلماء أن المقصود من ذم الدنيا
الوارد في الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة ليس ذماً لذاتها، وإنما هو تحذير من
الانشغال القلبي بها؛ بأن يجعلها المؤمن غاية يسعى إليها بكل إمكانياته، ناسياً
غايته الأساسية، وهي الفوز برضاء الله تعالى. فنعمت الدنيا مطية المؤمن ووسيلة إلى
التقرب إلى الله تعالى، وبئست الدنيا إذا كانت معبوده. وفي هذا المعنى قال العلامة
المناوي رحمه الله: (فالدنيا لا تُذَمّ لذاتها
فإنها مزرعة الآخرة، فمن أخذ منها مراعياً للقوانين الشرعية أعانته على آخرته، ومن
ثَمَّةَ قيل: لا تركن إلى الدنيا، فإنها لا تبقى على أحد، ولا تتركها فإن الآخرة
لا تنال إلا بها) [“فيض القدير
شرح الجامع الصغير” ج3/ص545].
طريق الوصول للزهد:
بما أن الزهد مقام قلبي رفيع المنزلة لأنه
تفريغ القلب من التعلق بسوى الله تعالى، كان الوصول إليه أمراً هاماً يحتاج إلى
جهود كبيرة ووسائل ناجعة، وأهمها صحبة المرشد الذي يأخذ بيد المريد، ويرسم له
الطريق الصحيح، وينقله من مرحلة إلى مرحلة بحكمة ودراية، ويجنبه مزالق الأقدام.
فكم من أناس أخطؤوا الطريق فجعلوا الزهد غاية،
ولبسوا المُرَقَّع من الثياب، وأكلوا الرديء من الطعام، وتركوا الكسب الحلال،
وحسدوا أهل المال، وقلوبهم مفعمة بحب الدنيا، وهم يحسبون أنهم زاهدون. وما وقعوا
في ذلك إلا لأنهم ساروا بأنفسهم بعيدين عن صحبة الدليل الخبير، وفي هؤلاء يقول
المناوي رحمه الله تعالى: (فالزهد فراغ القلب من
الدنيا لا فراغ اليد منها، وقد جهل قوم فظنوا أن الزهد تجنب الحلال، فاعتزلوا
الناس، فضيعوا الحقوق، وقطعوا الأرحام، وجفوا الأنام، واكفهرُّوا في وجوه
الأغنياء، وفي قلوبهم شهوة الغنى أمثال الجبال، ولم يعلموا أن الزهد إنما هو
بالقلب، وأن أصله موت الشهوة القلبية، فلما اعتزلوها بالجوارح ظنوا أنهم استكملوا
الزهد، فأداهم ذلك إلى الطعن في كثير من الأئمة) [“فيض القدير
شرح الجامع الصغير” ج3/ص73].
وكم من أناس أقبلوا على الدنيا وملذاتها فشغلت
قلوبهم بحبها، وعمرت أوقاتهم بجمع حطامها وهم يزعمون أنهم تحققوا بالزهد القلبي،
وأنهم فهموا الزهد على حقيقته، ولو كان لهؤلاء طبيب قلبي ناصح، يكون لهم مرآة
صادقة، لَكَشَفَ لهم حقيقة وصفهم، ولأرشدهم إلى سبيل الوصول إلى حقيقة الزهد.
وينبغي الإشارة إلى أن المرشدين قد يصفون لبعض
تلامذتهم نوعاً من المجاهدات بغية تفريغ قلوبهم من التعلقات الدنيوية، من باب
العلاج الضروري الموقت، فيطلبون منهم أكل اليسير من الطعام، أو لبس البسيط من
الثياب لإخراج حبها من قلوبهم، أو يدْعونهم للبذل السخي والعطاء الكثير بغية
اقتلاع صفة الشح والتعلق بالمال من قلوبهم، وهذه الأنواع من المعالجات ضرورية
ونافعة ما دامت برأي المرشد وإشرافه، فهي ليست غايةً لذاتها؛ بل هي وسيلة مشروعة
للوصول إلى الزهد القلبي الحقيقي.
وما أكلُ الرسول صلى الله عليه وسلم للأطعمة
البسيطة، وربطُ الحجر على بطنه الشريف من الجوع - رغم أن الجبال عرضت له أن تكون
ذهباً - إلا لبيان مشروعية هذه الأعمال.
وفي هذا قال الإمام الجنيد رحمه الله تعالى،
وهو تربّى على يد أشياخه من العارفين: (ما أخذنا
التصوف عن القيل والقال، لكن عن الجوع وترك الدنيا، وقطع المألوفات والمستحسَنات،
لأن التصوف هو صفة المعاملة مع الله تعالى، وأصله التعزُّف عن الدنيا كما قال
حارثة: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرتُ ليلي وأظمأتُ نهاري)
[“طبقات الصوفية” للسلمي ص158].
وقد كان المرشد الكبير سيدي عبد القادر
الجيلاني رحمه الله تعالى يوجه تلامذته في بادىء سيرهم أن يجاهدوا أنفسهم ويروضوها
على الاخشيشان والصبر والتقشف، ثم بعدها ينقلهم إلى مراتب الزهد القلبي حين يستوي
عندهم الأخذ والعطاء والفقر والغنى، وتفرغ قلوبهم من سوى الله تعالى.
وقد لَفَتَ السادة الصوفية الأذهانَ إلى أمور
تساعد على التحقق بمقام الزهد منها:
1 - العلم بأن الدنيا ظل زائل وخيال زائر، والرحيل
منها إلى دار البقاء، إما إلى نعيم وإما إلى عذاب، فيرى الإنسان نتيجة أعماله، إنْ
خيراً فخير، وإنْ شراً فشر.
عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: أتيت
النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: {ألهاكُمُ
التكاثُرُ} [التكاثر:1] قال: “يقول
ابن آدم: مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيت، أو لبستَ
فأبليت، أو تصدقْتَ فأمضيت” [رواه مسلم في كتاب الزهد].
وقال أبو المواهب الشاذلي رحمه الله تعالى: (عبادة المريد مع محبته للدنيا شغل قلب وتعب جوارح، فهي
وإن كثرتْ قليلة عند الله تعالى).
2 - العلم بأن وراءها داراً أعظم منها قدراً، وأجل
خطراً، وهي دار البقاء، قال تعالى: {قلْ متاعُ
الدنيا قليلٌ والآخرةُ خيرٌ لِمَنْ اتقى} [النساء: 77]. ولذا وجهوا أتباعهم للإعراض عن الدنيا،
والتطلع إلى الحياة الآخرة، إلى الجنة ونعيمها والرغبة في الله تعالى، فساروا سيرة
الصحابة والسلف الصالح رضي الله عنهم في التضحية والإيثار ومجاهدة النفس ومغالبة
الهوى دون أن تستهويهم زخارف الحياة الزائلة.
وكان شعارهم قول بعضهم:
لا تنظرنَّ إلى القصور العامرة واذكر عظامك حين تمسي ناخرة
وإذا ذكرتَ زخارف الدنيا فقل لبيكَ إنَّ العيش عيش الآخرة
3 - العلم بأن زهد المؤمنين في الدنيا لا يمنعهم
شيئاً كُتب لهم، وأن حرصهم عليها لا يجلب لهم ما لم يُقضَ لهم منها، فما أصابهم لم
يكن ليخطئهم، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم.
الخلاصة:
وصفوة القول: الزهد مقام رفيع لأنه سبب لمحبة
الله تعالى، ولذا دعا إليه الكتاب والسنة، وأشاد بفضله أئمة الدين، قال الإمام
الشافعي رحمه الله تعالى: (عليك بالزهد، فإن الزهد
على الزاهد أحسن من الحلي على الناهد) [“فيض القدير
شرح الجامع الصغير” ج4/ص73].
ولذلك فإن السادة الصوفية قد تحققوا بالزهد
وتدرجوا في مراتبه التي أشار إليها ابن عجيبة بقوله: (فزهد
العامة: ترك ما فضل عن الحاجة في كل شيء، وزهد الخاصة: ترك ما يشغل عن التقرب إلى
الله في كل حال، وزهد خاصة الخاصة ترك النظر إلى ما سوى الله في جميع الأوقات إلى
أن قال: والزهد سبب السير والوصول؛ إذ لا سير للقلب إذا تعلق بشيء سوى المحبوب) [“معراج
التشوف” لابن عجيبة ص7 -
8].
وقد وصف الإمام النووي رحمه الله تعالى هذه
الفئة الصالحة من الأمة فقال:
إنَّ لله عباداً فُطَنا طلَّقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا أنها ليس لحيٌّ سَكنا
جعلوها لُجَّةً واتخذوا صالح الأعمال فيها سُفنا
[“رياض
الصالحين” للإمام النووي ص3].
تعريفه:
عرف العلماء الرضا تعريفات متعددة، وكل واحد
تكلم على حسب مشربه ومقامه،وأهمها ما قاله السيد في تعريفاته: “الرضاء: سرور القلب بمُرِّ القضاء” [“تعريفات
السيد” ص57].
وقال ابن عجيبة رحمه الله تعالى: “الرضا: تلقي المهالك بوجه ضاحك، أو سرور يجده القلب عند
حلول القضاء، أو ترك الاختيار على الله فيما دبر وأمضى، أو شرح الصدر ورفع
الإِنكار لما يرد من الواحد القهار” [“معراج
التشوف” ص8].
وقال العلامة البركوي رحمه الله تعالى: “الرضا: طيب النفس بما يصيبه ويفوته مع عدم التغير” [“شرح
الطريقة المحمدية” للنابلسي ج2. ص105].
وقال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى: “الرضا: نظر القلب إلى قديم اختيار الله تعالى للعبد،
وهو ترك التسخط” [“الرسالة
القشيرية” ص89].
وقال المحاسبي رحمه الله تعالى: “الرضا: سكون القلب تحت مجاري الأحكام” [“الرسالة
القشيرية” ص89].
فالرضا مقام قلبي، إذا تحقق به المؤمن استطاع
أن يَتلقَّى نوائب الدهر وأنواع الكوارث بإيمان راسخ، ونفس مطمئنة، وقلب ساكن، بل
قد يترقى إلى أرفع من ذلك فيشعر بالسرور والفرحة بمر القضاء، وذلك نتيجة ما تحقق
به من المعرفة بالله تعالى، والحبِّ الصادق له سبحانه.
فضله:
هو أسمى مقاماً وأرفع رتبة من الصبر، إذ هو
السلام الروحي الذي يصل بالعارف إلى حب كل شيء في الوجود يرضي الله تعالى، حتى
أقدار الحياة ومصائبها، يراها خيراً ورحمة، ويتأملها بعين الرضا فضلاً وبركة.
كان بلال رضي الله عنه يعاني سكرات الموت وهو
يقول: “وافرحتاه! غداً ألقى الأحبة، محمداً وصحبه” [“السيرة
النبوية” لأحمد زيني دحلان. ص242].
وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أن الراضي
بقضاء الله هو أغنى الناس لأنه أعظمهم سروراً واطمئناناً، وأبعدهم عن الهم والحزن
والسخط والضجر، إذ ليس الغنى بكثرة المال إنما هو بغنى القلب بالإيمان والرضا، قال
عليه الصلاة والسلام: (اتق المحارم تكن أعبد
الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً، وأحب
للناس ما تحب لنفسك تكن مسلماً، ولا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب) [أخرجه
الترمذي في كتاب الزهد عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقال: هذا حديث غريب].
وأوضح الرسول صلى الله عليه وسلم أن الرضا سبب
عظيم من أسباب سعادة المؤمن الدنيوية والأخروية، كما أن السخط سبب الشقاء في
الدنيا والآخرة فقال: (من سعادة ابن آدم رضاه بما
قضى الله له، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله تعالى، ومن شقاوة ابن آدم سخطه
بما قضى الله تعالى له) [أخرجه
الترمذي في كتاب القدر عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وقال: حديث غريب].
ولقد كانت نعمة الرضا من العوامل في تلك
السكينة التي شملت قلوب العارفين، ومن أقوى الأسباب في محق نوازع اليأس التي
يوجدها التفكير في عدم الحصول على حظوظ الحياة وملذاتها؛ مما يجلب لصاحبه القلق
والحيرة والاضطراب.
ولقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يُعلّم
أصحابه ويغرس في قلوبهم الرضا بالله تعالى رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله
عليه وسلم نبياً ورسولاً، وكان يندبهم لتكرارها فيقول: (من
قال إذا أصبح وأمسى: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، كان حقاً
على الله أن يرضيه)[رواه أبو
داود في باب ما يقول إذا أصبح عن أنس بن مالك رضي الله عنه ورواه الترمذي في كتاب
الدعوات]، فكانوا يحرصون على
تكرارها صباحاً ومساءً، يُعرِبون بذلك عما تُكنُّه قلوبهم من نعيم الرضا بالله
والتسليم له.
وما أكثر من يكرر هذا القول بلسانه، وهو غير
مطمئن القلب به، ولا متذوق لمعانيه السامية، ولا متحقق بمقاصده العالية، خصوصاً
حين تزدحم عليه المصائب، وتداهمه الخطوب، وتتكاثف على قلبه ظلمات الهموم والأكدار،
أو عندما يدعى إلى حكم من أحكام الشرع يخالف هواه ويعارض مصالحه الخاصة.
لهذا نرى أن ترْدادَه باللسان فحسب لا يفيد
صاحبه إذا لم ينبع من قلبه. حيث إن من لوازم الرضا بالله تعالى رباً؛ الرضا بكل
أفعاله في شؤون خلقه؛ من إعطاءٍ ومنع وخفض ورفع، وضر ونفع، ووصل وقطع.
ومن لوازم الرضا بالإِسلام ديناً أن يتمسك
بأوامره ويبتعد عن نواهيه، ويستسلم لأحكامه ولو كان في ذلك مخالفة لهوى نفسه،
ومعارضة لمصالحه الخاصة.
ومن لوازم الرضا بسيدنا محمد صلى الله عليه
وسلم نبياً ورسولاً أن يتخذ شخصيته مثلاً أعلى وأسوة حسنة، فيتبع هديه، ويقتفي
أثره، ويتحلى بسنته، ويجاهد هواه حتى يكون تبعاً لما جاء به، وحتى يكون أحب إليه
من والده وولده ونفسه والناس أجمعين، كما دعا إلى ذلك عليه الصلاة والسلام: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس
أجمعين” [رواه
البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان باب حب الرسول من الإيمان عن أبي هريرة وأنس رضي
الله عنهما].
وإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للنبي صلى
الله عليه وسلم: لأنتَ يا رسول الله أحبُّ إليَّ من كل شيءٍ إلا من نفسي فقال: “لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك”. فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحبُّ إليَّ من
نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “الآن ياعمر” [رواه
البخاري في صحيحه في كتاب الأيمان والنذور باب كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه
وسلم ج8. ص160، ورواه أحمد في المسند ج4/233].
فمن تحلى بالرضا بالله تعالى رباً، وبالإسلام
ديناً، وبسيدنا محمد نبياً ورسولاً، ذاق طعم الإيمان، ووجد حلاوة اليقين، ونال
السعادة الأبدية، قال عليه الصلاة والسلام: “ذاق
طعم الإيمان من رضي بالله تعالى رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً” [رواه مسلم
والترمذي في كتاب الإيمان عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه].
أما من حُرم لذة الإيمان ونعيم الرضا، فهو في
قلق واضطراب، وتضجر وعذاب، وخصوصاً حين يحل به بلاء، أو تنزل به مصيبة، فتسودُّ
الحياة في عينيه، وتظلم الدنيا في وجهه، وتضيق به الأرض على رحبها، ويأتيه الشيطان
ليوسوس له، أن لا خلاص من همومه وأحزانه إلا بالانتحار. وكم نسمع عن حوادث الانتحار،
تزداد نسبتها، ويتفاقم خطرها وخصوصاً في البلاد الكافرة الملحدة، وفي المجتمعات
المارقة التي انحسر عنها ظل الإِسلام، وخبا فيها نور الإِيمان، وهم الذين عناهم
الله تعالى بقوله: {ومَنْ أعرضَ عن ذِكري فإنَّ
لهُ معيشةً ضَنْكاً . ونحشُرُهُ يومَ القيامةِ أعمى} [طه: 124].
تصحيح الأفكار في
موضوع الرضا:
هناك شبهات، أثارها بعض الجهلة حول موضوع
الرضا، وما سببها إلا جهلهم وعدم تذوقهم لهذا المقام الرفيع، والإنسان عدو ما
يجهل. أو يكون مَردُّها أنهم رأوا أُناساً من أدعياء التصوف، فاعتبروا أحوالهم
الفاسدة ومفاهيمهم المنحرفة حجة على التصوف، دون أن يفرقوا بين السادة الصوفية
الذين تحققوا بالإيمان والإسلام والإِحسان، وبين الدخلاء من أدعياء التصوف وإليك
بعض هذه الشبهات مع الرد عليها.
أولاً: أنكر جماعة الرضا من أصله فقالوا: لا
يُتصور الرضا بما يخالف الهوى، وإنما يُتصور الصبر فقط، فهل يعقل أن لا يحس
الإِنسان بألم المصائب، ولا يشعر بوقع الخطوب؟!
والجواب: إن الراضي قد يحس بالبلاء، ويتألم
للمصيبة بحكم الطبع، ولكنه يرضى بها بعقله وإيمانه، لما يعتقد من عظم الأجر وجزالة
الثواب على البلاء، فلا يعترض، ولا يتضجر، قال أبو علي الدقاق: (ليس الرضا أن لا تحس بالبلاء، إنما الرضا أن لا تعترض
على الحكم والقضاء) [“الرسالة
القشيرية” ص89].
ومثله في ذلك مثل المريض الذي يحس بألم حقنة
الدواء، ويشعر بمرارة العلاج، ولكنه يرضى بذلك لعلمه أنه سبب الشفاء، حتى إنه
ليفرح بمن يقدم له الدواء ولو كان مرَّ المذاق كريه الرائحة.
قال عمر رضي الله عنه: (ما ابتُليتُ ببلية إلا كان لله عليَّ فيها أربع نِعم: إذْ لم تكن في
ديني، وإذ لم أحرم الرضا، وإذ لم تكن أعظم، وإذ رجوت الثواب عليها) [“شرح
الطريقة المحمدية” ج2 ص105].
ومن ناحية أخرى: إن الراضي قد يحس بألم المصيبة
بحكم الطبع، ولكنه يرضى بها حين يرجع إلى إيمانه بلطف الله تعالى وحكمته، وأن وراء
كل فعل من أفعاله تعالى حِكماً خفية. ولطائف دقيقة، كما قال تعالى: {فعسى أنْ تكرَهوا شيئاً ويجعَلَ اللهُ فيه خيراً كثيراً}
[النساء: 19].
وبذلك يضمحل حزنه، ويزول تعجبه، ويعلم أن تعجبه
كتعجب موسى عليه السلام من الخضر عليه السلام، لما خرق سفينة الأيتام، وقتل
الغلام، وأعاد بناء الجدار، فلما كشف الخضر عن الحكمة التي اطلع عليها، زال تعجب
موسى عليه السلام، وكان تعجبه بناء على ما أُخفي عنه من تلك الحكم؛ وكذلك أفعال
الله تعالى.
ومن جهة ثالثة: إن المؤمن الذي عمرت محبة الله
تعالى قلبه، وأخذت عليه مجامع لبه لا يحس بوقع المصيبة، ولا يشعر بألمها، كما قيل:
. . . . . فما لجُرحٍ
إذا أَرضاكم ألم ولا شك أن المحبة لا يحس
بها إلا من ذاقها:
لا يعرف الوجد إلا من
يكابدهولا الصبابة إلا من يعانيها ولذلك
ينكرها من لم يصل إليها.
قال عامر بن قيس: (أحببتُ
الله حباً هوَّن عليَّ كلَّ مصيبة، ورضَّاني بكل بليَّة، فلا أُبالي مع حبي إياه
علام أصبحت وعلام أمسيت).
ثانياً: تسرَّعَ قوم فقالوا: إن الرضا يورث في
المؤمن قبولاً لأعمال الفاسقين، واستحساناً لأوضاع العاصين، وهذا يؤدي إلى ترك
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والجواب: أن هذا الفهم خطأ ظاهر، وجهل بيّن،
فهل يعقل أن يهدم المؤمن حكماً من أحكام ربه، وركناً من دعائم دينه، وهو الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر؟! مع العلم أن الله تعالى لا يرضى عن المؤمن إلا إذا
أقام دينه، واتبع شريعته.
وهل يُتصور أن يرضى المؤمن بأفعال الكافر مع أن
الله تعالى لا يرضى بها كما قال تعالى: {ولا يرضى
لعبادِهِ الكفرَ} [الزمر: 7].
والحقيقة أنه لا تعارض بين الرضا بالله تعالى
وبين إنكار المنكَر، لأن المؤمن يرضى بأفعال الله تعالى من حيث إنها صدرت من حكيم
عليم، وأنها بقضائه ومشيئته، ولا يرضى بأفعال العصاة من حيث إنها صفتهم وكسبهم،
ولأنها دلالة على أنهم ممقوتون من الله تعالى.
ثالثاً: ظن قوم خطأ أن من آثار الرضا بالله
تعالى أن يترك الإنسان التضرع والدعاء، ويهمل اتخاذ الأسباب لجلب الخير ودفع
البلاء، ويبتعد عن استعمال الدواء عند حصول الداء.
والجواب: أن هذا فهم غير صحيح، إذ في الحقيقة
أن من جملة الرضا بالله تعالى؛ أن يعمل المؤمن أعمالاً يتوصل بها إلى رضاء محبوبه
سبحانه، وأن يترك كل ما يخالف أمره ويناقض رضاه.
ومما يوصل إلى رضاء الله تعالى استجابة أمره في
قوله: {ادعوني أستَجِبْ لكُم} [غافر: 60]. فالدعاء مخ العبادة، وهو يورث في القلب
صفاءً وخشوعاً ورقةً تجعله مستعداً لقبول الألطاف والأنوار.
ثم إن ترك الأسباب مخالف لأمر الله تعالى
ومناقض لرضاه، فالله تعالى أمر بالعمل فقال: {وقُلِ
اعملُوا فَسَيَرى اللهُ عمَلَكُم ورسولُه والمؤمنون} [التوبة: 105]. ودعا إلى
السعي في طلب الرزق فقال: {هوَ الذي جَعَلَ لكم
الأرض ذلولاً فامشوا في مناكِبِها وكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ}
[الملك: 15].
فليس من الرضا للعطشان أن لا يمد يده للماء؛
زاعماً أنه رضي بالعطش الذي هو من قضاء الله؛ بل قضاء الله وحكمه وإرادته أن يُزال
العطش بالماء
وحين أراد سيدنا عمر
بن الخطاب رضي الله عنه، أن يمنع جيش المسلمين من دخول الشام حذراً من الطاعون،
قال له سيدنا أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: (أفراراً
من قدر الله؟! فأجابه سيدنا عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة! نحن نفِرُّ من قدر
الله إلى قدره) [رواه
البخاري في صحيحه في كتاب الطب باب ما يذكر في الطاعون عن ابن عباس رضي الله
عنهما. ورواه مسلم في صحيحه في كتاب السلام باب الطاعون].
فليس في الرضا بالقضاء ما يستلزم الخروج عن
حدود الشرع، ولكن الرضا بقضاء الله تعالى معناه ترك الاعتراض عليه تعالى ظاهراً
وباطناً، مع بذل الوسع للتوصل إلى ما يحبه الله تعالى ويرضاه، وذلك بفعل أوامره
وترك نواهيه.
وختاماً: فإن في سيرة الرسول الأعظم صلى الله
عليه وسلم وخلفائه وصحابته الكرام رضوان الله عليهم والتابعين والصالحين فيض من
الحوادث التي تدل على تحققهم بأعلى درجات الرضا، مما يضيق المجال عن سرد الكثير
منها، ضُرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الطائف بالحجارة حتى أُدمي عقبه
فتوجه إلى الله تعالى مخاطباً: ومما قال: “إن لم
تكن ساخطاً عليَّ فلا أُبالي”.
وكان الصحابة الكرام يُعَذَّبُون في مكة ويقلب
عليهم ألوان التنكيل والإيذاء وهم يتلقون ذلك كله بقلوب راضية، ووجوه مبتسمة،
وألسنة ذاكرة.
وروي أن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قطعت
رجله ومات أعز أولاده في ليلة واحدة، فدخل عليه أصحابه وعزوه فقال: (اللهم لك الحمد، كان أولادي سبعة فأخذت واحداً وأبقيت
ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت ثلاثة، فلئن كنتَ قد أخذت فلقد
أعطيت، ولئن كنتَ قد ابتليتَ فقد عافيت).
وقال عمر بن عبد
العزيز رضي الله عنه: (ما بقي لي سرور إلا مواقع
القدر، قيل له: ما تشتهي؟ قال: ما يقضي الله تعالى).
واعلم
أن الله تعالى لا يرضى عن عبده إلا إذا رضي العبد عن ربه في جميع أحكامه وأفعاله،
وعندها يكون الرضا متبادلاً كما أشار إلى ذلك الحق تعالى بقوله: {رضيّ اللهُ عنهُم ورَضُوا عنهُ}
[البينة: 8].
ولقد أدرك السادة الصوفية سر هذا التلازم
والترابط بين الرضاءين، فقد كان سفيان الثوري يوماً عند رابعة العدوية فقال: (اللهم ارض عني، فقالت: أما تستحي من الله أن تسأله
الرضا، وأنت عنه غير راض؟! فقال: استغفر الله) [إحياء علوم الدين للغزالي ج4. ص336].
ورضاء الله تعالى عن العبد هو أسمى منزلة وأرفع
رتبة وأعظم منحة قال تعالى: {ومساكِنَ طيِّبَةً في
جنَّاتٍ عدْنٍ ورضوانٌ مِنَ اللهِ أكبَرُ} [التوبة: 72]. فرضوان رب الجنة أعلى من الجنة، بل هو
غاية مطلب سكان الجنة، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: “إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! يقولون: لبيك
ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم، فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطِ
أحداً من خلقك فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك. قالوا: يا رب وأي شيءٍ أفضل من ذلك؟
فيقول: أُحِلَّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً”
[رواه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق باب صفة
الجنة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه].
تعريفه:
قال السيد رحمه الله تعالى في تعريفاته: (التوكل: هو الثقة بما عند الله، واليأس عما في أيدي
الناس) [“تعريفات
السيد” ص48].
وقال العارف بالله ابن عجيبة رحمه الله تعالى: (التوكل: ثقة القلب بالله حتى لا يعتمد على شيء سواه، أو
التعلق بالله والتعويل عليه في كل شيء، علماً بأنه عالم بكل شيء، وأن تكون في يد
الله أوثق منك بما في يدك) [“معراج
التشوف” ص8].
وقال بعضهم: (هو
اكتفاؤك بعلم الله فيك عن تعلق القلب بسواه ورجوعك في كل الأمور إلى الله) [“دليل
الفالحين لطرق رياض الصالحين” للعلامة محمد بن
علان الصديقي. ج2. ص2].
وقال أبو سعيد الخراز رحمه الله تعالى:(التوكل: هو التصديق لله عز وجل، والاعتماد عليه،
والسكون إليه، والطمأنينة إليه في كل ماضمن، وإخراج الهم من القلب بأمور الدنيا
والرزق وكل أمر تكفل الله به) [“الطريق إلى
الله” لأبي سعيد الخراز ص56].
فالتوكل على الله تعالى تفويض الأمر إليه،
والاعتماد في جميع الأحوال عليه، والتبرؤ من الحول والقوة له، وهو مرتبة قلبية،
كما يلاحظ من التعاريف السابقة وغيرها، ولهذا لا تعارض بين التوكل على الله تعالى
وبين العمل واتخاذ الأسباب، إذ التوكل محله القلب، والأسباب محلها البدن. وكيف
يترك المؤمن العمل بعد أن أمر الله تعالى به في كثير من الآيات الكريمة، ودعا إليه
الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث جمة.
فقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
على ناقة له فقال: يا رسول الله أأرسل ناقتي وأتوكل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: “اعقلها وتوكل” [رواه
الترمذي في كتاب صفة القيامة. وقال: غريب].
ولهذا اعتبر العلماء ترك الأسباب والتقاعس عن
السعي تواكلاً وتكاسلاً لا يتفق مع روح الإِسلام، كما أكد الصوفية هذه الناحية
تصحيحاً للأفكار، ورداً للشبهات، وبياناً للناس أن التصوف هو الفهم الحقيقي
للإسلام.
قال القشيري رحمه الله تعالى: (التوكل محله القلب، والحركة بالظاهر لاتنافي التوكل
بالقلب، بعد ما تحقق العبد أن التقدير من قبل الله تعالى، وإن تعسر شيء فبتقديره،
وإن اتفق شيء فبتيسيره) [“الرسالة القشيرية” ص76].
وقال الإِمام الغزالي رحمه الله تعالى: (قد يظن الجهال أن شرط التوكل ترك الكسب وتركُ التداوي
والاستسلامُ للمهلكات. وذلك خطأ لأن ذلك حرام في الشرع، والشرع قد أثنى على
التوكل، وندب إِليه فكيف يُنال ذلك بمحظوره) [“الأربعين
في أصول الدين” للغزالي ص246].
وقد نبَّه السادة الصوفية السالكين إلى ناحية
قلبية دقيقة، وهي أنه يجب في كل عمل من الأعمال أن يتخذوا أسبابه، مع عدم الاعتماد
على تلك الأسباب أو الالتفات إليها بقلوبهم.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: (ذهب المحققون من الصوفية إلى ضرورة السعي فيما لا بد
منه، ولكن لا يصح عندهم التوكل مع الالتفات والطمأنينة إلى الأسباب، بل فعل
الأسباب سنة الله وحكمته، والثقة بأنها لا تجلب نفعاً، ولا تدفع ضراً، والكل من
الله) [“دليل
الفالحين” ج2 ص3].
فضله وآثاره:
التوكل نتيجة من نتائج الإِيمان، وثمرة من ثمار
المعرفة، فعلى قدر معرفة العبد بالله وصفاته يكون توكله، وإنما يتوكل على الله من
لا يرى فاعلاً سواه.
والمتوكل على الله تعالى معتز به لا يذل إلا
له، واثق به لا يطلب إلا منه، وقد قالوا: قبيح بالمريد أن يتعرض لسؤال العبيد، وهو
يجد عند مولاه ما يريد.
ولهذا ربط الله تعالى التوكل بالإيمان فقال: {وعلى اللهِ فليَتَوَكَّلِ المتوكِّلونَ} [المائدة:
23].
وقال: {وعلى
اللهِ فليَتَوَكَّلِ المؤمنونَ} [إبراهيم:
11].
ومن يتوكل على الله تعالى حق التوكل ملتجئاً
إليه بصدق الحال يكرمْه بالمحبة، ويكفِه ما يهمه من محن وفتن، ويملأ قلبه غنى ويقيناً،
ويزيّن ظاهره بالعفة والكرم، قال تعالى: {واللهُ
يُحِبُّ المتوكلينَ} [آل عمران:
159]. وقال: {ومَنْ يتوكَّلْ على اللهِ فهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 23].
والتوكل على الله تعالى يبعث في القلوب السكينة
والطمأنينة، وخصوصاً عند الشدائد والمحن. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم عليه السلام،
حين أُلقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: إن الناس قد جمعوا
لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل) [أخرجه
البخاري في صحيحه في كتاب التفسير، تفسير سورة آل عمران].
فالمتوكل على الله تعالى حقيقةً راضٍ بقضائه،
مستسلم لفعله، مطمئن لحكمه، قال بشر الحافي رحمه الله تعالى: (يقول أحدكم: توكلت على الله، وهو يكذب على الله تعالى،
ولو توكل على الله تعالى لرضي بما يفعله الله تعالى به)
[الرسالة القشيرية ص76].
وقد مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم التوكل،
وبيّن أهميته في الحياة وقيمته في إحلال الطمأنينة في النفوس فقال: “لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير،
تغدو خماصاً وتروح بِطاناً” [رواه
الترمذي في كتاب الزهد وقال: حديث حسن صحيح. وأخرجه الحاكم في المستدرك (ج4/ص318) عن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه وقال: الحديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين]. أي تذهب صباحاً وهي جائعة، وتعود مساءً
شباعاً. وفي هذا الحديث إشارة إلى أن التوكل لا يتعارض مع الأسباب، بدليل أن الطير
غادرت عشها صباحاً باحثة عن رزقها معتمدة على ربها، واثقة به، ولذلك فهي لا تعرف
الهم ولا الأحزان.
وقد ندب الرسول صلى الله عليه وسلم الأمة
الإِسلامية إِلى التوكل على الله تعالى في كل حال، لاسيما عندما يخرج المرء من
بيته فقال: “من قال حين يخرج من بيته: بسم الله
توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هُديت وكُفيت ووُقيت، وتنحى
عنه الشيطان، فيقول الشيطان لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هُدي وكُفي ووُقي” [رواه أبو
داود والنسائي والترمذي في كتاب الدعوات عن أنس بن مالك وقال: حديث صحيح غريب].
مراتبه:
الناس في التوكل على مراتب، لأن التوكل كغيره
من مقامات السير إلى الله تعالى تتدرج مراتبه، ويسمو المؤمن في معارجه على حسب
معرفته.
ولهذا عد بعض العارفين - كالغزالي وابن عجيبة
رحمهما الله تعالى - للتوكل ثلاث مراتب:
فالأولى: وهي أدناها، أن تكون مع الله تعالى،
كالموكِّل مع الوكيل الشفيق الملاطف.
والثانية: وهي أوسطها، أن تكون مع الله تعالى
كالطفل مع أُمه لا يرجع في جميع أُموره إِلا إِليها.
والثالثة: وهي أعلاها، أن تكون مع الله تعالى
كالمريض بين يدي الطبيب.
والفرق بين هذه المقامات، أن الأول قد يخطر
بباله تهمة. أما الثاني فلا اتهام، ولكن يتعلق بأمه عند الحاجة. أما الثالث فلا
اتهام ولا تعلق، لأنه فانٍ عن نفسه، ينظر كل ساعة ما يفعل الله به [انظر “معراج التشوف” ص8].
الخلاصة:
إن التوكل من أعظم ثمار الإِيمان والمعرفة،
وأهم أسباب السعادة والطمأنينة، وقد فهمه السادة الصوفية على حقيقته، ونبهوا إلى
أنه ليس بترك الأسباب والتخلي عنها، بل هو انحصار الأمل في الله، والالتجاء إلى
تدبيره وحكمته، وعدمُ تعلق القلب بالأسباب، لأنها وحدها لا تغني من الله شيئاً.
وهكذا تحقق السادة الصوفية بأعلى مراتب التوكل،
فقلوبهم مطمئنة بالله تعالى، معتمدة عليه، واثقة به، متوجهة إليه، مستعينة به لأنه
لا فاعل في الوجود سواه.
وأبدانهم تأخذ بالأسباب امتثالاً لأمره،
وتمسكاً بشرعه، واقتداء بهدي نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام.
تعريفه:
أورد العلماء للشكر تعاريف كثيرة، وأهمها ما
ورد عن بعضهم قوله: (الشكر: هو عكوف القلب على محبة
المنعِم، والجوارح على طاعته وجريانُ اللسان بذكره والثناء عليه) [“مدارج
السالكين” لابن القيم ج2. ص136].
وقال ابن عجيبة رحمه الله تعالى: (هو فرح القلب بحصول النعمة، مع صرف الجوارح في طاعة
المنعم، والاعترافُ بنعمة المنعم على وجه الخضوع) [“معراج
التشوف” لابن عجيبة ص7].
وقال السيد رحمه الله تعالى في تعريفاته: (الشكر: هو صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه من السمع
والبصر وغيرهما إلى ما خُلق لأجله) [“تعريفات
السيد” ص76].
وقال العلامة ابن علان الصديقي رحمه الله
تعالى: (الشكر: الاعتراف بالنعمة، والقيام بالخدمة،
فمن كثر ذلك منه سمي شكوراً، ومن ثَمَّ قال سبحانه: {وقليلٌ
مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13] [“دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين” ج2، ص57].
ولا يخفى أن نعم الله تعالى على عباده أعظم من
أن تُحصى، وأكثر من أن تعد، قال الله تعالى: {وإنْ
تَعُدُّوا نِعمَةَ اللهِ لا تُحصوها}
[إبراهيم:
34].
ويمكن تقسيم النعم إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
1 - دنيوية: كالصحة والعافية والمال الحلال..
2 - ودينية: كالعمل والعلم والتقوى والمعرفة بالله
تعالى.
3 - وأُخروية: كالثواب على العمل الصالح القليل
بالعطاء الجزيل.
وأجلُّ النعم الدينية التي يتأكد الشكر عليها
نعم الإِسلام والإِيمان والمعرفة بالله تعالى، ومِنْ شُكرها اعتقادُ أنها منة من
الله تعالى بلا واسطة ولا حول ولا قوة، قال الله تعالى: {ولكنَّ
اللهَ حبَّبَ إليكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قلوبِكُم}
[الحجرات: 7]. وقال
تعالى: {ولولا فضْلُ اللهِ عليكم ورحمَتُهُ ما زكا
مِنْكُم مِنْ أحَدٍ} [النور: 21].
وإن العبد المؤمن الذي يفكر في هذا الكون
العظيم وما فيه من آيات الله الكبرى، يزداد اطلاعه على نعم الله تعالى عليه، مما
يجعله أكثر شكراً لله، وأعظم له حباً.
ومن نعم الله تعالى على العبد نِعمٌ يسوقها له
بواسطة عباد الله تعالى، كما أجرى إِحسان الله إلينا على يد رسوله صلى الله عليه
وسلم، وكما ساق خيره لنا بواسطة والدَيْنَا ومربِّينا من المرشدين العارفين بالله
تعالى. فعلى المؤمن أن يشكر الله تعالى لأنه المنعم الحقيقي الذي سخر الناس لجلب
الخير إليه، قال تعالى: {وما بِكُمْ مِنْ نعمَةٍ
فَمِنَ اللهِ}
[النحل: 53].
وعلى المؤمن أن يشكر أيضاً من جعله الله تعالى
سبباً لنعمه، لذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا
يشكر الله من لا يشكر الناس” [أخرجه أبو
داود في سننه في باب شكر المعروف عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقال
العلامة الخطابي رحمه الله تعالى في معالم السنن ج4 ص113، شارحاً
لهذا الحديث: (هذا الكلام يتأول على وجهين:
أحدهما: أن مَنْ كان من طبعه وعادته كفران نعمة الناس، وتركُ الشكر لمعروفهم كان من عادته كفران نعمة الله وتركُ
الشكر له سبحانه. الوجه الآخر: أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه
إذا كان
العبد لا يشكر إحسان الناس، ويكفر معروفهم، لاتصال أحد الأمرين بالآخر)].
ولقد دعانا الله تعالى إلى شكره وشكر
والدَيْنَا اللَّذَيْن جعلهما سبباً في إِيجادنا وسَوق كثير من النعم إِلينا بواسطتهما
فقال: {أنِ اشكرْ لي ولوالديكَ إليَّ المصيرُ} [لقمان: 14].
وأيسر الشكرين شكر العباد، فمَنْ ضيَّع شكر
العباد كان لشكر الله عز وجل أضيع.
أقسامه:
من تعاريف الشكر السابقة وغيرها يمكن القول بأن
للشكر أقساماً ثلاثة: شكر اللسان، وشكر الأركان، وشكر الجَنان.
1 - أما شكر اللسان: فهو التحدث بنعم الله تعالى،
امتثالاً لقوله تعالى: {وأمَّا بنعمَةِ ربِّكَ
فحَدِّثْ} [الضحى: 11].
وتطبيقاً لقوله عليه الصلاة والسلام: “التحدث بنعمة الله شكر”
[رواه الإمام أحمد في مسنده عن النعمان بن بشير
رضي الله عنهما ج4 ص375].
وقيل: مَنْ كتم النعمة فقد كفرها، ومَنْ أظهرها
ونشرها فقد شكرها.
ولذلك كانت شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم
الشخصية المثالية في الشكر والحمد، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: “عَرض عليَّ ربي، ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً قلت: لا يا
رب، ولكن أشبع يوماً، وأجوع يوماً، وقال: ثلاثاً أو نحو هذا، فإذا جعتُ تضرعتُ
إليك، وذكرتك، وإذا شبعتُ شكرتُك وحمدْتُك” [رواه الترمذي في كتاب الزهد عن أبي أمامة رضي الله
عنه وقال: حديث حسن].
وكذلك رغَّب رسول الله صلى الله عليه وسلم في
الحمد. كما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم: “أن عبداً من عباد الله قال: يا رب لك الحمد كما ينبغي
لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، فعضَّلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها، فصعدا إلى
السماء فقالا: يا ربنا! إن عبدك قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها؟ قال الله - وهو
أعلم بما قال عبده ـ: ماذا قال عبدي؟ قالا: إنه قد قال: يا رب لك الحمد كما ينبغي
لجلال وجهك، ولعظيم سلطانك. فقال الله عز وجل لهما: اكتباها كما قال عبدي حتى
يلقاني فأجزيه بها” [رواه ابن
ماجه في كتاب الأدب].
2 - وأما شكر الأركان: فهو العمل لله تعالى، قال
تعالى مشيراً إلى أن الشكر هو العمل: {اعملوا آلَ
داودَ شُكْراً} [سبأ: 13]. وقد أوضح
ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عملياً، حين كان يقوم الليل، كما روت السيدة
عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم من الليل حتى تنفطر
قدماه، فقلت له: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما
تأخر؟ قال: “أفلا أكون عبداً شكوراً” [أخرجه
البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق ومسلم في صحيحه في كتاب صفات المنافقين والترمذي
في أبواب الصلاة].
3 - وأما شكر الجَنان: فهو أن تشهد أن كل نعمة بك
أو بأحد من العباد هي من الله تعالى، قال تعالى: {وما
بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} [النحل: 53]. فلا تحجبك
رؤية النعم عن رؤية المنعم، وقد نبه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هذه الحقيقة
حيث قال: “من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من
نعمة أو بأحدٍ من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، فقد أدى شكر
يومه، ومن قال مثل ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته”
[رواه أبو داود في سننه في باب ما يقول إذا
أصبح، والنسائي واللفظ له].
وفي الآثار أن موسى عليه السلام قال: (يا رب خلقتَ آدم بيدك، ونفخت فيه من روحك، وأسجدت له
ملائكتك، وعلمته أسماء كل شيء، وفعلت، وفعلت، فكيف أطاقَ شكرك؟ قال الله عز وجل:
علم أن ذلك مني، فكانت معرفته بذلك شكراً) [“مدارج
السالكين” لابن القيم ج2. ص137].
وعلى هذا فإن المؤمن يرى أن من نعم الله عليه
أَنْ وفَّقَه لشكره والثناء عليه، كماقال داود عليه السلام: (يا رب كيف أشكرك وشكري نعمة عليّ من عندك تستوجب بها
شكراً؟ قال: الآن شكرتني يا داود) [“مدارج
السالكين” لابن القيم ج2. ص137].
مراتب الشاكرين:
الناس في تحققهم بالشكر على مراتب متفاوتة:
- فالعوام يشكرون الله على النعم فقط.
- والخواص يشكرون الله على النعم والنقم،
ويشهدون فضله وإِنعامه عليهم في جميع أحوالهم، وقد أثنى رسول الله صلى الله عليه
وسلم على مَنْ تصيبه نقمة فيقابلها بالحمد باللسان، والرضا بالجنان دون أن يسمح
للشيطان أن يقذف في قلبه اليأس والقنوط من رحمة الله تعالى. ففي الحديث عن أبي
موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا مات ولد العبد، قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد
عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع [حمدك: قال الحمد لله. استرجع: قال إنا لله وإنا
إليه راجعون]، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي
بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد” [رواه
الترمذي في كتاب الجنائز وقال: حديث حسن]. وقال صلى
الله عليه وسلم: “أول ما يُدعى إلى الجنة الذين
يحمدون الله عز وجل في السراء والضراء” [رواه
الحاكم في “المستدرك”
ج1. ص502. وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي].
- وشكر خواص الخواص: غيبتهم في المنعم عن رؤية
النعم والنقم وفي هذا المعنى قال الشبلي رحمه الله تعالى: (الشكر رؤية المنعم لا رؤية النعمة) [“الرسالة
القشيرية” ص81].
فضله:
الشكر من أعلى المقامات، لأنه يشمل القلب
واللسان والجوارح، ولأنه يتضمن الصبر والرضا والحمد وكثيراً من العبادات البدنية
والقلبية، ولهذا أمر الله تعالى به، ونهى عن ضده، وهو الكفر والجحود، فقال: {واشكروا لي ولا تكفرونَ}
[البقرة: 152].
والشكر من أعظم صفات الرسل الكرام عليهم الصلاة
والسلام. قال الله تعالى في وصف خليله سيدنا إبراهيم عليه السلام: {إنَّ إبراهيمَ كانَ أمَّةً قانتاً للهِ حنيفاً ولَمْ
يَكُ مِنَ المشركينَ . شاكراً لأنْعُمِهِ} [النحل:
120ـ121]. وقال تعالى عن سيدنا
نوح عليه السلام: {إنَّهُ كانَ عبْداً شكوراً} [الإسراء:
3]. أما حبيب الله
ورسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد كان يجهد نفسه في العبادة وإحياء
الليالي، والقيام بين يدي ربه خاشعاً متبتلاً متحققاً بمقام الشكر، ولهذا لما سئل
عن سبب قيامه وإجهاد نفسه، حتى تورمت قدماه قال: “أفلا
أكون عبداً شكوراً” [أخرجه
البخاري في صحيحه وقد مر ص312].
وقد ظن السائل أن سبب العبادة هو طلب المغفرة
وقد غفر الله تعالى له صلى الله عليه وسلم، ولكن جواب الرسول صلى الله عليه وسلم
رفع همة السائل إلى مقام الشكر الذي هو أعلى مقامات العبدية.
وكما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان خيرَ
مَنْ تحقق بالشكر؛ كذلك كان يدعو أصحابه رضي الله عنهم وسائر المؤمنين إلى التحقق
بهذا المقام العظيم والتوجه إلى الله تعالى بالدعاء عقب كل صلاة، أن يمن الله
عليهم بالإعانة على الذكر والشكر، فقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله
عنه: “أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول:
اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك” [رواه أبو
داود في سننه في باب الاستغفار، ورواه النسائي في كتاب الافتتاح ورواه الحاكم في “المستدرك” ج1. ص499.
وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي].
ولِعُلوِّ مقام الشكر ورفعة منزلته كان مرتقاه
صعباً، والتحقق به يحتاج إلى مجاهدات وسلوك، مع الصدق والصبر والاستقامة، ولهذا
كان الشاكرون نادرين، لأن الكرام قليل، وقد وصفهم الله بالقلة حين قال: {وقليلٌ مِنْ عبَادِيَ الشكورُ}
[سبأ: 13].
كما وصَفَ مُعظمَ الناس بعدم الشكر، بالرغم من
نعم الله عليهم وسعة فضله وجوده، قال تعالى: {وإنَّ
ربَّكَ لذو فضلٍ على الناسِ ولكنَّ أكثَرَهُم لا يشكُرُونَ} [النمل: 73].
ولهذا فإن الله تعالى كثيراً ما يذكِّر الناس
في القرآن الكريم بنعمه الكبرى ومننه العظمى، وكثيراً ما يدعو إلى التفكر في
الكون، كي ندرك ما أحاطنا به من جلائل النعم وبدائع الإِحسان، مما يعجز الإِنسان
عن تعداده والإحاطة به. كل ذلك كي نشكره تعالى حق الشكر، قال تعالى: {واللهُ أخرَجَكُم مِنْ بُطونِ أُمَّهاتِكُم لا
تعلَمُونَ شيئاً وَجَعَلَ لكُمُ السمعَ والأبصارَ والأفئدَةَ لَعَلَّكُم تشكرونَ} [النحل: 77].
وقد وصف الله تعالى الإِنسان العاقل الذي يتمتع
بالنضوج الفكري والكمال الإِنساني، ويبلغ سن الأربعين، بأنه يرى نعم الله المحيطة
به، ويشهد فضل الله عليه، فيلجأ إلى الله تعالى ضارعاً أن يوفقه للشكر. قال تعالى:
{حتى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أربعينَ سنةً
قال ربِّ أوزعني أنْ أشكُرَ نِعمَتَكَ التي أنْعَمْتَ عليَّ وعلى والِدَيَّ وأنْ أعْمَلَ
صالحاً تَرضاهُ} [الأحقاف:
15]
وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة
الذي يتنعم برزق الله ويشكره بمنزلة الذي يعاني العبادات ويصبر على مشقتها، فقال: “الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر” [أخرجه
الترمذي في كتاب صفة القيامة عن أبي هريرة رضي الله عنه].
ثم إن الشكر هو خير وسيلة لبقاء النعمة
واستمرارها، وقد قيل: عقال النعمة الشكر. وقال ابن عطاء الله رحمه الله تعالى في
حكمه: (مَنْ لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها،
ومَنْ شكرها فقد قيَّدَها بعقالها) [“إيقاظ
الهمم في شرح الحكم” لابن عجيبة ج1. ص100].
كما أن عدم الشكر ومقابلة النعم بالكفر والجحود
يورث غضب الله تعالى وعقابه وسلب نعمته، كما قال تعالى: {وضَرَبَ
اللهُ مثلاً قريةً كانَتْ آمِنَةً مطمَئِنَّةً يأتيها رزقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ
مكانٍ فَكَفَرَتْ بأنْعُمِ اللهِ فأذاقَها اللهُ لِباس الجُوعِ والخوفِ بما كانوا
يصنعونَ} [النحل: 112].
وقد وعد الله تعالى المؤمنين أن يزيد نعمه
عليهم إِذا هم قابلوها بالشكر فقال: {لئِنْ
شكرتُمْ لأزيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7].
والحقيقة أن الشاكر يجلب الخير لنفسه، حين يشكر
الله تعالى؛ إِذ يغنم بشكره مزيد نعم الله تعالى عليه، واستمرار فضله، وعظيم حبه
وجميل ثنائه قال تعالى: {ومَنْ شَكَرَ فإنَّما
يشكُرُ لِنَفسِهِ ومَنْ كَفَرَ فإنَّ ربِّي غنِيٌّ كريمٌ}
[النمل: 40].
وبعد أن تحقق السادة الصوفية بالشكر، وعرفوا
جليل مقامه وكبير فضله، دعوا الناس إِليه، ورغَّبوا كل من يكرمه الله تعالى بنعمةٍ
دنيوية أو أُخروية أن لا ينشغل بها، بل أن يسلك طريق الشكر كي يفوز بمزيد النعم
ودوام التوفيق. قال أبو حمزة البغدادي رحمه الله تعالى: (إذا
فتح الله عليك طريقاً من طرق الخير فالزمه، وإِياك أن تنظر إِليه وتفتخر به، ولكن
اشتغل بشكر من وفقك لذلك، فإنَّ نظرك إليه يسقطك عن مقامك، واشتغالك بالشكر يوجب
لك منه المزيد لأن الله تعالى يقول: {لئِنْ شكرتُم
لأزيدَنَّكُم} [إبراهيم: 7] [“طبقات الصوفية” للسلمي
ص298].
ولذا طرق السادة الصوفية باب شكر الله تعالى
على جميع أحوالهم وحمدوا الله تعالى في سائر شؤونهم، وشهدوه الفاعل المطلق والمنعم
المتفضل والبر الرحيم، والشكور الكريم، فوقعوا على أعتابه متذللين، ولجنابه
طالبين، في قلوبهم نور المعرفة، وفي ألسنتهم آيات الحمد والثناء، وفي أعمالهم
أحكام الشريعة الغراء، مقتفين بذلك أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الغر
الميامين، ومن تبعهم في نهجهم القويم وطريقهم المستقيم.
تنبيه:
بنهاية بحث الشكر نكون قد أتممنا الباب الثالث
المتعلق بطريق الوصول إلى الله تعالى. ولكن ينبغي الإِشارة إلى أن هذه المقامات
التي أوردناها في كتابنا هذا ليست كل مقامات السير، إِذ الحقيقة أن هناك مقاماتٍ
كثيرةً، فقد ذكر شيخنا محمد الهاشمي رحمه الله تعالى تفاصيلها، فقال: (ومنهم من جعلها مائة وسماها منازل السائرين إلى الله
تعالى. وقد ألف شيخ الإِسلام أبو إِسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي
الفقيه الحنبلي المفسر الصوفي المتوفى سنة 481هـ في ذلك
رسالةً، ذكرَ فيها مائة منزلة، وأجاد في تقسيمها وإيضاحها، وأفاد الراغبين في
الوقوف عليها، وسماها: منازل السائرين إلى الحق عز شأنه)
[“شرح شطرنج العارفين” لسيدي الشيخ محمد الهاشمي رحمه الله ص12].
الباب
الرابع
من
ثمرَات التصوف
1ـ
الحب الإِلهي. 2ـ الكشف. 3ـ الإِلهام.
4ـ كرامات الأولياء.
1- الحب الإلهي
المحبة لله هي الغاية القصوى من المقامات،
والذروة العليا من الدرجات، فما بعد إِدراك المحبة مقام إلا وهو ثمرة من ثمارها،
وتابع من توابعها، كالشوق والأنس والرضا.. ولا قبل المحبة مقام إِلا وهو مقدمة من
مقدماتها كالتوبة والصبر والزهد.. [“الإحياء” للإمام الغزالي كتاب المحبة والشوق ج13. ص2570].
والمحبة لا تُحدُّ بحد أوضح منها، والتعاريف
والحدود لا تزيدها إِلا خفاءً، فتعريفها وُجودها؛ إِذ التعاريف للعلوم. أما المحبة
فهي حالة ذوقية تفيض على قلوب المحبين، ما لها سوى الذوق إِفشاء. وكل ما قيل في
المحبة ما هو إِلا بيان لآثارها، وتعبير عن ثمارها، وتوضيح لأسبابها.
قال الشيخ الأكبر ابن عربي الحاتمي رحمه الله
تعالى: (واختلف الناس في حدّها، فما رأيت أحداً
حدَّها بالحد الذاتي، بل لا يتصور ذلك، فما حدَّها مَنْ حدّها إِلا بنتائجها
وآثارها ولوازمها، ولاسيما وقد اتصف بها الجناب الإِلهي العزيز وهو الله. وأحسن ما
سمعت فيها ما حدثنا به غير واحد عن أبي العباس الصنهاجي، قالوا: سمعناه وقد سئل عن
المحبة، فقال: الغيرة من صفات المحبة، والغيرة تأبى إِلا الستر، فلا تُحد) [“الفتوحات
المكية” لابن عربي الحاتمي الطائي. الباب الثامن
والسبعون بعد المئة في معرفة مقام المحبة].
وقال ابن الدباغ رحمه الله تعالى: (فإن المحبة لا يعبِّر عنها حقيقة إلا مَنْ ذاقها، ومن
ذاقها استولى عليه من الذهول على ما هو فيه أمر لا يمكنه معه العبارة، كمثل من هو
طافح سكراً، إِذا سئل عن حقيقة السكر الذي هو فيه، لم يمكنه العبارة في تلك الحال؛
لاستيلائه على عقله. والفرق بين السكرين: أن سكر الخمر عرضي، يمكن زواله، ويعبر
عنه في حين الصحو، وسكر المحبة ذاتي ملازم، لا يمكن من وصل إِليه أن يصحو عنه، حتى
يخبر فيه عن حقيقته، كما قيل:
يصحو من الخمر شاربوها
والعشق سكر على الدوام [“مشارق
أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب” لعبد الرحمن بن
محمد الأنصاري المعروف بابن الدباغ ص21]. لذلك لما
سئل الإِمام الجنيد رحمه الله تعالى عن المحبة، كان جوابَه فيضانُ الدموع من
عينيه، وخفقان القلب بالهيام والشوق، ثم عبر عما يجده من آثار المحبة.
قال أبو بكر الكتاني رحمه الله تعالى: (جرتْ مسألةٌ في المحبة بمكة أعزها الله تعالى أيام
الموسم، فتكلم الشيوخ فيها، وكان الجنيد أصغرهم سناً، فقالوا: هات ما عندك يا
عراقي! فأطرق رأسه، ودمعت عيناه ثم قال: عبدٌ ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم
بأداء حقوقه، ناظر إِليه بقلبه، أحرق قلبه أنوارُ هيبته، وصفاء شربه من كأس
وُدِّه، وانكشف له الجبار من أستار غيبه، فإِن تكلم فبالله، وإِن نطق فعن الله،
وإِن تحرك فبأمر الله، وإِن سكن فمع الله، فهو بالله ولله ومع الله، فبكى الشيوخ
وقالوا: ما على هذا مزيد، جزاك الله يا تاج العارفين)
[“مدارج السالكين” ج3. ص11].
دليلها وفضلها:
الأدلة على محبة الله لعبده، ومحبة العبد لربه
كثيرة. قال الله تعالى: {يُحِبُّهُم ويُحِبُّونَهُ} [المائدة:
54]. وقال تعالى: {والذين آمنوا أشَدُّ حُبّاً للهِ} [البقرة: 165]. وقال تعالى: {قل
إنْ كُنْتُم تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعوني يُحْبِبْكُمُ اللهُ ويغفِرْ لكُمْ
ذنوبَكُم} [آل عمران:
31]. ويحببكم الله: دليل
على المحبة وفائدتها وفضلها.
وفي السنة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: “ثلاث مَنْ كنَّ فيه وجد
حلاوة الإِيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إِليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا
يحبه إِلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار” [أخرجه
البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: “يقول الله تعالى: مَنْ عادى
لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إِليَّ عبدي بشيء أحبَّ إِليَّ من أداء ما
افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إِليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإِذا أحببتُه كنتُ
سمعُه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها،
وإِن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنه” [أخرجه
البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق باب التواضع].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: “إِذا أحب الله العبد دعا جبريلَ
فقال: إِني أحب فلاناً فأحبَّه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إِن الله
يحب فلاناً فأحِبُّوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض” [أخرجه
البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق باب ذكر الملائكة].
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه قال: “كان من دعاء داود عليه
السلام: اللهم إِني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك
أحب إِلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد”[أخرجه
الترمذي في كتاب الدعوات وقال: حسن غريب]:
والقرآن والسنة مملوءان بذكر مَنْ يحبه الله من
عباده، وذكر ما يحبه من أعمالهم وأقوالهم وأخلاقهم كقوله تعالى: {واللهُ يُحِبُّ الصابرينَ}
[آل عمران: 146]. {واللهُ يُحِبُّ المحسنينَ} [المائدة: 93]. {إنَّ اللهَ يُحِبُّ التوابينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرينَ} [البقرة:
222]. وقوله في ضد ذلك: {واللهُ لا يُحِبُّ الفسادَ}
[البقرة: 205]. {واللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مختالٍ فخورٍ} [الحديد: 23]. {واللهُ
لا يُحِبُّ الظالمينَ} [آل عمران:
57].
وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حب الله
ورسوله من شرائط الإِيمان في أحاديث كثيرة فقال: “لا
يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إِليه من أهله وماله والناس أجمعين” [رواه
البخاري ومسلم في صحيحهما في كتاب الإيمان عن أنس رضي الله عنه].
وقد وجه الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم
أصحابه للمحبة، لما لها من الأثر العظيم والمقام الرفيع، ولَفَتَ أنظارهم إِلى
نعمه تعالى وبالغ إِفضاله، ثم بيَّن لهم أنَّ حبهم لله يقتضي حبهم لحبيبه الأعظم
عليه الصلاة والسلام، كما أنَّ حبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوصلهم إِلى حب
الله تعالى. قال عليه الصلاة والسلام: “أَحِبُّوا
الله لما يغذوكم من نعمه، وأَحِبّوني بحب الله” [رواه
الترمذي في كتاب المناقب وقال: حسن غريب رواه الترمذي في كتاب المناقب وقال: حسن
غريب].
وقد بشر الرسول صلى الله عليه وسلم المحبين
بالمعية مع محبوبهم، فقد روى أنس رضي الله عنه أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه
وسلم متى الساعة يا رسول الله؟ قال: “ما أعددتَ
لها؟” قال: ما أعددتُ لها من كثير صلاة ولا صوم
ولا صدقة ولكني أحب الله ورسوله. قال: “أنت مع مَنْ
أحببتَ”. قال أنس: فقلنا ونحن كذلك؟ قال: “نعم”. ففرحنا بها فرحاً
شديداً [رواه البخاري في صحيحه في كتاب المناقب، ومسلم
في صحيحه في كتاب البر عن أنس رضي الله عنه].
والأحاديث في المحبة كثيرة، وكلها تشير إِلى
عظيم فضلها، وبالغ أثرها، وحين تحقق الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم بمحبة
الله ورسوله بلغوا أوج الكمال في الإيمان والأخلاق والتضحية، وأنستهم حلاوة المحبة
مرارة الابتلاء وقساوة المحن، وحملهم دافع المحبة على بذل الروح والمال والوقت،
وكلِّ غالٍ ونفيسٍ في سبيل محبوبهم لعلهم يحوزون رضوانه وحبه.
والحقيقة أن الإِسلام أعمال وتكاليف وأحكام،
وروحه المحبة، والأعمال بلا محبة أشباح لا حياة فيها.
الأسباب المورثة
للمحبة:
ذكر العلماء من الأسباب المورثة للمحبة أموراً
كثيرة، وأهمها عشرة:
أحدها: قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه
وما أريد به.
الثاني: التقرب إِلى الله بالنوافل بعد
الفرائض، فإِنها توصل إِلى درجة المحبوبية بعد المحبة.
الثالث: دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب
والعمل والحال، فنصيبه من المحبة على قدر نصيبه من هذا التذكر.
الرابع: إِيثار محابِّه على محابِّك عند غلبة
الهوى، والتسنُّمُ إِلى محابِّه وإِنْ صعب المرتقى.
الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته
ومشاهدتُها ومعرفتها، وتقلبُه في رياض هذه المعرفة ومباديها، فمن عرف الله بأسمائه
وصفاته وأفعاله أحبَّه لا محالة.
السادس: مشاهدة بره وإِحسانه وآلائه ونعمه
الباطنة والظاهرة، فإِنها داعية إِلى محبته.
السابع: انكسار القلب بكليته بين يديه تعالى
تذللاً وتواضعاً.
الثامن: الخلوة به وقت التجلي الإِلهي لمناجاته
لاسيما في الأسحار، وتلاوةُ كلامه، والوقوفُ بالقلب والتأدبُ بين يديه، ثم ختْمُ
ذلك بالاستغفار والتوبة.
التاسع: مجالسة المحبين الصادقين، والتقاط
أطايب ثمرات كلامهم، كما ينتقي أطايب الثمر. ومن الأدب في مجالستهم ألاَّ تتكلم في
حضرتهم إِلا إِذا ترجحت مصلحة الكلام، وعلمتَ أن فيه مزيداً لحالك ومنفعة لغيرك.
العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين
الله عز وجل [انظر كتاب “مدارج السالكين” ص11 -12].
فمن هذه الأسباب وغيرها وصل المحبون إِلى منازل
المحبة.
علامات المحبة:
كثير من الناس من يدَّعي محبة الله ورسوله، وما
أسهل دعوى اللسان. فلا ينبغي للإِنسان أن يغتَرَّ بخداع النفس، بل عليه أن يعلم أن
للحب علامات تدل عليه، وثماراً تظهر في القلب واللسان والجوارح، فإِذا أراد ألاَّ
يغش نفسه فلْيضعْها في موازين الحب، ولْيمتحْنها بعلاماته، وهي كثيرة، منها:
1 - حب لقاء الحبيب بطريق الكشف والمشاهدة في دار
السلام، فلا يُتصور أن يحب القلب محبوباً إِلا ويحب مشاهدته ولقاءه، وإِذا علم أنه
لا وصول إِلا بالارتحال من الدنيا ومفارقتها بالموت، فعليه أن يكون محباً للموت
غير فارٌّ منه، لأن الموت مفتاح اللقاء. قال عليه الصلاة والسلام: “مَنْ أحب لقاء الله أحب الله لقاءه” [رواه
البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق، ومسلم في صحيحه في كتاب الذكر، باب من أحب لقاء
الله]. ولهذا كان الصحابة
الكرام رضوان الله عليهم، يحبون الشهادة في سبيل الله، ويقولون حين يُدَعْون
للمعركة: مرحباً بلقاء الله.
2 - أن يكون مؤثِراً ما أحبه الله تعالى على ما
يحبه في ظاهره وباطنه، فيلزم الطاعة، ويجتنب الكسل واتباع الهوى، ومَنْ أحبَّ الله
لا يعصيه، ولذلك قال ابن المبارك رحمه الله تعالى:
تعصي الإِلهَ وأنتَ
تُظهر حبَّه هذا لَعمري في القياس
بديعُ
لو كان حبُّك صادقاً
لأطعتَه إِنَّ المحبَّ لمن يحبُّ
مطيعُ
وفي هذا المعنى قيل
أيضاً:
وأَتركُ ما أهوى لما قد هويتَه فأرضى بما ترضى وإِن سخطتْ نفسي
فطاعة الله تعالى
ومحبته تستلزم اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم في الأقوال والأفعال والأخلاق، قال
تعالى: {قل إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّون الله
فاتَّبِعوني يُحبِبْكُم اللهُ ويغْفِرْ لكم ذنوبَكُمْ}
[آل عمران: 31].
3 - أن يكون مكثراً لذكر الله تعالى، لا يفتُرُ
عنه لسانه، ولا يخلو عنه جنانه، فمَنْ أحبَّ شيئاً أكثر من ذكره.
خيالُكَ في قلبي وذِكرُكَ في
فمي ومثواكَ في قلبي فأين تُغيَّبُ
4 - أن يكون أنسه بالخلوة ومناجاتهِ لله تعالى
وتلاوةِ كتابه، فيواظب على التهجد ويغتنم هدوء الليل وصفاء الوقت، فأقل درجات
المحبة التلذذُ بالخلوة بالحبيب، والتنعمُ بمناجاته.
5 - أن لا يتأسف على ما يفوته مما سوى الله عز
وجل، ويُعظمَ تَأسفَه على فوت كل ساعة خلتْ عن ذكر الله وطاعته، فيكثر رجوعه عند
الغفلات، بالاستعطاف والتوبة.
6 - أن يتنعم، ويتلذذ بالطاعة، ولا يستثقلها،
ويسقطَ عنه تعبها.
7 - أن يكون مشفقاً على جميع عباد الله رحيماً
بهم، شديداً على جميع أعداء الله، كما قال تعالى: {أشدَّاءُ
على الكُفَّارِ رُحَماءُ بينَهُم}
[الفتح: 29].
8 - أن يكون في حبه خائفاً متفائلاً تحت الهيبة
والتعظيم، وقد يُظن أن الخوف ينافي الحب، وليس كذلك، بل إِدراك العظمة يوجب الهيبة
كما أن إِدراك الجمال يوجب الحب، وللمحبين مخاوف على حسب مراتبهم، كخوف الإِعراض
وخوف الحجاب وخوف الإِبعاد. ولذا قال بعض المحبين:
الحبيب عرفته وأنا منه
خائف لا يحبك إِلا من هو بك عارف
9 - كتمان
الحب، واجتناب الدعوى، والتوقي من إِظهار الوجد والمحبة تعظيماً للمحبوب وإِجلالاً
له، وهيبة منه، وغَيْرة على سره، وبعض المحبين عجز عن الكتمان فقال:
يخفي فيبدي الدمعُ
أسرارَه ويُظهر الوجد عليه النَّفَسُ
وبعضهم قال:
ومَنْ قلبه مع غيره كيف حاله؟ ومَنْ سره في جفنه كيف يكتم؟
10 - الأنس بالله والرضا به. وعلامة الأنس
بالله عدمُ الاستئناس بالخلق والتلذذُ بذكر الله، فإِن خالطهم فهو كمنفرد في جماعة
ومجتمع في خلوة. قال علي كرم الله وجهه في وصف المحبين المستأنسين بالله: هم قوم
هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فباشروا روح اليقين، واستلانوا بما استوعر المُتْرفون،
وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحُها معلقة بالمحل
الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إِلى دينه [نظر كتاب
المحبة والشوق من “إِحياء علوم الدين” للغزالي، و”الفتوحات المكية” لابن
عربي].
مراتب المحبة:
ذكر العلماء للمحبة مراتب عشراً:
أولها العلاقة: وسميت بذلك لتعلق القلب
بالمحبوب.
الثانية الإِرادة: وهي ميل القلب إِلى محبوبه
وطلبهُ له.
الثالثة الصبابة: وهي انصباب القلب إِلى
المحبوب بحيث لا يملكه صاحبه، كانصباب الماءِ في المنحدر.
الرابعة الغرام: وهو الحب اللازم للقلب لا
يفارقه، بل يلازمه كملازمة الغريم لغريمه.
الخامسة الوداد: وهو صَفوُ المحبة، وخالصها،
ولبها.
السادسة الشغف: وهو وصول الحب إِلى شغاف القلب.
قال الإِمام الجنيد رحمه الله تعالى: الشغف أن لا يرى المحب جفاءً، بل يراه عدلاً
منه ووفاءً.
وتعذيبُكم عذبٌ لديَّ
وجَوْرُكم عليَّ بما يقضي الهوى لكمُ
عدلُ
السابعة العشق: وهو
الحب المفرط الذي يُخاف على صاحبه منه.
الثامنة التتيُّم: وهو التعبد والتذلل، يقال:
تيَّمه الحب أي ذَلَّلَهُ وعبَّده.
التاسعة التعبد: وهو فرق التتيم، فإِن العبد لم
يبق له شيء من نفسه.
العاشرة الخلة: انفرد بها الخليلان إِبراهيم
ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وهي المحبة التي تخللت روح المحب وقلبه، حتى لم يبقَ
موضع لغير المحبوب [انظر كتاب “مدارج السالكين” ص18].
وقد رأى الصوفية أن سر هذه الحياة يقوم على
حرفين اثنين: الحاء والباء:
وأحسنُ حالة الإِنسان صدقٌ وأكملُ وصفِه حاءٌ وباءُ
فالتكاليف تَسْهلُ
وتَلَذُّ إِذا ما وُجِدَ الحب:
لولاك يا سِرَّ الوجود ما طاب عيشي ولا وجودي
ولا ترَنَّمْتُ في صلاتي ولا ركوعي ولا سجودي
وإِذا تمكن الحب من
القلب أخرج هذه الدنيا الفانية من سويدائه، وعاش صاحبه حياة طيبة منعمة، لا يعرف
الهمُّ سبيلَه إِليه.
مر بعض الصوفية على رجل يبكي على قبر، فسأله عن
سبب بكائه فقال: إِنّ لي حبيباً قد مات. فقال: لقد ظلمتَ نفسك بحبك لحبيب يموت،
فلو أحببتَ حبيباً لا يموت لما تعذبت بفراقه.
وفي واقعنا أمثلة كثيرة عمن يسترخص موته عند
يأسه من لقاء من يحبه، أو انقطاع أمله مما تعلق قلبه به من متاع زائل. فالانتحار،
وحرق النفس والترامي على صخرة الموت.. أمور كلنا نسمعها عن محبين بائسين خاسرين،
وقد قيل:
فإِن شئتَ أن تحيا حياةً هنيئةً فلا تتخذْ شيئاً تخافُ له فَقْدا
فأين هؤلاء من أحباب
الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الذين أحبوا الله، ورضوا به رباً، وبرسوله محمد
صلى الله عليه وسلم رسولاً، وبالإِسلام ديناً!
فمنهم مَنْ أحب الموت، ورحب به ليلقى مِن ورائه
أحبابَه.. (غداً ألقى الأحبة، محمداً وصحبه) [قال ذلك
بلال رضي الله عنه عند احتضاره. ومرَّ عزوه في صفحة 293].
ومنهم مَنْ ضحى بنفسه ودمه في ساحات الجهاد،
لينال رضوان الله ويحظى بلقائه، ومنهم ومنهم.. وفرق كبير بين من يضحي بنفسه في
سبيل الله تعالى، وبين من يضحي بنفسه لفقد شيء خسيس تافه:
أنت القتيلُ بأيِّ
مَنْ أحببتَه فاخترْ لنفسك في الهوى مَنْ
تصطفي
وأعلى وأغلى الثمرات
التي يقطفها المحب، هو الحب المتبادل: {يُحِبُّهُم
ويُحِبُّونَهُ} [المائدة:
54]. والرضى المتبادل: {رَضِيَ اللهُ عَنْهُم ورَضُوا عنْهُ} [البينة: 8]. والذكر المتبادل: {فاذكروني أذكُرْكُم} [البقرة:
152].
مر عيسى عليه السلام على طائفة من العبَّاد، قد
وهنت أبدانهم، وتغيرت ألوانهم من العبادة؛ فقال لهم: من أنتم؟ فقالوا: نحن عباد
الله تعالى. فقال: ولأي شيء تعبدتم؟ قالوا: خَوَّفَنا الله من ناره، فخفنا منها.
فقال: إِن الله تعالى قد أَمَّنكم مما خفتم منه. ثم جاوزهم لآخرين أشد منهم عبادة،
فقال: لأي شيء تعبدتم؟ قالوا: شَوَّقنا الله جنتَه وما أعد فيها لأوليائه، فنحن
نرجوها بعبادتنا. فقال: إِن الله أعطاكم ما رجوتم. ثم جاوزهم ومر بآخرين يتعبدون
فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المحِبون لله عز وجل، لم نعبده خوفاً من ناره، ولا
شوقاً إِلى جنته، ولكن حباً له وتعظيماً لجلاله؛ فقال أنتم أولياء الله حقاً، وقد
أُمِرْتُ أن أُقيم معكم، وأقام بين أظهرهم [“نور
التحقيق” ص84].
يشير هذا الشاهد إِلى
أن الناس يتفاوتون باختلاف هممهم؛ فمنهم من يريد الدنيا؛ ومنهم من يريد الآخرة،
ومنهم من يريد الله تعالى.
سمع بعض الصوفية قارئاً يقرأ: {مِنْكُم مَنْ يريدُ الدُّنيا ومِنْكُم مَنْ يريدُ
الآخرة} [آل عمران:
152]. فقال: وأين من يريد
الله؟!..
ولهذا قال الإِمام علي رضي الله عنه: (إِن قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإِن
قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإِن قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة
الأحرار).
وقيل في وصف الذين أرادوا الله، وأحبوه دون
غيره:
فما مقصودُهم جناتُ عدنٍ ولا الحور الحسانُ ولا الخيامُ
سوى نظرِ الجليلِ وذا مناهم وهذا مقصدُ القومِ الكرامُ
(لله در
أقوام إِذا جن عليهم الليل سمعت لهم أنين الخائف.. وإِذا أصبحوا رأيت عليهم تغير
ألوان..
إِذا ما الليل أقبل كابدوهُ ويسفر عنهمُ وهمُ ركوعُ
أطارَ الشوقُ نومَهمُ فقاموا وأهلُ الأمنِ في الدنيا خشوعُ
أجسادهم تصبر على
التعبد، وأقدامهم ليلَها مقيمة على التهجد، لا يُرَدُّ لهم صوت ولا دعاء، تراهم في
ليلهم سجداً ركعاً، وقد ناداهم المنادي، وأطربهم الشادي:
يا رجالَ الليل جِدّوا رُبَّ صوتٍ لا يُرَدُّ
لا يقوم الليلَ إِلا مَنْ له حَزم وجِدُّ
لو أرادوا في ليلتهم
ساعة أن يناموا أقلقهم الشوق إِليه فقاموا، وجذبهم الوجد والغرام فهاموا، وأنشدهم
مريدُ الحضرة عن لسان الحضرة وبثَّهم، وحملهم على المناجاة وحثَّهم:
حُثُّوا مطاياكم وجِدُّوا إِن كان لي في القلوب وَجْدُ
قد آن أن تظهرَ الخبايا وتُنشَر الصحف فاستعدُّوا
الفرش مشتاقة إِليهم،
والوسائد متأسفة عليهم، النوم قرَّم إِلى عيونهم [قال
في “القاموس”.
القرَم محركة: شدة شهوة اللحم، وكثر حتى قيل في الشوق إِلى الحبيب. ج4. ص163. وكأنه
يقول: النوم مشتهى إِلى عيونهم، إِلا أن الشوق إِلى الله تعالى أبعد النوم عن
عيونهم]، والراحة مرتاحة إِلى جنوبهم. الليل
عندهم أجلُّ الأوقات في المراتب، ومُسامرهم عند تهجدهم يرعى الكواكب. هجروا المنام
في الظلام، وقلدوا بطول المقام، وناجَوْا ربهم بأطيب كلام، وأنِسوا بقرب الملك
العلاَّم، لو احتجب عنهم في ليلهم لذابوا، ولو تغيَّب عنهم لحظة لما طابوا..
يديمون التهجد إِلى السحر ويتوقعون ثمر اليقظة والسهر..
بلغنا أن الله تبارك وتعالى يتجلى للمحبين،
فيقول لهم: مَنْ أنا؟ فيقولون: أنت مالك رقابنا، فيقول: أنتم أحبتي، أنتم أهل
ولايتي وعنايتي هاوجهي فشاهدوه، ها كلامي فاسمعوه، ها كأسي فاشربوه: {وسَقاهُمْ ربُّهم شراباً طَهوراً} [الدهر: 21].. إِذا شربوا طابوا،
وإِذا طابوا طربوا، وإِذا طربوا قاموا، وإِذا قاموا هاموا.
لمّا حملتْ ريح الصبا قميصَ يوسف، لم يفضض
ختامَه إِلا يعقوبُ.. ما عرفه أهل كنعان ومِنْ عندهم خرجَ، ولا يهوذا وهو الحامل [كتاب “نهر الذهب في أخبار من ذهب”
للشيخ كامل بن حسين الحلبي الشهير بالغزي ج2. ص191 و192].
والحب فطرة في النفس الزكية، تنزع بها إِلى
تفهم حقيقتها والشوق إِلى التعرف على خالقها. ويزداد الحب كلما ازداد الإِيمان،
وبمقدار كمال النفس يكون الحب، وعلى قدر الحب تكون السعادة ويكون النعيم. وحب الله
تعالى يسمو بالذوق الإِنساني؛ إِذ يحوّل صاحبه إِلى لطيفة راضية مطمئنة.
ولقد جرّد الصوفية الحب عن المطامع والشهوات،
وأخلصوا الحب لله تعالى، فليس في حبهم علة، ولا لعشقهم دواء إِلا رضى مولاهم، تقول
رابعة العدوية رحمها الله تعالى:
كلُّهم يعبدون من خوفِ نارٍ ويرون النجاةَ حظاً جزيلا
أوْ لكي يسكنوا الجِنانَ
فيحظَوا بكؤوسٍ ويشربوا السلبيلا
أو يقيموا بين القصورِ جميعاً أنا لا أبتغي بحِبِّي بديلا
ومعنى ذلك أنها لا ترى
الحياة إِلا حباً في الله، ووقوفاً عند أوامره ونواهيه، لأن المحب لمن يحب مطيع.
ولبعض المحبين:
فليتَك تحلو والحياةُ مريرةٌ وليتك ترضى والأنامُ غضابُ
وليتَ الذي بيني وبينك عامرٌ وبيني وبين العالمين خرابُ
إِذا صحَّ منك الودُّ فالكلُّ
هينٌ وكلُّ الذي فوقَ الترابِ ترابُ
ولقد عرف الصوفية طريق
الحب فساروا فيه..
قال الله تعالى في الحديث القدسي: “وما تقربَ عبدي بشيء أحبَّ إِليَّ مما افترضته عليه،
وما يزال عبدي يتقرب إِليَّ بالنوافل حتى أُحبَّه، فإِذا أحببْتُه كنت سمعَهُ الذي
يسمع به، وبصرَهُ الذي يبصر به، ويدَهُ التي يبطشُ بها، ورجلَهُ التي يمشي بها،
وإِنْ سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه” [رواه
البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق باب التواضع عن أبي هريرة رضي الله عنه].
وهو أصل السلوك إِلى الله تعالى، والوصول إِلى
معرفته.
سئل ذو النون المصري رحمه الله تعالى عن المحبة
فقال: (أن تحب ما أحب الله، وتبغض ما أبغض الله،
وتفعل الخير كله، وترفض كل ما يشغل عن الله، وأن لا تخاف في الله لومةَ لائم، مع
العطف على المؤمنين، والغلظة على الكافرين، واتِّباعِ رسول الله صلى الله عليه
وسلم في الدين) [“طبقات
الصوفية” للسلمي ص18].
وقال أيضاً: (من
علامات المحب لله، متابعةُ حبيب الله في أخلاقه وأفعاله وأمره وسنته) [“طبقات الصوفية” للسلمي ص18].
وقال السيد أحمد الرفاعي رحمه الله تعالى: (من أحب الله علَّم نفسه التواضع، وقطع عنها علائق
الدنيا، وآثر الله تعالى على جميع أحواله، واشتغل بذكره، ولم يترك لنفسه رغبة فيما
سوى الله تعالى، وقام بعبادته..) [“البرهان
الؤيد” للسيد أحمج الرفاعي ص59].
وقال محمد بن علي الترمذي الحكيم رحمه الله
تعالى: (حقيقة محبته دوام الأنس بذكره)[“طبقات
الصوفية” ص219].
وقال ابن الدباغ رحمه الله تعالى: (ولما كان مطلبَ ذوي العقول الكاملة والنفوس الفاضلة
نَيْلُ السعادة القصوى التي معناها الحياة الدائمة في الملأ الأعلى، ومشاهدةُ
أنوار حضرة قدس المولى، والتلذذُ بمطالعة الجمال الإِلهي الأسنى، ومعاينة مطالع
النور القدس الأبهى. وهذه السعادة لا تحصل إِلا لنفس زكية، قد سبقتْ لها في الأزل
العنايةُ الربانية، بتيسيرها لسلوك الطرق العلمية والعملية المفضيات بها إِلى
المحبة الحقيقية، والشوق إِلى الأنوار الإِلهية؛ وبحصول هذه السعادة يحصل للنفوس
العارفة من اللذة والابتهاج ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
فيجب على كل ذي لب المبادرةُ إِلى تحصيل هذا الأمر الجليل، وورود هذا المورد
السلسبيل الذي لم يصل إِليه من الناس إِلا القليلُ. فالعاشق يحنُّ إِلى هذا الموطن
الجليل، وينجذب جملة إِلى ظله الظليل ونسيمه العليل، وورودِ منهله العذب، فلا يشيم
البرقَ إِلا لأنه يأتي من ذلك الجناب الرفيع، ويخبر عن سر جماله البديع؛ فلهذا كان
لَمعانُ البُروق يقطع بالشوق أفلاذ كبد المشوق) [“مشارق
أنوار القلوب” لابن الدباغ المتوفى سنة 696هـ. ص36].
بمثل هذا الذوق وصل الصوفية إِلى الاطمئنان
والرضا في ظلال الحب الإِلهي، ورأوا متعاً روحية دونها متع الحياة وشهواتها.
وحسبهم أنهم يُسَرّون مع الله، وينعمون بقربه، ويشعرون بفضله وجوده {رَضِيَ اللهُ عنْهُم ورَضُوا عنْهُ} [البينة: 8]. {يُُحِبُّهم
ويُحِبُّونَهُ} [المائدة:
54]. فاختارهم بعد ما
أحبّهم ورضي عنهم، أولئك خلاصة خلقه، وخواص أحبابه، فقيل فيهم:
قومٌ أَخلصوا في حُبِّه فاختارهم ورضي بهم خُدَّاما
قومٌ إِذا جَنَّ الظلامُ عليهمُ أبصرْتَ قوماً سجداً وقياما
يتلذذون بذكره في ليلهم ويكابدون به النهارَ صياما
فسيغنمون عرائساً بعرائسٍ ويُبَوَّؤن من الجِنان خياما
وتَقَرُّ أعينُهم بما أُخفِي
لهم وسيسمعون من الجليل سلاما
تعريفه:
قال السيد رحمه الله تعالى في تعريفاته: (الفِراسة في اللغة: التثبت والنظر، وفي اصطلاح أهل
الحقيقة: هي مكاشفة اليقين، ومعاينة الغيب) [تعريفات
السيد ص110].
وقال العارف بالله ابن عجيبة رحمه الله تعالى: (الفراسة هي خاطر يهجم على القلب، أو وارد يتجلى فيه، لا
يخطىء غالباً إِذا صفا القلب، وفي الحديث: “اتقوا
فراسة المؤمن، فإِنه ينظر بنور الله” [رواه
الترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في كتاب التفسير]. وهي على
حسب قوة القرب والمعرفة، فكلما قوي القرب، وتمكنت المعرفة صدقت الفراسة، لأن الروح
إِذا قربت من حضرة الحق لا يتجلى فيها غالباً إِلا الحق [“معراج
التشوف” ص18].
والكشف نور يحصل للسالكين في سيرهم إِلى الله
تعالى؛ يكشف لهم حجاب الحس، ويزيل دونهم أسباب المادة نتيجة لما يأخذون به أنفسهم
من مجاهدة وخلوة وذكر [قال حجة الإِسلام
الغزالي رحمه الله تعالى: (إِن جلاء القلب
وإِبصاره يحصل بالذكر، وإِنه لا يتمكن منه إِلا الذين اتقوا، فالتقوى باب الذكر،
والذكر باب الكشف، والكشف باب الفوز الأكبر، وهو الفوز بلقاء الله تعالى). “إِحياء علوم الدين” للغزالي ج3. ص11]. فتنعكس أبصارهم في
بصائرهم، فينظرون بنور الله وتنمحي أمامهم مقاييس الزمان والمكان، فيطَّلعون على
عوالمَ من أمر الله اطلاعاً لا يستطيعه مَنْ لا يزال في قيد الشهوات والشكوك
والبدع العقائدية والوساوس الشيطانية، ولا تتسع له إِلا تلك القلوب النيّرة
السليمة التي زالت عنها ظلمات الدنيا وغواشيها، وانقشعت عنها غيوم الشكوك
ووساوسها، وكثافةُ الماديات وأوضارها.
نعم إِنَّ من غض بصره عن المحارم، وكفَّ نفسه
عن الشهوات، وعمَّر باطنه بمراقبة الله تعالى، وتعوَّد أكل الحلال لم يخطىء كشفه
وفراسته، ومن أطلق نظره إِلى المحرمات تنفست نفسه الظلمانية في مرآة قلبه فطمست
نورها.
ويرجع هذا الكشف إِلى أن العبد إِذا انصرف عن
الحس الظاهر إِلى الحس الباطن تغلبت روحه على نفسه الحيوانية المتلبسة ببدنه -
والروح لطيفة كشَّافة - فيحصل له حينئذ الكشف، ويتلقى واردات الإِلهام.
يقول المؤرخ ابن خلدون رحمه الله تعالى فيما
نحن بصدده: (ثم إِن هذه المجاهدة والخلوة والذكر
يتبعها غالباً كشف حجاب الحس، والاطلاع على عوالم من أمر الله ليس لصاحب الحس
إِدراكُ شيء منها؛ والروح من تلك العوالم. وسبب هذا الكشف أن الروح إِذا رجع عن
الحس الظاهر إِلى الباطن، ضعفت أحوال الحس، وقويت أحوال الروح، وغَلَب سلطانه،
وتجدد نُشُوؤهُ. وأعان مع ذلك الذكر؛ فإِنه كالغذاء لتنمية الروح، ولا يزال في نمو
وتزايد إِلى أن يصير شهوداً، بعد أن كان عِلماً، ويكشف حجاب الحس، ويتم صفاء النفس
الذي لها من ذاتها، وهو عين الإِدراك، فيتعرض حينئذ للمواهب الربانية والعلوم
اللدنية والفتح الإِلهي.. إِلى أن قال: وهذا الكشف كثيراً ما يَعرِض لأهل
المجاهدة؛ فيدركون من حقائق الوجود ما لا يدرك سواهم.. وقد كان الصحابة رضوان الله
عليهم على مثل هذه المجاهدة، وكان حظهم من هذه الكرامات أوفر الحظوظ، لكنهم لم يقع
لهم بها عناية. وفي فضائل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم كثير منها،
وتبعهم في ذلك أهل الطريقة ممن اشتملت الرسالة القشيرية على ذكرهم ومن تبع طريقتهم
من بعدهم) [“مقدمة ابن
خلدون” ص329].
وهذا الكشف وراثة محمدية صادقة، وَرِثَها
أصحابه رضي الله عنهم، بسبب صدقهم وتصديقهم وصفاء سريرتهم.
الكشف عند رسول الله
صلى الله عليه وسلم:
وقبل أن نذكر شيئاً عن هؤلاء المورثين من
الصحابة ومَنْ بعدهم، نذكر نوعاً من كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي منحه
الله إِياه، على أن الكشف له عليه الصلاة والسلام معجزة، وللصحابة والأولياء من
بعده كرامة، وكلُّ كرامة لولي معجزةٌ لنبيه صلى الله عليه وسلم.
عن أنس رضي الله عنه قال: أُقيمت الصلاة، فأقبل
علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه فقال: “أقيموا
صفوفكم وتراصُّوا، فإِني أراكم من وراء ظهري” [رواه
البخاري في صحيحه في كتاب أبواب الجماعة، ومسلم في كتاب الصلاة].
ولما كان الكشف بعيداً عن عالم الحس، وينمحي
أمامه المقياس الزماني والمكاني، لذلك كان صلى الله عليه وسلم يستوي عنده في الرؤية
القرب والبعد:
يقول أنس رضي الله عنه: بعث رسول الله صلى الله
عليه وسلم زيداً، وجعفراً وابن رواحة، ورفع الراية إِلى زيد، فأُصيبوا جميعاً،
فنعَاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إِلى الناس قبل أن يجيءَ الخبر، فقال: “أخذ الراية زيد فأُصيب، ثم أخذها جعفر فأُصيب، ثم أخذها
عبد الله بن رواحة فأُصيب، وإِن عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان، ثم
أخذها خالد بن الوليد من غير إِمرة، فَفُتِح له” [رواه
البخاري في صحيحه في كتاب الجنائز وكتاب المناقب].
قاله
صلى الله عليه وسلم يوم غزوة مؤتة.
الكشف في القرآن
الكريم:
قال الله تعالى في حق إِبراهيم خليل الله عليه
السلام: {وكذلِكَ نُري إبراهيمَ مَلكُوتَ السمواتِ
والأرضِ ولِيَكُونَ مِنَ الموقنينَ} [الأنعام:
75].
وكذلك ما أخبر الله عز وجل عن الخضر عليه
السلام، حين صحب موسى عليه السلام في المسائل الثلاثة:
الأولى: انكشف للخضر أن السفينة التي ركبها
مجاناً في طريقهم عبر البحر، سيأخذها ملك غاشم ظلماً، فخرقها ليعيبها ولينقذها من
شر ذلك الغاصب مكافأة للمعروف بالمعروف: {أمَّا
السفينَةُ فكانتْ لمساكينَ يعمَلُونَ في البحر فأردْتُ أنْ أعيبَها وكانَ وراءهم
مَلِكٌ يأخُذ كلَّ سفينَةٍ غَصْباً} [الكهف: 79].
الثانية: كُشف له عن الغلام؛ إِن بقي حياً
فسيقتل أبويه في كبره، ويوقعهما في الكفر، فقتله رحمة بأبويه المؤمنيْن، واستجابة
لإِرادة الله تعالى بإِبداله بخير منه زكاةً ورحمة: {وأمّا
الغلامُ فكانَ أبواهُ مؤمنينِ فخشينا أنْ يُرهِقَهما طُغياناً وكُفراً . فأردنا أن
يُبدِلَهُما رَبُّهما خيراً منه زكاةً وأقرب رُحْماً}
[الكهف: 80ـ81].
الثالثة: كشف له الكنز الذي تحت الجدار، وكان
لغلامين يتيمن من أب صالح، فأقام الجدار حفظاً للكنز، ورحمةً للغلامين، ومحبةً
لأبيهما الصالح، بلا أجر وبلا مقابل، مروءةً وإِخلاصاً: {وأمّا
الجدارُ فكانَ لغُلامينِ يتيمينِ في المدينة وكان تحتهُ كنزٌ لهما وكانَ أبوهما
صالحاً فأرادَ ربُّكَ أنْ يبْلُغا أشُدَّهما ويَسْتَخرِجا كنْزَهُما رَحْمَةً مِنْ
رَبِّكَ} [الكهف: 82].
الكشف عند الصحابة
رضوان الله عليهم أجميعن:
الكشف عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه:
وهو الذي شهد الله له بالصدِّيقية بقوله: {والذي جاء بالصِّدْقِ [رسول
الله صلى الله عليه وسلم] وصَدَّقَ بِهِ [أبو بكر رضي الله عنه]}. وإِني أذكر واقعة واحدة من كثير، تكشف لنا الغطاء عن
ذلك، ومن أين لإِنسانٍ أن يحصيَ مآثِرَ أبي بكر رضي الله عنه.
عن عروة عن أبيه رضي الله عنهما، عن عائشة رضي
الله عنها: أن أبا بكر لما حضرته الوفاة، دعاها فقال: إِنه ليس في أهلي بعدي أحد
أحب إِليَّ غنى منك، ولا أعز علي فقراً منك وإِني كنت نحلتك [النَّحلة: العطية والهبة ابتداء من غير عوض ولا
استحقاق كذا في غريب الحديث لابن الأثير ج4 ص139] من أرض
بالعالية جَدادَ [الجداد: قال ابن الأثير:
الجداد بالفتح والكسر: صرام النخل وهو قطع ثمرتها يقال جد الثمرة يجدها جداً ج1. ص173] - يعني:
صرام - عشرين وسقاً [الوسق: قال في القاموس:
ستون صاعاً أو حمل بعير، وأوسق البعير حمله حملاً]،
فلو كنتِ جددْتِهِ تمراً عاماً واحداً انحازَ لك، وإِنما هو مال الوارث، وإِنما
هما أخواك وأختاك. فقلتُ: إِنما هي أسماء، فقال: وذاتُ بطنِ ابنةِ خارجة، قد أُلقي
في روُعي أنها جاريةٌ فاستوصي بها خيراً، فولدت أُمَّ كلثوم [أخرجه ابن
سعد في الطبقات، ذكر وصية أبي بكر. ج3. ص195].
قال التاج السبكي رحمه الله تعالى: (وفيه كرامتان لأبي بكر رضي الله عنه:
إِحداهما: إِخبارُه أنه يموت في ذلك المرض، حيث
قال: وإِنما هو اليوم مالُ وارث.
والثانية: إِخبارُه بمولود يولد له، وهو جارية.
والسر في إِظهار ذلك استطابة قلب عائشة رضي الله عنها في استرجاع ما وهبه لها ولم
تقبضْه، وإِعلامها بمقدار ما يخصها، لتكون على ثقة، فأخبرها بأنه مال وارث، وأنَّ
معها أخوين وأختين [“حجة الله
على العالمين” للشيخ يوسف النبهاني البيروتي ص860].
الكشف عند عمر بن
الخطاب الخليفة الثاني رضي الله عنه:
وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه
من الملهَمين:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: “لقد كان فيمَنْ قبلكم من
الأمم ناس مُحدَّثون، فإِن يكُ في أمتي أحدٌ فإِنه عمر”
[رواه البخاري في صحيحه في كتاب المناقب، ومسلم
في كتاب فضائل الصحابة].
فإِن أمته عليه الصلاة والسلام أفضلُ الأمم،
وإِذا ثبت أنهم وُجدوا في غيرها فوجودهم فيها أولى، وإِنما أورده مورد التأكيد،
كقول القائل: إِن كان لي صديق ففلان. يريد اختصاص كمال الصداقة لا نفيها عن غيره.
والمحدَّث: هو الملهَمُ الصادق الظن، وهو مَنْ أُوقِعَ في قلبه شيءٌ من قِبل الملأ
الأعلى، فيكون كالذي حدثه غيرُه.
قال التاج السبكي رحمه الله تعالى: (كان عمر رضي الله عنه قد أمَّرَ سارية بن زنيم الخلجي
على جيش من جيوش المسلمين، وجهزه على بلاد فارس، فاشتد على عسكره الحال على باب نهوند
وهو يحاصرها، وكثرت جموع الأعداء، وكاد المسلمون ينهزمون، وعمر رضي الله عنه
بالمدينة، فصعد المنبر وخطب، ثم استغاث في أثناء خطبته بأعلى صوته: [يا سارية! الجبل. من استرعى الذئب الغنم فقد ظلم] [قال
العجلوني: وإِسناده كما قال الحافظ ابن حجر حديث حسن ج2. ص380]. فأسمع الله تعالى سارية وجيشه أجمعين،
وهم على باب نهاوند صوتَ عمر، فلجؤوا إِلى الجبل، وقالوا هذا صوت أمير المؤمنين،
فنجوا وانتصروا).
وقال التاج السبكي رحمه الله تعالى: (لم يقصد إِظهار الكرامة، وإِنما كُشِف له، ورأى القوم
عياناً، وكان كمن هو بين أظهرهم حقيقة، وغاب عن مجلسه بالمدينة واشتغلت حواسه بما
دهم المسلمين، فخاطب أميرهم خطاب مَنْ هو معه) [“حجة الله
على العالمين” للشيخ يوسف النبهاني البيروتي ص860]. ففي هذه القصة شيئان:
الأول: الكشف الصحيح والرؤية العيانية على بعد
آلاف الأميال، وأين (التلفزيون) في مثل هذه القصة الواقعة قبل أربعة عشر قرناً؟
الثاني: إِبلاغ صوته ساريةَ على هذا البعد
الشاسع.
ورأى عمر رضي الله عنه قوماً من مذحج فيهم
الأشتر فصعَّد النظر فيه وصوَّب ثم قال: (قاتله
الله إِني لأرى للمسلمين منه يوماً عصيباً فكان منه ما كان) [“فيض القدير
شرح الجامع الصغير” للعلامة المناوي ج1. ص143].
وأخرج ابن عساكر عن طارق بن شهاب قال: (إِنْ كان الرجل ليحدث عمر بالحديث فيكْذِبُه الكِذبة
فيقول: احبس هذه، ثم يحدثه بالحديث فيقول: احبس هذه، فيقول له: كل ما حدثتُك حق
إِلا ما أمرتني أن أحبسه) [“تاريخ
الخلفاء” للعلامة جلال الدين السيوطي ص127 -128].
وأخرج عن الحسن قال: (إِن
كان أحد يعرف الكذب إِذا حُدّث فهو عمر بن الخطاب)
[“تاريخ الخلفاء” للعلامة جلال الدين السيوطي ص127 -128].
وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي هدية الحمصي
قال: (أُخبِر عمر بأن أهل العراق حَصبَوا أميرهم،
فخرج غضبان، فصلى فسها في صلاته، فلما سلم قال: اللهم إِنهم قد لبَّسوا عليّ فالبس
عليهم، وعجِّلْ عليهم بالغلام الثقفي يحكم فيهم بحكم الجاهلية؛ لا يقبل من محسنهم،
ولا يتجاوز عن مسيئهم).
قلت: أشار به إِلى الحجاج. قال ابن لهيعة: وما
وُلِدَ الحجاج يومئذ [“تاريخ
الخلفاء” للعلامة جلال الدين السيوطي ص127 -128].
الكشف عند عثمان بن
عفان رضي الله تعالى عنه:
ذكر التاج السبكي رحمه الله تعالى في الطبقات
وغيره: (أنه دخل على عثمان رضي الله عنه رجل، كان
قد لقي امرأة في الطريق، فتأملها، فقال له عثمان رضي الله عنه: يدخل أحدكم، وفي
عينيه أثر الزنا؟ فقال الرجل: أوحْيٌ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا،
ولكنها فراسة المؤمن). وإِنما أظهر عثمان هذا
تأديباً للرجل، وزجراً له عن شيءٍ فعله [“حجة الله
على العالمين” للنبهاني ص862].
الكشف عند علي بن أبي
طالب رضي الله عنه:
الذي رباه رسول الله صلى الله عليه وسلم في
حجره، ولما آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه قال له: “أنت أخي” [أخرجه
الترمذي في كتاب المناقب عن ابن عمر، وقال: حسن غريب]. وقال له
أيضاً: “ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من
موسى؟” [رواه
البخاري في المغازي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه].
عن الأصبغ رحمه الله تعالى قال: أتينا مع عليّ
فمررْنا بموضع قبر الحسين، فقال علي: (ههنا مناخ
ركابهم، وههنا موضع رحالهم، وههنا مهراق دمائهم. فتية من آل محمد صلى الله عليه
وسلم يقتلون بهذه العَرْصة، تبكي عليهم السماء والأرض)
[“الرياض النضرة في
مناقب العشرة” للمحب الطبري ج2. ص295].
وقال علي رضي الله عنه لأهل الكوفة: (سينزل بكم أهلُ بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فيستغيثون بكم فلم يغاثوا) فكان منهم في شأن
الحسين ما كان [“فيض القدير شرح الجامع الصغير”
للعلامة المناوي ج1. ص143].
ولو أردنا أن نستقصي تراجم الصحابة الكرام رضي
الله عنهم في كشفهم وفراستهم، لخرجنا عن موضوعنا في رسالتنا هذه.
كشف العارفين:
روي عن الإِمام الشافعي ومحمد بن الحسن رحمهما
الله تعالى: (أنهما كانا بِفِناء الكعبة، ورجل على
باب المسجد فقال أحدهما: أراه نجاراً، وقال الآخر: بل حداداً، فتبادر من حضر إِلى
الرجل فسأله فقال: كنت نجاراً وأنا اليوم حداد) [“تفسير
القرطبي” ج10. ص44].
وعن أبي سعيد الخراز رحمه الله تعالى قال: (دخلت المسجد الحرام، فرأيت فقيراً عليه خرقتان، فقلت في
نفسي: هذا وأشباهه كَلٍّ على الناس؛ فناداني وقال: {واعلموا
أنَّ اللهَ يعلَمُ ما في أنْفُسِكُم فاحذَروهُ} [البقرة:
235]. فاستغفرْتُ الله في
سرِّي، فناداني وقال: {وهوَ الذي يَقْبَلُ
التوبَةَ عن عبادِهِ} [الشورى: 25]. ثم غاب عني، ولم أره) [“الإِحياء” للغزالي ج3 ص21].
ومثل هذا وقع لغيره.
يقول خير النسَّاج رحمه الله تعالى: (كنت جالساً
في بيتي، فوقع لي أن الجنيد بالباب، فنفيت عن قلبي ذلك، فوقع ثانياً وثالثاً،
فخرجت، فإِذا الجنيد، فقال: لِمَ لم تخرج مع الخاطر الأول؟) [“الرسالة
القشيرية” ص110].
وحُكي عن إِبراهيم الخوّاص رحمه الله تعالى
قال: (كنت في بغداد في جامع المدينة، وهناك جماعة
من الفقراء، فأقبل شاب ظريف طيب الرائحة، حسن الحرمة حسن الوجه، فقلت لأصحابنا:
يقع لي أنه يهودي، فكلهم كرهوا ذلك، فخرجت وخرج الشاب، ثم رجع إِليهم وقال: إِيش
قال الشيخ؟ فاحتشموه، فألح عليهم فقالوا: قال: إِنك يهودي. قال: فجاءني، وأكبَّ
على يدي وأسلم، فقيل: ما السبب؟ قال نجد في كتبنا أن الصدّيق لا تخطىء فراسته
فقلتُ: أمتحنُ المسلمين، فتأملتهم فقلت: إِن كان فيهم صدّيق، ففي هذه الطائفة
لأنهم يقولون حديثه سبحانه، فلبَّستُ عليهم، فلما اطّلع عليَّ وتفرَّس فيَّ علمتُ
أنه صدّيق، وصار الشاب من كبار الصوفية) [“الرسالة
القشيرية” ص110].
ولا عجب في ذلك فقد أخبر عن هذا رسول الله صلى
الله عليه وسلم بقوله: “إِن لله عباداً يعرفون
الناس بالتوسم” [رواه
البزار والطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك. وإِسناده حسن، كما في مجمع الزوائد
ج10 ص268].
ووقف نصراني على الجنيد رحمه الله تعالى، وهو
يتكلم في الجامع على الناس، فقال: أيها الشيخ! ما معنى حديث: “اتقوا فراسة المؤمن فإِنه ينظر بنور الله” [رواه
الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري. في كتاب التفسير]. فأطرق
الجنيد ثم رفع رأسه وقال: أسلمْ فقد جاء وقت إِسلامك، فأسلم الغلام [“الفتاوى
الحديثية” لابن حجر الهيثمي ص229].
وحديث الفراسة أصل في الكشف الذي يقع لكثير من
الأولياء، تجد الواحد منهم يكاشف الشخص بما حصل له في غيبته، كأنه حاضر معه. وهي
فتنة في حق مَنْ لم يتخلق بأخلاق الرحمن.
وقد يكون الكشف عن أصحاب القبور منعَّمين أو
معذَّبين:
قال العلامة عبد الرؤوف المناوي رحمه الله
تعالى عند شرحه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لولا
أن لا تَدافَنوا لدعوتُ الله أن يُسمعكم من عذاب القبر”
[أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجنة ومتعة
نعيمها، والنسائي عن أنس ابن مالك رضي الله عنه]. وإِنما
أَحبَّ إِسماعهم عذاب القبر دون غيره من الأهوال لأنه أول المنازل. وفيه أن الكشف
بحسب الطاقة، ومَنْ كُوشف بما لا يطيقه هلك.
تنبيه: قال بعض الصوفية: (والاطلاع على المعذَّبين والمنعَّمين في قبورهم واقع
لكثير من الرجال، وهو هول عظيم، يموت صاحبه في اليوم والليلة موتات، ويستغيث ويسأل
الله أن يحجبه عنه، وهذا المقام لا يحصل للعبد إِلا بعد غلبة روحانيته على
جسمانيته، حتى يكون كالروحانيين. فالذين خاطبهم الشارع هنا هم الذين غلبت
جسمانيتهم لا من غلبت روحانيتهم، والمصطفى صلى الله عليه وسلم كان يخاطب كل قوم
بما يليق بهم) [“فيض
القدير، شرح الجامع الصغير” للعلامة المناوي ج5.
ص342].
وما حكي من فراسة المشايخ وإِخبارهم عن
اعتقادات الناس وضمائرهم يخرج عن الحصر، إِلا أن الجاحد لا تفيده هذه الشواهد
والأخبار مما ذكرناه من النقول الصحيحة عن الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم؛ مادام
لا يؤمن إِلا بالمادة ولا يصدِّق ما وراءها.
قال تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى: (اعلم أن المرء إِذا صفا قلبه صار ينظر بنور الله، فلا
يقع بصره على كدرٍ أو صافٍ إِلا عرفه. ثم تختلف المقامات، فمنهم من يعرف أن هناك
كدراً ولا يدري ما أصله، ومنهم من يكون أعلى من هذا المقام فيدري أصله، كما اتفق
لعثمان رضي الله عنه، فإِنَّ تأمُّل الرجل للمرأة أورثه كدراً فأبصره عثمان، وفهم
سببه.
وهنا دقيقة: وهي أن كل معصية لها كدر، وتُورِث
نكتة سوداء في القلب فيكون رَيْناً، كما قال تعالى: {كلا
بلْ رانَ على قُلُوبِهِمْ ما كانوا يًكْسِبُونَ} [المطففين:
14]. إِلى أن يستحكم
والعياذ بالله، فيظلم القلب وتغلق أبواب النور فيُطْبَع عليه، فلا يبقى سبيل إِلى
التوبة. كما قال تعالى: {وَطُبِعَ على قلوبِهِمْ
فَهُمْ لا يفقَهُونَ} [التوبة: 87].
إِذا عرفتَ هذا؛ فالصغيرة من المعاصي تورث
كدراً صغيراً بقدرها قريب المحو بالاستغفارِ وغيره من المكفرات. ولا يدركه إِلا ذو
بصر حادٌّ كعثمان رضي الله عنه، حيث أدرك هذا الكدر اليسير، فإِنَّ تأمُّل المرأة
والنظر إِليها أدركه عثمان وعرف أصله [قال
العلامة الألوسي في كتابه “روح المعاني” عند قوله تعالى: {قل
للمُؤمِنينَ يغُضُّوا مِنْ أبضارِهِم} [النور: 30]: (ثم
إِن غض البصر عما يحرم النظر إِليه واجب، ونظرة الفجأة - لاتَعَمَّد فيها - معفو
عنها. فقد أخرج أبو داود، والترمذي وغيرهما عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: “لا تُتْبِع النظرة
النظرة، فإِن لك الأولى وليست لك الآخرة” تفسير روح
المعاني للعلامة الألوسي ج18. ص125. وعن أبي موسى عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: “كل عين زانية”. رواه البزار والطبراني ورجالهما ثقات. وعن علقمة عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: “زنا العينين النظر”. رواه
الطبراني. الحديثان في مجمع الزوائد. ج6. ص256. وعن عبد الله بن
مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني عن ربه عز وجل: “النظرة سهم مسموم من سهام إِبليس، مَنْ تركها مِنْ
مخافتي أبدلته إِيماناً يجد حلاوته في قلبه”. رواه الطبراني
والحاكم من حديث حذيفة وقال: صحيح الإِسناد. وعن أبي أمامة رضي
الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لَتغضُّن
أبصاركم ولَتحفظُن فروجكم، أو ليكسفَن الله وجوهكم”.
رواه الطبراني. وعنه أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما من مسلم ينظر إِلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إِلا
أحدث له الله عبادة يجد حلاوتها في قلبه”. رواه
الإِمام أحمد. في الترغيب والترهيب ج3. ص34 -36]. وهذا مقام عالٍ يخضع له كثير من
المقامات.
وإِذا انضم إِلى الصغيرة صغيرة أخرى ازداد
الكدر، وإِذا تكاثرت الذنوب حتى وصلت - والعياذ بالله - إِلى ما وصفناه من ظلام
القلوب صار بحيث يشاهده كل ذي بصر، فمن رأى متضمخاً بالمعاصي قد أظلم قلبه؛ ولم
يتفرس فيه ذلك فليعلم أنه إِنما لم يبصره لما عنده من العمى المانع للأبصار، وإلا
فلو كان بصيراً لأبصر هذا الظلام الداجي، فبقدر بصره يبصر، فافهم ما نتحفك به) [“حجة الله
على العالمين” للنبهاني البيروتي ص862].
فالفراسة أمر جائز الوقوع، وهي منحة إِلهية
يكرم الله بها عباده الصالحين الذين تمسكوا بدينهم، وحفظوا جوارحهم، وصقلوا
قلوبهم، وهذبوا نفوسهم.
قال المناوي في شرح الجامع الصغير عند قوله
عليه الصلاة والسلام: “إِنَّ لكل قوم فراسة،
وإِنما يعرفها الأشراف”: (قاعدة
الفراسة وأسُّها: الغض عن المحارم، قال الكرماني: من عمّر ظاهره باتباع السنة،
وباطنه بدوم المراقبة، وكفَّ نفسه عن الشهوات، وغض بصره عن المخالفات، واعتاد أكل
الحلال لم تخطىء فراسته ابداً. اهـ فمن وُفِّق لذلك أبصر الحقائق عياناً بقلبه) [“فيض القدير
شرح الجامع الصغير” للمناوي ج2. ص515].
وعلى كلٍ فالقلوب تختلف باختلاف صقلها وتنظيفها
من أدران الذنوب المظلمة، فهي كالزجاج كلما صقل ازداد ثمنه، وكشف الجراثيم التي لا
ترى. فأين زجاج النافذة من زجاج المجهر الذي يكشف الجراثيم الدقيقة؟ وكما لا يقاس
زجاج النافذة بزجاج المجهر، كذلك لا تقاس القلوب الصافية المصقولة بالقلوب المكدرة
المظلمة، ولا تقاس الملائكة بالشياطين.
فمن جدَّ وجد، ومن سار على الطريق وصل، ومن
أتقن المقدمة وصل إِلى النتيجة، والبدايات تدل على النهايات.
قال الشريف الجرجاني رحمه الله تعالى في
تعريفاته: (الإلهام: ما يُلقَى في الرُّوع بطريق
الفيض. وقيل: الإلهام ما وقع في القلب من علم. وهو يدعو إلى العمل من غير استدلال
بآية، ولا نظر في حجة) [“تعريفات
الشريف” الجرجاني ص23].
والإِلهام إِما أن يكون من قِبَلِ الله تعالى،
أو من قبل ملائكته، يُفْهَم منه أمر أو نهي أو ترغيب أو ترهيب..
أما الذي من قِبل الله
تعالى:
فحكى لنا حضرةُ الله تعالى في كتابه عن مريم
رضي الله عنها حينما أوتْ إِلى شجرة النخل في أيام الشتاء، فخاطبها بإِلهام ووحي
من دون واسطة وقال لها: {وهُزِّي إليكِ بجذْعِ
النَّخلة تُساقِطْ عليكِ رُطَباً جَنياً . فكُلِي واشرَبي وقرِّي عيناً} [مريم: 25].
قال الإِمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى
عند تفسير هذه الآية: (إِنَّ ذلك كان على سبيل
النفث في الروع والإِلهام والإِلقاء في القلب، كما كان في حق أُم موسى عليه السلام
في قوله: {وأوحينَا إلى أُمِّ موسى} [القصص: 7] [“التفسير الكبير”
للإِمام فخر الدين الرازي ج2. ص669].
وكذلك أخبرنا عن أُم موسى عليه السلام، حينما
ضاق بها الحال من أمر ابنها عليه السلام، وداهمها جنود فرعون لقتله، فألهمها،
وأوحى إِليها بلا واسطة، فقال تعالى: {وأوحينَا
إلى أُمِّ موسى أنْ أرضِعيهِ فإذا خِفتِ عليه فألْقِيهِ في اليَّمِ ولا تخافي ولا
تحزَني إنَّا رادُّوه إليكِ وجاعِلُوه مِنَ المرسلينَ}
[القصص: 7] [قال العلامة الألوسي في تفسيره عند هذه الآية ج16. ص170: (والمراد بالإِيحاء عند الجمهور ما كان بإِلهام، كما في
قوله تعالى: {وأوحَى ربُّكَ إلى النَّحْلِ} [النحل: 68].. إِلى أن قال: وإِلهام
الأنفس القدسية مثل ذلك لا بُعد فيه، فإِنه نوع من الكشف)].
ألقتْ ابنها وفلذة كبدها بين أمواج البحر
الخضم. إِلى أين يذهب هذا الولد الكريم بين هياج موج البحر يا ترى؟! إِنه الهلاك
بعينه، لكنها كانت على يقين من أمرها، لِمَا اعتادت من سماع الوحي الذي يأتيها من
ربها بلا واسطة، في خلوتها وجلوتها.
هذه امرأة مؤمنة، وولية وليست نبية [اتفق الأكثرون على أن أم موسى لم تكن نبية لأن
النبوة منحصرة في الرجال. {وما أرسَلْنا قبلَكَ
إلا رجالاً نوحي إليهِم} [يوسف: 109]. والوحي جاء في القرآن لا بمعنى النبوة،
بل بالإِلهام كما قال تعالى: {وإذ أوحيتُ إلى
الحواريينَ} [المائدة:
111]. {وإذ أوحينا إلى أمِّكَ ما يُوحَى} [طه: 38]]، وتلك مريم رضي الله عنها في أُمة
إِسرائيلية، فما بالك بالأمة المحمدية التي شهد الله لها بالخيرية على سائر
الأمم؟! قال تعالى: {كُنْتُم خَيرَ أُمَّةٍ
أُخرِجَتْ للناسِ تأمُرونَ بالمعروفِ وتنْهَونَ عن المُنْكَرِ} [آل
عمران: 110].
وأما الإِلهام من قبل
الملائكة:
فالمَلَك يحدِّث الإِنسانَ، كما قال صلى الله عليه
وسلم: “..وأما لَمَّةُ الملك فإِيعادٌ بالخير
وتصديقٌ بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله” [رواه
الترمذي في كتاب التفسير، تفسير سورة البقرة عن ابن مسعود رضي الله عنه وقال: حديث
حسن غريب. واللمة: الهمة والخطرة تقع في القلب. كما في
غريب الحديث].
قال الإِمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى
عند قوله تعالى: {وإذْ قالتْ الملائِكَةُ يا
مريَمُ إنَّ اللهَ اصطفاكِ وطَهَّرَكِ واصطَفاكِ على نساءِ العالَمينَ} [آل عمران:
42]: (اعلم أن مريم عليها السلام ما كانت من الأنبياء لقوله
تعالى: {وما أرْسلْنا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجالاً
نوحِي إليهِم مِنْ أهْلِ القرى} [يوسف: 109]. وإِذا كان كذلك؛ كان إِرسال جبريل عليه
السلام كرامة لها، وكلمها شفاهاً، وليس هذا خاصاً بها، بل هناك كثير من الصالحين
كلمتهم الملائكة عليهم السلام) [“التفسير
الكبير” للإِمام فخر الدين الرازي ج2. ص669]. فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: “إِن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى،
فأرصد الله على مَدْرجتِه مَلَكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أُريد أخاً
لي في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمة ترُبُّها؟ قال: لا، غير أني أحببته في
الله عز وجل، قال: فإِني رسول الله إِليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه” [رواه مسلم
في صحيحه في كتاب البر والصلة باب فضل الحب في الله عن أبي هريرة رضي الله عنه].
أرصد الله على مدرجته ملكاً: أي وكَّله بحفظ
المدْرجَة، وهي الطريق وجعله رصَداً: أي حافظاً مُعَداً. تَرُبُّها: أي تحفظها
وتربيها كما يربي الرجلُ ولدَه.
قال العلامة محمد بن علاّن الصديقي الشافعي
رحمه الله تعالى شارح رياض الصالحين عند قوله: “فأرصد
الله تعالى على مدرجته مَلَكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟”: (ظاهره أن المَلكَ
خاطبه وشافهه) [دليل
الفالحين لطرق رياض الصالحين ج3. ص232].
وقال الله تعالى: {إنَّ
الذين قالوا ربُّنا اللهُ ثُمَّ استقاموا تَتَنَزَّلُ عليهِمْ الملائِكَةُ أنْ لا
تخافوا ولا تحزَنُوا وأبْشِروا بالجَنَّةِ التي كنتم توعَدُونَ . نحنُ أولياؤكُم
في الحياة الدنيا وفي الآخِرة} [فصلت:
30ـ31].
قال العلامة الألوسي رحمه الله تعالى مفسراً
تنزل الملائكة في هذه الآية: (تتنزل عند الموت
والقبر والبعث. وقيل: تتنزل عليهم: يمدونهم فيما يَعِنُّ ويطرأ لهم من الأمور
الدينية والدنيوية، بما يشرح صدورهم، ويدفع عنهم الخوف والحزن، بطريق الإِلهام.
وهذا هو الأظهر؛ لما فيه من الإِطلاق والعموم
الشاملِ لتنزلهم في المواطن الثلاثة وغيرها، وأن جمعاً من الناس يقولون بتنزل
الملائكة على المتقين في كثير من الأحايين، وإِنهم يأخذون منهم ما يأخذون، فتذكر.
ثم قال في قوله تعالى: {وأبشِروا بالجَنَّة التي كنْتُم توعَدونَ}
[فصلت: 31]. أي التي
كنتم توعدونها في الدنيا على ألسنة الرسل عليهم السلام، هذا من بشاراتهم في أحد
المواطن الثلاثة.
وقال في قوله تعالى: {نحنُ
أولياؤكُمْ في الحياة الدنيا} [فصلت: 31]: من بشاراتهم في الدنيا، أي أعوانكم في
أموركم، نلهمكم الحق ونرشدكم إِلى ما فيه خيركم وصلاحكم. إِلى أن قال: إِن
الملائكة تقول لبعض المتقين شفاهاً في غير تلك المواطن: نحن أولياؤكم في الحياة
الدنيا) [روح
المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للعلامة محمود الألوسي البغدادي
رحمه الله تعالى المتوفى سنة 1270هـ. ج24 ص107].
وقال الإِمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى
في تفسير هذه الآيات: (ثم إِنه تعالى أخبر عن
الملائكة أنهم قالوا للمؤمنين {نحنُ أولياؤكُمْ في
الحياة الدنيا وفي الآخِرَةِ}[فصلت: 31] : ومعنى كونهم أولياء للمؤمنين أن
للملائكة تأثيرات في الأرواح البشرية بالإِلهامات والمكاشفات اليقينية والمقامات
الحقيقية، كما أن للشياطين تأثيرات في الأرواح بإِلقاء الوساوس فيها وتخييل
الأباطيل إِليها.
وبالجملة فكون الملائكة أولياء للأرواح الطيبة
الطاهرة حاصل من جهات كثيرة معلومة لأرباب المكاشفات والمشاهدات، فهم يقولون: كما
أن تلك الولاية كانت حاصلة في الدنيا، فهي تكون باقية في الآخرة، فإِن تلك العلائق
ذاتية لازمة غير قابلة للزوال، بل كأنها تصير بعد الموت أقوى وأبقى، وذلك لأن جوهر
النفس من جنس الملائكة، وهي كالشعلة بالنسبة إِلى الشمس، والقطرة بالنسبة إِلى
البحر. والتعلقات الجسمانية هي التي تحول بينها وبين الملائكة، كما قال صلى الله
عليه وسلم: “لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني
آدم لنظروا إِلى ملكوت السماوات”. فإِذا زالت
العلائق الجسمانية والتدبيرات البدنية، فقد زال الغطاء والوطاء، فيتصل الأثر
بالمؤثر، والقطرة بالبحر والشعلة بالشمس، فهذا هو المراد من قوله: {نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة} [فصلت: 31] [تفسير
الإِمام الرازي ج7. ص371].
وقد كان عمران بن الحصين رضي الله عنه يسمع
تسبيح الملائكة حتى اكتوى، فانحبس ذلك عنه، ثم أعاده الله إِليه. وروى ابن الأثير
رحمه الله تعالى في أسد الغابة بسنده إِليه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى
عن الكَيّ، قال عمران: فاكتوينا، فما أفلحنا ولا نجحنا.
قال: وكانت الملائكة في مرضه تسلم عليه، فاكتوى
ففقد التسليم ثم عادت إِليه [وقد ألف العلامة
الكبير جلال الدين السيوطي رسالة سماها “تنوير
الحلك في إِمكان رؤية النبي والملك” ننقل منها ما
يهمنا في موضوعنا الذي نتكلم فيه.
قال جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى: (أخرج مسلم في صحيحه عن مطرف قال: قال لي عمران بن حصين
رضي الله عنه: قد كان يسلم علي حتى اكتويت فترك ثم تركت الكي فعاد. وأخرج مسلم من
وجه آخر عن مطرف قال: بعث إِلي عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه فقال: إِني
محدثك فإِن عشتُ فاكتمْ عني، وإِن متُّ فحدِّثْ بها إِن شئتَ: إِنه قد سُلِّم
عليّ.
قال النووي في شرح مسلم: معنى الحديث الأول أن
عمران بن حصين كانت به بواسير، فكان يصبر على ألمها، وكانت الملائكة تسلم عليه،
واكتوى، وانقطع سلامهم عليه، ثم ترك الكي فعاد سلامهم عليه. قال: وقوله في الحديث
الثاني: فإِن عشتُ فاكتمْ عني، أراد به الإِخبار بالسلام عليه، لأنه كره أن يُشاع
عنه ذلك في حياته لما فيه من التعرض للفتنة بخلاف ما بعد الموت.
وقال القرطبي في شرح مسلم: يعني أن الملائكة
كانت تسلم عليه إِكراماً له واحتراماً، إِلى أن اكتوى فتركت السلام عليه، ففيه
إِثبات كرامات الأولياء..
وقال القاضي أبو بكر بن العربي أحد الأئمة
المالكية، شارح صحيح الترمذي، في كتاب قانون التأويل: ذهبت الصوفية إِلى أنه إِذا
حصل للإِنسان طهارة النفس في تزكية القلب، وقطع العلائق، وحسم مواد أسباب الدنيا
من الجاه والمال والخلطة بالجنس، والإِقبال على الله تعالى بالكلية، علماً دائماً
وعملاً مستمراً، كشفت له القلوب، ورأى الملائكة وسمع أقوالهم، واطلع على أرواح
الأنبياء، وسمع كلامهم، ثم قال ابن العربي من عنده: ورؤية الأنبياء والملائكة
وسماع كلامهم ممكن كرامة، وللكافر عقوبة). الحاوي
للفتاوي ج2 ص257، 258 للعلامة جلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911هـ].
ولقد سمى الصوفية العلم الناتج من الإِلهام
علماً لدنياً حاصلاً بمحض فضل الله وكرمه بغير واسطةِ عبارةٍ.
قال بعضهم:
تعلّمْنَا بلا حرفٍ وصوْتِ قرأْناه بلا سهْوٍ وفوْتِ
يعني بطريق الفيض
الإِلهي، والإِلهام الرباني، لا بطريق التعليم اللفظي، والتدريس القولي.
وقد سئل الإِمام الغزالي عن الإِلهام فقال: (الإِلهام ضوء من سراج الغيب، يسقط على قلبٍ صافٍ لطيفٍ
فارغٍ) كل هذا يدل على إِمكان الكشف وصحة
الإِلهام؛ إِذا كان القلب صافياً فارغاً من علائق الدنيا وهمومها، ومِنْ صدأ
الذنوب وظلماتها. فالشياطين الظلمانية لا تقع إِلا على القلوب العفنة، كما يقع
الذباب على الأواني الوسخة، فتُحجبُ القلوب عن مطالعة ما حُجب عنها، يقول صلى الله
عليه وسلم: “لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني
آدم لنظروا إِلى ملكوت السماء” [رواه
الإِمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه]. وتُصرَفُ
وسوستُها عن تلك القلوب بذكر الله تعالى ومراقبته: “إِن
الشيطان واضع خَطمه على قلب ابن آدم، فإِنْ ذَكَرَ الله خنسَ وإِن نسي الْتقم قلبه” [رواه ابن أبي الدنيا، وأبو يعلى والبيهقي عن أنس،
كما في الترغيب والترهيب. خطمه: فمه. ج2. ص400]. لأن القلب
إِذا اعتاد الوسوسة، والغفلة عن ذكر الله تعالى مَرِضَ. وأما إِذا اعتاد الذكر،
وسُقيَ بأنواره، وسطعت عليه شمس تجليات الله تعالى حيِيَ وكان في عداد الأحياء،
يقول عليه الصلاة والسلام: “مثل الذي يذكر ربه،
والذي لا يذكر ربَّه مثل الحي والميت” [رواه البخاري في صحيحه في كتاب الدعوات عن أبي موسى
الأشعري رضي الله عنه].
فإِذا واظب المؤمن على ذكر الله تعالى، وكان
مستقيماً على شرعه متحلياً بالتقوى، مستأنساً بربه صار حياً بالله. ويقول القوم:
القلوب نوعان: قلب لا يولد ولم يأنِ له أن يولد، بل يظل جنيناً في بطن الشهوات
والغي والضلال. وقلب وُلد، وخرج إِلى فضاء التوحيد، وحلَّق في سماء المعرفة، وخلص
من ظلمات النفس وشهواتها واتباع هواها، فقرَّت عينُه بالله تعالى وأنارت جوانبَهُ
أشعةُ اليقين، وجعلته مرآةً شفافة، لا سبيل للشيطان إِليه، ولا سلطان له عليه.
وليس هذا ببعيد، فالطاقة الروحية قد انطلقت إِلى عالم الغيب، وصار صاحبها حَيَّاً
بعد أن كان ميتاً، ومنوراً بعد أن كان مظلماً، وملكياً بعد أن كان شيطانياً: {أَوَ مَنْ كانَ مَيْتاً فأحيَيناهُ وجعلنا لهُ نوراً
يمشي بهِ في الناسِ} [الأنعام: 122].
ولا شك أن تلك الأسرار الروحية، لا تُدرك بمجرد
الكلام، فمن لا نصيب له في شيء منها لا يضره أن يكلها إِلى أربابها، وأن يعطي
القوس باريها:
فللكثافةِ أقوامٌ لها خُلقوا وللمحبةِ أكبادٌ وأجفان
وأدنى النصيب من هذا
العلم التصديق به وتسليمه لأهله، وأقل عقوبة مَنْ ينكره أن لا يُرزق منه شيئاً.
وهو علم الصديقين والمقربين [وفي
الإِحياء للغزالي بحث مستفيض في الموضوع فليُرجع إِليه].
4-
كرامات الأولياء
- إثبات الكرامات
-
الحكمة من الكرامات
- الفرق
بين الكرامة والإستدراج
-
موقف الصحابة من الكرامات
-
موقف الصوفية من الكرامات
كثر تساؤل الناس في هذا الزمان عن الكرامات؛ هل
هي ثابتة في الشرع؟ هل لها دليل من الكتاب والسنة؟ ما هي الحكمة من إِجرائها على
يد الأولياء والمتقين؟ .. إِلخ. وبما أن موجات الإِلحاد والمادية، وتيارات التشكيك
والتضليل قد كثرت في هذا الوقت، فأثرت في عقول كثير من أبنائنا، وأضلَّت العديد من
مثقفينا، وحملتهم على الوقوف من الكرامات موقف المنكر الجاحد، أو الشاكِّ
المتردِّد، أو المستغرب المتعجب نتيجة لضعف إِيمانهم بالله وقدرته وقلة تصديقهم
بأوليائه وأحبابه.
فلا يسعنا إِلا أن نعالج هذا الموضوع إِظهاراً
للحق، ونصرة لشريعة الله تعالى.
إثبات الكرامات:
لقد
ثبتت كرامات الأولياء في كتاب الله تعالى وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفي
آثار الصحابة رضوان الله عليهم، ومَنْ بعدهم إِلى يومنا هذا، وأقرها جمهور
العلماءِ من أهل السنة والجماعة، من الفقهاء والمحدِّثين والأصوليين ومشايخ
الصوفية، وتصانيفُهم ناطقة بذلك، كما ثبتت كذلك بالمشاهدة العيانية في مختلف
العصور الإِسلامية. فهي ثابتة بالتواتر في المعنى، وإِن كانت التفاصيل آحاداً ؛
ولم ينكرها إِلا أهل البدع والانحراف ممن ضعف إِيمانهم بالله تعالى وبصفاته
وأفعاله [قال العلامة اليافعي رحمه الله تعالى: (والناس في إِنكار الكرامات
مختلفون، فمنهم من ينكر كرامات الأولياء مطلقاً، وهؤلاء أهل مذهب معروف، عن
التوفيق مصروف. ومنهم من يكذب بكرامات أولياء زمانه ويصدق بكرامات الأولياء الذين
ليسوا في زمانه كمعروف الكرخي والإِمام الجنيد وسهل التستري وأشباههم رضي الله
عنهم، فهؤلاء كما قال أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: والله ما هي إِلا
إِسرائيلية، صدقوا بموسى وكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنهم أدركوا زمنه.
ومنهم من يصدق بأن لله تعالى أولياء لهم كرامات ولكن لا يصدق بأحد معيَّنٍ من أهل
زمانه). روض الرياحين، للإِمام اليافعي ص18].
الدليل عليها من كتاب الله تعالى:
1ـ
قصة أصحاب الكهف وبقائهم في النوم أحياء سالمين عن الآفات مدة ثلاثمائة وتسع سنين،
وأنه تعالى كان يحفظهم من حر الشمس: {وتَرى الشمسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عنْ
كهفِهِم ذاتَ اليمينِ وإذا غَرَبَتْ تقرِضُهُم ذاتَ الشمالِ} [الكهف: 17]. إِلى أن
قال: {وتحسَبُهُم أيقاظاَ وهُمْ رُقودٌ ونُقلِّبُهُم ذات اليمين وذات الشمال وكلْبُهُم
باسِطٌ ذراعيهِ بالوصيدِ} [الكهف: 18]. إِلى أن قال: {ولَبِثوا في كَهْفِهِم
ثلاثمئةٍ سنين وازدادوا تسعاً} [الكهف: 25] [قال الإِمام فخر الدين الرازي رحمه
الله تعالى في تفسيره الكبير عند قصة أصحاب الكهف: (احتج أصحابنا الصوفية بهذه
الآية على صحة القول بالكرامات وهو استدلال ظاهر، فنقول: الذي يدل على جواز كرامات
الأولياء القرآن والأخبار والآثار والمعقول..) انظره مفصلاً في التفسير الكبير
للعلامة فخر الدين الرازي ج5 ص682].
2ـ
هزُّ مريم جذعَ النخلة اليابس، فاخضرَّ وتساقط منه الرُّطَبُ الجني في غير أوانه،
قال تعالى: {وهُزِّي إليكِ بجذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عليكِ رُطَباً جنيّاً}
[مريم: 25].
3ـ ما
قص الله علينا في القرآن، من أن زكريا عليه السلام كان كلما دخل على مريم المحراب،
وجد عندها رزقاً، وكان لا يدخل عليها أحد غيره عليه السلام فيقول: يا مريم أنَّى
لك هذا ؟ تقول: هو من عند الله. قال الله تعالى: {كلَّما دخَلَ عليها زكريا
المحرابَ وَجَدَ عندَها رِزْقاً قال يا مريمُ أنَّى لكِ هذا قالَتْ هوَ مِنْ عندِ
اللهِ} [آل عمران: 37].
4ـ
قصة آصف بن برخيا مع سليمان عليه السلام على ما قاله جمهور المفسرين في قوله تعالى:
{قالَ الذي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ أنا آتيكَ بهِ قبْلَ أنْ يرتَدَّ إليكَ
طرفُكَ} [النمل: 40]. فجاء بعرش بلقيس من اليمن إِلى فلسطين قبل ارتداد الطرف.
الدليل عليها من السنة الصحيحة:
1ـ
قصة جُرَيْجٍ العابد الذي كلمه الطفل في المهد. وهو حديث صحيح أخرجاه في الصحيحين
[عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لم يتكلم في
المهد إِلا ثلاثة: عيسى، وكان في بني إِسرائيل رجل يقال له جُرَيْج، كان يصلي
فجاءته أمه، فدعتْه، فقال: أُجيبُها أوْ أصلي ؟ فقالت: اللهم لا تمتْه حتى تريه
وجوه المومسات. وكان جريج في صومعته فتعرّضت له امرأة وكلمته ؛ فأبى. فأتت راعياً،
فأمكنته من نفسها، فولدت غلاماً، فقالت: من جريج. فأتوه فكسروا صومعته، وأنزلوه
وسبّوه، فتوضأ وصلّى، ثم أتى الغلام ؛ فقال: مَن أبوك يا غلام ؟ فقال: الراعي.
قالوا: نبني صومعتك من ذهب ؟ قال: لا، إِلا من طين.."].
2ـ
قصة الغلام الذي تكلم في المهد [وهذا تمام الحديث المذكور آنفاً: ".. وكانت
امرأة ترضع ابناً لها من بني إِسرائيل، فمر بها رجل راكب ذو شارة، فقالت: اللهم
اجعل ابني مثله، فترك ثديها وأقبل على الراكب، فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل
على ثديها يمصه". قال أبو هريرة: كأني أنظر إِلى النبي صلى الله عليه وسلم
يمص إِصبعه. "ثم مرَّ بأمَة، فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه، فترك ثديها،
فقال: اللهم اجعلني مثلها. فقالت: لِمَ ذاك ؟ فقال: الراكب جبار من الجبابرة، وهذه
الأمَة يقولون: سرقت، زنت، ولم تفعل". رواه البخاري في صحيحه في كتاب ذكر بني
إِسرائيل، واللفظ له. ومسلم في كتاب بر الوالدين].
3ـ
قصة الثلاثة الذين دخلوا الغار، وانفراج الصخرة عنهم بعد أن سَدَّتْ عليهم الباب.
وهو حديث متفق عليه [وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "انطلق ثلاثة رهط ممن كان
قبلكم، حتى أووا المبيت إِلى غار، فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل، فسدت عليهم
الغار، فقالوا: إِنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إِلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم،
فقال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبِق قبلهما أهلاً ولا
مالاً، فنأى بي في طلب شيء يوماً، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبْتُ لهما
غبُوقهما، فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلاً أو مالاً،
فلبثْتُ والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برِقَ الفجر، فاستيقظا، فشربا
غبوقهما. اللهم إِن كنتُ فعلت ذلك ابتغاء وجهك فَفَرِّج عنا ما نحن فيه من هذه
الصخرة. فانفرجت شيئاً لا يستطيعون الخروج". قال النبي صلى الله عليه وسلم:
"وقال الآخر: اللهم إِنه كانت لي بنتُ عم، كانت أحب الناس إِلي، فأردتها على
نفسها، فامتنعت مني: حتى ألمَّتْ بها سنة من السنين فجاءتني، فأعطيتها عشرين ومائة
دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلتْ، حتى إِذا قدرتُ عليها قالت: لا أحل لك
أن تفضَّ الخاتم إِلا بحقه، فتحرَّجْتُ من الوقوع عليها فانصرفْتُ عنها وهي أحب
الناس إِلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها. اللهم إِن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرجْ
عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها". قال
النبي صلى الله عليه وسلم: "وقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء، فأعطيتهم
أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهبَ، فثمَّرتُ أجرَه، حتى كثرت منه الأموال،
فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله! أدِّ إِليَّ أجري، فقلت له: كلُّ ما ترى من
أجرك من الإِبل والبقر والغنم والرقيق فقال: يا عبد الله: لا تستهزىء بي. فقلت:
إِني لا أستهزىء بك. فأخذه كله، فاستاقه، فلم يترك منه شيئاً. اللهم فإِن كنتُ
فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك فافرجْ عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة، فخرجوا
يمشون". أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الإِجارة واللفظ له، ومسلم في كتاب
الذكر].
4ـ
قصة البقرة التي كلمت صاحبها. وهو حديث صحيح مشهور [روى سعيد بن المسيب عن أبي
هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "بينما رجل راكب على بقرة
قد حمل عليها، فالتفتت إِليه البقرة فقالت: إِني لم أُخلَق لهذا، وإِنما خلقت
للحرث، فقال الناس: سبحان الله بقرة تتكلم! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آمنْتُ
بهذا أنا وأبو بكر وعمر". رواه البخاري في صحيحه في كتاب المزارعة، ومسلم في كتاب
فضائل الصحابة، والترمذي في كتاب المناقب].
الدليل عليها من آثار الصحابة:
وقد
نُقِل عنهم من الكرامات الشيء الكثير.
1ـ
قصة أبي بكر رضي الله عنه مع أضيافه في تكثير الطعام، حتى صار بعد الأكل أكثرَ مما
كان. وهو حديث صحيح في البخاري [أخرج البخاري: أن أبا بكر كان عنده أضياف، فقدم
لهم الطعام فلما أكلوا منه ربا من أسفله حتى إِذا شبعوا قال لامرأته: (ياأخت بني
فراس ما هذا ؟ قالت: وقرة عيني لهي [تعني القصعة] أكثر منها قبل أن يأكلوا.. إِلى
آخر القصة].
2ـ
قصة عمر رضي الله عنه، وهو على منبر المدينة ينادي بقائده: يا سارية الجبل! وهو
حديث حسن [انظر الحديث ص 344].
3ـ
قصة عثمان رضي الله عنه مع الرجل الذي دخل عليه، فأخبره عما أحدث في طريقه من نظره
إِلى المرأة الأجنبية. الحديث [انظر الحديث
ص 346].
4ـ
سماع علي بن أبي طالب رضي الله عنه كلامَ الموتى. كما أخرجه البيهقي [أخرج البيهقي
عن سعيد بن المسيب قال: (دخلنا مقابر المدينة مع علي رضي الله عنه، فنادى: يا أهل
القبور السلام عليكم ورحمة الله، تخبرونا بأخباركم أم نخبركم ؟ قال: فسمعنا صوتاً:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا أمير المؤمنين خبِّرنا عما كان بعدنا. فقال
علي: أما أزواجكم فقد تزوجن، وأما أموالكم فقد اقتُسمت، والأولاد قد حُشِروا في
زمرة اليتامى، والبناء الذي شيدْتم فقد سكنه أعداؤكم، فهذه أخبار ما عندنا، فما
أخبار ما عندكم ؟ فأجابه ميت: قد تخرَّقت الأكفان، وانتثرت الشعور، وتقطعت
الجلودَ، وسالت الأحداق على الخدود، وسالت المناخر بالقيح والصديد، وما قدَّمناه
وجدناه وما خلَّفناه خسرناه، ونحن مُرْتَهنون)].
5ـ
قصة عبَّاد بن بشر وأسيد بن حضير رضي الله عنهما اللذيْن أضاءتْ لَهمَا عصا أحدهما
عندما خرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة. وهو حديث صحيح
أخرجه البخاري [أخرج الحاكم في كتاب معرفة الصحابة وصححه والبيهقي وأبو نعيم وابن
سعد، وهو في البخاري من غير تسمية الرجلين: "أن أسيد بن حضير وعباد بن بشر
رضي الله عنهما كانا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاجة حتى ذهب من الليل
ساعة، وهي ليلة شديدة الظلمة، خرجا وبيد كل واحد منهما عصا فأضاءت لهما عصا أحدهما
فمشيا في ضوئها، حتى إِذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشى كل واحد
منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله"].
6ـ
قصة خبيب رضي الله عنه في قطف العنب الذي وُجدفي يده يأكله في غير أوانه. وهو حديث
صحيح [أخرج البخاري في صحيحه في باب غزوة الرجيع عن أبي هريرة رضي الله عنه أن
خبيباً كان أسيراً عند بني الحارث بمكة، في قصة طويلة، وفيها أن بنت الحارث كانت
تقول: (ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب، وما بمكة
يومئذ ثمرة وإِنه لموثَق في الحديد، وما كان إِلا رزق رزقه الله)].
7ـ
قصة سعد وسعيد رضي الله عنهما، وهي أن كلاً منهما دعا على من كذب عليه، فاستجيب
له. أخرجه البخاري ومسلم [الأول منهما: سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فقد أخرج
الشيخان والبيهقي من طريق عبد الملك بن عمير عن جابر رضي الله عنه قال: شكا ناس من
أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص إِلى عمر (فبعث معه من يسأل عنه بالكوفة، فطِيف به في
مساجد الكوفة، فلم يُقل له إِلا خير حتى انتهى إِلى مسجد، فقال رجل يُدْعى أبا
سعدة: أما إِذ أنشدتنا فإِن سعداً كان لا يقسم بالسوية ولا يسير بالسرية ولا يعدل في
القضية، فقال سعد: اللهم إِن كان كاذباً فأطلْ عمره، وأطل فقره وعرضه للفتن، قال
ابن عمير: فرأيتُه شيخاً كبيراً قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر وقد افتقر يتعرض
للجواري في الطريق يغمزهن، فإِذا قيل له: كيف أنت ؟ يقول: شيخ كبير مفتون أصابتني
دعوة سعد).
والثاني:
سعيد بن زيد رضي الله عنه. فقد أخرج مسلم في كتاب المساقاة عن عروة بن الزبير رضي
الله عنه: (أن أروى بنت أويس ادعت على سعيد بن زيد أنه أخذ شيئاً من أرضها فخاصمته
إِلى مروان بن الحكم، فقال سعيد: أنا كنت آخذ من أرضها شيئاً بعد الذي سمعتُه من
رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: وما سمعتَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أخذ شبراً من الأرض ظلماً
طُوِّقه إِلى سبع أرضين" فقال له مروان: لا أسألك بَيِّنَةً بعد هذا. فقال:
اللهم إِن كانت كاذبة فَعَمِّ بصرها واقتلها في أرضها، قال: فما ماتت حتى ذهب
بصرها، ثم بينا هي تمشي في أرضها إِذ وقعت في حفرة فماتت)].
8ـ
قصة عبور العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه البحر على فرسه ونبع الماء بدعائه. أخرجه
ابن سعد في الطبقات [كان أبو هريرة يقول: (رأيتُ من العلاء بن الحضرمي ثلاثةَ أشياء
لا أزال أحبه أبداً، رأيته قطع البحر على فرسه يوم دارينَ. وقدم من المدينة يريد
البحرين، فلما كانوا بالدهناء نفد ماؤهم، فدعا الله فنبع لهم من تحت رملة، فارتووا
وارتحلوا، وأنسي رجل منهم بعض متاعه، فرجع فأخذه ولم يجد الماء. وخرجتُ معه من
البحرين إِلى صف البصرة فلما كنا بلِياسٍ مات ونحن على غير ماء، فأبدى الله لنا
سحابة فمُطرنا فغسلناه وحفرنا له بسيوفنا ولم نُلْحِدْ له، فرجعنا لنُلْحِدَ له
فلم نجد موضع قبره). الطبقات الكبرى لابن سعد. ج4. ص363].
9ـ قصة خالد بن الوليد رضي الله عنه في شربه
السم. أخرجه البيهقي وأبو نعيم والطبراني وابن سعد بإِسناد صحيح [أخرج البيهقي
وأبو نعيم عن أبي السفر قال: نزل خالد بن الوليد الحيرة، فقالوا له: احذر السم لا
تسقيكه الأعاجم فقال: ائتوني به، فأخذه بيده وقال: بسم الله وشربه، فلم يضره
شيئاً. انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ج3. ص125].
10ـ
إِضاءة أصابع حمزة الأسلمي رضي الله عنه في ليلة مظلمة. أخرجه البخاري في التاريخ
[أخرج البخاري في التاريخ عن حمزة الأسلمي رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي صلى
الله عليه وسلم في سفر، فتفرقنا في ليلة ظلماء، فأضاءت أصابعي حتى جمعوا ظهرهم وما
هلك منهم وإِن أصابعي لتنير). انظر تهذيب التهذيب ج3. ص30].
11ـ
قصة أم أيمن وكيف عطشت في طريق هجرتها، فنزل عليها دلو من السماء فشربتْ. رواه أبو
نعيم في الحلية [عن عثمان بن القاسم قال: (خرجت أم أيمن مهاجرة إِلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم من مكة إِلى المدينة وهي ماشية ليس معها زاد وهي صائمة في يوم شديد
الحر، فأصابها عطش شديد حتى كادت أن تموت من شدة العطش، قال: وهي بالروحاء أو
قريباً منها، فلما غابت الشمس قالت: إِذا أنا بحفيف شيء فوق رأسي، فرفعتُ رأسي ؛
فإِذا أنا بدلو من السماء مدلَّى برشاء أبيض، قالت: فدنا مني حتى إِذا كان حيث
أستمكن منه تناولْتُه فشربت منه حتى رويت، قالت: فلقد كنت بعد ذلك اليوم الحار
أطوف في الشمس كي أعطش، وما عطشْتُ بعدها. أخرجه أبو نعيم في الحلية ج2. ص67].
12ـ
سماع بعض الصحابة سورة الملك، من قبر بعد أن ضرب خباء فوقه. رواه الترمذي [عن ابن
عباس رضي الله عنهما قال: ضرب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خباءه على قبر
وهو لا يحسب أنه قبر، فإِذا فيه إِنسان يقرأ سورة {تبارك الذي بيده الملك} حتى
ختمها،فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم. فقال يا رسول الله: إِني ضربت خبائي على
قبر وأنا لا أحسب أنه قبر، فإِذا فيه إِنسان يقرأ سورة تبارك الملك حتى ختمها،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هي المانعة، هي المنجية تنجيه من عذاب
القبر". أخرجه الترمذي في كتاب فضائل القرآن، وقال: حديث حسن غريب].
13ـ
تسبيح القصعة التي أكل منها سلمان الفارسي وأبو الدرداء رضي الله عنهما وسماعهما
التسبيح. رواه أبو نعيم [أخرج البيهقي وأبو نعيم عن قيس قال: (بينما أبو الدرداء
وسلمان يأكلان من صحفة إِذا سبَّحتْ وما فيها)].
14ـ
قصة سفينة رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الأسد. أخرجه الحاكم
في المستدرك وأبو نعيم في الحلية [عن محمد بن المنكدر أن سفينة مولى رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: (ركبتُ البحر فانكسرتْ سفينتي التي كنت فيها، فركبْتُ لوحاً
من ألواحها، فطرحني اللوح في أجمة فيها الأسد، فأقبل إِليَّ يريدني، فقلت: يا أبا
الحارث أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطأطأ رأسه وأقبل إِليَّ، فدفعني
بمنكبه حتى أخرجني من الأجمة ووضعني على الطريق، وهمهم فظننت أنه يودعني، فكان ذلك
آخر عهدي به). أخرجه الحاكم في المستدرك في كتاب معرفة الصحابة ج3. ص606، وقال:
صحيح على شرط مسلم. وأبو نعيم في الحلية ج1. ص368 وسفينة هو: قيس بن فروخ وكنيته
أبو عبد الرحمن. ذكره ابن حجر في التهذيب ج4. ص125].
هذا
غيض من فيض، وقليل من كثير مما ورد عن كرامات صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ثم توالى ورود الكرامات الكثيرة على يد الأولياء في عهد التابعين وتابعي التابعين
إِلى يومنا هذا، مما يصعب عده، ويضيق حصره [قال العلامة التاج السبكي في الطبقات
الكبرى: للكرامة أنواع: النوع الأول إِحياء الموتى. 2ـ كلام الموتى. 3ـ المشي على
الماء. 4ـ انقلاب الأعيان. 5ـ إِنزواء الأرض. 6ـ كلام الحيوانات والجمادات. 7ـ
إِبراء العلل. 8ـ طاعة الحيوان. 9ـ طي الزمان. 10ـ نشر الزمان. 11ـ إِمساك اللسان
عن الكلام وانطلاقه.. إِلى أن عد خمسة وعشرين نوعاً. وذكر لكل نوع مثالاً وحكاية
جرت للعلماء ومشايخ الصوفية فراجعه هناك تجده مفصلاً]، وقد ألف العلماء في ذلك
مجلدات كثيرة، وصنف أكابر الأئمة منهم مصنفات في إِثبات الكرامة للأولياء، منهم:
فخر الدين الرازي وأبو بكر الباقلاني، وإِمام الحرمين، وأبو بكر بن فورك، وحجة
الإِسلام الغزالي، وناصر الدين البيضاوي، وحافظ الدين النسفي، وتاج الدين السبكي،
وأبو بكر الأشعري، وأبو القاسم القشيري، والنووي، وعبد الله اليافعي، ويوسف
النبهاني، وغيرهم من العلماء المحققين الذين لا يحصى عددهم، وصار ذلك علماً قوياً
يقينياً ثابتاً، لا تتطرق إِليه الشكوك أو الشبهات.
وقد
يتساءل بعضهم: لماذا كانت كرامات الصحابة على كثرتها أقل من كرامات الأولياء الذين
جاؤوا بعد عصر الصحابة ؟!.. ويجيب على ذلك تاج الدين السبكي في الطبقات بقوله:
(الجواب: ما أجاب به الإِمام الجليل أحمد بن حنبل رضي الله عنه حين سئل عن ذلك،
فقال: أُولئك كان إِيمانهم قوياً، فما احتاجوا إِلى زيادة شيء يقوون به، وغيرهم
كان إِيمانهم ضعيفاً لم يبلغوا إِيمان أولئك فقووا بإِظهار الكرامات لهم) [جامع
كرامات الأولياء للشيخ يوسف النبهاني البيروتي ج1. ص20].
الحكمة من إجراء الكرامات على يد الأولياء:
اقتضت
حكمة الله تعالى أن يكرم أحبابه وأولياءه بأنواع من خوارق العادات، تكريماً لهم
على إِيمانهم وإِخلاصهم، وتأييداً لهم في جهادهم ونصرتهم لدين الله، وإِظهاراً
لقدرة الله تعالى، ليزداد الذين آمنوا إِيماناً، وبياناً للناس أن القوانين
الطبيعية والنواميس الكونية إِنما هي من صنع الله وتقديره، وأن الأسباب لا تؤثر
بذاتها ؛ بل الله تعالى يخلق النتائج عند الأسباب لا بها، كما هو مذهب أهل السنة
والجماعة.
وقد
يقول معترض: إِن تأييد الحق ونشر دين الله لا يكون بخوارق العادات، بل يكون
بإِقامة الدليل المنطقي والبرهان العقلي.
فنقول: نعم لابد من نشر تعاليم الإِسلام بتأييد العقل السليم والمنطق
الصحيح والحجة الدامغة، ولكن التعصب والعناد يدعوان إِلى أن تخرق العادات
بالكرامات كما اقتضت حكمة الله أن يؤيد أنبياءه ورسله بالمعجزات إِظهاراً لصدقهم،
وتأييداً لهم في دعوتهم، وحملاً للعقول المتحجرة والقلوب المقفلة أن تخرج من
جمودها، وتتحرر من تعصبها، فتفكر تفكيراً سليماً مستقيماً يوصلها إِلى الإِيمان
الراسخ، واليقين الجازم. ومن هنا يظهر أن الكرامة والمعجزة تلتقيان في بعض الحِكَم
والمقاصد، إِلا أن الفارق بينهما أن المعجزة لا تكون إِلا للأنبياء عليهم السلام،
والكرامة لا تكون إِلا للأولياء، وكلُّ كرامة لولي معجزةٌ لنبي.
الفرق بين الكرامة والاستدراج:
لا بد
من التنبيه إِلى الفرق بين الكرامة والاستدراج، وذلك لأننا نشاهد بعض الفسقة
المنسوبين للإِسلام تجري على يديهم خوارق العادات؛ مع أنهم مجاهرون بالمعصية،
منحرفون عن دين الله تعالى. فالكرامة لا تكون إِلا على يد وليٌّ، وهو صاحب العقيدة
الصحيحة، المواظب على الطاعات، المتجنب للمعاصي، المعرض عن الانهماك في اللذات
والشهوات، وهو الذي قال الله تعالى فيه: {ألا إنَّ أولِياءَ اللهِ لا خوفٌ عليهِمْ
ولا هُمْ يحزَنُونَ . الذينَ آمنوا وكانُوا يتَّقونَ} [يونس: 62ـ63]. وأما ما يجري
على يد الزنادقة والفسقة من الخوارق كطعن الجسم بالسيف وأكل النار والزجاج وغير
ذلك، فهو من قبيل الاستدراج.
ثم
إِن الولي لا يسكن إِلى الكرامة، ولا يتفاخر بها على غيره، قال العلامة فخر الدين
الرازي في تفسيره الكبير: (إِن صاحب الكرامة لا يستأنس بتلك الكرامة، بل عند ظهور
الكرامة يصير خوفه من الله تعالى أشد، وحذره من قهر الله أقوى، فإِنه يخاف أن يكون
ذلك من باب الاستدراج.
وأما
صاحب الاستدراج، فإِنه يستأنس بذلك الذي يظهر عليه، ويظن أنه إِنما وجد تلك
الكرامة لأنه كان مستحقاً لها، وحينئذٍ يحتقر غيره، ويتكبر عليه، ويحصل له أَمْنٌ
مِنْ مكْرِ الله وعقابه، ولا يخاف سوء العاقبة، فإِذا ظهر شيء من هذه الأحوال على
صاحب الكرامة دل ذلك على أنها كانت استدراجاً لا كرامة، فلهذا قال المحققون: أكثر
ما اتفق من الانقطاع عن حضرة الله إِنما وقع في مقام الكرامات، فلا جَرَمَ أن ترى
المحققين يخافون من الكرامات، كما يخافون من أنواع البلاء، والذي يدل على أن
الاستئناس بالكرامة قاطع عن الطريق وجوه) ثم ذكرها حتى عدَّ إِحدى عشرة حجة، نذكر
منها واحدة.
قال
الإِمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى: (إِنَّ من اعتقد في نفسه أنه صار
مستحقاً لكرامة بسبب عمله، حصل لعمله وقع عظيم في قلبه، ومَنْ كان لعمله وقع عنده
كان جاهلاً، ولو عرف ربه لعلم أن كل طاعات الخلق في جنب جلال الله تقصير، وكل
شكرهم في جنب آلائه ونعمائه قصور، وكلُّ معارفهم وعلومهم في مقابلة عزته حيرةٌ
وجهلٌ، رأيت في بعض الكتب أنه قرأ المقرئ في مجلس الأستاذ أبي علي الدقاق قوله
تعالى: {إليهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصالحُ يرفَعُهُ} [فاطر:
10]. فقال: علامةُ أن الحق رفع عملك أن لا يَبْقى عندك [أي عملك] فإِن بقي عملك في
نظرك فهو مدفوع، وإِن لم يبق معك فهو مرفوع) ["تفسير الرازي" ج5. ص692].
وعلى
هذا فإِننا حين نرى أحداً من الناس يأتي بخوارق العادات لا نستطيع أن نحكم عليه
بالولاية، ولا يمكن أن نعتبر عمله هذا كرامة حتى نرى سلوكه وتمسكه بشريعة الله.
قال أبو يزيد رحمه الله تعالى: (لو أن رجلاً بسط مُصلاَّه على الماء وتربَّعَ في
الهواء فلا تغترُّوا به حتى تنظروا كيف تجدونه في الأمر والنهي)
["اللمع" للطوسي ص400].
موقف الصوفية من الكرامات:
إِن
بعض المنحرفين عن الصوفية يدَّعي أن مقصد الصوفية من سيرهم هو الوصول إِلى
الكرامات [من بينهم عبد الرحمن الوكيل الذي دفعه الحقد الدفين والخلق الذميم إِلى
التهجم على السادة الصوفية وتزييف كلامهم والدس عليهم، فجمع الأشياء التي دُسَّتْ
على الصوفية وجعلها في كتاب له] وهم في هذا إِنما يُترجمون عما في نفوسهم من أمراض
خبيثة وعلل دفينة ؛ مع أننا نرى الصوفية يهتمون بتزكية النفس وتخليصها من صفاتها
المذمومة كالرياء والنفاق، وتحليتها بالصفات العالية، أن يكون سيره معهم بعيداً عن
العلل والغايات، وألا يبتغي إِلا وجه الله تعالى ورضاه. كما نراهم يستترون من
الكرامة بعداً عن شبهة الرياء.
قال
الشيخ أبو عبد الله القرشي رحمه الله تعالى: (من لم يكن كارهاً لظهور الآيات
وخوارق العادات منه كراهية الخلق لظهور المعاصي فهو في حقه حجاب، وسترها عليه
رحمة، فإِنَّ من خرق عوائد نفسه لا يريد ظهور شيء من الآيات وخوارق العادات له، بل
تكون نفسه عنده أقل وأحقر من ذلك، فإِذا فَنِيَ عن إِراداته جملةً فكان له تحقق في
رؤية نفسه بعين الحقارة والذلة، حصلت له أهلية ورود الألطاف، والتحقق بمراتب
الصديقين) [نور التحقيق لحامد صقر ص127].
وقال
علي الخواص رحمه الله تعالى: (الكُمَّل يخافون من وقوع الكرامات على أيديهم،
ويزدادون بها وجلاً وخوفاً لاحتمال أن تكون استدراجاً) [اليواقيت والجواهر لعبد
الوهاب الشعراني ج2 ص113].
ثم
إِن الصوفية يمنعون إِظهار الكرامة إِلا لغرض صحيح ؛ كنصرة شريعة الله أمام
الكافرين والمعاندين [كما حدث مع الشيخ محي الدين بن عربي في قصته مع الفيلسوف،
وهو يرويها لنا بقوله: (حضر عندنا سنة ست وثمانين وخمسمائة فيلسوفٌ ينكر النبوة
على الحد الذي يثبتها المسلمون، وينكر ما جاءت به الأنبياء من خرق العوائد وأن الحقائق
لا تتبدل، وكان زمن البرد والشتاء وبين أيدينا منقل عظيم يشتعل ناراً، فقال المنكر
المكذب: إِن العامة تقول: إِن إِبراهيم عليه السلام أُلقي في النار فلم تحرقه،
والنار محرقة بطبعها الجسوم القابلة للاحتراق، وإِنما كانت النار المذكورة في
القرآن في قصة إِبراهيم عبارة عن غضب نمرود وحنقه، فهي نار الغضب. فلما فرغ من
قوله قال له بعض الحاضرين [أي الشيخ محي الدين نفسه]: فإِن أريتك أنا صدق الله في
ظاهر ما قاله في النار أنها لم تحرق إِبراهيم، وأن الله جعلها عليه ـ كما قال ـ
برداً وسلاماً، وأنا أقوم لك في هذا المقام مقام إِبراهيم في الذبِّ عنه ؟ فقال
المنكر: هذا لا يكون، فقال له: أليست هذه النار المحرقة ؟ قال: نعم. فقال: تراها
في نفسك، ثم ألقى النار التي في المنقل في حِجْر المنكر، وبقيتْ على ثيابه مدة
يقلبها المنكر بيده، فلما رآها لم تحرقه تعجب، ثم ردها إِلى المنقل، ثم قال له:
قرّبْ يدك أيضاً منها، فقرَّبَ يده فأحرقته. فقال له: هكذا كان الأمر، وهي مأمورة،
تحرق بالأمر وتترك الإِحراق كذلك، والله تعالى الفاعل لما يشاء. فأسلم ذلك
المنكِرُ واعترف). الباب الخامس والثمانون ومائة من الفتوحات المكية ج2. ص371]
وكإِبطال سحر الكافرين والضالين أو الفسقة المشعوذين الذين يريدون أن يضلوا الناس
عن دينهم ويشككوهم في عقائدهم وإِيمانهم [ومن ذلك ما ذكره العلامة ابن حجر الهيثمي
في الفتاوى الحديثية من أنَّ صوفياً ناظر برهمياً، والبراهمة قوم تظهر لهم خوارق
لمزيد الرياضات، فطار البرهمي في الجو، فارتفعت إِليه نعل الشيخ ولم تزل تضرب رأسه
وتصفعه حتى وقع على الأرض منكوساً على رأسه بين يدي الشيخ والناس ينظرون. انظر
الفتاوى الحديثية لابن حجر ص222]. أما إِظهارها بدون سبب مشروع فهو مذموم، لما فيه
من حظ النفس والمفاخرة والعجب.
قال
الشيخ محي الدين رحمه الله تعالى: (ولا يخفى أن الكرامة عند أكابر الرجال معدودة
من جملة رعونات النفس، إِلا إِنْ كانت لنصر دين أو جلب مصلحة، لأن الله تعالى هو
الفاعل عندهم، لا هُمْ، هذا مشهدهم، وليس وجه الخصوصية إِلا وقوع ذلك الفعل الخارق
على يدهم دون غيرهم ؛ فإِذا أحيا كبشاً مثلاً أو دجاجة فإِنما ذلك بقدرة الله لا
بقدرتهم، وإِذا رجع الأمر إِلى القدرة فلا تعجب) [الباب الخامس والثمانون والمائة
من الفتوحات المكية. كذا في اليواقيت والجواهر للشعراني ج2. ص117].
ثم
إِن الصوفية يعتبرون أن أعظم الكرامات هي الاستقامة على شرع الله تعالى.
قال أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى في
رسالته: (واعلم أن من أجلِّ الكرامات التي تكون للأولياء دوام التوفيق للطاعات،
والحفظ من المعاصي والمخالفات) ["الرسالة القشيرية" ص160].
وذُكر
عند سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى الكرامات فقال: (وما الآياتُ وما
الكراماتُ ؟! أشياء تنقضي لوقتها، ولكن أكبر الكرامات أنْ تُبدّلَ خُلُقاً مذموماً
من أخلاق نفسك بخُلق محمود) ["كتاب اللمع" للطوسي ص400].
وقال
الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى: (الكرامة الحقيقية إِنما هي حصول
الاستقامة، والوصول إِلى كمالها. ومرجعها أمران: صحة الإِيمان بالله عز وجل.
واتباع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً ؛ فالواجب على
العبد أن لا يحرص إِلاّ عليهما ولا تكون له همة إِلا في الوصول إِليهما. وأما
الكرامة بمعنى خرق العادة فلا عبرة بها عند المحققين، إِذ قد يُرْزَقُ بها من لم
تكتمل استقامته، وقد يُرْزَق بها المستدرَجون) وقال: (إِنما هي كرامتان جامعتان
محيطتان ؛ كرامة الإِيمان بمزيد الإِيقان وشهود العيان، وكرامة العمل على الاقتداء
والمتابعة ومجانبة الدعاوي والمخادعة، فمن أعطيهما ثم جعل يشتاق إِلى غيرهما فهو
عبد مُفْتَرٍ كذاب، ليس ذا حظ في العلم والعمل بالصواب ؛ كمن أُكرم بشهود الملك
على نعت الرضا فجعل يشتاق إِلى سياسة الدواب وخلع الرضا) [نور التحقيق ص128].
وقال
الشيخ محي الدين بن عربي رحمه الله تعالى: (واعلم أن الكرامة على قسمين: حسية
ومعنوية، ولا تعرفُ العامةُ إِلا الحسية ؛ مثل الكلام على الخاطر، والإِخبار
بالمغيبات الماضية والكائنة والآتية، والأخذ من الكون، والمشي على الماء، واختراق
الهواء، وطي الأرض، والاحتجاب عن الأبصار، وإِجابة الدعاء في الحال، ونحو ذلك.
فالعامة لا تعرف الكرامات إِلا مثل هذا. وأما الكرامة المعنوية فلا يعرفها إِلا
الخواص من عباد الله تعالى، والعامة لا تعرف ذلك وهي أن يُحفظ على العبد آداب
الشريعة، وأن يُوفَّق لفعل مكارم الأخلاق واجتناب سفاسفها، والمحافظة على أداء
الواجبات مطلقاً في أوقاتها والمسارعة إِلى الخيرات، وإِزالة الغل والحقد من صدره
للناس والحسد وسوء الظن، وطهارة القلب من كل صفة مذمومة، وتحليته بالمراقبة مع
الأنفاس، ومراعاة حقوق الله تعالى في نفسه وفي الأشياء، وتفقد آثار ربه في قلبه،
ومراعاة أنفاسه في دخولها وخروجها، فيتلقاها بالأدب إِذا وردتْ عليه ويُخرجها
وعليه حلة الحضور مع الله تعالى، فهذه كلها عندنا كرامات الأولياء المعنوية التي
لا يدخلها مكر ولا استدراج) [الباب الرابع والثمانون ومائة من الفتوحات المكية ج2.
ص369].
ثم
إِن السادة الصوفية لا يعتبرون ظهور الكرامات على يد الولي الصالح دليلاً على
أفضليته على غيره. قال الإِمام اليافعي رحمه الله تعالى: (لا يلزم أن يكون كلُّ
مَنْ له كرامة من الأولياء أفضلَ من كل من ليس له كرامة منهم، بل قد يكون بعض مَنْ
ليس له كرامة منهم أفضل من بعض مَنْ له كرامة، لأن الكرامة قد تكون لتقوية يقين
صاحبها، ودليلاً على صدقه وعلى فضله لا على أفضليته، وإِنما الأفضلية تكون بقوة
اليقين، وكمال المعرفة بالله تعالى) [كتاب نشر المحاسن الغالية لعبد الله اليافعي
ص119].
كما
أن الصوفية يعتبرون أن عدم ظهور الكرامة على يد الولي الصالح ليس دليلاً على عدم
ولايته.
قال
الإِمام القشيري رحمه الله تعالى في رسالته: (لو لم يكن للولي كرامة ظاهرة عليه في
الدنيا، لم يقدح عدمها في كونه ولياً) وقال شيخ الإِسلام زكريا الأنصاري في شرحه
لرسالة القشيري عند هذا الكلام: (بل قد يكون أفضل ممَّنْ ظهر له كرامات، لأن
الأفضلية إِنما هي بزيادة اليقين لا بظهور الكرامة) [الرسالة القشيرية ص159].
الباب
الخامس
تَصحيح
الأفكار عن التصوف
1ـ
بين الحقيقة والشريعة
2ـ الدس على العلوم الإِسلامية
أـ التفسير ب ـ الحديث ج ـ التاريخ د ـ التصوف
3ـ
تأويل كلام السادة الصوفية
4ـ
وحدة الوجود والحلول والاتحاد
5ـ
بين الصوفية وأدعياء التصوف
6ـ
أعداء التصوف
7ـ
شهادات
1 - بين الحقيقة والشريعة
تمهيد وتعريف:
لقد ورد في حديث جبريل المشهور الذي يرويه عمر
بن الخطاب رضي الله عنه تقسيمُ الدين إِلى ثلاثة أركان، بدليل قول الرسول صلى الله
عليه وسلم لعمر: “فإِنه جبريل أتاكم يعلمُكُمْ
دينَكمْ” [أخرجه مسلم
في صحيحه في كتاب الإِيمان. والإِمام أحمد في مسنده في باب الإِيمان والإِسلام
والإِحسان ج1. ص64].
1 - فركن الإِسلام: هو الجانب العملي؛ من عبادات
ومعاملات وأُمور تعبدية، ومحله الأعضاء الظاهرة الجسمانية. وقد اصطلح العلماء على
تسميته بالشريعة، واختص بدراسته السادة الفقهاء.
2 - وركن الإِيمان: وهو الجانب الاعتقادي القلبي؛
من إِيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر.. وقد
اختص بدراسته السادة علماء التوحيد.
3 - وركن الإِحسان: وهو الجانب الروحي القلبي؛ وهو
أن تعبد الله كأنك تراه، فإِن لم تكن تراه فإِنه يراك، وما ينتج عن ذلك من أحوال
وأذواق وجدانية، ومقامات عرفانية، وعلوم وهبية، وقد اصطلح العلماء على تسميته
بالحقيقة، واختص ببحثه السادة الصوفية.
ولتوضيح الصلة بين الشريعة والحقيقة نضرب لذلك
مثلاً الصلاة، فالإِتيان بحركاتها وأعمالها الظاهرة، والتزام أركانها وشروطها،
وغير ذلك مما ذكره علماء الفقه، يمثل جانب الشريعة، وهو جسد الصلاة. وحضور القلب
مع الله تعالى في الصلاة يمثل جانب الحقيقة، وهو روح الصلاة.
فأعمال الصلاة البدنية هي جسدها، والخشوع
روحها. وما فائدة الجسد بلا روح؟! وكما أن الروح تحتاج إِلى جسد تقوم فيه، فكذلك
الجسد يحتاج إِلى روح يقوم بها، ولهذا قال الله تعالى: {أقيمُوا
الصلاةَ وآتوا الزكاةَ} [البقرة:
110]. ولا تكون الإِقامة
إِلا بجسد وروح، ولذا لم يقل: أوجدوا الصلاة.
ومن هذا ندرك التلازم الوثيق بين الشريعة
والحقيقة كتلازم الروح والجسد. والمؤمن الكامل هو الذي يجمع بين الشريعة والحقيقة،
وهذا هو توجيه الصوفية للناس، مقتفين بذلك أثر الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه
الكرام.
وللوصول إِلى هذا المقام الرفيع، والإِيمان
الكامل، لابد من سلوك الطريقة، وهي مجاهدة النفس، وتصعيد صفاتها الناقصة إِلى صفات
كاملة، والترقي في مقامات الكمال بصحبة المرشدين، فهي الجسر الموصل من الشريعة
إِلى الحقيقة.
قال السيد رحمه الله تعالى في تعريفاته: (الطريقة هي السيرة المختصة بالسالكين إِلى الله تعالى،
من قطع المنازل والترقي في المقامات) [تعريفات
السيد ص94].
فالشريعة هي الأساس، والطريقة هي الوسيلة،
والحقيقة هي الثمرة وهذه الأشياء الثلاثة متكاملة منسجمة، فَمَنْ تمسَّك بالأولى
منها سلك الثانية فوصل إِلى الثالثة، وليس بينها تعارض ولا تناقض. ولذلك يقول
الصوفية في قواعدهم المشهورة: (كل حقيقة خالفت
الشريعة فهي زندقة). وكيف تخالف الحقيقةُ الشريعةَ
وهي إِنما نتجت من تطبيقها.
يقول إِمام الصوفية أحمد زروق رحمه الله تعالى:
(لا تصوف إِلا بفقه، إِذ لا تعرف أحكام الله
الظاهرة إِلا منه. ولا فقه إِلا بتصوف، إِذ لا عمل إِلا بصدق وتوجه لله تعالى. ولا
هما [التصوف والفقه]
إِلا بإِيمان، إِذ لا يصح واحد منهما دونه. فلزم الجميع لتلازمها في الحكم، كتلازم
الأجسام للأرواح، ولا وجود لها إِلا فيها، كما لا حياة لها إِلا بها، فافهم) [“قواعد
التصوف” للشيخ أحمد زروق قاعدة 3. ص3].
ويقول الإِمام مالك رحمه الله تعالى: (مَنْ تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن تفقه ولم يتصوف فقد
تفسق، ومن جمع بينهما فقد تحقق) [“شرح عين
العلم وزين الحلم” للإِمام مُلا علي القاري ج1.
ص33].
تزندق الأول لأنه نظر إِلى الحقيقة مجردة عن
الشريعة، فقال بالجبر وأن الإِنسان لا خيار له في أمر من الأمور، فهو يتمثل قول
القائل:
ألقاهُ في اليمِّ
مكتوفاً وقال لهإِياك إِياك أنْ تبتلَّ بالماءِ
فعطَّل بذلك أحكام الشريعة والعمل بها، وأبطل حكمتها والنظر إِليها.
وتفسَّق الثاني لأنه لم يدخل قلبه نورُ التقوى،
وسرُ الإِخلاص وواعظ المراقبة، وطريقة المحاسبة، حتى يحجب عن المعصية، ويتمسك
بأهداب السنة.
وتحقق الثالث لأنه جمع كل أركان الدين:
الإِيمان، والإِسلام، والإِحسان، التي اجتمعت في حديث جبريل عليه السلام.
وكما حفظ علماء الظاهر حدود الشريعة، كذلك حفظ
علماء التصوف آدابها وروحها، وكما أبيح لعلماء الظاهر الاجتهاد في استنباط الأدلة
واستخراج الحدود والفروع، والحكم بالتحليل والتحريم على ما لم يَرِدْ فيه نص،
فكذلك للعارفين أن يستنبطوا آداباً ومناهج لتربية المريدين وتهذيب السالكين.
ولقد تحقق السلف الصالح والصوفية الصادقون
بالعبودية الحقة والإِسلام الصحيح، إِذ جمعوا بين الشريعة والطريقة والحقيقة،
فكانوا متشرِّعين متحققين، يهدون الناس إِلى الصراط المستقيم.
فالدين إِن خلا من حقيقته جفَّت أصولُه، وذوت
أغصانه، وفسدت ثمرته.
مناقشة المتحاملين على
الصوفية:
أما هؤلاء المعترضون على السادة الصوفية:
- إِن كانوا ينكرون هذا التقسيم إِلى [شريعة، وطريقة، وحقيقة]
على النحو الذي بيَّناه آنفاً، فهم لاشك يريدون بذلك أن يفصلوا روح الإِسلام عن
جسده، وأن يهدموا ركناً هاماً من أركان الدين الثلاثة الموضحة في حديث جبريل عليه
السلام، ويخالفوا علماء الإِسلام وكبار فقهائه.
يقول ابن عابدين رحمه الله تعالى في حاشيته
المشهورة (بِرَدِّ المحتار): (الطريقة: هي السيرة المختصة
بالسالكين من قطع المنازل، والترقي في المقامات).
ويقول في الصفحة التي تليها: (فالحقيقة: هي مشاهدة
الربوبية بالقلب، ويقال: هي سر معنوي لا حدَّ له ولا جهة. وهي والطريقة والشريعة
متلازمة، لأن الطريق إِلى الله تعالى لها ظاهر وباطن، فظاهرها الشريعة والطريقة،
وباطنها الحقيقة. فبطون الحقيقة في الشريعة والطريقة، كبطون الزبْد في لبنه، لا
يُظفر من اللبن بزبده بدون مخضّه، والمراد من الثلاثة [الشريعة،
والطريقة، والحقيقة] إِقامة العبودية على
الوجه المراد من العبد) [حاشية ابن
عابدين ج3. ص303].
ويقول الشيخ عبد الله اليافعي رحمه الله تعالى:
(إِن الحقيقة هي مشاهدة أسرار الربوبية. ولها
طريقة هي عزائم الشريعة، فمن سلك الطريقة وصل إِلى الحقيقة. فالحقيقة نهاية عزائم
الشريعة. ونهاية الشيء غير مخالفة له، فالحقيقة غير مخالفة لعزائم الشريعة) [نشر
المحاسن الغالية ج1. ص154].
وقال صاحب كشف الظنون
في حديثه عن علم التصوف: (ويقال: علم التصوف علم
الحقيقة أيضاً، وهو علم الطريقة، أي تزكية النفس عن الأخلاق الردية، وتصفية القلب
عن الأغراض الدَّنية. وعلم الشريعة بلا علم الحقيقة عاطل، وعلم الحقيقة بلا علم
الشريعة باطل.
علم الشريعة وما يتعلق بإِصلاح الظاهر بمنزلة
العلم بلوازم الحج. وعلم الطريقة وما يتعلق بإِصلاح الباطن بمنزلة العلم بالمنازل،
وعقبات الطريق. فكما أن مجرد علم اللوازم، ومجرد علم المنازل لا يكفيان في الحج
الصوري بدون إِعداد اللوازم وسلوك المنازل، كذلك مجرد العلم بأحكام الشريعة وآداب
الطريقة لا يكفيان في الحج المعنوي، بدون العمل بموجبيهما)
[كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، لحاجي
خليفة ج1. ص413].
- وإِن كان المعترضون يقرّون فكرة التقسيم
السالفة الذكر، ولكنهم ينكرون هذه التسمية: [الشريعة،
والطريقة، والحقيقة].
نقول لهم: هذا تعبير درج عليه العلماء، وجرى
عليه الفقهاء كما بيَّنا وهو اصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاحات.
- وإِن كانوا يقرون التقسيم والتسمية، ولكنهم
ينكرون على الصوفية أحوالهم القلبية، وأذواقهم الوجدانية، وعلومهم الوهبية.
نقول لهم: إِن هذه أمور يكرم الله تعالى بها
عباده المخلصين، وأحبابه الصادقين، ولا حجر على القدرة الإِلهية.
إِنما هي أذواق ومفاهيم، وكشوفات وفتوحات،
منحهم الله إِياها، فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “العلم علمان: علم في القلب، وفي رواية: علم ثابت في
القلب، فذلك العلم النافع. وعلم على اللسان، فذلك حجة الله على خلقه” [رواه
الحافظ أبو بكر الخطيب في تاريخه بإِسناد حسن، ورواه ابن عبد البر النمري في كتاب
العلم عن الحسن مرسلاً بإِسناد صحيح كما في الترغيب والترهيب ج1. ص67].
ويدل على ذلك حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه،
فقد أخرج أبو نعيم في الحلية عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن معاذ بن جبل دخل على
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “كيف أصبحتَ
يا معاذ؟”.قال: أصبحتُ مؤمناً بالله تعالى. قال: “إِن لكل قول مصداقاً، ولكل حق حقيقة، فما مصداق ما
تقول؟”. قال: يا نبي الله! ما أصبحت صباحاً قط
إِلا ظننت أني لا أمسي، وما أمسيت مساء قط إِلا ظننت أني لا أصبح، ولا خطوت خطوة
إِلا ظننت أني لا أتبعها أخرى، وكأني أنظر إِلى كل أمة جاثية تدعى إِلى كتابها،
معها نبيها وأوثانها التي كانت تعبد من دون الله وكأني أنظر إِلى عقوبة أهل النار،
وثواب أهل الجنة. قال: “عرفت فالزم” [أخرجه أبو
نعيم في الحلية ج1. ص242].
فلم يصل الصالحون إِلى هذه الكشوفات والمعارف
إِلا بتمسكهم بالكتاب والسنة، واقتفائهم أثر الرسول الأعظم وأصحابه الكرام،
ومجاهدتهم لأنفسهم، من صيام وقيام، وزهدهم في هذه الدنيا الفانية، كما أكرم الله
معاذاً رضي الله عنه بهذا الكشف الذي أقره عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم
بقوله: “عرفتَ فالزم”.
وهذا الإِمام الشعراني رحمه الله تعالى يتحدث
عن إِكرام الله تعالى للصوفية الذين ساروا على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأصحابه من أمثال معاذ رضي الله عنه فيقول:
(اعلم يا أخي
أن علم التصوف عبارة عن علم انقدح في قلوب الأولياء حين استنارت بالعمل بالكتاب
والسنة، فكل من عمل بهما انقدح له من ذلك علوم وآداب وأسرار وحقائق، تعجز الألسنة
عنها، نظير ما انقدح لعلماء الشريعة من أحكام، حين عملوا بما علموه من أحكامها) [“التصوف
الإِسلامي والإِمام الشعراني لطه عبد الباقي سرور ص70].
وقد كان علماء السلف الصالح رضي الله عنهم
يعملون بكل ما يعلمون على وجه الإِخلاص لله تعالى، فاستنارت قلوبهم، وخلصت من
العلل القادحة أعمالهم، فلما ذهبوا وخلف من بعدهم أقوام لا يعتنون بالإِخلاص في
علمهم ولا في عملهم أظلمت قلوبهم، وحُجبت عن أحوال القوم فأنكروها.
وهناك مغرضون يتحاملون على الصوفية مستشهدين
بكلام ابن تيمية وغيره، ويتهمونهم زوراً وبهتاناً، بأنهم يهتمون بالحقيقة فقط،
ويهملون جانب الشريعة، وأنهم يعتمدون على كشفهم ومفاهيمهم ولو خالفت الشريعة، فهذا
كله افتراء باطل، يشهد على بطلانه كلام ابن تيمية نفسه. فقد تحدث ابن تيمية رحمه
الله تعالى عن تمسك السادة الصوفية بالكتاب والسنة في قسم علم السلوك من فتاواه
فقال: (والشيخ عبد القادر [الجيلاني رحمه الله تعالى]
ونحوه من أعظم مشائخ زمانهم أمراً بالتزام الشرع والأمر والنهي وتقديمه على الذوق
والقدر، ومن أعظم المشائخ أمراً بترك الهوى والإِرادة النفسية، فإِن الخطأ في
الإِرادة من حيث هي إِرادة إِنما تقع من هذه الجهة، فهو يأمر السالك أن لا تكون له
إِرادة من جهته هو أصلاً؛ بل يريد ما يريد الربُّ عز وجل؛ إِما إِرادة شرعية إِن
تبين له ذلك، وإِلا جرى مع الإِرادة القدرية، فهو إِما مع أمر الرب وإِما مع خلقه.
وهو سبحانه له الخلق والأمر. وهذه طريقة شرعية صحيحة)[مجموع
فتاوى أحمد بن تيمية ج10. ص488 -489].
وقال أيضاً: (فأما
المستقيمون من السالكين كجمهور مشائخ السلف مثل الفضيل بن عياض، وإِبراهيم بن
أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري السقطي، والجنيد بن محمد،
وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبد القادر [الجيلاني]، والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان، وغيرهم من
المتأخرين، فهم لا يسوِّغون للسالك ولو طار في الهواء، أو مشى على الماء، أن يخرج
عن الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن يفعل المأمور، ويدع المحظور إِلى أن يموت.
وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة وإِجماع السلف وهذا كثير في كلامهم) [“مجموع
فتاوى أحمد بن تيمية” ج10. ص516 -517].
وهذه نبذة يسيرة من أقوال أئمة السادة الصوفية
وتوجيهاتهم تشهد على:
تمسكهم بالكتاب
والسنة:
قال الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله
تعالى: (كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي زندقة.
طِرْ إِلى الحق عز وجل بجناحي الكتاب والسنة، ادخل عليه ويدك في يد الرسول صلى
الله عليه وسلم) [“الفتح
الرباني” للشيخ عبد القادري الجيلاني ص29].
وقال منكراً على من يعتقد أن التكاليف الشرعية
تسقط عن السالك في حال من الأحوال: (ترك العبادات
المفروضة زندقة. وارتكاب المحظورات معصية، لا تسقط الفرائض عن أحد في حال من
الأحوال) [“الفتح
الرباني” للشيخ عبد القادري الجيلاني ص29].
ويقول سهل التستري رحمه الله تعالى: (أصولنا سبعة أشياء: التمسك بكتاب الله تعالى، والاقتداء
بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأكل الحلال، وكفِ الأذى، واجتناب الآثام،
والتوبة، وأداء الحقوق) [“طبقات
الصوفية” للسلمي ص210].
وكان الشيخ أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى
يقول: (إِذا عارض كشفُك الصحيح الكتابَ والسنة
فاعمل بالكتاب والسنة ودع الكشف، وقل لنفسك: إِن الله تعالى ضمن لي العصمة في
الكتاب والسنة، ولم يضمنها لي في جانب الكشف والإِلهام)
[“إِيقاظ الهمم” ج2. ص302 -303].
وقال أبو سعيد الخراز رحمه الله تعالى: (كلُّ باطنٍ يخالفه ظاهرٌ فهو باطلٌ) [“الرسالة
القشيرية” ص27].
وقال أبو الحسين الوراق رحمه الله تعالى: (لا يصل العبد إِلى الله إِلا بالله، وبموافقة حبيبه صلى
الله عليه وسلم في شرائعه، ومَنْ جعل الطريق إِلى الوصول في غير الاقتداء يضل من
حيث يظن أنه مهتد) [“طبقات
الصوفية” للسلمي ص300].
وقال الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله
تعالى: (إِن طريق القوم محررة على الكتاب والسنة
كتحرير الذهب والجوهر، فيحتاج سالكها إِلى ميزان شرعي في كل حركة وسكون) [“لطائف
المنن والأخلاق” للشعراني ج1. ص2].
وقال أيضاً: (إِن
حقيقة طريق القوم علم وعمل، سداها ولحمتها شريعة، وحقيقة، لا أحدهما فقط) [“لطائف
المنن والأخلاق” للشعراني ج1 ص25].
وقال الشعراني أيضاً: (فَمَنْ
دقَّق النظر عَلِمَ أنه لا يخرج شيء من علوم أهل الله تعالى عن الشريعة. وكيف يخرج
والشريعة صلتهم إِلى الله عز وجل في كل لحظة) [“التصوف
الإِسلامي والإِمام الشعراني” لطه عبد الباقي سرور
ص71].
وسئل أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى عن
الصوفي فقال: (هو الذي يأخذ كتاب الله بيمينه وسنة
رسوله بشماله، وينظر بإِحدى عينيه إِلى الجنة، وبالأخرى إِلى النار، ويأتزر
بالدنيا، ويرتدي بالآخرة، ويلبي من بينهما للمولى: لبيك اللهم لبيك) [“شطحات
الصوفية” لعبد الرحمن البدوي ص96].
ومن جملة توجيه أبي يزيد رحمه الله تعالى: (عشرة أشياء فريضة على البدن: أداء الفرائض، واجتناب
المحارم، والتواضع لله، وكف الأذى عن الإِخوان، والنصيحة للبَرِّ والفاجر، وطلب
مرضاة الله في جميع أموره، وطلب المغفرة، وترك الغضب، والكبرُ والبغيُ والمجادلةُ
من ظهور الجفا، وأن يكون وصي نفسه يتهيأُ للموت) [“شطحات
الصوفية” ص103].
ومع كل هذا نجد الحاقدين على التصوف إِذا سمعوا
بشيء من أخلاق القوم قالوا: [هذا منزع صوفي،
لا شرعي] فيتوهم السامع أن التصوف أمر خارج عن
أصل الشريعة، والحال أنه لب الشريعة كما رأيت. وإِنَّ مَنْ يطالع كتب القوم
السليمة من الدس؛ مثل: كتاب الحلية لأبي نعيم، والرسالة القشيرية، وكتاب التعرف
لمذهب أهل التصوف للكلاباذي، واللمع للطوسي، والإِحياء للغزالي، وطبقات الصوفية
للسلمي، والرعاية لحقوق الله للمحاسبي، والوصايا للشيخ محي الدين بن عربي، وغير
ذلك من كتب الصوفية، لا يكاد يجد خُلُقاً مما فيها يخالف الشريعة أبداً، لكثرة
محاسبة الصوفية لأنفسهم وأخذهم بالعزائم، فإِن حقيقة طريق القوم علم وعمل، سداها
ولحمتها شريعة وحقيقة.
التحذير من الفصل بين
الحقيقة والشريعة:
هناك أُناس ادَّعَوْا التصوف كذباً ونفاقاً،
انحرفوا عن الإِسلام، وقالوا: إِن المقصود من الدين هو الحقيقة فقط، وعطلوا أحكام
الشريعة، فأسقطوا عن أنفسهم التكاليف، وأباحوا المخالفات، وقالوا: إِن المُعَوَّل
عليه صلاح القلب، ويقولون: [نحن أهل الباطن،
وهم أهل الظاهر]. فهؤلاء ضالون منحرفون
زنادقة، لا يجوز أن نأخذ أعمالهم وأحوالهم حجة على السادة الصوفية الصادقين
المخلصين.
وإِن السادة أئمة الصوفية قد نبهوا إِلى خطرهم،
وحذروا من صحبتهم ومجالستهم، وتبرؤوا من سيرهم وانحرافهم. قال أبو يزيد البسطامي
رحمه الله تعالى لبعض أصحابه: (قم بنا حتى ننظر
إِلى هذا الرجل الذي قد شهر نفسه بالولاية، وكان رجلاً مقصوداً مشهوراً بالزهد،
فمضينا إِليه، فلما خرج من بيته ودخل المسجد رمى ببصاقه تجاه القبلة، فانصرف أبو
يزيد ولم يسلّم عليه، وقال: هذا غير مأمون على أدب من آداب رسول الله صلى الله
عليه وسلم فكيف يكون مأموناً على ما يدعيه) [“الرسالة
القشيرية” ص16]. وقال
أيضاً: (لو نظرتم إِلى رجل أعطي من الكرامات حتى
يرتقي في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ
الحدود وأداء الشريعة) [“الرسالة
القشيرية” ص16].
وقال الشيخ أحمد زروق رحمه الله تعالى في
قواعده: (وكل شيخ لم يظهر بالسنة فلا يصح اتباعه
لعدم تحقق حاله، وإِن صح في نفسه وظهر عليه ألف ألف كرامة من أمره) [“قواعد
التصوف” للشيخ أحمد رزوق ص76].
وقال سهل بن عبد الله التستري رحمه الله تعالى:
(احذر صحبة ثلاث من أصناف الناس: الجبابرة
الغافلين، والقُرَّاء المداهنين، والمتصوفة الجاهلين)
[“شرح الحكم” لابن عجيبة ج1. ص76].
وقال السيد أحمد الرفاعي رحمه الله تعالى: (لا تقولوا كما يقول بعض المتصوفة: [نحن أهل الباطن، وهم أهل الظاهر]. هذا الدين الجامع باطنه لب ظاهره، وظاهره ظرف
باطنه، لولا الظاهر لما بطن، لولا الظاهر لما كان الباطن ولما صح. القلب لا يقوم
بلا جسد، بل لولا الجسد لفسد، والقلب نور الجسد. هذا العلم الذي سماه بعضهم بعلم
الباطن، هو إِصلاح القلب، فالأول عمل بالأركان وتصديق بالجَنان. إِذا انفرد قلبك
بحسن نيته وطهارة طويته، وقتلْتَ وسرقْتَ وزنيتَ، وأكلتَ الربا، وشربتَ الخمر،
وكذبت وتكبرت وأغلظت القول، فما الفائدة من نيتك وطهارة قلبك؟ وإِذا عبدت الله
وتعففت، وصمت وتصدقت وتواضعت، وأبطن قلبُكَ الرياء والفساد، فما الفائدة من عملك؟) [“البرهان
المؤيد” للسيد أحمد الرفاعي رحمه الله تعالى. توفي
سنة 578هـ بأم عبيدة بالعراق ص68].
وينكر الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله
تعالى على من يعتقد أن التكاليف الشرعية تسقط عن السالك في حال من الأحوال، كما
مَرَّ بك قوله: (ترك العبادات المفروضة زندقة،
وارتكاب المحظورات معصية. لا تسقط الفرائض عن أحد في حال من الأحوال) [“الفتح
الرباني” للشيخ عبد القادر الجيلاني ص29].
وقال شيخ الصوفية الإِمام الجنيد رحمه الله
تعالى: (مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة) [“طبقات
الصوفية” للسلمي ص159].
وقال أيضاً: (الطرق
كلها مسدودة على الخلق إِلا على من اقتفى أثر الرسول عليه الصلاة والسلام، واتبع
سنته ولزم طريقته، فإِنَّ طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه)
[“طبقات الصوفية” للسلمي ص159].
وذكر رجل عنده المعرفة فقال: أهل المعرفة بالله
يصلون إِلى ترك الحركات [الأعمال] من باب البر والتقرب إِلى الله عز وجل. فقال
الجنيد رحمه الله تعالى: (إِن هذا قول قوم تكلموا
بإِسقاط الأعمال [الصالحة التكليفية] وهو عندي عظيمة، والذي يسرق ويزني أحسن حالاً من
الذي يقول هذا، فإِن العارفين بالله تعالى أخذوا الأعمال عن الله تعالى، وإِليه
رجعوا فيها، ولو بقيتُ ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إِلا أن يحال بي دونها) [“الرسالة
القشيرية” ص22]. وقال
أيضاً: (ما أخذنا التصوف عن القيل والقال لكن عن
الجوع [الصوم]
وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات) [“الرسالة
القشيرية” ص22].
وقال إِبراهيم بن محمد النصر أباذي رحمه الله
تعالى: (أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة، وترك
الأهواء والبدع، وتعظيم حرمات المشايخ، ورؤية أعذار الخلق، وحسن صحبة الرفقاء،
والقيام بخدمتهم، واستعمال الأخلاق الجميلة، والمداومة على الأوراد وترك ارتكاب
الرخص والتأويلات، وما ضل أحد في هذا الطريق إِلا بفساد الابتداء، فإِن فساد
الابتداء يؤثر في الانتهاء) [طبقات
الصوفية للسلمي ص488].
فقهاء
الصوفية:
لقد كان علماء الشريعة الإِسلامية من الفقهاء
والمحدِّثين، يسيرون على أثر الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، فيجمعون بين الشريعة
والطريقة والحقيقة، ويؤدون العبادات العملية متحققين بسر الإِخلاص فيها، متذوقين
حلاوتها، مدركين أسرارها، وقد كانت لهم مجاهدات لتهذيب نفوسهم وإِصلاح قلوبهم.
ولِمَا تحلَّوْا به من صلاح وتقوى ومعرفة نالوا هذه المراتب العلمية، ومنحهم الله
تعالى هذا الفهم لكتابه والتعمق في شرعه، ونفع الله الأمة بعلومهم على مرِّ السنين
والأيام، فكأنهم أحياء بآثارهم الخالدة وجهودهم العلمية المباركة.
نقل الفقيه الحنفي الحصكفي صاحب الدر: أن أبا
علي الدقاق رحمه الله تعالى قال: (أنا أخذتُ هذه
الطريقة من أبي القاسم النصر أباذي، وقال أبو القاسم: أنا أخذتها من الشبلي، وهو
من السري السقطي، وهو من معروف الكرخي، وهو من داود الطائي، وهو أخذ العلم
والطريقة من أبي حنيفة رضي الله عنه، وكلٌ منهم أثنى عليه وأقرّ بفضله..) ثم قال صاحب الدر معلقاً: (فيا
عجباً لك يا أخي! ألم يكن لك أسوة حسنة في هؤلاء السادات الكبار؟ أكانوا مُتَّهمين
في هذا الإِقرار والافتخار، وهم أئمة هذه الطريقة وأرباب الشريعة والحقيقة؟ ومَن
بعدهم في هذا الأمر فلهم تبع، وكل ما خالف ما اعتمدوه مردود مبتدع) [الدر
المختار ج1. ص43. وعليه حاشية ابن عابدين وهو محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز
عابدين الدمشقي فقيه الديار الشامية وإِمام الحنفية في عصره، له من التآليف [رد المحتار على الدر المختار] في خمسة مجلدات يعرف
بحاشية ابن عابدين، وله رفع الأنظار عما أورده الحلبي على الدر المختار، والعقود
الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية جزءان، ونسمات الأسحار شرح المنار، ومجموعة
الرسائل.. مولده ووفاته في دمشق سنة 1198 -1252هـ].
ولعلك تستغرب عندما تسمع أن الإِمام الكبير،
أبا حنيفة النعمان رحمه الله تعالى، يعطي الطريقة لأمثال هؤلاء الأكابر من
الأولياء والصالحين من الصوفية!.
فهلاَّ تأسى الفقهاء بهذا الإِمام، فساروا على
نهجه، وجمعوا بين الشريعة والحقيقة، لينفع الله بعلمهم، كما نفع بإِمامهم الأعظم،
الإِمام الكبير، معدن التقوى والورع أبي حنيفة رحمه الله تعالى!
يقول ابن عابدين رحمه الله تعالى في حاشيته
متحدثاً عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، تعليقاً على كلام صاحب الدر الآنف الذكر: (هو فارس هذا الميدان، فإِن مبنى علم الحقيقة على العلم
والعمل وتصفية النفس، وقد وصفه بذلك عامة السلف، فقال أحمد بن حنبل [رحمه الله تعالى]
في حقه: إِنه كان من العلم والورع والزهد وإِيثار الآخرة بمحل لا يدركه أحد، ولقد
ضُرِب بالسياط لِيَلِيَ القضاء، فلم يفعل. وقال عبد الله بن المبارك [رحمه الله تعالى]:
ليس أحد أحق من أن يُقْتَدى به من أبي حنيفة، لأنه كان إِماماً تقياً نقياً ورعاً
عالماً فقيهاً، كشف العلم كشفاً لم يكشفه أحد ببصر وفهم وفطنة وتقى. وقال الثوري
لمن قال له: جئتُ من عند أبي حنيفة: لقد جئتَ من عند أعبد أهل الأرض) [“حاشية ابن
عابدين” ج1. ص43].
ومن هذا نعلم أن الأئمة المجتهدين والعلماء
العاملين، هم الصوفية حقيقة.
فإِن قال قائل: لو أن طريق التصوف أمر مشروع،
لوضع فيه الأئمة المجتهدون كتباً، ولا نرى لهم قط كتاباً في ذلك؟
يجيب الشعراني رحمه الله تعالى على هذا فيقول: (إِنما لم يضع المجتهدون في ذلك كتاباً لقلة الأمراض في
أهل عصرهم، وكثرة سلامتهم من الرياء والنفاق. ثم بتقدير عدم سلامة أهل عصرهم من
ذلك، فكان ذلك في بعض أناس قليلين، لا يكاد يظهر لهم عيب. وكان معظم همة المجتهدين
إِذ ذاك إِنما هو في جمع الأدلة المنتشرة في المدائن والثغور مع أئمة التابعين
وتابعيهم، التي هي مادة كل علم، وبها يُعرف موازين جميع الأحكام، فكان ذلك أهم من
الاشتغال بمناقشة بعض أناس في أعمالهم القلبية التي لا يظهر بها شعار الدين، وقد
لا يقعون بها في حكم الأصل.
ولا يقول عاقل قط: إِن مثل الإِمام أبي حنيفة
أو مالك أو الشافعي أو أحمد رضي الله عنهم، يعلم أحدهم من نفسه رياءً أو عُجباً أو
كبراً أو حسداً أو نفاقاً ثم لا يجاهد نفسه ولا يناقشها أبداً. ولولا أنهم يعلمون
سلامتهم من تلك الآفات والأمراض لقدموا الاشتغال بعلاجها على كل علم) [“لطائف
المنن والأخلاق” للشعراني ج1 ص25 -26].
2 - الدس على العلوم الإسلامية
التفسير - الحديث -
التاريخ - التصوف
لقد تعرض الإِسلام منذ انبثاق فجره إِلى خصوم
أشداء، وأعداء ألِدَّاء حاولوا تقويض بنيانه، وتحطيم أركانه، عن طريق تشويه معالمه،
ودس الأباطيل والخرافات في علومه، كما نرى ذلك في التفسير والحديث وفي التاريخ
والتصوف.. وغيرها.
أما التفسير: فكثيراً ما نقرأ في كتبه بعض
الإِسرائيليات التي ليست إِلا أساطير كاذبة، وعقائد غير إِسلامية، نقلها إِلى
الدين الإِسلامي اليهود الذين اعتنقوا الإِسلام غير مخلصين، أو مخلصين ولكن علقت
بأذهانهم هذه الأساطير حين كانوا على دين اليهودية، فنقلوها عن كتب أنبيائهم التي
دخلها التحريف والتغيير، وتقبَّلها بعض المسلمين على أنها صحيحة.
وقد وفق الله تعالى علماء المسلمين إِلى تمحيص
هذه الإِسرائيليات وتنبيه المسلمين إِلى ضررها، وخصوصاً منها ما يضر بالعقيدة،
كالإِخبار بأن أيوب عليه السلام مرض حتى ظهر الدود على جسده، وكنسبة المعاصي إِلى
بعض الأنبياء، فقد زعموا أن داود عليه السلام عشق امرأة بعض جنوده، ثم أَرسلَ
زوجَها لبعض المواقع الحربية لقتله، فقُتل وتزوجها. كما زعموا أن يوسف عليه السلام
همَّ بامرأة العزيز هَمَّ فُحْشٍ وسوء، ولفَّقوا في ذلك قصصاً وحكايات لا تليق
بمقام الرسل الكرام، الذين عصمهم الله من كل سوء وفاحشة.
فالواجب على كل مسلم نبذُ هذه الإِسرائيليات،
والاعتماد على المصادر الإِسلامية الصحيحة الشهيرة.
وأما الحديث: فلقد حاول الدسَّاسون المغرضون
تشويه معالم الإِسلام عن طريق وضع أحاديث مكذوبة مفتراة على لسان الرسول صلى الله
عليه وسلم؛ يقصدون بذلك تحطيم العقيدة، ودس الأفكار الهدَّامة؛ كالتجسيم والتشبيه
والفوقية والجهة، وغير ذلك من العقائد الفاسدة.
كما وضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب ما أنزل
الله بها من سلطان. وإِذا قيل لهم: لِمَ تكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وهو يقول: “مَنْ كذب عليَّ متعمداً فليتبوأْ مقعده
من النار”؟ [أخرجه
البخاري في صحيحه في كتاب العلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، ومسلم في كتاب الإِيمان،
والترمذي في كتاب العلم، وابن ماجه في أبواب السنة] قالوا:
نحن نكذب له لا عليه. كما كان بعضهم يضع الحديث تقرباً إِلى الحكام، وتزلفاً إِلى
الملوك، رغبة في مطمع دنيوي ومكسب مادي
ولكن الله تعالى قيَّض
لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم علماء مخلصين غيورين، محَّصوا تلك الأحاديث، وبينوا
الصحيحة من الضعيفة، والموضوعة من الحسنة، والمشهورة من الغريبة، كالمُزّي والزين
العراقي والذهبي وابن حجر وغيرهم [وقد جمع بعض
العلماء الغيورين على الأحاديث النبوية كتباً بيَّنوا فيها الأحاديث الموضوعة
منها: اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للسيوطي، وكشف الخفاء للعجلوني، وأسنى
المطالب للحوت البيروتي].
وأما التاريخ: فقد كان ميداناً خصباً للدس
والافتراءِ؛ حيث ألصق المضللون في تاريخ الإِسلام قصصاً وحوادث من نسيج خيالهم.
حاولوا بذلك تشويه سيرة الخلفاء وملوك الإِسلام، كما نسبوا إِلى هارون الرشيد
أُموراً غريبة منكرة، نجدها في أكاذيب ألف ليلة وليلة.
ولا يخفى ما أحدثه المضللون الصليبيون
والمستشرقون ومَنْ لفَّ لَفَّهم في تاريخ الإِسلام من افتراءات وتُرَّهَاتٍ
وأضاليل واضحة البطلان لم يقصدوا بها إِلا التهديم والتشكيك.
ولكن المؤرخين المسلمين المحققين كالذهبي،
والطبري، وابن كثير، وابن الأثير، وابن هشام وغيرهم، قد دوَّنوا التاريخ
الإِسلامي، وهذبوه ونفوا عنه الدخائل، وأخرجوه نقياً سليماً. فعلى طالب الحقيقة أن
يعود إِلى هذه المراجع الصحيحة، كي يميز الخبيث من الطيب، والغث من السمين.
وأما التصوف: فكغيره من العلوم الدينية، لم
يَسْلم من الدس والتحريف من هؤلاء الدخلاء والمفترين.
فمنهم من أدخل في كتب الصوفية أفكاراً منحرفة،
وعبارات سيئة ما أنزل الله بها من سلطان، كقولهم:
وما الكلبُ والخنزيرُ إِلا
إِلهنا وما الربُّ إِلا راهبٌ في كنيسة
{كَبُرَتْ
كَلِمَةً تخرُجُ مِنْ أفوَاهِهِمْ إنْ يَقُولونَ إلا كَذِباً} [الكهف: 5].
ومنهم من أراد أن يفسد دين المسلمين بأشياء
أُخر تمس عقائدهم؛ فنسب إِلى بعض رجال الصوفية أقوالاً تخالف عقيدة أهل السنة؛
كالقول بالحلول والاتحاد، وبأن الخالق عين المخلوق، والكون عين المكوِّن.
ومنهم من حاول تشويه تاريخ رجال الصوفية، ونزع
ثقة الناس بهم، فدَسَّ في كتبهم حوادث وقصصاً من نسج خياله، فيها ارتكاب للمنكرات
واقتراف للآثام والكبائر، كما نجد ذلك كثيراً في الطبقات الكبرى للإِمام الشعراني
رحمه الله تعالى، وهو منها بريء كما سيأتي.
ومنهم المبشِّرون والمستشرقون، وأبواق
الاستعمار الذين درسوا كتب السادة الصوفية، وكتبوا عنهم المؤلفات لأجل التحريف
والتزوير والدس، يقصدون بذلك أن يطعنوا الإِسلام في صميمه، وأن يسلخوا روح الدين
عن جسده، ولقد خُدع بهم أقوام أرادوا أن يفهموا التصوف من كتب هؤلاء المستشرقين،
كأمثال [نكلسون الإِنكليزي، وجولد زيهر
اليهودي، وماسينيون الفرنسي وغيرهم]، فوقعوا
في أحابيلهم، وتسمَّمُوا من أفكارهم، وانجرفوا في تيار محاربة الصوفية. ولا أدري
كيف يثق مسلم صادق بأقوال عدوه المخادع الماكر؟
ومنهم السُّذَّجُ الذين يصدقون هؤلاء وهؤلاء،
فيعتقدون بهذه الأمور المدسوسة ويثبتونها في كتبهم. وكل هذا بعيد عن الصوفية
والتصوف.
فإِن قال قائل: إِنَّ ما نسب إِلى الصوفية من
أقوال مخالفة هي حقاً من كلامهم بدليل وجودها في كتبهم المطبوعة المنشورة.
نقول: ليس كل ما في كتب الصوفية لهم؛ لأنها لم
تسْلم من حملات الدس والتحريف. وما أحوجنا إِلى تضافر جهود المؤمنين المخلصين
لتنقية هذا التراث الإِسلامي الثمين ممَّا لحق به من دس وتحريف.
ولو ثبت بطريق صحيح عن بعض الصوفية كلام مخالف
لحدود الشريعة فنقول: ليست كلمة فرد واحد حجة على جماعة، شعارها ومذهبها التمسك
بالكتاب والسنة. حتى إِنهم ليقولون: إِن أول شرط الصوفي أن يكون واقفاً عند حدود
الشريعة، وألا ينحرف عنها قيد شعرة. فإِذا هو تخطى هذا الشرط، ووصف نفسه بأنه
صوفي، فقد اختلق لنفسه صفة ليست فيه وزعم ما ليس له.
وإِن من إِضاعة الوقت الثمين الانشغالَ بمثل
هذه التُّرَّهَات والأباطيل المفتراة على هؤلاء القوم في هذه الأوقات التي يوجد ما
هو أهم من المجادلة بها، فهي معروفة لدى الصوفية المحققين والعلماء المدققين.
وعلينا أن نعرف أن التصوف ليس علماً نتلقاه بقراءة الكتب ومطالعة الكراريس، ولكنه
أخلاق وإِيمان، وأذواق ومعارف، لا ينال إِلا بصحبة الرجال، الذين اهتدوا بهدي
الرسول صلى الله عليه وسلم، وورثوا عنه العلم والعمل والأخلاق والمعارف. وهو علم
ينتقل من الصدر إِلى الصدر، ويفرغه القلب في القلب.
وهناك أقوام مغرضون، درسوا كتب السادة الصوفية
وتتبعوا ما فيها من دس وتشويه وتحريف واعتبروها حقائق ثابتة، وارتكزوا عليها في
حملاتهم العنيفة وتهجماتهم الشديدة على السادة الصوفية الأبرار. ولو أنهم قرأوا ما
يعلنه رجال التصوف في جميع كتبهم من استمساكهم بالشريعة واعتصامهم بكتاب الله وسنة
رسوله صلى الله عليه وسلم وتقيدهم بالمذاهب الإِسلامية المعتبرة، وتَبَنِّيهِمْ
عقيدة أهل السنة والجماعة، كما بيناه آنفاً في بحث بين الحقيقة والشريعة، لأدركوا
تماماً أن ما ورد في كتبهم مما يناقض هذا المبدأ الواضح والمنهج السوي، إِنما هو
مؤول أو مدسوس.
وإِليك بعض أمثلة الدس المفتراة على الصوفية
والعلماء في كتبهم:
يقول ابن الفراء في طبقاته نقلاً عن أبي بكر
المروزي ومسدد وحرب إِنهم قد رووا الكثير من المسائل، ونسبوها للإِمام أحمد بن
حنبل.. وبعد أن يفيض في ذكر هذه المسائل يقول:
(رجلان صالحان
بُليا بأصحاب سوء: جعفر الصادق، وأحمد بن حنبل، أما جعفر الصادق فقد نسبت إِليه
أقوال كثيرة، دونت في فقه الشيعة الإِمامية على أنها له، وهو بريء منها. وأما
الإِمام أحمد، فقد نسب إِليه بعض الحنابلة آراء في العقائد لم يقل بها) [التصوف
الإِسلامي والإِمام الشعراني لطه عبد الباقي سرور ص82].
وسئل الإِمام الفقيه ابن حجر الهيثمي رحمه الله
تعالى ونفعنا به: في عقائد الحنابلة ما لا يخفى على شريف علمكم، فهل عقيدة الإِمام
أحمد بن حنبل رضي الله عنه كعقائدهم؟
فأجاب بقوله: (عقيدة
إِمام السنة أحمد بن حنبل رضي الله عنه وأرضاه وجعل جنان المعارف متقلبه ومأواه،
وأفاض علينا وعليه من سوابغ امتنانه، وبوأه الفردوس الأعلى من جنانه، موافقةٌ
لعقيدة أهل السنة والجماعة من المبالغة التامة في تنزيه الله تعالى عما يقول
الظالمون والجاحدون علواً كبيراً؛ من الجهة والجسمية وغيرها من سائر سمات النقص،
بل وعن كل وصف ليس فيه كمال مطلق، وما اشتهر بين جهلة المنسوبين إِلى هذا الإِمام
الأعظم المجتهد من أنه قائل بشيء من الجهة أو نحوها فكذب وبهتان وافتراء عليه.
فلُعن من نسب إِليه، أو رماه بشيء من هذه المثالب التي برأه الله منها، وقد بين
الحافظ الحجة القدوة الإِمام أبو الفرج بن الجوزي من أئمة مذهبه المبرئين من هذه
الوصمة القبيحة الشنيعة أن كل ما نسب إِليه من ذلك كذب عليه وافتراء وبهتان، وأن
نصوصه صريحة في بطلان ذلك وتنزيه الله تعالى عنه، فاعلم ذلك، فإِنه مهم) [الفتاوى
الحديثية لابن حجر المكي ص148].
وأما الإِمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقد
دُسَّ عليه كتاب نهج البلاغة أو أكثره، فقد ذكر الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمة
علي بن الحسين الشريف المرتضى أنه: (هو المتهم
بوضع كتاب نهج البلاغة، ومَنْ طالعه جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين علي رضي
الله عنه، ففيه السب الصراح والحط على السيدين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وفيه
من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي من له معرفة بنَفَس القرشيين الصحابة،
وبنَفَس غيرهم ممن بعدهم من المتأخرين جزم بأن الكتاب أكثره باطل) [ميزان
الاعتدال للذهبي ج3 ص124].
وممن دُسَّ عليهم الإِمام الشعراني رحمه الله
تعالى، وأكثر ما دُسَّ عليه في الطبقات الكبرى، ولقد أوضح ذلك في كتابه لطائف
المنن والأخلاق فقال: (ومما مَنَّ الله تبارك
وتعالى به عليَّ، صبري على الحسدة والأعداء، لما دسوا في كتبي كلاماً يخالف ظاهر
الشريعة، وصاروا يستفتون عليَّ زوراً وبهتاناً، ومكاتبتهم فيَّ لِبابِ السلطان،
ونحو ذلك. إِعلم يا أخي أن أول ابتلاء وقع لي في مصر من نحو هذا النوع، أنني لما
حججْتُ سنة سبع وأربعين وتسعمائة، زَوَّر عليَّ جماعة مسألة فيها خرق لإِجماع
الأئمة الأربعة، وهو أنني أفتيتُ بعض الناس بتقديم الصلاة عن وقتها إِذا كان وراء
العبد حاجة، قالوا: وشاع ذلك في الحج، وأرسل بعض الأعداء مكاتبات بذلك إِلى مصر من
الجبل، فلما وصلتُ إلى مصر، حصل في مِصْرَ رَجٍّ عظيم، حتى وصل ذلك إِلى إِقليم
الغربية والشرقية والصعيد وأكابر الدولة بمصر، فحصل لأصحابي غاية الضرر، فما رجعتُ
إِلى مصر إِلا وأجد غالب الناس ينظر إِليَّ شذراً، فقلت: ما بال الناس؟ فأخبروني
بالمكاتبات التي جاءتهم من مكة، فلا يعلم عدد من اغتابني، ولاث بعرضي إِلا الله عز
وجل.
ثم إِني لما صنفت كتاب البحر المورود في
المواثيق والعهود، وكتب عليه علماء المذاهب الأربعة بمصر، وتسارع الناس لكتابته،
فكتبوا منه نحو أربعين نسخة، غار من ذلك الحسدةُ، فاحتالوا على بعض المغفلين من
أصحابي، واستعاروا منه نسخته، وكتبوا لهم منها بعض كراريس، ودسوا فيها عقائد زائغة
ومسائل خارقة لإِجماع المسلمين، وحكايات وسخريات عن جحا، وابن الراوندي، وسبكوا
ذلك في غضون الكتاب في مواضع كثيرة، حتى كأنهم المؤلف، ثم أخذوا تلك الكراريس،
وأرسلوها إِلى سوق الكتبِيِّين في يوم السوق، وهو مجمع طلبة العلم، فنظروا في تلك
الكراريس، ورأوا اسمي عليها، فاشتراها من لا يخشى الله تعالى، ثم دار بها على
علماء جامع الأزهر، ممن كان كتب على الكتاب ومن لم يكتب، فأوقع ذلك فتنة كبيرة،
ومكث الناس يلوثون بي في المساجد والأسواق وبيوت الأمراء نحو سنة، وأنا لا أشعر.
وانتصر لي الشيخ ناصر الدين اللقاني، وشيخ الإِسلام الحنبلي، والشيخ شهاب الدين بن
الجلبي، كل ذلك وأنا لا أشعر، فأرسل لي شخص من المحبين بالجامع الأزهر، وأخبرَني
الخبرَ فأرسلت نسختي التي عليها خطوط العلماء، فنظروا فيها، فلم يجدوا فيها شيئاً
مما دسه هؤلاء الحسدة، فسبُّوا من فعل ذلك، وهو معروف.
وأعرفُ بعض جماعة من المتهوِّرين، يعتقدون فيَّ
السوء إِلى وقتي هذا، وهذا بناء على ما سمعوه أولاً من أُولئك الحسدة، ثم إِن بعض
الحسدة، جمع تلك المسائل التي دُسَّت في تلك الكراريس وجعلها عنده، وصار كلما سمع
أحداً يكرهني، يقول له: إِن عندي بعض مسائل تتعلق بفلان، فإِن احتجت إِلى شيء منها
أطلعتك عليه، ثم صار يعطي بعض المسائل لحاسد بعد حاسد إِلى وقتي هذا، ويستفتون
عليَّ وأنا لا أشعر، فلما شعرتُ، أرسلت لجميع علماء الأزهر أنني أنا المقصود بهذه
الأسئلة، وهي مفتراة عليَّ، فامتنع العلماء من الكتابة عليها)[كتاب “لطائف المنن والأخلاق”
للشعراني ج2. ص190ـ191].
وقد ذكر المؤرخ الكبير عبد الحي بن العماد
الحنبلي رحمه الله تعالى في كتابه شذرات الذهب في أخبار من ذهب ترجمة الشيخ عبد
الوهاب الشعراني رحمه الله تعالى وبعد أن أثنى عليه، وذكر مؤلفاته الكثيرة، وأثنى
عليها أيضاً قال فيه: (وحسده طوائف فدسوا عليه
كلمات يخالف ظاهرها الشرع، وعقائد زائغة، ومسائل تخالف الإِجماع، وأقاموا عليه
القيامة، وشنَّعوا وسبُّوا، ورموه بكل عظيمة، فخذلهم الله، وأظهره الله عليهم وكان
مواظباً على السنة، ومبالغاً في الورع، مُؤثِراً ذوي الفاقة على نفسه حتى بملبوسه،
متحملاً للأذى، موزعاً أوقاته على العبادة؛ ما بين تصنيفٍ وتسليكٍ وإِفادة.. وكان
يُسمَعُ لزاويته دوي كدوي النحل ليلاً ونهاراً، وكان يحيي ليلة الجمعة بالصلاة على
المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولم يزل مقيماً على ذلك، معظَّماً في صدور الصدور،
إِلى أن نقله الله تعالى إِلى دار كرامته) [“شذرات
الذهب في أخبار من ذهب” للمؤرخ الفقيه الأديب عبد
الحي الحنبلي المتوفى سنة 1089هـ. ج8. ص374].
وقال الشعراني رحمه الله تعالى في كتابه
اليواقيت والجواهر: (وقد دسَّ الزنادقة تحت وسادة
الإِمام أحمد بن حنبل في مرض موته، عقائد زائغة، ولولا أن أصحابه يعلمون منه صحة
الاعتقاد، لافتتنوا بما وجوده تحت وسادته) [اليواقيت
والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني ج1. ص8].
وكذلك ذكر الشيخ مجد الدين الفيروز أبادي صاحب
القاموس في اللغة: أن بعض الملاحدة صنف كتاباً في تنقيص الإِمام الأعظم أبي حنيفة
رضي الله تعالى عنه وأضافه إِليه، ثم أوصله إِلى الشيخ جمال الدين بن الخياط
اليمني، فشنَّع على الشيخ أشد التشنيع، فأرسل إِليه الشيخ مجد الدين يقول له: (إِني معتقد في الإِمام أبي حنيفة غاية الاعتقاد، وصنفت
في مناقبه كتاباً حافلاً وبالغتُ في تعظيمه إِلى الغاية، فأحرِقْ هذا الكتاب الذي
عندك، أو اغسله، فإِنه كذب وافتراء عليَّ) [لطائف
المنن والأخلاق للشعراني ج1. ص127].
وقال الفقيه الكبير أحمد بن حجر الهيثمي المكي
رحمه الله تعالى: (وإِياك أن تغترَّ بما وقع في
كتاب الغنية لإِمام العارفين، وقطب الإِسلام والمسلمين، الشيخ عبد القادر
الجيلاني. فإِنه دسه عليه فيها مَنْ سينتقم الله منه، وإِلا فهو بريء من ذلك. وكيف
تروج عليه هذه المسألة الواهية مع تضلعه من الكتابِ والسنةِ وفقهِ الشافعيةِ
والحنابلةِ، حتى كان يفتي على المذهبين. هذا مع ما انضم لذلك من أن الله مَنَّ
عليه من المعارف والخوارق الظاهرة والباطنة. وما أنبأ عنه ما ظهر عليه وتواتر من
أحواله.. إِلى أن قال: فكيف يُتصور أو يُتوهم أنه قائل بتلك القبائح التي لا يصدر
مثلها إِلا عن اليهود وأمثالهم ممن استحكم فيهم الجهل بالله وصفاته وما يجب له وما
يجوز وما يستحيل. سبحانك هذا بهتان عظيم) [“الفتاوى
الحديثية” لابن حجر ص149].
وكذلك دسوا على الإِمام الغزالي عدة مسائل في
كتاب الإِحياء، وظفر القاضي عياض بنسخة من تلك النسخ فأمر بإِحراقها [“اليواقيت
والجواهر” ج1. ص8].
قال الشعراني رحمه الله تعالى: (وممَّا دسُّوا على الغزالي، وأشاعه بعضهم عنه، قولهم
عنه إِنه قال: [إِن لله عباداً لو سألوه أن لا
يقيم الساعة لم يقمها، وإِن لله عباداً لو سألوه أن يقيم الساعة الآن لأقامها]. فإِن مثل ذلك كذب وزور على الإِمام حجة الإِسلام
رضي الله تعالى عنه وأرضاه، يجب على كل عاقل تنزيه الإِمام عنه، لأنه يردُّ النصوص
القاطعة الواردة في مقدمات الساعة، فيؤدي ذلك إِلى تكذيب الشارع صلى الله عليه
وسلم فيما أخبر، وإِنْ وُجد ذلك في بعض مؤلفات الإِمام فذلك مدسوس عليه من بعض
الملاحدة، وقد رأيت كتاباً كاملاً مشحوناً بالعقائد المخالفة لأهل السنة والجماعة،
صنَّفه بعض الملحدين ونسبه إِلى الإِمام الغزالي، فاطلع عليه الشيخ بدر الدين ابن
جماعة، فكتب عليه: كذبَ والله وافترى مَنْ أضافَ هذا الكتاب إِلى حجة الإِسلام) [“لطائف
المنن والأخلاق” للشعراني ج1. ص127].
وقال أيضاً: (وكذلك
دسوا عليَّ أنا في كتابي المسمى بالبحر المورود جملةً من العقائد الزائغة، وأشاعوا
تلك العقائد في مصر ومكة نحو ثلاث سنين، وأنا بريء منها كما بَيَّنْتُ في خطبة
الكتاب لمَّا غيرتها، وكان العلماء كتبوا عليه وأجازوه، فما سكنت الفتنة حتى أرسلت
إِليهم النسخة التي عليها خطوطهم) [“اليواقيت
والجواهر” ج1. ص8].
هذا وقد ملأ خصومُه الدنيا حوله حقداً وحسداً،
وافتراء وكذباً وتضليلاً، لاسيما في كتبه المعروفة، وأشهرها الطبقات الكبرى.
فلو قارن المُنْصِفُ بين كلام الشعراني رحمه
الله تعالى الذي يعلن فيه تمسك الصوفية بالشريعة، وقد مر بك في بحث بين الحقيقة
والشريعة [انظر بحث بين الحقيقة
والشريعة ص381 من هذا الكتاب] وبين
كلامه في الطبقات الكبرى لرأى تبايناً ظاهراً، ولظهر له كذب ما في الطبقات.
وكذلك دسوا على الشيخ محي الدين بن عربي رحمه
الله تعالى، قال الشعراني: (كان رضي الله عنه
متقيداً بالكتاب والسنة، ويقول: كل مَنْ رمى ميزان الشريعة من يده لحظة هلك.. إِلى
أن قال: وهذا اعتقاد الجماعة إِلى قيام الساعة، وجميع ما لم يفهمه الناس من كلامه
إِنما هو لِعُلِّو مراقيه، وجميع ما عارض من كلامه ظاهر الشريعة وما عليه الجمهور
فهو مدسوس عليه، كما أخبرني بذلك سيدي أبو طاهر المغربي نزيل مكة المشرفة، ثم أخرج
لي نسخة الفتوحات التي قابلها على نسخة الشيخ التي بخطه في مدينة قونيه، فلم أر
فيها شيئاً مما كنت توقفت فيه وحذفته حين اختصرت الفتوحات.. ثم قال الشعراني رحمه
الله تعالى: إِذا علمت ذلك، فيحتمل أن الحسدة دسوا على الشيخ في كتبه، كما دسوا في
كتبي أنا، فإِنه أمر قد شاهدته عن أهل عصري في حقي، فالله يغفر لنا ولهم آمين) [“اليواقيت
والجواهر” للشعراني ج1 ص9].
ذكر الفقيه الحنفي صاحب الدر المختار أن: (من قال عن فصوص الحكم للشيخ محي الدين بن عربي، إِنه
خارج عن الشريعة، وقدصنفه للإِضلال، ومَنْ طالعه ملحد، ماذا يلزمه؟ أجاب: نعم،فيه
كلمات تباين الشريعة، وتكلف بعض المتصلِّفين لإِرجاعها إِلى الشرع، لكن الذي
تيقنْتُه أن بعض اليهود افتراها على الشيخ قدس الله سره،فيجب الاحتياط بترك مطالعة
تلك الكلمات. قال العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى في حاشيته على الدر المختار
عندقوله: [لكن الذي تيقنْتُه]: وذلك بدليلٍ ثبت عنده، أو لسببِ عدمِ اطلاعه على
مراد الشيخ فيها، وأنه لا يمكن تأويلها، فتعيَّن عنده أنها مفتراة عليه، كما وقع
للشيخ الشعراني أنه افترى عليه بعض الحساد في بعض كتبه أشياء مكفرة، وأشاعها عنه،
حتى اجتمع بعلماء عصره، فأخرج لهم مسودة كتابه التي عليها خطوط العلماء فإِذا هي
خالية عما افْتُرِيَ عليه. وقال ابن عابدين أيضاً عند قوله: [فيجب الاحتياط]:
لأنه إِن ثبت افتراؤها فالأمر ظاهر، وإِلا فلا يفهم كلُّ أحد مرادَه فيها، فيُخشى
على الناظر فيها من الإِنكار عليه، أو فهم خلاف المراد)
[حاشية ابن عابدين ج3. ص303، وصاحب الدر المختار
الشيخ محمد علاء الدين الحصكفي المتوفى سنة 1088هـ].
ومن المدسوس على الشيخ محي الدين رحمه الله
تعالى أيضاً: القول بأن أهل النار يتلذذون بدخولهم النار، وأنهم لو أخرجوا منها،
تعذبوا بذلك الخروج.
قال الشعراني رحمه الله تعالى: (وإِن وُجد نحو ذلك في شيء من كتبه فهو مدسوس عليه،
فإِني مررت على كتاب الفتوحات المكية جميعه فرأيته مشحوناً بالكلام على عذاب أهل
النار) [“الكبريت
الأحمر” ص276 طبعة 1277. كذا في مجلة العشيرة
المحمدية عدد محرم 1381 ص21].
وقال أيضاً: (كذب
مَنْ دسَّ في كتاب الفصوص والفتوحات، أن الشيخ محي الدين بن عربي قال بأن أهل
النار يتلذذون بالنار، وأنهم لو أُخرجوا منها لاستغاثوا، وطلبوا الرجوع إِليها،
كما رأيت ذلك في هذين الكتابين. وقد حذفت ذلك من الفتوحات حال اختصاري لها. حتى
ورد عن الشيخ شمس الدين الشريف، بأنهم دسوا على الشيخ في كتبه كثيراً من العقائد
الزائغة التي نقلت عن غير الشيخ، فإِن الشيخ مِنْ كُمَّل العارفين بإِجماع أهل
الطريق، وكان جليس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الدوام، فكيف يتكلم بما يهدم
شيئاً من أركان شريعته، ويساوي بين دينه وبين جميع الأديان الباطلة، ويجعل أهل
الدارين سواء؟! هذا لا يعتقده في الشيخ إِلا من عزلَ عنه عقله. فإِياك يا أخي أن تصدق،
من يضيف شيئاً من العقائد الزائغة إِلى الشيخ، واحمِ سمعك وبصرك وقلبك، وقد نصحتُك
والسلام. وقد رأيت في عقائد الشيخ محي الدين الواسطي ما نصه: ونعتقد أن أهل الجنة
والنار مخلدون في دارَيْهِما، لا يخرج أحد منهم من داره أبد الآبدين ودهر
الداهرين.. قال: ومرادنا بأهل النار الذين هم أهلها من الكفار والمشركين
والمنافقين والمعطِّلين، لا عصاة الموحدين فإِنهم يخرجون من النار بالنصوص) [“اليواقيت
والجواهر” للشعراني ج2. ص205].
ويؤيد ما ذكرنا بأن
هذا القول مدسوس على الشيخ محي الدين ما ذكره الشيخ نفسه في الباب الحادي والسبعين
وثلثمائة من الفتوحات، عندما تغلق أبواب النار، كيف يصير أهلها كقطع اللحم حينما
تغلي بهم النار ويصير أعلاهاأسفلها. وكذلك ما ذكره الإِمام الباجوري الشافعي في
شرحه على جوهرة التوحيد: (وما يقال بتمرن أهل
النار بالعذاب، حتى لو أُلْقُوا في الجنة لتألموا مدسوس على القوم [الصوفية] كيف
وقد قال تعالى: {فذُوقُوا فَلَنْ نَزيدَكُم إلا
عَذاباً} [النبأ: 30] [حاشية
العلامة شيخ الإِسلام إِبراهيم الباجوري ص108].
فكيف يعتقد مسلم هذه العقيدة الفاسدة التي
تخالف عقيدة أهل السنة والجماعة؟ وقد نص على ذلك الشيخ محمد بن يوسف الكافي، بعد
أن ذكر فريق الجنة، وأنهم مخلدون فيها ومنعمون، ذكر فريق أهل النار فقال: (وفريق السعير خالدون فيه أبداً، لا ينقطع عنهم ألم
العذاب، وقال بعضهم: [ينقطع عنهم، وينقلب في
حقهم استلذاذاً، بحيث لو عُرضت عليهم الجنة لأَبوْها، لما هم فيه من الاستلذاذ]. ومعتقد هذا كافر بلا شك ولا ريب، لتكذيبه الله
تعالى في خبره: {إنَّ الذينَ كَفَروا وماتوا وهُم
كُفَّارٌ أولئكَ عليهِم لعنَةُ اللهِ والملائكَةِ والناسِ أجمعينَ . خالدينَ فيها
لا يخفَّفُ عنهُمُ العذابُ ولا هُمْ يُنْظَرُونَ} [البقرة:
161 -162]. وفي خبره
أيضاً: {إنَّ الذينَ كفرُوا بآياتِنا سوف نُصْليهم
ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودهُم بَدَّلْناهُم جُلوداً غيرها ليذوقوا العذابَ} [النساء: 56]. وغير ذلك من الآيات الدالة على
استمرار عذابهم) [المسائل الكافية للشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي
ص19].
ومما نسب إِلى الشيخ محي الدين رحمه الله تعالى
أيضاً افتراءً عليه القولُ: بسقوط التكليف.
يقول العلامة الشعراني رحمه الله تعالى: (وقد ذكر الشيخ محي الدين أنه لا يجوز لولي قط المبادرة
إِلى فعل معصية اطلع من طريق كشفه على تقديرها عليه، كما لا يجوز لمن كُشف له أن
يمرض في اليوم الفلاني من رمضان، أن يبادر للفطر في ذلك اليوم، بل يجب عليه الصبر
حتى يتلبس بالمرض، لأن الله تعالى ما شرع الفطر إِلا مع التلَبُّس بالمرض أو غيره
من الأعذار، قال: وهذا مذهبنا ومذهب المحققين من أهل الله عز وجل) [مجلة
العشيرة المحمدية عدد محرم 1381 ص21].
ومما دُسَّ على العارف الكبير الشيخ إِبراهيم
الدسوقي رحمه الله تعالى قوله: (أذن لي ربي أن
أتكلم وأقول أنا الله، فقال لي: قل: أنا الله ولا تبالِ)
وفي هذا من الشناعة والاجتراء، ما يغني عن الإِطالة [مجلة
العشيرة المحمدية عدد محرم 1381 ص23].
ومما دُسَّ على رابعة العدوية رحمها الله
تعالى، قولها عن الكعبة: [هذا الصنم المعبود
في الأرض] [وقد
عمد بعض المغرضين الدساسين إِلى تقصي جميع النصوص المدسوسة والمكذوبة على الصوفية
ليتخذها ذريعة في حملته المغرضة، وتهجمه الشنيع على الصوفية بأسلوب مقذع وعبارات
منحطة بعيدة عن أخلاق الإِسلام وصفات المؤمنين لا يدفعه إِلى ذلك إِلا حقد دفين
وهوى نفسي ومآرب شخصية]. وهذا ابن تيمية نفسه
يُكذِّب نسبة هذا القول إِليها ويبين أنه مدسوس ومكذوب عليها، فقد قال حين سئل عن
ذلك: (وأما ما ذكر عن رابعة من قولها عن البيت:
إِنه الصنم المعبود في الأرض، فهو كذب على رابعة المؤمنة التقية، ولو قال هذا من
قال لكان كافراً يستتاب، فإِن تاب وإِلا قتل، وهو كذب. فإِن البيت لا يعبده
المسلمون؛ ولكنهم يعبدون رب البيت بالطواف به والصلاة إِليه) [“مجموعة
الرسائل والمسائل” لابن تيمية ج1 ص80ـ81].
ولو ذهبنا نستقصي ألوان التزييف في التاريخ
الإِسلامي والتصوف لما وَسِعْتَنا هذه الرسالة، إِذ التصوف كان نصيبه من الدس
والافتراء أعظم من غيره، لأن المزيفين أدركوا أن التصوف هو روح الإِسلام، وأن
الصوفية هم قوته النافذة الضخمة وشعلته الوضاءة المشرقة، فأرادوا أن يطفئوا هذا
النور. قال تعالى: {يُريدونَ لِيُطْفِئوا نورَ
اللهِ بأفواهِهِم واللهُ مُتِمُّ نورِهِ ولو كَرِهَ الكافرونَ} [الصف: 8].
وإِننا لا ننسى أن الذي ساعد على الدس والتضليل
والافتراء عدم الطباعة الفنية والمراقبة الشديدة في الماضي، كما هي عليه اليوم في
عصرنا الحاضر من الطبع المنظم، ومن العقوبات القانونية لمن يتجرأ على طبع شيء من
الكتب بغير إِذن مؤلفها، بخلاف عصر النسْخ للكتب الخطية، فقد كان الدساسون
والكذابون يروجون كتباً فيها ما فيها من الدجل والكذب ما الله به عليم، ويُدخلون
على كتب العلماء وخصوصاً الصوفية الدسائس والأباطيل.
ولكن الله تعالى - وله الحمد - قيَّضَ لهذا
الدين رجالاً سهروا على تنقية الكتب الإِسلامية، وبيَّنوا المدسوس فيها من الصحيح.
ونحن بهذا الكتاب المتواضع نساهم في تنقية
التصوف الإِسلامي مما علق به من دسائس وأمور دخيلة عليه، لنعيد له صفاءه وبريقه
ولينتفع الناس من طاقاته الروحية ونفحته الإِيمانية في هذا العصر الذي خيَّمت عليه
ظلمات المادية وآثام الإِباحية وتيارات الإِلحاد والوجودية..
3 - تأويل كلام السادة الصوفية
إِن ما نراه في كتب الصوفية من الأمور التي
يخالف ظاهرها نصوص الشريعة وأحكامها، هي:
- إِما أن تكون مدسوسة عليهم من قبل الزنادقة
والحسدة وأعداء الإِسلام كما بيَّنَّا.
- وإِما أن يكون كلاماً قابلاً للتأويل، تحدثوا
به من باب الإِشارة أو الكناية أو المجاز، كما نرى ذلك في كثير من الكلام العربي،
ونجده بارزاً في كتاب الله تعالى في مواطن عديدة، كما في قوله تعالى: {وأُشرِبُوا في قُلوبِهِمُ العِجْلَ} [البقرة: 93]. أي حب العجل.
وقوله تعالى: {واسألِ
القريَةَ} [يوسف: 82]. أي أهل القرية.
وقوله عز وجل: {أوَ
مَنْ كانَ ميْتاً فأحْيَيْنَاهُ} [الأنعام:
122]. أي كان ميت القلب،
فأحياه الله تعالى.
وقوله تعالى: {لتُخرِجَ
الناسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النورِ} [إِبراهيم: 1]. أي من
ظلمات الكفر إِلى نور الإِيمان.
كما نلاحظ في بعض الآيات القرآنية الكريمة
تعارضاً في الظاهر، ولكنا لو تعمقنا في فهمها، ودققنا في مدلولها ومتعلقها،
لوجدناها قابلة للتأويل، وبذلك لا نستطيع أن نقول: إِن في القرآن تعارضاً أو
تصادماً.
فمثلاً؛ يقول الله تعالى: {إنَّكَ لا تهدِي مَنْ أحبَبْتَ}
[القصص: 56]. ويقول في
موطن آخر: {وإنَّكَ لَتَهدِي إلى صراطٍ مُستَقيمٍ} [الشورى:
52].
فقد يرى مَنْ ليس عنده علم في التفسير أن بين
النصَّيْن تعارضاً؛ لأن الأول ينفي عن الرسول صلى الله عليه وسلم الهداية، والثاني
يثبت له الهداية. ولكنه لو سأل أهل الذكر لأخبروه أن الهداية في الآية الأولى
بمعنى خلْقِ الهداية، وأن معناها في الآية الثانية الدلالة والإِرشاد. فلا تعارض
بين النصَّين عند أهلِ الفهم.
وكذلك نجد أن بعض الأحاديث النبوية الشريفة لا
يصح حملها على ظاهرها، بل لابد من تأويلها على معان تلائم باقي نصوص الشرع، وتطابق
صريح القرآن الكريم، وفي هذا المعنى يقول الإِمام الشعراني رحمه الله تعالى: (وقد أجمع أهل الحق على وجوب تأويل أحاديث الصفات،
كحديث: “ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إِلى سماء
الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الآخَر؛ فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني
فأعطيَه؟ من يَستغفرني فأغفرَ له؟” [أخرجه
البخاري في صحيحه في كتاب أبواب التهجد عن أبي هريرة رضي الله عنه، ومسلم في كتاب
الذكر والدعاء]. وقد بلغ
بأحد الضالين أن يقول، وكان على منبر، فنزل درجة منه وقال للناس: ينزل ربكم عن
كرسيه إِلى السماء؛ كنزولي عن منبري هذا، وهذا جهل ليس فوقه جهل) [“التصوف
الإِسلامي والإِمام الشعراني” لطه عبد الباقي سرور
ص105].
ومن جملة التأويل في الحديث، تأويل حديث “إِن الله خلق آدم على صورته”
[رواه مسلم في صحيحه في كتاب البر والصلة عن أبي
هريرة رضي الله عنه وأول الحديث: “إِذا قاتل أحدكم
أخاه فليجتنب الوجه..”]. قال
العلامة ابن حجر الهيثمي رحمه الله تعالى مؤولاً ذلك: (ويصح
أن يكون الضمير لله تعالى كما هو ظاهر السياق، وحينئذٍ يتعين أن المراد بالصورة
الصفة، أي أن الله تعالى خلق آدم على أوصافه. من العلم والقدرة وغيرهما، ويؤيد هذا
الحديثُ الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: “كان صلى
الله عليه وسلم خُلُقُه القرآن” [هذا الحديث فقرة من حديث طويل ولفظه: “قال سعد بن هشام: يا أم المؤمنين أنبئيني عن خلق رسول
الله صلى الله عليه وسلم قالت: ألسْتَ تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإِن خُلُقَ
نبي الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن”. رواه مسلم
في صحيحه في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل]، وحديث: “تخلقوا
بأخلاق الله تعالى”.
فالمطلوب من الكامل أن يطهِّر أخلاقه، وأوصافه
من كل نقص، ليحصل له نوعُ تأسٌّ بأخلاق ربه، أي صفاته، وإِلا فشتَّان ما بين أوصاف
القديم والحادث. وبهذا التقرير يُعلَم أن هذا الحديث غاية المدح لآدم عليه السلام،
حيث أوجد الله فيه صفاتٍ كصفاته تعالى بالمعنى الذي قررته.. إِلى أن قال: والحاصل
أن الحديث إِن أعيدَ الضمير فيه لله تعالى، وجب تأويله على ما هو المعروف من مذهب
الخلف الذي هو أحكمُ وأعلمُ، خلافاً لفرقة ضلوا عن الحق، وارتكبوا عظائِم من الجهة
والتجسيم اللذيْن هما كفر عند كثير من العلماء، أعاذنا الله من ذلك بمنِّه وكرمه) [الفتاوى
الحديثية لابن حجر الهيثمي ص214].
قال العلامة المناوي في شرحه على الجامع
الصغير، عند قوله صلى الله عليه وسلم: “إِن الله
يقول يوم القيامة، يا ابن آدم مرضتُ فلم تعدني. قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب
العالمين؟ قال: أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمتَ أنك لو عُدتَه
لوجدتني عنده”؟ [أخرجه مسلم
في صحيحه في كتاب البر والصلة عن أبي هريرة رضي الله عنه]... إِلخ
الحديث: (سئل بعض العارفين عن تَنَزُّلاتِ الحق في
إِضافة الجوع والظمأ لنفسه؛ هل الأَوْلى إِبقاؤُها على ما وردت، أو تأويلها كما
أوَّلها الحق لعبده حين قال: كيف أطعمك.. إِلخ؟ فقال: الواجب تأويلها للعوام لئلا
يقعوا في جانب الحق بارتكاب محظور وانتهاك حرمة، وأما العارف فعليه الإِيمان بها
على حد ما يعلمه الله، لا على حد نسبتها للخلق لاستحالته، وحقيقته تعالى مخالفة
لسائر الحقائق، فلا يجتمع قط مع خلقه في جنس ولا نوع ولا شخص، ولا تلحقه صفةُ
تشبيه؛ لأنها لا تكون إِلا لمن يجتمع مع خلقه في حال من الأحوال. ولذا أبقاها
السلف على ظاهرها لئلا يفوتَهم كمال الإِيمان، لأنه ما كلفهم إِلا بالإِيمان به لا
بماأولوه، فقد لا يكون مراداً للحق، فالأدب إِضافتنا إِليه كلَّ ما أضافه لنفسه تعالى..
إِلخ) [فيض القدير
شرح الجامع الصغير للعلامة المناوي ج2 ص313].
فإِذا كان كلام سيد المرسلين صلى الله عليه
وسلم وقد أوتي الفصاحة والبلاغة ووضوح اللفظ وإِشراق التعبير وجوامع الكلم؛ قد
احتاج في بعض الأحيان إِلى التأويل؛ بحمل معانيه على غير ما يفيده ظاهر لفظه، فإِن
كلام غيره من أمته ممن لم يبلغ شأوه في البيان والفصاحة قابل للتأويل محتمل
للتفسير من باب أولى.
ومن ناحية أخرى، فإِن لكل فن من الفنون أو علم
من العلوم كالفقه والحديث والمنطق والنحو والهندسة والجبر والفلسفة اصطلاحات خاصة
به، لا يعلمها إِلا أرباب ذلك العلم، فهل يفهم الطبيب اصطلاح المهندس، أو يفهم
المهندس اصطلاح الطبيب حين يعبر كل منهما عن آلاته ومسميات فنه؟
ومن قرأ كتب علم من العلوم دون أن يعرف
اصطلاحاته، أو يطلع على رموزه وإِشاراته، فإِنه يؤول الكلام تأويلات شتى مغايرة
لما يقصده العلماء، ومناقضة لما يريده الكاتبون فيتيه ويضل.
وللصوفية اصطلاحاتهم التي قامت بعض الشيء مقام
العبارة في تصوير مدركاتهم ومواجيدهم، حين عجزت اللغة عن ذلك. فلابد لمن يريد
الفهم عنهم من صحبتهم حتى تتضح له عباراتهم، ويتعرف على إِشاراتهم ومصطلحاتهم؛
فيستبين له أنهم لم يخرجوا عن الكتاب والسنة، ولم ينحرفوا عن الشريعة الغراء،
وأنهم هم الفاهمون لروحها، الواقفون على حقيقتها، الحارسون لتراثها.
قال بعض العارفين: (نحن
قوم يحرم النظر في كتبنا على من لم يكن من أهل طريقنا)
[“اليواقيت والجواهر” للشعراني ج1. ص22]. لأن
الغاية من تدوين هذه العلوم إِيصالها لأهلها، فإِذا اطلع عليها مَنْ ليس من أهلها
جهلها، ثم عاداها، لأن الإِنسان عدو لما جهل. ولذلك قال السيد علي بن وفا رحمه
الله تعالى: (إِنَّ من دَوَّنَ المعارف والأسرار
لمْ يدوِّنها للجمهور، بل لو رأى مَنْ يطالع فيها ممَّن ليس هو بأهلها لنهاهُ عنها) [نفس المصدر
السابق].
وتوضيحاً للموضوع نقول:
إِن كلام السادة الصوفية في تحذير من لا يفهم
كلامهم ولا يعرف اصطلاحاتهم من قراءة هذه الكتب ليس من قبيل كتم العلم، ولكن خوفاً
من أن يفهم الناس من كتبهم غير ما يقصدون، وخشية أن يؤولوا كلامهم على غير حقيقته،
فيقعوا في الإِنكار والاعتراض، شأن من يجهل علماً من العلوم. لأن المطلوب من
المؤمن أن يخاطب الناس بما يناسبهم من الكلام وما يتفق مع مستواهم في العلم والفهم
والاستعداد، ولهذا أفرد البخاري في صحيحه باباً في ذلك فقال: “باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا،
وقال علي رضي الله عنه: (حدثوا الناس بما يعرفون،
أتحبون أن يُكذَّبَ الله ورسولهُ؟” [“صحيح
البخاري”
كتاب العلم]. قال
العلامة العيني رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث: (ترك
بعض الناس من التخصيص بالعلم لقصور فهمهم، والمراد كلموهم على قدر عقولهم، وفي
كتاب العلم لآدم بن إِياس عن عبد الله بن داود عن معروف في آخره: “ودعوا ما ينكرون”. أي
ما يشتبه عليهم فهمه، وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يُذكَر عند العامة.
ومثله قول ابن مسعود رضي الله عنه، ذكره مسلم في مقدمة كتابه بسند صحيح قال: “ما أنتَ بمحدثٍ قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إِلا كان
لبعضهم فتنة”. لأن الشخص إِذا سمع ما لا يفهمه،
وما لا يتصور إِمكانه يعتقد استحالته جهلاً، فلا يصدق وجوده، فإِذا أُسنِدَ إِلى
الله ورسوله يلزم تكذيبهما) [“عمدة
القاري شرح صحيح البخاري” للإِمام العيني ج2. ص204 -205].
وقال الشيخ أحمد زروق رحمه الله تعالى في
قواعده: (في كل علم ما يخص وما يعم، فليس التصوف
بأولى من غيره في عمومه وخصوصه، بل يلزم بذل أحكام الله المتعلقة بالمعاملات من
كلٍ عموماً، وما وراء ذلك على حسب قابِله لا قدر قائِله، لحديث: “حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّب الله
ورسوله؟” [رواه
البخاري تعليقاً في كتاب العلم باب من خص قوماً دون آخرين عن علي رضي الله عنه]. وقيل للجنيد رحمه الله تعالى: يسألك
الرجلان عن المسألة الواحدة فتجيب هذا بخلاف ما تجيب هذا؟ فقال: الجواب على قدر
السائل. قال عليه السلام: “أُمِرْنا أن نكلم الناس
على قدر عقولهم”[ رواه
الديلمي بسند ضعيف عن ابن عباس رضي الله عنهما]) [قواعد التصوف
للشيخ زروق ص7].
ولهذا ذكر الشيخ محي الدين بن عربي رحمه الله
تعالى في الباب الرابع والخمسين من الفتوحات ما نصه: (اعلم
أن أهل الله لم يضعوا الإِشارات التي اصطلحوا عليها فيما بينهم لأنفسهم، فإِنهم
يعلمون الحق الصريح في ذلك، وإِنما وضعوها منعاً للدخيل بينهم، حتى لا يعرف ما هم
فيه، شفقةً عليه أن يسمع شيئاً لم يصل إِليه فينكره على أهل الله، فيُعاقَبُ
بحرمانه، فلا يناله بعد ذلك أبداً، قال: ومن أعجب الأشياء في هذه الطريق، بل لا
يوجد إِلا فيها، أنه ما من طائفة تحمل علماً من المنطقيِّين والنحاة وأهل الهندسة
والحساب والمتكلمين والفلاسفة؛ إِلا ولهم اصطلاح لا يعلمه الدخيل فيهم إِلا بتوقيف
منهم، لابد من ذلك. إِلا أهل هذه الطريقة خاصة، فإِن المريد الصادق إِذا دخل طريقهم،
وما عنده خبر بما اصطلحوا عليه، وجلس معهم، وسمع منهم ما يتكلمون به من الإِشارات،
فَهِمَ جميع ما تكلموا به، حتى كأنه الواضع لذلك الاصطلاح، ويشاركهم في الخوض في
ذلك العلم. ولا يستغرب هو ذلك من نفسه، بل يجد علم ذلك ضرورياً لا يقدر على دفعه،
فكأنه ما زال يعلمه، ولا يدري كيف حصل له ذلك. هذا شأن المريد الصادق، وأما الكاذب
فلا يعرف ما يسمع، ولا يدري ما يقرأ، ولم يزل علماء الظاهر في كل عصر يتُوقون في
فهم كلام القوم. وناهيك بالإِمام أحمد بن سريج، حضر يوماً مجلس الجنيد، فقيل له:
ما فهمتَ من كلامه؟ فقال: لا أدري ما يقول، ولكن أجد لكلامه صولة في القلب ظاهرة.
تدل على عمل في الباطن وإِخلاص في الضمير، وليس كلامه كلام مبطل. ثم إِن القوم لا
يتكلمون بالإِشارة إِلا عند حضور مَنْ ليس منهم، أو في تأليفهم لا غير.. ثم قال:
ولا يخفى أن أصل الإِنكار من الأعداء المبطلين إِنما ينشأ من الحسد، ولو أن أولئك
المنكرين تركوا الحسد، وسلكوا طريق أهل الله، لم يظهر منهم إِنكار ولا حسد،
وازدادوا علماً إِلى علمهم. ولكن هكذا كان الأمر، ولا حول ولا قوة إِلا بالله
العلي العظيم) [اليواقيت
والجواهر للشعراني ص19].
وقال العلامة ابن عابدين رحمه الله تعالى في
حاشيته شارحاً كلام صاحب الدر المختار، حين سئل عن فصوص الحكم للشيخ محي الدين بن
عربي: (يجب الاحتياط؛ لأنه إِن ثبت افتراؤها
فالأمر ظاهر، وإِلا فلا يفهم كل واحد مراده فيها، فيُخشى على الناظر فيها من
الإِنكار عليه، أو فهم خلاف المراد. وللحافظ السيوطي رسالة سماها: [تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي]، ذكر فيها أن الناس افترقوا فيه فرقتين: الفرقة
المصيبة تعتقد ولايته، والأخرى بخلافها. ثم قال: والقول الفصل عندي فيه طريقة لا
يرضاها الفرقتان؛ وهي اعتقاد ولايته وتحريم النظر في كتبه، وقد نُقل عنه أنه قال: [نحن قومٌ يحرم النظر في كتبنا]، وذلك أن الصوفية تواطؤوا على ألفاظ، اصطلحوا
عليها، وأرادوا بها معاني غير المعاني المتعارفة منها بين الفقهاء، فمن حملها على
معانيها المتعارفة كفر، نص على ذلك الغزالي في بعض كتبه وقال: إِنه شبيه بالمتشابه
في القرآن والسنة، كالوجه واليد والعين والاستواء. وإِذا ثبت أصل الكتاب عنه [عن الشيخ محي الدين]
فلابدّ من ثبوتِ كلِّ كلمة لاحتمال أن يُدس فيه ما ليس منه، من قِبَلِ عدو أو ملحد
أو زنديق، وثبوتِ أنه قصد بهذه الكلمة المعنى المتعارف، وهذا لا سبيل إِليه، ومن
ادَّعاه كفر لأنه من أمور القلب التي لا يطلع عليها إِلا الله تعالى. وقد سأل بعضُ
أكابر العلماء بعضَ الصوفية: ما حملكم على أنكم اصطلحتم على هذه الألفاظ التي
يُستشنع ظاهرها؟ فقال: غيرة على طريقنا هذا أن يدَّعيَه من لا يُحْسنه ويدخل فيه
من ليس أهله) [حاشية ابن
عابدين ج3 ص303].
وسئل العلامة ابن حجر الهيثمي رحمه الله تعالى:
ما حكم مطالعة كتب ابن عربي وابن الفارض؟ فأجاب بقوله: (حكمها
أنها جائزة مطالعة كتبهما، بل مستحبة، فكم اشتملت تلك الكتب على فائدة لا توجد في
غيرها، وعائدة لا تنقطع هواطل خيرها، وعجيبة من عجائب الأسرار الإِلهية التي لا
ينتهي مددُ خيرها، وكم تَرجمت عن مقامٍ عجز عن الترجمة عنه من سواها، ورمزت برموز
لا يفهمها إِلا العارفون، ولا يحوم حول حومة حماها إِلا الربانيون، الذين هم بين
مواطن الشريعة الغراء وأحكام ظواهرها على أكمل ما ينبغي جامعون، ولذلك كانوا بفضل
مؤلفيها معترفين.. إِلى أن قال: هذا وإِنه قد طالع هذه الكتب أقوام عوام جهلة
طغام، فأدمنوا مطالعتها، مع دقة معانيها ورقة إِشاراتها وغموض مبانيها، وبنائها
على اصطلاح القوم السالمين عن المحذور واللوم، وتوقف فهمها بكمالها على إِتقان
العلوم الظاهرة، والتحلي بحقائق الأحوال والأخلاق الباهرة، فلذلك ضعُفتْ أفهامهم،
وزلَّتْ أقدامهم، وفهموا منها خلاف المراد، واعتقدوه صواباً فباؤوا بخسار يوم
التناد، وألحدوا في الاعتقاد، وهوت بهم أفهامهم القاصرة إِلى هفوة الحلول
والاتحاد، حتى لقد سمعتُ شيئاً من هذه المفاسد القبيحة، والمكفرات الصريحة، من بعض
من أدمن مطالعة تلك الكتب، مع جهله بأساليبها وعظم ما لها من الخطب. وهذا هو الذي
أوجب لكثير من الأئمة الحط عليها، والمبادرة بالإِنكار إِليها، ولهم في ذلك نوع
عذر، لأن قصدهم فطم أولئك الجهلة عن تلك السموم القاتلة لهم، لا الإِنكار على
مؤلفيها من حيث ذاتهم وحالهم) [الفتاوى
الحديثية لابن حجر الهيثمي المكي ص216].
وقال الشعراني رحمه الله تعالى: (وبالجملة فلا تَحِلُّ قراءة كتب التوحيد الخاص، وكتب
العارفين إِلا لعالم كامل، أو من سلك طريق القوم. وأما من لم يكن واحداً من هذين
الرجلين، فلا ينبغي له مطالعة شيء من ذلك، خوفاً عليه من إِدخال الشُبَهِ التي لا
يكاد الفَطِنُ أن يخرج منها، فضلاً عن غير الفطن، ولكن من شأن النفس كثرة الفضول،
ومحبة الخوض فيما لا يعنيها) [التصوف
الإِسلامي والإِمام الشعراني لطه عبد الباقي سرور ص104 -105].
وقال الشيخ عبد الكريم الجيلي رحمه الله تعالى
في كتابه الإِنسان الكامل: (ثم ألتمس من الناظر في
هذا الكتاب، بعد أن أعلمه أني ما وضعت شيئاً في هذا الكتاب إِلا وهو مؤيَّد بكتاب
الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنه إِذا لاح له شيء من كلامه بخلاف الكتاب
والسنة، فليعلم أن ذلك من حيث مفهومه، لا من حيث مرادي الذي وضعتُ الكلام لأجله،
فليتوقف عن العمل به مع التسليم، إِلى أن يفتح الله عليه بمعرفته، ويحصل له شاهد
ذلك من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.. إِلى أن قال: واعلم أن كل علم لا
يؤيده الكتاب والسنة فهو ضلالة، لا لأجل ما لا تجد أنت له ما يؤيده، فقد يكون العلم
في نفسه مؤيَّداً بالكتاب والسنة، ولكن قلة استعدادك منعك من فهمه، فلم تستطع أن
تتناوله بيدك من محله، فتظن أنه غير مؤيد بالكتاب والسنة، والطريقُ في هذا
التسليمُ)[ الإِنسان
الكامل لعبد الكريم الجيلي ص5. وليحذر القارىء من مطالعة هذا الكتاب
لأن فيه كلمات مخالفة لعقيدة أهل السنة، ولا تقبل التأويل بحال مع أنه قد ألف
كتابه مؤيداً بالكتاب والسنة، كما نص عليه مؤلفه في مقدمة كتابه. ونحن متأكدون أن
الكثير مما فيه مدسوس عليه. انظر بحث الدس من هذا الكتاب ص398].
يتبين لنا من هذه النصوص التي نقلناها عن
الفقهاء الأعلام والسادة الصوفية أمور أهمها:
أـ أنه لا يصح لغير السالك في طريق الصوفية، أن
يطالع كتبهم، خشية أن يفهمها على غير حقيقتها، وخلاف ما يريده مؤلفوها؛ لأنه بعيد
عن فهم اصطلاحاتهم، ومعرفة إِشاراتهم.
غير أن كتب الصوفية إِجمالاً تنقسم إِلى ثلاثة
أقسام:
1 - القسم الأول: يبحث عن تصحيح العبادات، وحسن
إِقامتها بصورتها وروحها، من الخشوع والحضور فيها مع الله تعالى، مع مراعاة آدابها
الظاهرة كذلك.
2 - القسم الثاني: يبحث في مجاهدة النفس وتزكيتها،
والقلب وأحواله؛ من تخليته عن صفاته الناقصة كالشكوك والوساوس والرياء والحقد
والغل والسمعة والجاه والحسد وغيرها من الصفات المذمومة. وتحليته بالصفات الكاملة
كالتوبة والتوكل والرضا والتسليم والمحبة والإِخلاص، والصدق والخشوع والمراقبة
وغيرها من الصفات الحسنة.
وهذان القسمان مذكوران في كتاب الإِحياء
للإِمام الغزالي، وقوت القلوب لأبي طالب المكي، وأمثالهما. وتسمى هذه العلوم علومَ
المعاملة.
3 - القسم الثالث: يبحث عن المعارف الربانية
والعلوم الوهبية والأذواق الوجدانية والحقائق الكشفية. ومعظم كتب الشيخ محي الدين
ابن عربي رحمه الله تعالى من هذا القسم؛ كالفتوحات المكية والفصوص. وكذلك كتاب
الإِنسان الكامل للشيخ عبد الكريم الجيلي رحمه الله تعالى. وعلى أمثال هذه الكتب
ينصبُّ التحذير من قراءتها لغير السالكين العارفين من الصوفية. وتسمى هذه العلوم
علومَ المكاشفة.
ب - أن التصوف لا يُنال بقراءة الكتب، ولا
بمعرفة الاصطلاحات بل لابد من السلوك مع رجاله ومجالسة أهله. قال الشيخ الشعراني
رحمه الله تعالى: (سمعت سيدي علياً الخواص رضي
الله عنه يقول: إِياك أن تعتقد يا أخي إِذا طالعت كتب القوم، وعرفت مصطلحهم في
ألفاظهم أنك صرت صوفياً، إِنما التصوف التخلق بأخلاقهم، ومعرفة طرق استنباطهم
لجميع الآداب والأخلاق التي تحلَّوْا بها من الكتاب والسنة) [لطائف
المنن والأخلاق للشعراني ج2 ص149].
ج - أن السادة الصوفية إِنما وضعوا هذه الرموز
والإِشارات كي لا يأخذ علمهم إِلا مَنْ سار في طريقهم. وقد بينا أن التصوف لا ينال
بقراءة الأوراق، بل بصحبة أهل الأذواق.
د - أن النصوص التي فيها الكفر والزيغ
والمُرُوق من الدين مدسوسة على القوم حتماً، لما رأيتَ من تمسكهم بالكتاب والسنة
مما مر معك مِنْ نُقُول.
هـ - أن ما ثبت عنهم بالتأكيد، ويمكن تأويله
وحمله على وجه صحيح من عقيدة أهل الحق؛ أهل السنة والجماعة، وجب تأويله عليها، لأنها
هي عقيدتهم التي يعتقدونها ويصرحون بها، ويُثبتونها دائماً في مقدمات كتبهم كما هي
سنتهم، وانظر إِن شئت مقدمة الرسالة القشيرية، والفتوحات المكية، والتعرُّفَ لمذهب
أهل التصوف، وإِحياء علوم الدين وغيرها من الكتب.
و - أن ما نسب إِليهم مما لا يمكن تأويله على
وجه صحيح، إِن صح عنهم فهو مردود على صاحبه، لا نسلمه له ولا نعتقده، بل نقول بكفر
مُعْتَقَدِه، ولكنا لا نكفر شخصاً معيناً، لأنا لا ندري خاتمته، ولأننا مسؤولون
أولاً وآخراً عن عقيدة أهل الحق، أهل السنة والجماعة، لا عن عقيدة أي إِنسان آخر.
وإِليك أيها القارىء الكريم بعض الأمثلة عن
أُمور وعبارات أنكرها الجاهلون، فتحاملوا على الصوفية ووصَموهم بالخروج عن
الشريعة، ولكنك حين تفهم مرادهم، وتطلع على قصدهم، يتبين لك أن إِنكار المنكرين
كان إِما عن جهل وتسرع، أوعن حسد وتحامل.
1 - يقول الإِمام الشعراني رحمه الله تعالى: (مما نُقِلَ عن القوم قولهم: [دخلنا
حضرةَ الله، وخرجنا عن حضرةِ الله]. ليس
مرادهم بحضرة الله عز وجل مكاناً معيناً، فإِن ذلك ربما يُفهم منه التحيُّزُ للحق،
تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وإِنما مرادهم بالحضرة حيث أطلقوا شهودُ أحدهم
أنه بين يدي ربه عز وجل، فما دام يشهد أنه بين يديْ ربه عز وجل فهو في حضرته،
فإِذا حُجب خرج عن حضرته) [لطائف
المنن والأخلاق للشعراني ج1. ص127].
2 - وقال الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي رحمه
الله تعالى: (كنت ذات يوم مع بعض إِخواني فأنشدت
قائلاً:
يا مَنْ يراني ولا أراه كم ذا أراهُ ولا يراني
فقال ذلك الأخ الذي
كان معي لما سمع هذا البيت: كيف تقول إِنه لا يراك، وأنت تعلم أنه يراك؟ قال: فقلت
مرتجلاً:
يا مَنْ يراني مذنباً ولا أراه آخذاً
كم ذا أراه منعِماً ولا يراني لائِذاً
[كتاب
النصرة النبوية للشيخ مصطفى المدني على هامش الرائية ص82].
3 - وقال الشعراني رحمه الله تعالى: (ومما نقل عن الغزالي أنه قال: [ليس
في الإِمكان أبدع مما كان]. ولعل مراده رضي
الله تعالى عنه أن جميع الممكنات أبرزها الله على صورةِ ما كانت في علمه تعالى
القديم، وعلمه القديم لا يقبل الزيادة، وفي القرآن العظيم: {أعْطَى كُلَّ شيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى} [طه: 50]. فلو صح أن في الإِمكان أبدع مما كان،
ولم يسبق به علم الله تعالى للزم عليه تقدم جهل، تعالى الله عن ذلك علواً
كبيراً،وهذا هو معنى قول الشيخ محي الدين بن عربي رحمه الله تعالى في تأويل ذلك:
إِن كلام حجة الإِسلام في غاية التحقيق، لأنه ما ثَمَّ إِلا رتبتان: قِدَمٌ وحدوث؛
فالحق تعالى له رتبة القِدَم، والحادث له رتبة الحدوث، فلو خلق الله تعالى ما خلق
إِلى ما لا يتناهى عقلاً، فلا يرقى عن رتبة الحدوث إِلى رتبة القدم أبداً) [“لطائف
المنن والأخلاق” للشعراني ج1. ص126].
4 - وقال محمد أبو المواهب الشاذلي رحمه الله
تعالى مؤولاً كلام أبي يزيد رحمه الله تعالى: [خضْنا
بحراً وقفتْ الأنبياء بساحله]. (قلنا: خاض العارفون بحر التوحيد أولاً بالدليل؛ وبعد
ذلك وصلوا إِلى مرتبة الشهود والعيان، والأنبياء عليهم السلام وقفوا بأول وهلة على
ساحل العيان، ثم وصلوا إِلى ما لا يعبر عنه بالعرفان. فكانت بدايتهم عليهم السلام
نهاية العارفين) [قوانين حكم
الإِشراق إِلى كافة الصوفية في جميع الآفاق، قانون الولاية الخاصة ص58].
5 - ومما نقل عن أبي الحسن الشاذلي رحمه الله
تعالى قوله: [يصل الولي إِلى رتبة يزول عنه
فيها كلفة التكليف]. فأجاب أبو المواهب بقوله:
(قلنا: يكون الولي أولاً يجد كلفة التعب، فإِذا
وصل،وجد بالتكليف الراحة والطرب، من باب قوله صلى الله عليه وسلم: “أرحْنا بها يا بلال” [يا بلال أرحنا بالصلاة. رواه الإِمام أحمد في
مسنده. ورواه أبو داود في كتاب الأدب: باب في صلاة العتمة يا بلال أقم الصلاة
أرحنا بها عن سالم بن أبي الجعد]. ذلك مقصد
الرجال) [“قوانين حكم
الإِشراق” ص59].
6 - ومن الكلمات التي لها تأويل شرعي صحيح كلمة [مدد] التي
يُردِّدها بعض الصوفية، فينادي بها أحدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يخاطب
بها شيخه.
وحجة المعترِض عليهم أن هذه الكلمة هي سؤال
لغير الله واستعانة بسواه ولا يجوز السؤال إِلا له ولا الاستعانة إِلا به؛ حيث قال
الرسول صلى الله عليه وسلم: “إِذا سألت فاسأل
الله، وإِذا استعنت فاستعن بالله” [أخرجه
الترمذي في كتاب صفة القيامة عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. وقال: حديث حسن
صحيح]، ثم إِن الله تعالى
بيَّن في كتابه العزيز أنه هو مصدر الإِمداد حين قال: {كُلاً
نُمِدُّ هؤلاء وهؤلاء مِنْ عطاءِ ربِّك...} [الإِسراء:
20].
وقد جهل هؤلاء المعترضون أن السادة الصوفية هم
أهل التوحيد الخالص، الذين يأخذون بيد مريديهم ليذيقوهم حلاوة الإِيمان، وصفاء
اليقين؛ ويخلصوهم من شوائب الشرك في جميع صوره وأنواعه.
ولتوضيح المراد من كلمة [مدد] نقول:
لابد للمؤمن في جميع أحواله أن تكون له نظرتان:
- نظرية توحيدية لله تعالى، بأنه وحده مسبب
الأسباب، والفاعل المطلق في هذا الكون، المنفردُ بالإِيجاد والإِمداد، ولا يجوز
للعبد أن يشرك معه أحداً من خلقه، مهما علا قدره أو سمت رتبته من نبي أو ولي.
- ونظرة للأسباب التي أثبتها الله تعالى
بحكمته، حيث جعل لكل شيء سبباً.
فالمؤمن يتخذ الأسباب ولكنه لا يعتمد عليها ولا
يعتقد بتأثيرها الاستقلالي، فإِذا نظر العبد إِلى السبب واعتقد بتأثيره المستقل عن
الله تعالى فقد أشرك، لأنه جعل الإِله الواحد آلهة متعددين. وإِذا نظر للمسبِّب
وأهمل اتخاذ الأسباب، فقد خالف سنة الله الذي جعل لكل شيء سبباً. والكمال هو النظر
بالعينين معاً، فنشهد المسبِّبَ ولا نهمل السبب. ولتوضيح هذه الفكرة نسوق بعض
الأمثلة عليها:
- إِن الله تعالى وحده هو خالق البشر؛ ومع ذلك
فقد جعل لخلقهم سبباً عادياً، وهو التقاء الزوجين، وتكوُّنُ الجنين في رحم الأم،
وخروجه منه في أحسن تقويم.
- وكذلك فإِن الله تعالى هو وحده المميت؛ ولكنه
جعل للإماتة سبباً هو ملك الموت، فإِذا لاحظنا المسبب قلنا: {اللهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ...}
[الزمر: 42].
وإِذا قلنا: إِن فلاناً قد توفاه ملك الموت، لا
نكون قد أشركنا مع الله إِلهاً آخر؛ لأننا لاحظنا السبب، كما بينه الله تعالى في
قوله: {قُلْ يتوَفاكُمْ مَلَكُ الموتِ الذي
وُكِّلَ بِكُم} [السجدة: 11].
- وكذلك فإِن الله تعالى هو الرزاق، ولكنه جعل
للرزق أسباباً عادية كالتجارة والزراعة.. فإِذا لاحظنا المسبب في معرض التوحيد،
أدركنا قوله تعالى: {إنَّ اللهَ هوَ الرَّزَّاقُ
ذو القوَّةِ المتِينُ} [الذاريات:
58]. وإِذا لاحظنا السبب
وقلنا: إِن فلاناً يُرزَقُ من كسبهِ، لا نكون بذلك قد أشركنا، فرسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: “ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من
أن يأكل من عمل يده” [أخرجه
البخاري في صحيحه في كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده، عن المقدام رضي الله
عنه]. وقد جمع الرسول صلى
الله عليه وسلم بين النظرتين توضيحاً للأمر وبياناً للكمال في قوله: “وإِنما أنا قاسم والله يعطي”
[أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب العلم، باب من
يرد الله به خيراً، عن معاوية رضي الله عنه].
- وكذلك الأمر بالنسبة للإِنعام، ففي معرض
التوحيد قوله تعالى: {وما بِكُم مِنْ نِعمَةٍ
فَمِنَ اللهِ} [النحل: 53]. لأنه المنعم الحقيقي
وحده. وفي معرض الجمع بين ملاحظة المسبِّب والسبب قوله تعالى: {وإذْ تَقولُ للذي أَنْعَمَ اللهُ عليهِ وأنْعَمْتَ
عليه...} [الأحزاب:
37]. فليس الرسول صلى
الله عليه وسلم شريكاً لله في عطائه، وإِنما سيقت النعم لزيد بن حارثة رضي الله
عنه بسببه صلى الله عليه وسلم، فقد أسلم على يديه، وأُعتِقَ بفضله، وتزوج
باختياره..
- وكذلك بالنسبة للاستعانة، إِذا نظرنا للمسبب
قلنا: “إِذا استعنْتَ فاستعن بالله”. وإِذا نظرنا للسبب قلنا: {وتعاونوا
على البرِّ والتقوى} [المائدة: 2]. “والله في
عون العبد ما كان العبد في عون أخيه” [أخرجه مسلم
في كتاب الذكر، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، عن أبي هريرة رضي الله عنه]. فإِذا قال المؤمن
لأخيه: أَعِنِّي على حمل هذا المتاع؛ لا يكون مشركاً مع الله تعالى أحداً أو
مستعيناً بغير الله، لأن المؤمن ينظر بعينيه، فيرى المسبِّب والسبب، وكل من يتهمه
بالشرك فهو ضال مضل.
- وهكذا الأمر بالنسبة للهداية؛ إِذا نظرنا
للمسبب، رأينا أن الهادي هو الله وحده، لهذا قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه
وسلم: {إنَّكَ لا تهدِي مَنْ أحبَبْتَ} [القصص: 56]. وإِذا لاحظنا السبب،
نرى قول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: {وإنَّكَ
لَتَهدي إلى صراطٍ مُستَقيمٍ} [الشورى: 52]. أي تكون سبباً في
هداية من أراد الله هدايته.
والعلماء العارفون المرشدون هم ورثة الرسول صلى
الله عليه وسلم في هداية الخلق ودلالتهم على الله تعالى. فإِذا استرشد مريد بشيخه،
فقد اتخذ سبباً من أسباب الهداية التي أمر الله بها، وجعل لها أئمة يدلون عليها {وجَعَلْنا مِنْهُم أَئِمَّةً يَهدُونَ بأمرِنا لمَّا
صَبَروا وكانوا بآياتِنا يوقِنونَ} [السجدة: 24].
وصلة المريد هي صلة روحية، لا تفصلها المسافات
ولا الحواجز المادية، وإِذا كانت الجُدُر والمسافات لا تفصل أصوات الأثير فكيف
تفصل بين الأرواح المطلقة؟! لذا قالوا: (شيخك هو
الذي ينفعك بُعدُه كما ينفعك قربُه) وبما أن الشيخ
هو سبب هداية المريد؛ فإِن المريد إِذا تعلق بشيخه، وطلب منه المدد، لا يكون قد
أشرك بالله تعالى، لأنه يلاحظ هنا السبب، كما أوضحناه سابقاً، مع اعتقاده أن
الهاديَ والمُمِدَّ هو الله تعالى، وأن الشيخ ليس إِلا سبباً، أقامه الله لهداية
خلقه، وإِمدادهم بالنفحات القلبية، والتوجيهات الشرعية. ورسول الله صلى الله عليه
وسلم هو البحر الزاخر الذي يستمد منه هؤلاء الشيوخ وعنه يصدرون.
فإِذا سلمنا بقيام الصلة الروحية بين المريد
وشيخه، سلمنا بقيام المدد المترتب عليها، لأن الله يرزق البعض بالبعض في أمر الدين
والدنيا.
ولعل القارىء الكريم بعد هذا، قد اكتفى بهذه
الأمثلة من كلام القوم، وبتلك النقول الصريحة من عباراتهم، حتى إِذا ما رأى كلاماً
مشتبهاً يحتمل ويحتمل، أحسن الظن بهم، والتمس سبلاً لتأويل كلامهم بعد أن تبين له
أن التأويل جائز في كلام الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام الفقهاء
والمحدثين والأصوليين والنحويين وغيرهم. ولهذا قال الإِمام النووي رحمه الله
تعالى: (يحرم على كل عاقل أن يسيء الظن بأحد من
أولياء الله عز وجل، ويجب عليه أن يؤول أقوالهم وأفعالهم مادام لم يلحق بدرجتهم،
ولا يعجز عن ذلك إِلا قليل التوفيق) [“اليواقيت
والجواهر” ج1. ص11].
4 - وحدة الوجود والحلول والاتحاد
الحلول والاتحاد:
إِن من أهم ما يتحامل به المغرضون على السادة
الصوفية اتهامهم جهلاً وزوراً بأنهم يقولون بالحلول والاتحاد، بمعنى أن الله
سبحانه وتعالى قد حلَّ في جميع أجزاء الكون؛ في البحار والجبال والصخور والأشجار
والإِنسان والحيوان.. إِلخ، أو بمعنى أن المخلوق عين الخالق، فكل الموجودات
المحسوسة والمشاهدة في هذا الكون هي ذات الله تعالى وعينه. تعالى الله عن ذلك
علواً كبيراً.
ولاشك أن هذا القول كفر صريح يخالف عقائد
الأمة. وما كان للصوفية وهم المتحققون بالإِسلام والإِيمان والإِحسان أن ينزلقوا
إِلى هذا الدرك من الضلال والكفر، وما ينبغي لمؤمن منصف أن يرميهم بهذا الكفر
جزافاً دون تمحيص أو تثبت، ومن غير أن يفهم مرادهم، ويطلع على عقائدهم الحقة التي
ذكروها صريحة واضحة في أُمهات كتبهم، كالفتوحات المكية، وإِحياء علوم الدين،
والرسالة القشيرية وغيرها..
ولعل بعض المغرضين المتحاملين على الصوفية
يقولون: إِن هذا القول بتبرئة السادة الصوفية من فكرة الحلول والاتحاد، إِنما هو
تهرب من الواقع أو دفاع مغرض عن الصوفية بدافع التعصب والهوى، فهلاَّ تأتون بدليل
من كلامهم يبرىء ساحتهم من هذه التهم؟!.
فلبيان الحقيقة الناصعة نورد نبذاً من كلام
السادة الصوفية تثبت براءتَهم مما اتُّهموا به من القول بالحلول والاتحاد،
وتحذيرَهم الناسَ من الوقوع في هذه العقيدة الزائغة، وتُظهِر بوضوح أن ما نسب
إِليهم من أقوال تفيد الحلول أو الاتحاد إِما مدسوسة عليهم، أو مؤولة [انظر
موضوعي الدس ص 398 والتأويل ص 415 في هذا الكتاب] بما يلائم
هذه النصوص الصريحة التالية الموافقة لعقيدة أهل السنة والجماعة.
يقول الشعراني رحمه الله تعالى: (ولعمري إِذا كان عُبَّاد الأوثان لم يتجرؤوا على أن
يجعلوا آلهتهم عين الله؛ بل قالوا: ما نعبدهم إِلا ليقربونا إِلى الله زلفى، فكيف
يُظَن بأولياء الله تعالى أنهم يدَّعون الاتحاد بالحق على حدٌّ ما تتعقله العقول
الضعيفة؟! هذا كالمحال في حقهم رضي الله تعالى عنهم، إِذ ما مِن وليٌّ إِلا وهو
يعلم أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق، وأنها خارجة عن جميع معلومات الخلائق،
لأن الله بكل شيء محيط) [اليواقيت
والجواهر ج1 ص83].
والحلول والاتحاد لا يكون إِلا بالأجناس، والله
تعالى ليس بجنس حتى يحلَّ بالأجناس، وكيف يحل القديم في الحادث، والخالق في
المخلوق!؟ إِن كان حلولَ عَرَض في جوهر فالله تعالى ليس عرضاً، وإِن كان حلولَ
جوهر في جوهر فليس الله تعالى جوهراً، وبما أن الحلول والاتحاد بين المخلوقات
محال؛ إِذ لا يمكن أن يصير رجلان رجلاً واحداً لتباينهما في الذات؛ فالتباين بين
الخالق والمخلوق، وبين الصانع والصنعة، وبين الواجب الوجود والممكن الحادث أعظم
وأولى لتباين الحقيقتين.
وما زال العلماء، ومحققو الصوفية يبينون بطلان
القول بالحلول والاتحاد، وينبهون على فساده، ويحذرون من ضلاله. قال الشيخ محي
الدين بن عربي رحمه الله تعالى في عقيدته الصغرى: (تعالى
الحق أن تحله الحوادث أو يحلها)[الفتوحات
المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، كما في اليواقيت والجواهر ج1. ص80-81].
وقال في عقيدته الوسطى: (اعلم أن الله تعالى واحد بالإِجماع، ومقام الواحد
يتعالى أن يحل فيه شيء، أو يحل هو في شيء، أو يتحد في شيء)
[الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن
عربي، كما في اليواقيت والجواهر ج1. ص80-81].
وقال في باب الأسرار: (لا
يجوز لعارف أن يقول: أنا الله ، ولو بلغ أقصى درجات القرب، وحاشا العارف من هذا
القول حاشاه، إِنما يقول: أنا العبد الذليل في المسير والمقيل) [الفتوحات
المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، كما في اليواقيت والجواهر ج1. ص80-81].
وقال في الباب التاسع والستين ومائة: (القديم لا يكون قط محلاً للحوادث، ولا يكون حالاً في
المحدَث) [الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي،
كما في اليواقيت والجواهر ج1. ص80-81].
وقال في باب الأسرار: (من
قال بالحلول فهو معلول، فإِن القول بالحلول مرض لا يزول، وما قال بالاتحاد إِلا
أهل الإِلحاد، كما أن القائل بالحلول من أهل الجهل والفضول) [الفتوحات
المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، كما في اليواقيت والجواهر ج1. ص80-81].
وقال في باب الأسرار أيضاً: (الحادث لا يخلو عن الحوادث، ولو حل بالحادثِ القديمُ
لصح قول أهل التجسيم، فالقديم لا يحل ولا يكون محلاً)
[الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن
عربي، كما في اليواقيت والجواهر ج1. ص80-81].
وقال في الباب التاسع والخمسين وخمسمائة بعد
كلام طويل: (وهذا يدلك على أن العالم ما هو عين
الحق، ولا حل فيه الحق، إِذ لو كان عينَ الحق، أو حلَّ فيه لما كان تعالى قديماً
ولا بديعاً) [الفتوحات
المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، كما في اليواقيت والجواهر ج1. ص80-81].
وقال في الباب الرابع عشر وثلاثمائة: (لو صحَّ أن يرقى الإِنسان عن إِنسانيته، والمَلكُ عن
ملكيته، ويتحد بخالقه تعالى، لصحَّ انقلاب الحقائق، وخرج الإِله عن كونه إِلهاً،
وصار الحق خلقاً، والخلق حقاً، وما وثق أحد بعلم، وصار المحال واجباً، فلا سبيل
إِلى قلب الحقائق أبداً) [الفتوحات
المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، كما في اليواقيت والجواهر ج1. ص80-81].
وكذلك جاء في شعره ما ينفي الحلول والاتحاد
كقوله:
ودعْ مقالةَ قوم قال عالمُهم بأنَّه بالإِله الواحد اتحَدا
الاتحادُ مُحُالٌ لا يقول به إِلا جهولٌ به عن عقلهِ شَرَدَا
وعن حقيقتِه وعن شريعتِه فاعبدْ إِلهَك لا تشركْ به أَحَدا
وقال أيضاً في الباب
الثاني والتسعين ومائتين: (من أعظم دليل على نفي
الحلول والاتحاد الذي يتوهمه بعضهم، أن تعلم عقلاً أن القمر ليس فيه من نور الشمس
شيء، وأن الشمس ما انتقلت إِليه بذاتها، وإِنما كان القمر محلاً لها، فكذلك العبد
ليس فيه من خالقه شيء ولا حل فيه) [الفتوحات
المكية للشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، كما في اليواقيت والجواهر ج1. ص80-81].
قال صاحب كتاب نهج الرشاد في الرد على أهل
الوحدة والحلول والاتحاد: (حدثني الشيخ كمال الدين
المراغي قال: اجتمعتُ، بالشيخ أبي العباس المرسي - تلميذ الشيخ الكبير أبي الحسن
الشاذلي - وفاوضْته في هؤلاء الاتحادية، فوجدته شديد الإِنكار عليهم، والنهي عن
طريقهم، وقال: أتكون الصنعة هي عين الصانع؟!) [الحاوي
للفتاوي في الفقه وعلوم التفسير للعلامة جلال الدين السيوطي ج2. ص134].
وأما ما ورد من كلام السادة الصوفية في كتبهم
مما يفيد ظاهره الحلول والاتحاد، فهو إِما مدسوس عليهم، بدليل ما سبق من صريح
كلامهم في نفي هذه العقيدة الضالة. وإِما أنهم لم يقصدوا به القول بهذه الفكرة
الخبيثة والنحلة الدخيلة، ولكن المغرضين حملوا المتشابه من كلامهم على هذا الفهم
الخاطىء، ورموهم بالزندقة والكفر.
أما الراسخون في العلم والمدققون المنصفون من
العلماء فقد فهموا كلامهم على معناه الصحيح الموافق لعقيدة أهل السنة والجماعة،
وأدركوا تأويله بما يناسب ما عرف عن الصوفية من إِيمان وتقوى.
قال العلامة جلال الدين السيوطي رحمه الله
تعالى في كتابه الحاوي للفتاوي: (واعلم أنه وقع في
عبارة بعض المحققين لفظ الاتحاد، إِشارة منهم إِلى حقيقة التوحيد، فإِن الاتحاد
عندهم هو المبالغة في التوحيد. والتوحيد معرفة الواحد والأحد، فاشتبه ذلك على من
لا يفهم إِشاراتهِم، فحملوه على غير محمله؛ فغلطوا وهلكوا بذلك.. إِلى أن قال:
فإِذن أصل الاتحاد باطل محال، مردود شرعاً وعقلاً وعرفاً بإِجماع الأنبياء ومشايخ
الصوفية وسائر العلماء والمسلمين، وليس هذا مذهب الصوفية، وإِنما قاله طائفة غلاة
لقلة علمهم وسوء حظهم من الله تعالى، فشابهوا بهذا القولِ النصارى الذين قالوا في
عيسى عليه السلام: اتَّحَد ناسوتُهُ بلاهوتِهِ. وأما مَنْ حفظه الله تعالى
بالعناية، فإِنهم لم يعتقدوا اتحاداً ولا حلولاً، وإِن وقع منهم لفظ الاتحاد
فإِنما يريدون به محو أنفسهم، وإِثبات الحق سبحانه.
قال: وقد يُذْكَر الاتحاد بمعنى فناء المخالفات
، وبقاء الموافقات، وفناء حظوظ النفس من الدنيا، وبقاء الرغبة في الآخرة، وفناء
الأوصاف الذميمة، وبقاء الأوصاف الحميدة، وفناء الشك، وبقاء اليقين، وفناء الغفلة
وبقاء الذكر.
قال: وأما قول أبي يزيد البسطامي رحمه الله
تعالى: [سبحاني، ما أعظم شأني] فهو في معرض الحكاية عن الله، وكذلك قول من قال: [أنا الحق]
محمول على الحكاية، ولا يُظَنُّ بهؤلاء العارفين الحلول والاتحاد،لأن ذلك غير
مظنون بعاقل، فضلاً عن المتميزين بخصوص المكاشفات واليقين والمشاهدات. ولا يُظَنُّ
بالعقلاء المتميزين على أهل زمانهم بالعلم الراجح والعمل الصالح والمجاهدة وحفظ
حدود الشرع الغلطُ بالحلول والاتحاد، كما غلط النصارى في ظنهم ذلك في حق عيسى عليه
السلام. وإِنما حدث ذلك في الإِسلام من واقعاتِ جهلةِ المتصوفة، وأما العلماء
العارفون المحققون فحاشاهم من ذلك.. إِلى أن قال:
والحاصل أن لفظ الاتحاد مشترك، فيطلق على
المعنى المذموم الذي هو أخو الحلول، وهو كفر. ويطلق على مقام الفناء اصطلاحاً
اصطلح عليه الصوفية، ولا مشاحة في الاصطلاح، إِذ لا يمنع أحد من استعمال لفظ في
معنى صحيح، لا محذور فيه شرعاً، ولو كان ذلك ممنوعاً لم يجز لأحد أن يتفوه بلفظ
الاتحاد، وأنت تقول: بيني وبين صاحبي زيد اتحاد.
وكم استعمل المحدِّثون والفقهاء والنحاة وغيرهم
لفظ الاتحاد في معان حديثية وفقهية ونحوية.
كقول المحدِّثين: اتحد مخرج الحديث.
وقول الفقهاء: اتحد نوع الماشية.
وقول النحاة: اتحد العامل لفظاً أو معنى.
وحيث وقع لفظ الاتحاد من محققي الصوفية، فإِنما
يريدون به معنى الفناء الذي هو محو النفس، وإِثبات الأمر كله لله سبحانه، لا ذلك
المعنى المذموم الذي يقشعر له الجلد. وقد أشار إِلى ذلك سيدي علي بن وفا، فقال من
قصيدة له:
يظنُّوا بي حلولاً واتحاداً وقلبي مِنْ سوى التوحيد خالي
فتبرأ من الاتحاد
بمعنى الحلول، وقال في أبيات أُخَرَ:
وعلمُك أنَّ كلَّ الأمرِ أمْري هو المعنى المسمى باتحاد
فذكر أن المعنى الذي
يريدونه بالاتحاد إِذا أطلقوه، هو تسليم الأمر كله لله، وترك الإِرادة معه
والاختيار، والجريُ على مواقع أقداره من غير اعتراض، وترك نسبة شيءٍ ما إِلى غيره) [الحاوي
للفتاوي في الفقه وعلوم التفسير والحديث والأصول والنحو والإِعراب وسائر الفنون
للعلامة جلال الدين السيوطي صاحب التآليف الكثيرة المتوفى سنة 911هـ. ج2. ص134].
ونقل الشعراني عن سيدي علي بن وفا رحمهما الله
تعالى قوله: (المراد بالاتحاد حيث جاء في كلام
القوم فناء العبد في مراد الحق تعالى، كما يقال: بين فلان وفلان اتحاد، إِذا عمل
كل منهما بمراد صاحبه، ثم أنشد:
وعلمُك أنَّ كلَّ الأمرِ أمري هو المعنى المسمَّى باتحاد
[اليواقيت
والجواهر للشعراني ج1. ص83].
وقال العلامة ابن قيم
الجوزية رحمه الله تعالى في كتابه مدارج السالكين شرح منازل السائرين: (الدرجة الثالثة من درجات الفناء: فناء خواص الأولياء
وأئمة المقربين، وهو الفناء عن إِرادة السوى، شائماً برق الفناءِ عن إِرادة ما
سواه، سالكاً سبيل الجمع على ما يحبه ويرضاه، فانياً بمراد محبوبه منه، عن مراده
هو من محبوبه، فضلاً عن إِرادة غيره، قد اتحد مراده بمراد محبوبه، أعني المراد
الديني الأمري، لا المراد الكوني القدري، فصار المرادان واحداً.. ثم قال: وليس في
العقل اتحاد صحيح إِلا هذا، والاتحاد في العلم والخبر. فيكون المرادان والمعلومان
والمذكوران واحداً مع تباين الإِرادتين والعلمين والخبرين، فغاية المحبة اتحاد
مراد المحب بمراد المحبوب، وفناء إِرادة المحب في مراد المحبوب. فهذا الاتحاد
والفناء هو اتحاد خواص المحبين وفناؤهم؛ قد فَنَوْا بعبادة محبوبهم، عن عبادة ما
سواه، وبحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه والاستعانة به والطلب منه عن حب ما سواه.
ومَنْ تحقق بهذا الفناء لا يحب إِلا في الله، ولا يبغض إِلا فيه، ولا يوالي إِلا
فيه، ولا يعادي إِلا فيه، ولا يعطي إِلا لله، ولا يمنع إِلا لله، ولا يرجو إِلا
إِياه، ولا يستعين إِلا به، فيكون دينه كله ظاهراً وباطناً لله، ويكون الله
ورسولهُ أحبَّ إِليه مما سواهما، فلا يوادُّ من حادَّ الله ورسوله ولو كان أقرب
الخلق إِليه،
بل ُعادي الذي عادى مِن الناسِ
كلِّهم جميعاً ولو كانَ الحبيبَ
المصافيا
وحقيقة ذلك فناؤه عن
هوى نفسه، وحظوظها بمراضي ربه تعالى وحقوقه، والجامع لهذا كله تحقيق شهادة أن لا
إِله إِلا الله علماً ومعرفة وعملاً وحالاً وقصداً، وحقيقة هذا النفي والإِثبات
الذي تضمنتْهُ هذه الشهادة هو الفناء والبقاء، فيفنى عن تأله ما سواه علماً
وإِقراراً وتعبداً، ويبقى بتألهه وحده، فهذا الفناء وهذا البقاء هو حقيقة التوحيد،
الذي اتفقت عليه المرسلون صلوات الله عليهم، وأُنزلت به الكتب، وخلقت لأجله الخليقة،
وشرعت له الشرائع، وقامت عليه سوق الجنة، وأسس عليه الخَلْق والأمر.. إِلى أن قال:
وهذا الموضع مما غلط فيه كثير من أصحاب الإِرادة. والمعصوم من عصمه الله، وبالله
المستعان والتوفيق والعصمة) [مدارج
السالكين شرح منازل السائرين ج1. ص90 و91 للعلامة الشهير ابن قيم الجوزية المتوفى
751هـ].
وقال في موضع آخر: (وإِن
كان مشمراً للفناء العالي، وهو الفناء عن إِرادة السوى، لم يبق في قلبه مرادٌ،
يزاحم مراده الديني الشرعي النبوي القرآني، بل يتحد المرادان؛ فيصير عين مراد الرب
تعالى هو عين مراد العبد، وهذا حقيقة المحبة الخالصة، وفيها يكون الاتحاد الصحيح،
وهو الاتحاد في المراد، لا في المريد ولا في الإِرادة)
[مدارج السالكين شرح منازل السائرين ج1. ص90 و91
للعلامة الشهير ابن قيم الجوزية المتوفى 751هـ].
ورغم أن ابن تيمية مخاصم للسادة الصوفية، وشديد
العداوة لهم، فإِنه يبرِّىءُ ساحتهم من تهمة القول بالاتحاد، ويؤول كلامهم تأويلاً
صحيحاً سليماً. أما تبرئته لساحتهم، فقد قال في فتاويه: (ليس
أحد من أهل المعرفة بالله، يعتقد حلول الرب تعالى به أو بغيره من المخلوقات، ولا
اتحاده به، وإِن سُمع شيء من ذلك منقول عن بعض أكابر الشيوخ فكثير منه مكذوب،
اختلقه الأفاكون من الاتحادية المباحية، الذين أضلهم الشيطان وألحقهم بالطائفة
النصرانية) [مجموع
فتاوى ابن تيمية قسم التصوف ج11. ص74 -75].
وقال أيضاً: (كل
المشايخ الذين يُقتدَى بهم في الدين متفقون على ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها من
أن الخالق سبحانه مباين للمخلوقات. وليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء
من مخلوقاته، وأنه يجب إِفراد القديم عن الحادث، وتمييز الخالق عن المخلوق، وهذا
في كلامهم أكثر من أن يمكن ذكره هنا) [مجموع
فتاوى ابن تيمية قسم علم السلوك ج10. ص223].
وأما تأويله لكلامهم فقد قال في مجموعة رسائله:
(وأما قول الشاعر في شعره:
أنا مَنْ أهوى ومَنْ أهوى أنا
فهذا إِنما أراد به
الشاعر الاتحاد المعنوي، كاتحاد أحد المحبّين بالآخر، الذي يحب أحدهما ما يحب
الآخر، ويبغض ما يبغضه، ويقول مثل ما يقول، ويفعل مثل ما يفعل؛ وهذا تشابه وتماثل،
لا اتحاد العين بالعين، إِذا كان قد استغرق في محبوبه، حتى فني به عن رؤية نفسه،
كقول الآخر:
غبتُ بكَ عنِّي فظننْتُ أنَّك أنِّي
فهذه الموافقة هي
الاتحاد السائغ) [مجموع
رسائل ابن تيمية ص52].
من هذه النصوص المتعددة تبين لنا أن كل ما ورد
في كلام السادة الصوفية من كلمة [اتحاد] إِنما يراد بها هذا الفهم السليم الذي يوافق عقيدة
أهل السنة والجماعة، ولا يصح أن نحمل كلامهم على معان تخالف ما صرحوا به من
تبنِّيهم لعقيدة أهل السنة والجماعة. وما على المنصف إِلا أن يحسن الظن بالمؤمنين،
ويؤول كلامهم على معنى شرعي مستقيم [انظر بحث
تأويل كلام السادة الصوفية ص 415].
وحدة الوجود:
اختلف علماء النظر في موقفهم من العارفين
المحققين القائلين بوحدة الوجود، فمنهم من تسرع باتهامهم بالكفر والضلال، وفهم
كلامهم على غير المراد. ومنهم من لم يتورط بالتهجم عليهم، فتثبت في الأمر ورجع
إِليهم ليعرف مرادهم. لأن هؤلاء العارفين مع توسعهم في هذه المسألة لم يبحثوا فيها
بحثاً يزيل إِشكال علماء النظر، لأنهم تكلموا في ذلك ودوَّنوا لأنفسهم وتلاميذهم
لا لمن لم يشهد تلك الوحدة من غيرهم، لذلك احتاج الأمر للإِيضاح لتطمئن به قلوب
أهل التسليم من علماء النظر.
ومن العلماء الذين حققوا في هذه المسألة،
وفهموا المراد منها السيد مصطفى كمال الشريف. حيث قال: (الوجود
واحد، لأنه صفة ذاتية للحق سبحانه وتعالى، وهو واجب فلا يصح تعدده، والموجود هو
الممكن، وهو العالَمُ فصح تعدده باعتبار حقائقه. وقيامُه إِنما هو بذلك الوجود الواجب
لذاته، فإِذا زال بقي الوجود كما هو، فالموجود غير الوجود، فلا يصح أن يقال الوجود
اثنان: وجود قديم ووجود حادث، إِلا أن يراد بالوجود الثاني الموجود من إِطلاق
المصدر على المفعول، فعلى هذا لا يترتب شيء من المحاذير التي ذكرها أهل النظر على
وحدة الوجود القائل بها أهل التحقيق.. إِلى أن قال: الحِسُّ لا يرى إِلا الهياكل
أي الموجود، والروحُ لا تشهد إِلا الوجود، وإِذا شهدت الموجود فلا تشهده إِلا
ثانياً، على حدِّ مَنْ قال: ما رأيت شيئاً إِلا ورأيت الله قبله، وأراد بهذه
الرؤية الشهودَ لا رؤية البصر، لأن الرؤية من خصائص البصر، والشهود من خصائص
البصيرة، لذلك ورد: أشهد أن لا إِله إِلا الله، ولم يرد أرى؛ بل ولا يصح أن يقال:
أرى) [رسالة وحدة
الوجود للعلامة مصطفى كمال الشريف ص27 -28].
وهكذا شأن العلماء المنصفين، يغارون على
الشريعة الغراء، ويتثبَّتون في الأمور، دون أن يتسرعوا بتكفير أحد من المؤمنين،
ويرجعون في فهم كل حقيقة إِلى أهل الاختصاص بها.
ونظراً لأن مسألة وحدة الوجود أخذت حظاً كبيراً
من اهتمام بعض العلماء، وشغلت أذهان الكثير منهم، أردنا أن نزيد الموضوع إِيضاحاً
وتبسيطاً خدمة للشريعة وتنويراً للأفهام فنقول:
إِن الوجود نوعان: وجود قديم أزلي؛ وهو واجب،
وهو الحق سبحانه وتعالى، قال تعالى: {ذلِكَ بأنَّ
اللهَ هُوَ الحَقُّ} [الحج: 22]. أي الثابت الوجود،
المحَقَّق.
ووجود جائز عرضي ممكن، وهو وجود من عداه من
المُحْدَثات.
وإِن القول بوحدة الوجود، وأن الوجود واحد هو
الحق تعالى يحتمل معنيين: أحدهما حق، والثاني كفر، ولهذا فالقائلون بوحدة الوجود
فريقان:
1 - الفريق الأول: أرادوا به اتحاد الحق بالخلق،
وأنه لا شيء في هذا الوجود سوى الحق، وأن الكل هو، وأنه هو الكل، وأنه عين
الأشياء، وفي كل شيء له آية تدل على أنه عينه.. فقوله هذا كفر وزندقة وأشد ضلالة
من أباطيل اليهود والنصارى وعبدة الأوثان.
وقد شدَّد الصوفية النكير على قائله، وأفتَوْا
بكفره، وحذَّروا الناس من مجالسته. قال العارف بالله أبو بكر محمد بناني رحمه الله
تعالى: (فاحذر يا أخي كلَّ الحذر من الجلوس مع من
يقول: ما ثَمَّ إِلا الله، ويسترسل مع الهوى، فإِن ذلك هو الزندقة المحضة، إِذ
العارف المحقق إِذا صح قدمه في الشريعة، ورسخ في الحقيقة، وتَفَوَّهَ بقوله: ما
ثَمَّ إِلا الله، لم يكن قصدهُ من هذه العبارة إِسقاطَ الشرائع وإِهمال التكاليف،
حاش لله أن يكون هذا قصده) [مدارج
السلوك إِلى ملك الملوك للعارف الكبير محمد بناني المتوفى 1284هـ].
2 - الفريق الثاني: قالوا ببطلان وكفر ما ذُكِرَ؛
من أن الخالق عين المخلوق، وإِنما أرادوا بوحدة الوجود وحدة الوجود القديم الأزلي،
وهو الحق سبحانه، فهو لاشك واحد منزه عن التعدد. ولم يقصدوا بكلامهم الوجود العرضي
المتعدد. وهو الكون الحادث، نظراً لأن وجوده مجازي، وفي أصله عَدَمِيٍّ لا يضر ولا
ينفع. فالكون معدوم في نفسه، هالك فانٍ في كل لحظة. قال تعالى: {كُلُّ شَيءٍ هالِكٌ إلا وَجهَهُ} [القصص: 88]. وإِنما يُظهره
الإِيجاد، ويُثْبتُه الإِمداد. الكائنات ثابتة بإِثباته، وممحوةٌ بأَحدِّيَة ذاته،
وإِنما يُمْسكه سر القيومية فيه. وهؤلاء قسمان:
1 - قسم أخذ هذا الفهم بالاعتقاد والبرهان، ثم
بالذوق والعَيان، وغلب عليه الشهود، فاستغرق في لُجج بحار التوحيد، ففني عن نفسه
فضلاً عن شهود غيره، مع استقامته على شرع الله تعالى وهذا قوله حق.
2 - وقسم ظن أن ذلك علم لفظي، فتوغل في تلاوة
عباراته، وتمسَّك بظواهر إِشاراته، وغاب في شهودها عن شهود الحق، فربما هانت
الشريعة في عينيه، لما يلتذ به من حلاوة تلك الألفاظ، فيقع على أم رأسه، ويتكلم
بما ظاهره أن الشريعة في جهة يختص بها أهل الغفلة، والحقيقة في جهة أخرى يختص بها
أهل العرفان، ولَعمري إِن هذا لهو عين الزور والبهتان، وما ثَمَّ إِلا شريعةٌ
ومقامُ إِحسان.
وعلى كلٌّ فالأَوْلى بالصوفي في هذا الزمان أن
يبتعد عن الألفاظ والتعابير التي فيها إِيهام أو غموض أو اشتباه [انظر بحث
بين الحقيقة والشريعة ص 381 من هذا الكتاب] لئلا يوقع الناس بسوء الظن به، أو
تأويل كلامه على غير ما يقصده، ولأن كثيراً من الزنادقة والدخلاء على الصوفية قد
تكلموا بمثل هذه العبارات الموهمة والألفاظ المتشابهة، لِيَظْهروا ما يُكِنُّونَه
في قلوبهم من عقائد فاسدة، ولِيصلوا بذلك إِلى إِباحة المحرمات، ولِيبرِّرُوا ما
يقعون فيه من المنكرات والفواحش، فاختلط الحق بالباطل، وأُخِذَ المؤمن الصادق
بجريرة الفاسق المنحرف.
لهذا سيَّجَ الصوفية بواطنهم وظواهرهم بالشريعة
الغرَّاء، وأوْصَوْا تلامذتهم بالتمسك بها قولاً وعملاً وحالاً، فهي عندهم باب
الدخول وسلم الوصول، ومَنْ حاد عنها كان من الهالكين، وقد مر بك كلام الصوفية في
التمسك بالشريعة فارجع إِليه في هذا الكتاب [أما
ما ثبت من كلام أعلام الصوفية مما فيه غموض أو اشتباه فمردُّه أحد سببين:
أ - إِما لأنهم التزموا اصطلاحاتٍ ورموزاً
وإِشاراتٍ لا يفهمها غيرهم كما أشرنا إِلى ذلك في بحث التأويل.
ب - وإِما لأنهم تكلموا بها في حالات الغلبة
والشطح. ولذلك لا يجوز لمن لم يذق مذاقهم ولم يبلغ مراتبهم أن يقلدهم في هذه
العبارات ويتشدق بها أمام الناس].
وختاماً نقول: إِن تلك النقول عن العلماء
الأعلام، وعن الصوفية أنفسهم، تكشف للقارىء الكريم أن الصوفية مُبَرؤَّوُن مما
نُسب إِليهم من القول بالحلول والاتحاد، ووحدة الوجود، وأن كلامهم مؤوَّل على وجه
شرعي، وموافق لما عليه أهل السنة والجماعة، من العقيدة الصحيحة السليمة، وأنهم ما
نالوا هذه المواهب العرفانية إِلا بالتمسك بالكتاب والسنة، وأنهم حقيقة رجال السلف
الصالح - رضي الله عنهم - الذين تمسكوا بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فأفلحوا وتحققوا بالاتباع الكامل له عليه الصلاة والسلام، فنالوا الرضى من الله
تعالى، وفازوا بسعادة الدارين. {وَمَنْ يُطِعِ
اللهَ والرسولَ فأولئِكَ معَ الصِّدِّيقينَ والشهداءِ والصالحينَ وحَسُنَ أولئكَ
رفيقاً} [النساء: 69].
5 - بين الصوفية وأدعياء التصوف
لقد شوَّهَ التصوفَ رجالٌ مغرِضونَ تَزَيَّوْا
بزيه، وانتسبوا له، فأساؤوا إِليه بأقوالهم وأفعالهم وسيرتهم، والتصوف منهم براء.
فمن أجل خدمة الحق وإِظهاره علينا أن نفرق بين
أدعياء التصوف المنحرفين، وبين السادة الصوفية الصادقين العارفين، وخصوصاً الأئمة
منهم الذين كانت لهم درجات عليا في الإِيمان والتقوى والورع، وآثار كبرى في نشر
الأخلاق والدين والدعوة إِلى الله تعالى في سائر العصور والبلدان، وعلينا أن نقف
وقفة رجل متمسك بشرعه ودينه ونقول: هناك فرق كبير بين التصوف والصوفي، وليس
المتصوف بانحرافه وشذوذه ممثلاً للتصوف، كما أن المسلم بأفعاله المنكَرة ليس
ممثلاً لإِسلامه ودينه.
ومتى كان في شريعة الحق والدين أن يُؤَاخذ
الجار بظلم الجار؟ وأن يتحمل الإِسلامُ في جوهره النقي أخطاءَ المسلمين المنحرفين؟
وأن تنسب إِلى هذه الفئة الطيبة النقية أخطاءُ المتصوفة الشاذين؟.
وإِنكار بعض العلماء على أفعال شاذة منسوبة
إِلى الصوفية إِنما يستهدف هؤلاء الغلاة المنحرفين من أدعياء التصوف. ولطالما
حذَّر مرشدو الصوفية الناسَ منهم. قال الشيخ أحمد زروق رحمه الله تعالى في كتابه
قواعد التصوف: (فغلاةُ المتصوفة كأهل الأهواء من
الأصوليين، وكالمطعون عليهم من المتفقهين، يُرَدُّ قولُهم، ويُجتنَبُ فعلُهم، ولا
يُترَكُ المذهب الحق الثابت بنسبتهم له وظهورهم فيه)
إِلخ [قواعد التصوف للشيخ أحمد زروق قاعدة 35، ص13].
إِن الخير والشر موجود في كل طائفة من الناس
إِلى يوم القيامة، فليس كل الصوفية سواء، كما أنه ليس كل العلماء والفقهاء
والمدرسين والقضاة والتجار والأمراء سواء؛ إِذ فيهم الصالح وفيهم الأصلح، وفيهم
الفاسد وفيهم الأفسد، هذا أمر ظاهر لا شبهة فيه عند الجمهور اعرفِ الحقَّ تعرفْ
أهلَه، ويعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال.
ونحن ننكر ما أنكره العلماء على هؤلاء الأدعياء
من المتصوفة المنحرفين، الشاذين عن دين الله تعالى، وأما المتمسكون بالكتاب
والسنة، المستقيمون على شرع الله تعالى فهم الذين نَعنيهم، ونقتفي أثرهم، وسنعرض
لك في الفصل التالي شهادة علماء الأمة الإِسلامية من سلفها إِلى خلفها بهم.
6 - أعداء التصوف
إِن الذين طعنوا في
التصوف الإِسلامي، وتهجموا عليه، واتهموه بشتى أنواع الأكاذيب والافتراءات، ورموه
بالانحراف والزيغ؛ إِما أن يكون باعثهم على ذلك الحقد والعداوة المتأصلة للإِسلام،
وإِما أن يكون سبب وقوعِهم في هذا الإِثم جهلهم المطبق بحقيقة التصوف.
1 - أما الصنف الأول:
فهم أعداء الإِسلام من
الزنادقة المستشرقين وأذنابهم وعملائهم الذين صنعتْهم الصليبية الماكرة والاستعمار
البغيض، لطعن الإِسلام ودك حصونه، وتشويه معالمه، وبث سموم الفرقة والخصام بين
صفوف أبنائه.
وقد كشفهم السيدُ محمد أسد، في كتابه: الإِسلام
على مفترق الطرق في بحث: شبح الحروب الصليبية [انظر
كتاب الإِسلام على مفترق الطرق ص52. أما
المؤلف فنمساوي الأصل وكان اسمه ليوبولدفايس، فاعتنق الإِسلام وتسمى باسم “محمد أسد” وينصرف في
الوقت الحاضر إِلى ترجمة معاني القرآن الكريم وصحيح البخاري إِلى اللغة
الإِنكليزية].
وقد عكف هؤلاء المغرضون على دراسة الإِسلام
دراسة دقيقة مستفيضة كي يعرفوا سرَّ قوَّته، ولِيعلموا من أي باب يلجون، وفي أي طريق
يسيرون للوصول إِلى أهدافهم الماكرة ومآربهم الخبيثة. ومن أشهر كتَّابهم: نكلسون
الإِنكليزي، وجولدزيهر اليهودي، وماسينيون الفرنسي وغيرهم.
فتارة يدُسُّون السم في الدسم، ويمدحون
الإِسلام في بعض كتبهم كي ينالوا ثقة القارىء، فإِذا اطمأنَّ إِليهم، وركن إِلى
أقوالهم شككوه في عقائده، وحشوا قلبه بأباطيل ألصقوها بالإِسلام زوراً وبهتاناً.
وتارة ينْتحلون صفة الباحث العلمي المتجرد، أو
يلبسون ثوب الغيور على الدين، المتباكي على تراثه، فيشنون حملةً شعْواء على
التصوف، وقد عرفوا أنه روح الإِسلام وقلبه النابض، فيدّعون أنه مقتبس من اليهودية
أو النصرانية أو البوذية، ويتهمون رجاله بعقائد مكفرة وأفكار منحرفة ضالة، كالقول
بالحلول والاتحاد، ووحدة الوجود، ووحدة الأديان، وغير ذلك.
ونحن لا نعتِبُ عليهم لأنهم أعداء، وهذا شأن
العدو الماكر، ولا ندخل في تفاصيل الردِّ عليهم، وتفنيد افتراءاتهم بعد أنْ علمنا
أغراضهم ومآربهم الخبيثة. ولكننا نعتب على جماعة يدّعون الإِسلام ثم يتبنَّون
آراءَ هؤلاء الخصوم الألداء وخصوصاً في طعن الإِسلام في روحه وجوهره، ألا وهو
التصوف. فهل يصِح لمسلم عاقل أن يتخذ أقوال الأعداء المتحاملين المغرضين الكافرين حجة
لطعن إِخوته المؤمنين؟! سبحانك هذا بهتان عظيم.
ولو كان هؤلاء المستشرقون صادقين في دفاعهم عن
الإِسلام مخلصين في زعمهم بتنقيته من الشوائب وغيرتهم عليه وحبهم له، فلماذا لم
يعتنقوه؟! ولِمَ لم يتخذوه منهجاً لهم في حياتهم؟!
2 - وأما الصنف الثاني:
فهم الذين جهلوا حقيقة
التصوف الإِسلامي ولم يأخذوه عن رجاله الصادقين وعلمائه المخلصين؛ بل نظروا إِليه
نظرة سطحية بعيدة عن التمحيص والتبين، وهؤلاء أقسام:
أـ قسم أخذوا فكرتهم عن التصوف من خلال
أعمال وسلوك بعض الدخلاء والمنحرفين من أدعياء التصوف؛ دون أن يُفرِّقوا بين
التصوف الحقيقي الناصع، وبين بعض الوقائع المشوهة التي تصدر عن الدخلاء على
الصوفية والتي لا تَمُتُّ إِلى الإِسلام بصلة [انظر بحث
بين الصوفية وأدعياء التصوف ص449 في هذا
الكتاب].
ب - وقسم
خُدعوا بما وجدوه في كتب السادة الصوفية من أمور مدسوسة أو مسائل دخيلة؛ فأخذوها
على أنها حقائق ثابتة، دون تحقيق أو تثبت [انظر بحث
الدس على العلوم الإِسلامية ص 398 في هذا الكتاب] أو إِنهم
أخذوا الكلام الثابت في كتب الصوفية ففهموه على غير مراده، حسب فهمهم السطحي
وعلمهم المحدود، وأهوائهم الخاصة، دون أن يرجعوا إِلى كلام الصوفية الواضح الذي لا
يحيد عن لب الشريعة، والذي يعطي الضوء الناصع والنور الكاشف لتأويل هذا الكلام
المتشابه [انظر بحث التأويل ص
415 في هذا الكتاب]. مثلهم في ذلك كمثل الذي في قلبه زيغ ومرض؛ فأخذ
الآيات القرآنية المتشابهة في القرآن الكريم فأوَّلها حسب هواه وانحرافه، دون أن
يلتفت إِلى سائر الآيات القرآنية المُحْكَمَة التي تُلْقي النور على معاني هذه
الآيات المتشابهة وتوضح معانيها، وتبين أغراضها. قال الله تعالى في حقهم: {هُوَ الذي أنْزَلَ عليكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ
مُحكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكتابِ وأُخَرُ مُتشابهاتٌ فأمَّا الذينَ في قُلوبِهِم
زيغٌ فيتَّبِعونَ ما تشابَهَ منهُ ابتغاءَ الفتنَةِ وابتغاءَ تأويلِهِ}[آل عمران:
7]. لهذا ولئلا
يلتبس الأمر على جاهل أحمق أو مغرض متحامل، وضع علماء الصوفية عقائدهم صريحة واضحة
لا تحيد عن مذهب أهل السنة والجماعة، ومنهم الشيخ محي الدين رحمه الله تعالى، فقد
ذكر عقيدته واضحة مفصلة في مطلع كتابه الفتوحات المكية، وكذلك صاحب الرسالة
القشيرية وغيرهما..
ج - وقسم هم
المغشوشون المخدوعون الذين أخذوا ثقافتهم وعلومهم عن المستشرقين كما بيَّنَّا
سابقاً، وتَبنَّوا مزاعمهم وأباطيلهم كأنها بَدَهياتٌ لا تقبل الجدل، أو تنزيل من
حكيم حميد. ولم تسعفهم الفطانة والذكاء إِلى إِدراك حقيقة هؤلاء المستشرقين الذين
نَصَبُوا أنفسهم وجنَّدوا ثقافتهم لهدم الإِسلام، بتشويه معالمه، وطعنه في جوهره
وروحه.
إِلا أن هذه الأمة الإِسلامية لا تزال فيها
طائفة ظاهرة على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله [أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الاعتصام أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تزال طائفة من
أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون” ومرَّ
الحديث وعزوه ص42]، ولو
اجتمع الثقلان على حربهم قبيلاً، يدعونَ مَنْ ضل إِلى الهدى، ويصبرون منهم على
الأذى، ويبصرون بنور الله أهلَ الضلال والعمى، اهتدوا بهدي النبي الكريم صلوات
الله وسلامه عليه، واستضاءوا بنوره على مر الأزمان والدهور..
الباب السادس
شهادات علماء الأمة الإِسلامية من سلفها
إِلى خلفها للتصوف ورجاله
ختاماً لهذه الرسالة أنقل لك طرفاً يسيراً من
الأقوال والشهادات عن التصوف لبعض أكابر علماء الأمة، ورجال الفكر والدعوة منذ
الصدر الأول إِلى يومنا هذا.
ولا أراك محتاجاً إِلى
هذه الشهادات، بعد أن عرفت جوهر التصوف وتبين لك أنه روح الإِسلام، وأحد أركان
الدين الثلاثة: الإِسلام والإِيمان والإِحسان.
ولكن هناك بعض النفوس قد
عميت عن رؤية النور، وتجاهلت حقائق الإِسلام، وحكمت على الصوفية من خلال أعمال بعض
المنحرفين والمبتدعين من أدعياء التصوف دون تبيُّنٍ ولا تمحيص، فإِلى هؤلاء وإِلى
كل جاهل بحقيقة التصوف نسوق هذه الأقوال؛ كي يدركوا أثر التصوف وضرورته لإِحياء
القلوب، وتهذيب النفوس، وكي يطلعوا على ثمرات التصوف ونتائجه في انتشار الإِسلام
في مختلف الديار وشتى الأمصار.
1 - الإِمام
أبو حنيفة رحمه الله تعالى:
وقد مر بك في بحث بين الشريعة والحقيقة الكلام المفصل
عن الإِمام الأكبر أبي حنيفة النعمان رحمه الله تعالى، وكيف أنه كان يعطي الشريعة
والطريقة، وأنه كان فارس هذا الميدان، كما ذكر العلامة ابن عابدين في حاشيته
المشهورة [أبو حنيفة أحد الأئمة
الأربعة، أشهر من أن يعرف، توفي في بغداد سنة 150هـ. انظر (395 - 396) من هذا الكتاب].
2 - الإِمام
مالك رحمه الله تعالى:
يقول الإِمام مالك رحمه الله تعالى: (مَنْ تفقَّهَ ولم يتصوف فقد تفسق، ومَنْ تصوَّف ولم
يتفقه فقد تزندق، ومن جمعَ بينهما فقد تحقَّق) [حاشية
العلامة علي العدوي على شرح الإِمام الزرقاني على متن العزية في الفقه المالكي ج3.
ص195. وشرح عين العلم وزين الحلم للإِمام ملا علي القاري المتوفى 1014هـ. ج1. ص33.
والإِمام مالك رحمه الله تعالى أحد الأئمة الأربعة المشهورين توفي سنة 179هـ في
المدينة المنورة].
3 - الإِمام
الشافعي رحمه الله تعالى:
قال الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى [الإِمام
الشافعي رحمه الله تعالى أحد الأئمة الأربعة المشهورين توفي في مصر سنة 204هـ]: (صحبت
الصوفية فلم أستفد منهم سوى حرفين، وفي رواية سوى ثلاث كلمات:
قولهم: الوقت سيف إِن لم تقطعه قطعك.
وقولهم: نفسَك إِن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.
وقولهم: العدم عصمة)
[تأييد الحقيقة العلية للإِمام جلال الدين
السيوطي ص15].
وقال أيضاً: (حُبِّبَ
إِليَّ من دنياكم ثلاث: تركُ التكلف، وعِشرةُ الخلق بالتلطُّف، والاقتداء بطريق
أهل التصوف) [“كشف الخفاء
ومزيل الإِلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس”
للإِمام العجلوني المتوفى سنة 1162هـ. ج1. ص341].
4 - الإِمام
أحمد رحمه الله تعالى:
كان الإِمام أحمد رحمه الله تعالى [الإِمام أحمد رحمه الله تعالى أحد
الأئمة الأربعة المشهورين توفي سنة 241هـ] قبل مصاحبته
للصوفية يقول لولده عبد الله رحمه الله تعالى: (يا
ولدي عليك بالحديث، وإِياك ومجالسة هؤلاء الذين سموا أنفسهم صوفية، فإِنهم ربما
كان أحدهم جاهلاً بأحكام دينه. فلمَّا صحب أبا حمزة البغدادي الصوفي، وعرف أحوال
القوم، أصبح يقول لولده: يا ولدي عليك بمجالسة هؤلاء القوم، فِإِنهم زادوا علينا
بكثرة العلم والمراقبة والخشية والزهد وعلو الهمة)
[“تنوير القلوب” ص405 للعلامة الشيخ أمين الكردي المتوفى سنة 1332هـ].
ونقل العلامة محمد السفاريني الحنبلي رحمه الله
تعالى عن إِبراهيم بن عبد الله القلانسي رحمه الله تعالى أن الإِمام أحمد رحمه
الله تعالى قال عن الصوفية: (لا أعلم أقواماً أفضل
منهم. قيل: إِنهم يستمعون ويتواجدون، قال: دعوهم يفرحوا مع الله ساعة..) [“غذاء
الألباب شرح منظومة الآداب” ج1. ص120].
5 - الإِمام
المحاسبي رحمه الله تعالى:
ويقول الإِمام المحاسبي رحمه الله تعالى،
متحدثاً عن جهاده المرير للوصول إِلى الحق حتى اهتدى إِلى التصوف ورجاله، وهو من
أروع ما كتب في وصف الحياة الصوفية والخلقية والإِيمانية: (أما بعد، فقد انتهى البيان إِلى أن هذه الأمة تفترق على بضع وسبعين
فرقة، منها فرقة ناجية، والله أعلم بسائرها؛ فلم أزل برهة من عمري، أنظر اختلاف
الأمة، وألتمس المنهاج الواضح والسبيل القاصد، وأطلب من العلم والعمل، وأستدل على
طريق الآخرة بإِرشاد العلماء، وعقلت كثيراً من كلام الله عز وجل بتأويل الفقهاء،
وتدبرت أحوال الأمة، ونظرت في مذاهبها وأقاويلها، فعقلت من ذلك ما قدّر لي، ورأيت
اختلافهم بحراً عميقاً، غرق فيه ناس كثير، وسلم منه عصابة قليلة، ورأيت كل صنف
منهم، يزعم أن النجاة لمن تبعهم، وأن المهالك لمن خالفهم، ثم رأيت الناس أصنافاً:
فمنهم العالم بأمر الآخرة، لقاؤه عسير، ووجوده
عزيز.
ومنهم الجاهل، فالبعد عنه غنيمة.
ومنهم المتشبه بالعلماء، مشغوف بدنياه، مؤثر
لها.
ومنهم حامل علم، منسوب إِلى الدين، ملتمس بعلمه
التعظيم والعلو، ينال بالدين من عرض الدنيا.
ومنهم حامل علم، لا يعلم تأويل ما حمل.
ومنهم متشبه بالنُّسَّاك، متحرٌّ للخير، لا
غناء عنده، ولا نفاذ لعلمه [إِلى قلوب
السامعين]، ولا معتمَد على رأيه.
ومنهم منسوب إِلى العقل والدهاء، مفقود الورع
والتقى.
ومنهم متوادُّون، على الهوى وافِقون، وللدنيا
يذِلون، ورياستَها يطلبون.
ومنهم شياطين الإِنس، عن الآخرة يصدون، وعلى
الدنيا يتكالبون، وإِلى جمعها يُهرعون، وفي الاستكثار منها يرغبون، فهم في الدنيا
أحياء، وفي العُرف موتى، بل العُرف عندهم منكر، والاستواء [بين الحي والميت] معروف.
فتفقدْت في الأصناف نفسي، وضِقتُ بذلك ذرعاً،
فقصدت إِلى هدى المهتدين، بطلب السداد والهدى، واسترشدت العلم، وأَعملْت الفكر،
وأطلت النظر، فتبيَّن لي من كتاب الله تعالى وسنة نبيه وإِجماع الأمة، أن اتباع
الهوى يعمي عن الرشد، ويضل عن الحق، ويطيل المكث في العمى.
فبدأتُ بإِسقاط الهوى عن قلبي، ووقفت عند
اختلاف الأمة مرتاداً لطلب الفرقة الناجية، حذِراً من الأهواء المُرْدية والفرقة
الهالكة، متحرزاً من الاقتحام قبل البيان، وألتمس سبيل النجاة لِمُهْجةِ نفسي.
ثم وجدْتُ باجتماع الأمة في كتاب الله المنزل
أن سبيل النجاة في التمسك بتقوى الله وأداء فرائضه، والورع في حلاله وحرامه وجميع
حدوده، والإِخلاص لله تعالى بطاعته، والتأسِّي برسوله صلى الله عليه وسلم. فطلبت
معرفة الفرائض والسنن عند العلماء في الآثار، فرأيت اجتماعاً واختلافاً، ووجدتُ
جميعهم مجتمعين على أن علم الفرائض والسنن عند العلماء بالله وأمره، الفقهاء عن
الله العاملين برضوانه الورعين عن محارمه المتأسين برسوله صلى الله عليه وسلم
والمؤثرين الآخرة على الدنيا؛ أُولئك المتمسكون بأمر الله وسنن المرسلين.
فالتمست من بين الأمة هذا الصنف المجتمَعَ
عليهم والموصوفين بآثارهم، واقتبست من علمهم، فرأيتهم أقل من القليل، ورأيت علمهم
مندرساً كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “بدأ
الإِسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء”
[أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الإِيمان عن أبي
هريرة رضي الله عنه]، وهم
المتفرِّدون بدينهم، فعظمتْ مصيبتي لفقد الأولياء الأتقياء، وخشيتُ بغتة الموت أن
يفاجئني على اضطرابٍ من عمري لاختلاف الأمة، فانكمشت في طلب عالم لم أجد لي من
معرفته بُدّاً، ولم أقصّر في الاحتياط ولا في النصح. فقيَّضَ لي الرؤوف بعباده
قوماً وجدت فيهم دلائل التقوى وأعلام الورع وإِيثار الآخرة على الدنيا، ووجدت
إِرشادهم ووصاياهم موافقة لأفاعيل أئمة الهدى، [ووجدتهم] مجتمعين على نصح الأمة، لا يُرَجُّون أبداً في
معصيته، ولا يُقَنِّطون أبداً من رحمته، يرضون أبداً بالصبر على البأساء والضراء
والرضا بالقضاء والشكر على النعماء، يُحبِّبون الله تعالى إِلى العباد بذكرهمْ
أياديه وإِحسانه، ويحثُّون العباد على الإِنابة إِلى الله تعالى، علماء بعظمة الله
تعالى، علماء بعظيم قدرته، وعلماء بكتابه وسنته، فقهاء في دينه، علماء بما يحب
ويكره، وَرِعين عن البدع والأهواء، تاركين التعمق والإِغلاء، مبغضين للجدال
والمراء، متورِّعين عن الاغتياب والظلم مخالفين لأهوائهم، محاسبين لأنفسهم، مالكين
لجوارحهم، ورعين في مطاعمهم وملابسهم وجميع أحوالهم، مُجانبين للشبهات، تاركين
للشهوات، مجتزئين بالبُلْغة من الأقوات، متقللين من المباح، زاهدين في الحلال،
مشفِقين من الحساب، وَجِلين من المعاد، مشغولين بينهم، مُزْرِين على أنفسهم من دون
غيرهم، لكل امرىء منهم شأن يغنيه، علماء بأمر الآخرة وأقاويل القيامة وجزيل الثواب
وأليم العقاب. ذلك أورثهم الحزن الدائم والهَمَّ المقيم، فشغلوا عن سرور الدنيا
ونعيمها. ولقد وصفوا من آداب الدين صفات، وحدُّوا للورع حدوداً ضاق لها صدري،
وعلمت أن آداب الدين وصدق الورع بحر لا ينجو من الغرق فيه شبهي، ولا يقوم بحدوده
مثلي، فتبين لي فضلهم، واتضح لي نصحهم، وأيقنتُ أنهم العاملون بطريق الآخرة
والمتأسون بالمرسلين، والمصابيح لمن استضاء بهم، والهادون لمن استرشد.
فأصبحت راغباً في مذهبهم مقتبساً من فوائدهم
قابلاً لآدابهم محباً لطاعتهم، لا أعدل بهم شيئاً، ولا أوثر عليهم أحداً، ففتح
الله لي علماً اتضح لي برهانه، وأنار لي فضله، ورجوت النجاة لمن أقرَّ به أو
انتحله، وأيقنت بالغوث لمن عمل به، ورأيت الاعوجاج فيمن خالفه، ورأيت الرَّيْن
متراكماً على قلب من جهله وجحده، ورأيت الحجة العظمى لمن فهمه، ورأيت انتحاله
والعمل بحدوده واجباً عليَّ، فاعتقدته في سريرتي، وانطويت عليه بضميري، وجعلته
أساس ديني، وبنيت عليه أعمالي، وتقلَّبْت فيه بأحوالي. وسألت الله عز وجل أن
يوزِعَني شكرَ ما أنعم به عليَّ، وأن يقويني على القيام بحدود ما عرَّفني به، مع
معرفتي بتقصيري في ذلك، وأني لا أدرك شكره أبداً) [كتاب الوصايا
ص27 -32. للإِمام أبي عبد الله الحارث المحاسبي
المتوفى 243هـ. وهو من أمهات الكتب الصوفية المعتمدة].
6 - عبد
القاهر البغدادي رحمه الله تعالى:
قال الإِمام الكبير حجة المتكلمين عبد القاهر
البغدادي رحمه الله تعالى في كتابه الفَرْقُ بين الفِرَقِ: (الفصل الأول من فصول هذا الباب في بيان أصناف أهل السنة
والجماعة. اعلموا أسعدكم الله أن أهل السنة والجماعة ثمانية أصناف من الناس:
1 - صنف منهم أحاطوا علماً بأبواب التوحيد والنبوة
وأحكام الوعد والوعيد والثواب والعقاب وشروط الاجتهاد والإِمامة والزعامة..
2 - والصنف الثاني منهم: أئمة الفقه من فريقي
الرأي والحديث من الذين اعتقدوا في أُصول الدين مذاهب الصفاتية في الله وفي صفاته
الأزلية وتبرَّؤُا من القدر والاعتزال، وقالوا بدوام نعيم الجنة على أهلها، ودوام
عذاب النار على الكفرة، وقالوا بإِمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وأحسنوا الثناء
على السلف الصالح من الأمة، ورأوا وجوب الجمعة خلف الأئمة الذين تبرؤا من أهل
الأهواء الضالة، ورأَوْا وجوب استنباط أحكام الشريعة من القرآن والسنة ومن إِجماع
الصحابة، ويدخل في هذه الجماعة أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل رضي
الله عنهم.
3 - والصنف الثالث منهم: هم الذين أحاطوا علماً
بطرق الأخبار والسنن المأثورة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وميزوا بين الصحيح
والسقيم منها، وعرفوا أسباب الجرح والتعديل، ولم يخلطوا علمهم بذلك بشيء من بدع
أهل الأهواء الضالة.
4 - والصنف الرابع منهم: قوم أحاطوا علماً بأكثر
أبواب الأدب والنحو والتصريف، وَجَروْا على سَمْتِ أئمة اللغة كالخليل وأبي عمرو
بن العلاء وسيبويه.
5 - والصنف الخامس منهم: هم الذين أحاطوا علماً
بوجوه قراءات القرآن وبوجوه تفسير آيات القرآن وتأويلها على وفق مذاهب أهل السنة
دون تأويلات أهل الأهواء الضالة.
6 - والصنف السادس منهم: الزهاد الصوفية الذين
أبصروا فأقصروا، واختَبروا فاعتبروا، ورضوا بالمقدور وقنعوا بالميسور، وعلموا أن
السمع والبصر والفؤاد كل أُولئك مسؤول عن الخير والشر، ومحاسب على مثاقيل الذر، فأعدُّوا
خير الإِعداد ليوم المعاد، وجرى كلامهم في طريقَيْ العبارة والإِشارة على سَمْتِ
أهل الحديث دون من يشتري لهو الحديث، لا يعملون الخير رياء، ولا يتركونه حياء،
دينُهم التوحيد ونفي التشبيه، ومذهبهم التفويضُ إِلى الله تعالى، والتوكلُ عليه
والتسليمُ لأمره، والقناعةُ بما رزقوا، والإِعراضُ عن الاعتراض عليه. {ذلكَ فضلُ اللهِ يؤتِيهِ مَنْ يشاءُ واللهُ ذو الفضلِ
العظيمِ} [الجمعة: 4].
7 - والصنف السابع منهم: قوم مرابطون في ثغور
المسلمين في وجوه الكفرة، يجاهدون أعداء المسلمين ويحمون حمى المسلمين.
8 - والصنف الثامن منهم: عامة البلدان التي غلب
فيها شعائر أهل السنة، دون عامة البقاع التي ظهر فيها شعار أهل الأهواء الضالة..) [الفَرْقُ
بين الفِرَقِ للإِمام عبد القاهر البغدادي المتوفى سنة 429هـ. ص189].
7 - الإمام
القشيري رحمه الله تعالى:
وقال الإِمام أبو القاسم القشيري رحمه الله
تعالى في مقدمة رسالته المشهورة متحدثاً عن الصوفية: (جعل
الله هذه الطائفة صفوة أوليائه، وفَضَّلهم على الكافة من عباده بعد رسله وأنبيائه
صلوات الله وسلامه عليهم، وجعل قلوبهم معادن أسراره، واختصَّهم من بين الأمة
بطوالع أنواره، فهم الغياث للخلق، والدائرون في عموم أحوالهم مع الحق بالحق.
صفَّاهم من كدورات البشرية، ورقَّاهم إِلى محل المشاهدات بما تجلى لهم من حقائق
الأحدية، ووفقهم للقيام بآداب العبودية، وأشهدهم مجاري أحكام الربوبية، فقاموا
بأداء ما عليهم من واجبات التكليف، وتحققوا بما مَنَّه سبحانه لهم من التقليب
والتصريف، ثم رجعوا إِلى الله سبحانه وتعالى بصدق الافتقار ونعت الانكسار، ولم
يتَّكِلوا على ما حصل منهم من الأعمال أو صفا لهم من الأحوال، علماً منهم بأنه
جلَّ وعلا يفعل ما يريد، ويختار من يشاء من العبيد، لا يحكم عليه خلق، ولا يتوجه
عليه لمخلوق حق، ثوابه ابتداء فضل، وعذابه حكم بعدل، وأمره قضاء فصل) [الرسالة
القشيرية للإِمام أبي القاسم القشيري المتوفى سنة 465هـ. ص2].
8 - الإمام
الغزالي رحمه الله تعالى:
وها هو ذا حجة الإِسلام الإِمام أبو حامد
الغزالي رحمه الله تعالى يتحدث في كتابه المنقذ من الضلال عن الصوفية وعن سلوكهم
وطريقتهم الحقة الموصلة إِلى الله تعالى فيقول:
(ولقد علمت
يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة وأن سيرتهم أحسن السيرة،
وطريقتهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق.. ثم يقول رداً على من أنكر على
الصوفية وتهجَّم عليهم: وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريقةٍ طهارتُها - وهي
أول شروطها - تطهيرُ القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها الجاري منها مجرى
التحريم من الصلاة استغراقُ القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في
الله) [المنقذ من
الضلال لحجة الإِسلام الغزالي المتوفى سنة 505هـ. ص131].
9 -
الإِمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى:
قال العلامة الكبير
والمفسر الشهير الإِمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى في كتابه اعتقادات فرق
المسلمين والمشركين: (الباب الثامن في أحوال الصوفية:
اعلم أن أكثر مَنْ حَصَرَ فرق الأمة، لم يذكر الصوفية وذلك خطأ، لأن حاصل قول
الصوفية أن الطريق إِلى معرفة الله تعالى هو التصفية والتجرد من العلائق البدنية،
وهذا طريق حسن.. وقال أيضاً: والمتصوفة قوم يشتغلون بالفكر وتجرد النفس عن العلائق
الجسمانية، ويجتهدون ألاَّ يخلو سرَّهم وبالَهم عن ذكر الله تعالى في سائر
تصرفاتهم وأعمالهم، منطبعون على كمال الأدب مع الله عز وجل، وهؤلاء هم خير فرق
الآدميين) [اعتقادات
فرق المسلمين والمشركين للإِمام فخر الدين الرازي ص72 -73
توفي سنة 606هـ بمدينة هراة. يقول محرر كتاب اعتقادات فرق المسلمين
علي سامي النشار: (وفي أواخر أيامه [فخر الدين الرازي]
وقد بلغ أوج كماله العلمي حدث له ما حدث لأبي حامد الغزالي من قبل، فقلَّتْ ثقته
بالعقل الإِنساني، وأحسَّ عجزه، وأدرك تماماً أنه لا يستطيع الإِحاطة بالوجود في
ذاته، فأدركتْه حالة صوفية كانت تنتابه منها في بعض مجالس وعظه نوباتٌ فيصرخ
مستغيثاً.
وعظ يوماً بحضرة السلطان
شهاب الدين الغوري، وحصلت له حال فاستغاث: (يا
سلطان العالم لا سلطانك يبقى، ولا تلبيس الرازي يبقى).
ونظم أشعاراً تغلب عليها
النزعة الصوفية كقوله:
نهايةُ إِقدام العقول عقالُ وأكثرُ سعي العالمينَ ضلالُ
وأرواحُنا في وَحشةٍ من جِسومنا وحاصلُ دنيانا أذى ووبالُ
ولم نستفد من بحثنا طولَ عمرنا سوى أنْ جمعنا فيه قيلَ وقالوا
وكان للإِمام فخر
الدين الرازي صلة قوية بالشيخ الأكبر محي الدين بن عربي على أثر إِرسال رسالة
جاءته من الشيخ محي الدين بن عربي، بين له فيها قيمة العلوم العرفانية الوهبية
وشوَّقَه لها، وهذه الرسالة مطبوعة بالمطبعة السلفية بمصر وتسمى “رسالة شيخ الطريقة محي الدين بن عربي إِلى الإِمام ابن
الخطيب الري المعروف بفخر الرازي” نسخها وأبرزها وصححها
عبد العزيز الميمني الراجقوتي الأثري المقرىء بالجامعة الإِسلامية في عليكرة
بالهند عام 1334 في مجموعة ثلاث رسائل].
10 - العز بن
عبد السلام رحمه الله تعالى:
قال سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام رحمه
الله تعالى [عز الدين بن عبد السلام يلقب بشيخ
العلماء وبسلطان العلماء ولد سنة 577هـ، وتوفي
سنة 660هـ. انتهت إِليه
الإِمامة، وبلغ منزلة الاجتهاد مع الزهد والورع. ولد بالشام، ووفد مصر فأقام بها
أكثر من عشرين عاماً، ناشراً للعلم آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر. وألَّفَ
كتباً كثيرة، وأخذ التصوف عن شهاب الدين السهروردي، وسلك على يد الشيخ أبي الحسن
الشاذلي رحمه الله تعالى، وكان يقول إِذا حضر مجلسه وسمع كلامه: هذا كلام قريب
العهد بالله]:
(قعد القوم من
الصوفية على قواعد الشريعة التي لا تنهدم دنيا وأخرى ، وقعد غيرهم على الرسوم،
ومما يدلك على ذلك، ما يقع على يد القوم من الكرامات وخوارق العادات، فإِنه فرع عن
قربات الحق لهم، ورضاه عنهم، ولو كان العلم من غير عمل، يرضي الحق تعالى كل الرضى،
لأجرى الكرامات على أيدي أصحابهم، ولو لم يعملوا بعلمهم، هيهات هيهات) [نور
التحقيق للشيخ حامد صقر ص96].
11 - الإمام
النووي رحمه الله تعالى:
قال الإِمام النووي رحمه الله تعالى في رسالته
المقاصد: أصول طريق التصوف خمسة:
1 - تقوى الله في السر والعلانية.
2 - اتباع السنة في الأقوال والأفعال.
3 - الإِعراض عن الخلق في الإِقبال والإِدبار.
4 - الرضى عن الله في القليل والكثير.
5 - الرجوع إِلى الله في السراء والضراء) [مقاصد
الإِمام النووي في التوحيد والعبادة وأصول التصوف ص20 توفي الإِمام النووي سنة
676هـ في قرية من قرى الشام تسمى: نوى].
12 - ابن تيمية رحمه الله تعالى:
تحدث أحمد بن تيمية رحمه الله
تعالى عن تمسك الصوفية بالكتاب والسنة في الجزء العاشر من مجموع فتاويه فقال: (فأما المستقيمون من السالكين كجمهور مشايخ السلف مثل
الفضيل بن عياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسري
السقطي، والجنيد بن محمد، وغيرهم من المتقدمين، ومثل الشيخ عبد القادر [الجيلاني]
والشيخ حماد، والشيخ أبي البيان، وغيرهم من المتأخرين، فهم لا يسوغون للسالك ولو
طار في الهواء، أو مشى على الماء، أن يخرج عن الأمر والنهي الشرعيين، بل عليه أن
يعمل المأمور ويدع المحظور إِلى أن يموت. وهذا هو الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة
وإِجماع السلف، وهذا كثير في كلامهم) [مجموع
فتاوى أحمد بن تيمية ج10. ص516 -517].
13 - الإِمام
الشاطبي رحمه الله تعالى:
ذَكَرتْ “المسلم
مجلة العشيرة المحمدية” تحت عنوان: الإِمام
الشاطبي [الشاطبي هو إِبراهيم بن موسى اللخمي
الغرناطي المالكي المتوفى سنة 790هـ]. صوفي سلفي للسيد أبي النقى أحمد خليل: (كتاب الاعتصام من الكتب التي يعتبرها المُتسلِّفة
مرجعاً أساسياً لبعض آرائهم، ويرون في الشيخ أبي إِسحاق الشاطبي إِماماً لهم، وقد
عقد الإِمام الشاطبي في كتابه هذا فصولاً كريمة عن التصوف الإِسلامي، وأثبت أنه من
صميم الدين، وليس هو مبتدَعاً، ووفَّى المقام هناك بما تخرس له الألسن، وتسلم له
العقول والقلوب، فاستمعْ إِلى الإِمام الشاطبي يقول:
إِن كثيراً من الجهال، يعتقدون في الصوفية أنهم
متساهلون في الاتباع والتزام ما لم يأت في الشرع التزامه، مما يقولون به ويعملون
عليه، وحاشاهم من ذلك أن يعتقدوه أو يقولوا به. فأول شيء بَنَوْا عليه طريقهم
اتباع السنة واجتناب ما خالفها، حتى زعم مُذكِّرُهُم وحافظ مأخذهم، وعمود نحلتهم
أبو القاسم القشيري: إِنهم إِنما اختصوا باسم التصوف انفراداً به عن أهل البدع.
فذكر أن المسلمين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتسَمَّ أفاضلهم في عصرهم
باسم عَلَمٍ سوى الصحبة، إِذ لا فضيلةَ فوقها، ثم سمي من يليهم التابعون، ثم اختلف
الناس، وتباينت المراتب، فقيل لخواص الناس ممن لهم شدة عناية في الدين: الزهاد
والعبَّاد. قال: ثم ظهرت البدع وادَّعى كل فريق أن فيهم زهاداً وعُبَّاداً، فانفرد
خواص أهل السنة، المراعون أنفسهم مع الله، والحافظون قلوبهم عن الغفلة باسم
التصوف، فتأمل تغنم، والله أعلم) [المسلم
مجلة العشيرة المحمدية، عدد ذي القعدة سنة 1373هـ].
14 - ابن خلدون رحمه الله تعالى:
وقال ابن خلدون رحمه الله
تعالى في كلامه عن علم التصوف: (هذا العلم من
العلوم الشرعية الحادثة في الملة، وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف
الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومَن بعدَهم طريقةَ الحق والهداية، وأصلُها
العكوفُ على العبادة والانقطاع إِلى الله تعالى، والإِعراضُ عن زخرف الدنيا
وزينتها، والزهدُ فيما يُقبِل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفرادُ عن الخلق
في الخلوة للعبادة. وكان ذلك عامّاً في الصحابة والسلف، فلمَّا فشا الإِقبال على
الدنيا في القرن الثاني وما بعده، وجنح الناس إِلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون
على العبادة باسم الصوفية) [مقدمة ابن
خلدون ص328. وهو عبد الرحمن بن الشيخ أبي بكر محمد بن خلدون الحضرمي ولد عام 732هـ
وتوفي سنة 808هـ].
15 - تاج الدين السبكي رحمه الله تعالى:
وقال الشيخ تاج الدين
السبكي رحمه الله تعالى في كتابه معيد النعم ومبيد النقم، تحت عنوان الصوفية: (حَيَّاهمُ الله وبيَّاهم وجمعنا في الجنة نحن وإِياهم.
وقد تشعبت الأقوال فيهم تشعباً ناشئاً عن الجهل بحقيقتهم لكثرة المُتلبِّسين بها،
بحيث قال الشيخ أبو محمد الجويني: لا يصح الوقف عليهم لأنه لا حدَّ لهم. والصحيح
صحته، وأنهم المعرضون عن الدنيا المشتغلون في أغلب الأوقات بالعبادة.. ثم تحدث عن
تعاريف التصوف إِلى أن قال: والحاصل أنهم أهل الله وخاصته الذين ترتجى الرحمة
بذكرهم، ويُستنزل الغيث بدعائهم، فرضي الله عنهم وعنَّا بهم) [كتاب معيد
النعم ومبيد النقم ص119 للإِمام تاج الدين عبد الوهاب السبكي المتوفى سنة 771هـ].
16 - جلال الدين السيوطي رحمه الله
تعالى:
وقال العلامة المشهور
جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه تأييد الحقيقة العليَّة: (إِن التصوف في نفسه علم شريف، وإِن مداره على اتباع
السنة وترك البدع ، والتبرِّي من النفس وعوائدها وحظوظها وأغراضها ومراداتها
واختياراتها، والتسليمِ لله، والرضى به وبقضائه، وطلبِ محبته، واحتقارِ ما سواه..
وعلمتُ أيضاً أنه قد كثر فيه الدخيل من قوم تشبهوا بأهله وليسوا منهم، فأدخلوا فيه
ما ليس منه، فأدى ذلك إِلى إِساءة الظن بالجميع، فوجَّه أهلُ العلم للتمييز بين
الصنفين ليُعلمَ أهل الحق من أهل الباطل، وقد تأملتُ الأمور التي أنكرها أئمة
الشرع على الصوفية فلم أرَ صوفياً محقِّقَاً يقول بشيء منها، وإِنما يقول بها أهل
البدع والغلاةُ الذين ادَّعَوْا أنهم صوفية وليسوا منهم)
[تأييد الحقيقة العلية ص57. للعلامة جلال الدين
السيوطي المتوفى سنة 911هـ].
17 - ابن
عابدين رحمه الله تعالى:
وتحدَّثَ خاتمة المحققين العلامة الكبير
والفقيه الشهير الشيخ محمد أمين المشهور بابن عابدين رحمه الله تعالى في كتابه
المسمى مجموعة رسائل ابن عابدين الرسالة السابعة [شفاء
العليل وبَلُّ الغليل في حُكْمِ الوصية بالختمات والتهاليل] عن البدع الدخيلة على الدين مما يجري في المآتم والختمات، من
قِبل أشخاص تزيَّوْا بزِي العلم، وانتحلوا اسم الصوفية، ثم استدرك الكلام عن
الصوفية الصادقين حتى لا يُظن أنه يتكلم عنهم عامة فقال: (ولا
كلام لنا مع الصُدَّقِ من ساداتنا الصوفية المبرئين عن كل خصلة رديَّة، فقد سُئل
إِمامُ الطائفتين سيدنا الجنيد: إِن أقواماً يتواجدون ويتمايلون؟ فقال: دعوهم مع
الله تعالى يفرحون، فإِنهم قوم قطَّعت الطريقُ أكبادَهم، ومزَّق النصبُ فؤادَهم،
وضاقوا ذرعاً فلا حرج عليهم إِذا تنفسوا مداواةً لحالهم، ولو ذُقْتَ مذاقهم عذرتهم
في صياحهم.. وبمثل ما ذكره الإِمام الجنيد، أجاب العلامة النحرير ابن كمال باشا
لما استفتي عن ذلك حيث قال:
ما في التَّواجُدِ إِن حقَّقْتَ من
حرجٍ ولا التمايلِ إِن أخلْصَتَ من
بَاسِ
فقمتَ تسعى على رِجْلٍ وحُقَّ
لِمَنْ دعاه مولاه أن يسعى على
الرِّاسِ
الرخصة فيما ذكر من
الأوضاع عند الذكر والسماع للعارفين الصارفين أوقاتهم إِلى أحسن الأعمال، السالكين
المالكين لضبط أنفسهم عن قبائح الأحوال، فهم لا يستمعون إِلا من الإِله، ولا
يشتاقون إِلاَّ له؛ إِنْ ذكروه ناحوا، وإِن شكروه باحوا، وإِن وجدوه صاحوا، وإِن
شهدوه استراحوا، وإِن سرحوا في حضرات قربه ساحوا. إِذا غلب عليهم الوجد بغلباته،
وشربوا من موارد إِراداته، فمنهم مَنْ طرقتْه طوارق الهيبة فخرَّ وذاب، ومنهم من
برِقتْ له بوارق اللطف فتحرَّك وطاب، ومنهم من طلع عليهم الحِبُّ من مطلع القرب
فسكر وغاب. هذا ما عَنَّ لي في الجواب، والله أعلم بالصواب.
وأيضاً فإِن سماعهم ينتج المعارف الإِلهية،
والحقائق الربانية، ولا يكون إِلا بوصف الذات العلية والمواعظ الحِكَمِيَّة،
والمدايح النبوية.
ولا كلام لنا أيضاً مع من اقتدى بهم، وذاق من
مشربهم، ووجد من نفسه الشوق والهيام في ذات الملك العلاَّم، بل كلامنا مع هؤلاء
العوام، الفسقة اللئام.. إِلخ) [الرسالة
السابعة، شفاء العليل وبل الغليل في حكم الوصية بالختمات والتهاليل ص172 -173 للفقيه الكبير ابن عابدين ولد سنة 1198 وتوفي
1252هـ وقد ذكرنا سابقاً شيئاً من ترجمته].
18 - الشيخ
محمد عبده رحمه الله تعالى:
ذكرت مجلة المسلم مقالة تحت عنوان رأي الشيخ
محمد عبده في التصوف، نقلها عنه المرحوم الشيخ علي محفوظ في رسالة الإِبداع فقال: (قال الشيخ محمد عبده رحمه الله تعالى: قد اشتبه على بعض
الباحثين في تاريخ الإِسلام وما حدث فيه من البدع والعادات التي شوهتْ جماله،
السببُ في سقوط المسلمين في الجهل، فظنوا أن التصوف من أقوى الأسباب لوقوع
المسلمين في الجهل بدينهم وبُعدهم عن التوحيد الخالص الذي هو أُسُّ النجاة، ومدار
صحة الأعمال، وليس الأمر كما ظنوا، فنذكر لك الغرض منه على وجه الإِجمال، وما آل
إِليه أمره بعد ذلك.
ظهر التصوف في القرون الأولى للإِسلام، فكان
له شأن عظيم، وكان المقصود منه في أول الأمر تقويم الأخلاق وتهذيب النفوس،
وترويضها بأعمال الدين وجذبها إِليه، وجعله وجداناً لها، وتعريفها بحِكَمه وأسراره
بالتدريج. وكان الفقهاء الذين وقفوا عند ظواهر الأحكام المتعلقة بأعمال الجوارح
والمعاملات ينكرون عليهم معرفة أسرار الدين، ويرمونهم بالزيغ والإِلحاد، وكانت
السلطة للفقهاء لحاجة الأمراء والسلاطين إِليهم، فاضطر الصوفية إِلى إِخفاء أمرهم،
ووضْع الرموز والاصطلاحات الخاصة بهم، وعدم قبول أحد معهم إِلا بشروط واختبار
طويل، فقالوا: لابد فيمن يحب أن يكون معنا أن يكون أولاً طالباً فمريداً فسالكاً،
وبعد السلوك إِما أن يصل وإِما أن ينقطع، فكانوا يختبرون أخلاق الطالب وأطواره
زمناً طويلاً، ليعلموا أنه صحيح الإِرادة صادق العزيمة، لا يقصد مجرد الوقوف على
أسرارهم، وبعد الثقة يأخذونه بالتدريج شيئاً فشيئاً)
[مجلة المسلم - العدد السادس - غرة المحرم
1378هـ. ص24. ولد الشيخ محمد عبده 1266هـ. وتوفي 1323هـ في مصر].
19 -
الأمير شكيب أرسلان رحمه الله تعالى:
جاء في كتاب حاضر العالم
الإِسلامي للأمير شكيب أرسلان رحمه الله تعالى تحت عنوان: نهضة الإِسلام في
أفريقيا وأسبابها: (وفي القرن الثامن عشر والتاسع
عشر حصلت نهضة جديدة عند أتباع الطريقتين: القادرية والشاذلية، ووُجدت طريقتان،
هما: التيجانية والسنوسية.
فالقادرية هم أحمسُ مبشري
الدين الإِسلامي في غربي أفريقيا من السنيغال إِلى بنين التي بقرب مصب النيجر. وهم
ينشرون الإِسلام بطريقة سلمية بالتجارة والتعليم، وتجد التجار الذين من السونينكة
والماندجولة المنتشرين على مدن النيجر وفي بلاد كارتا وماسينة، كلهم من مريدي الطريقة
القادرية. ومِنْ مريديهم من يخدمون في مهنة الكتابة والتعليم، ويفتحون كتاتيب ليس
في زوايا الطريقة فقط، بل في كل القرى، فيلقِّنون صغار الزنج الدين الإِسلامي
أثناء التعليم، ويرسلون النجباء من تلاميذهم على نفقة الزوايا إِلى مدارس طرابلس
والقيروان وجامع القرويين بفاس والجامع الأزهر بمصر. فيُخرَّجون من هناك طلبة
مجازين، أي أساتذة، ويعودون إِلى تلك البلاد لأجل مقاومة التبشير المسيحي في
السودان) [“حاضر
العالم الإِسلامي” ج2. ص396].
وتحدث عن شيخ الطريقة
القادرية فقال: (وكان عبد القادر الجيلاني الموجود
في جيلان من فارس متصوفاً عظيماً زكي النشأة، وله أتباع لا يُحصى عددهم، ووصلت
طريقته إِلى أسبانيا، فلما زالت دولة العرب من غرناطة انتقل مركز الطريقة القادرية
إِلى فاس، وبواسطة أنوار هذه الطريقة زالت البدع من بين البربر، وتمسكوا بالسنة
والجماعة، كما أن هذه الطريقة هي التي في القرن الخامس عشر، اهتدى على يدها زنوج
غربي أفريقيا.
وتحدث عن السنوسية فقال:
فالسنوسية نشروا طريقتهم في وادي والبافيرمي وبوركو، وتبعوا نهر بينوى إِلى أن
بلغوا النيجر الأدنى حيث نجدهم يَهدون تلك القبائل إِلى الإِسلام. وبواسطة
السنوسية صارت نواحي بحيرة تشاد هي مركز الإِسلام العام في أواسط أفريقيا،
ويُقوَّم عدد مريدي الطريقة السنوسية بأربعة ملايين، وطريقة هؤلاء الجماعة في
التبشير هي أن يشتروا الأرقاء صغاراً من السودان، ويربُّوهم في جغبوب وغذامس
وغيرها، ثم متى بلغوا أشدَّهم وأكملوا تحصيل العلم أعتقوهم، وسرحوهم إِلى أطراف
السودان، يَهدون أبناء جلدتهم الباقين على الفتيشية.
وهكذا يرحل كل سنة مئات
من مبشري السنوسية لِبَثِّ دعاية الإِسلام في جميع أفريقيا الداخلية، من سواحل
الصومال شرقاً، إِلى سواحل السينغامبية غرباً، ولقد حَذَا سيدي محمد المهدي وأخوه
سيدي محمد الشريف حذو والدهما في السعي إِلى الغرض الذي توخاه، ألا وهو تخليص
الإِسلام من النفوذ الأجنبي، وإِعادة الإِمامة العامة كما كانت في عصر الخلفاء.
وبالإِجمال: فإِن مريدي هذه الطرق هم الذين سعوا في نشر الإِسلام، وَوُفِّقُوا
إِليه في أفريقيا) [“حاضر
العالم الإِسلامي” ج2. ص400].
وتحدث عن السنوسية أيضاً بقوله: (وأيُّ دليل أقطع من المبشرين السنوسين الحُمَّس
الغُيَّر الذين خرَّجتهم زوايا الصحراء، وهم يُعدُّون بالألوف المؤلَّفةِ، وما
انفكوا يجوبون كل بلاد وثنية مبشرين بالوحدانية داعين إِلى الإِسلام. وهذه الأعمال
التي قام بها المبشرون المسلمون في غربي أفريقيا وأوسطها خلال القرن التاسع عشر
إِلى اليوم لَعجيبةٌ من العجائب الكبرى، وقد اعترف عدد كبير من الغربيين بهذا
الأمر، فقد قال أحد الإِنكليز في هذا الصدد منذ عشرين سنة: إِن الإِسلام ليفوز في
أواسط أفريقيا فوزاً عظيماً، حيث الوثنية تختفي مِن أمامه اختفاء الظلام من فلق
الصباح، وحيث الدعوة النصرانية كأنها خرافة من الخرافات..)
[“حاضر العالم الإِسلامي” ج1. ص301].
وتحدَّثَ عن الطريقة الشاذلية فقال: (وأما الشاذلية فنسبتها إِلى أبي الحسن الشاذلي، أخذ عن
عبد السلام بن مشيش، الذي أخذ عن أبي مدين وكانت ولادة أبي مدين في إِشبيلية سنة 1127 ميلادية،
وقرأ في فاس، وحجَّ البيت الحرام، ثم استقر يعلم التصوف في بجاية، وتبعه خلقٌ
كثير.. وهي من أوليات الطرق التي أدخلت التصوف في المغرب، ومركزها بوبريت في
مراكش. وكان من أشياخها سيدي العربي الدرقاوي المتوفى سنة 1823م الذي
أوجد عند مريديه حماسة دينية شديدة امتدت إِلى المغرب الأوسط، وكان للدرقاوية دور
فعال في مقاومة الفتح الفرنسي) [“حاضر
العالم الإِسلامي” ج1. ص301].
وختم الأمير شكيب أرسلان موضوعه عن نهضة
الإِسلام في أفريقيا فقال: (وأكثر أسباب هذه
النهضة الأخيرة راجعة إِلى التصوف والاعتقاد بالأولياء)
[“حاضر العالم الإِسلامي” ج1. ص301].
20ـ الشيخ رشيد رضا رحمه الله تعالى:
قال الشيخ رشيد رضا رحمه
الله تعالى: (لقد انفرد الصوفية بركن عظيم من
أركان الدين، لا يطاولهم فيه مطاول، وهو التهذيب علماً وتخلقاً وتحققاً، ثم لما
دونت العلوم في الملة، كتب شيوخ هذه الطائفة في الأخلاق ومحاسبة النفس..) [مجلة
المنار السنة الأولى ص726].
21 - الشيخ محمد راغب الطباخ رحمه الله
تعالى:
قال الأستاذ والمؤرخ محمد
راغب الطباخ رحمه الله تعالى في كتابه الثقافة الإِسلامية: (فإِذا كان التصوف عبارة عن تزكية النفوس وتصفية
الأخلاق، فنعمَ المذهبُ ونعمَ المقصدُ، وذلك هو الغاية من بعثة الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام، ففي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: “إِنما
بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق” [رواه
البخاري في الأدب المفرد في باب حسن الخلق عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه
الإِمام أحمد والبيهقي والحاكم في الترجمة النبوية وقال: صحيح على شرط مسلم]. وقد تأملنا سيرة الصوفية في القرون
الأولى من الإِسلام، فوجدناها سيرة حسنة جميلة مبنية على مكارم الأخلاق والزهد
والورع والعبادة، منطبقة على الكتاب والسنة. وقد صرَّح بذلك سيد هذه الطائفة أبو
القاسم الجنيد رحمه الله تعالى كما في ترجمته في تاريخ ابن خَلِّكَانْ حيث قال:
مذهبنا هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة.
وفي شرح الإِحياء للعلامة
الزبيدي ج1 ص174: وقال
الجنيد: الطرق كلها مسدودة على الخلق، إِلا على من اقتفى أثر الرسول صلى الله عليه
وسلم. وهي في ترجمته في الرسالة [القشيرية] ص19. وفيها:
قال الجنيد: من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، لا يقتدى به في هذا الأمر، لأن
علمنا مقيد بالكتاب والسنة. ثم قال بعد السند عن الجنيد: مذهبنا هذا مقيد بأصول
الكتاب والسنة. وقال الجنيد: عِلْمُنا هذا مشيَّد بحديث رسول الله صلى الله عليه
وسلم .
وقال سري السقطي: التصوف
اسم لثلاثة معان: وهو الذي لا يطفئ نورُ معرفته نورَ ورعه، ولا يتكلم بباطنِ علمٍ
ينقضه عليه ظاهرُ الكتاب، ولا تحمله الكرامات على هتك محارم الله تعالى.
وفي شذرات الذهب ج5. ص279 في ترجمة
أبي الحسن الشاذلي، ومن كلامه: كل علم تسبق إِليك فيه الخواطر، وتميل النفس وتلتذ
به فارم به، وخذ بالكتاب والسنة.
ولغيرهم في هذا الباب
عبارات كثيرة، تجدها منثورة في كتاب التعرف لمذهب أهل التصوف للإِمام الكلاباذي،
وفي الرسالة القشيرية وغيرهما..
وهؤلاء فوق ما اتصفوا به من تهذيب النفس والورع
والزهد والعبادة، قد قاموا في عصورهم بالواجب عليهم؛ من إِرشاد الخلق إِلى الحق، والدعوة
إِليه، وصدّهم الناسَ عن التكالب على الدنيا وجمع حطامها من أي وجه كان،
والاسترسال في الشهوات والملذات مما يؤدي إِلى الانهماك في المحرمات والغفلة عن
الواجبات وما خُلِق الإِنسان له، وتكون نتيجة ذلك انتشار الفوضى، وظهور الفساد،
وكثرة البغي والهرج.
فكان هؤلاء بوعظهم وإِرشادهم، والحِكَمِ
والحقائق التي تفجرت من ينابيع قلوبهم، هم حراس الأخلاق، والآخذين بيد الأمة إِلى
مناهج الحق وسبل الرشاد، والدعاة إِلى السعادة الحقيقية، وهي قيام الإِنسان بجميع
ما أُمر به مع عدم نسيانه نصيبَه من الدنيا، فكانوا في جملة السامعين في هذه الأمة
والمجيبين لقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ منكُمْ
أُمَّةٌ يَدعونَ إلى الخيرِ ويأمُرونَ بالمعروفِ وينْهَونَ عنِ المنكرِ وأولئكَ هم
المُفْلِحُونَ} [آل عمران:
104].
فسلفُ الصوفية هم أعلام الملة وسادة الأمة
وسراجها الوهاج ونورها الوضاح، وبهم وبأمثالهم من المحدِّثين والفقهاء اهتدت الأمة
إِلى الصراط المستقيم، وسلكت المنهاج القويم، وانتظمت أحوال معاشهم، وصلحت أُمور
معادهم، وفازوا فوزاً عظيماً.
وإِذا تتبعنا آثار الصوفية وتراجمهم، نجد أن
الكثير منهم قد كان للواحد منهم أتباع يعدون بالألوف، كلما انتسب إِليه شخص آخى
بينه وبين سابقيه؛ فتمكنتْ بين أتباعه والمنتسبين إِليه أواصر الأُلفة وروابط
المحبة، وتواسوا فيما بينهم، وتواصوا بالحق، وعطف غنيُّهم على فقيرهم، ورحم
كبيرُهم صغيرَهم، فأصبحوا بنعمة الله إِخواناً، وصاروا كالجسد الواحد، وكانوا في
منتهى الطاعة والانقياد لشيخهم، يقومون لقيامه، ويقعدون لقعوده، ويمتثلون أوامره،
ويتبادرون لأدنى إِشاراته.
ومن جليل أعمال الصوفية وآثارهم الحسنة في
الأمة الإِسلامية أن الملوك والأمراء متى قصدوا الجهاد، كان الكثير من هؤلاء
بإِيعاز، وبغير إِيعاز يُحرِّضون أتباعهم على الخروج إِلى الجهاد. ولعظيم اعتقادهم
فيهم، وانقيادهم لهم كانوا يبتدرون إِلى الانتظام في سلك المجاهدين، فيجتمع بذلك
عدد عظيم من أطراف ممالكهم، وكثيراً ما كان أولئك يرافقون الجيوش بأنفسهم،ويدافعون
ويحرِّضون؛ فيكون ذلك سبباً للظفر والنصر.
وإِذا تَتبَّعْتَ بطون التاريخ وجدْتَ من ذلك
شيئاً كثيراً، على أننا لا ننسى أن مثل هذا العمل قد كان في كثير من المحدِّثين
والعلماء العاملين.
ومن آثار الصوفية أنه إِذا حصل اختلاف بين
الناس في أمور دنياهم وخصوصاً بين إِخوانهم المنسوبين إِليهم، فإِنهم يرجعون إِلى
شيخهم، فيفصل بينهم بما أنزل الله، ويعودون وهم راضون، ويستغنون عن الترافع إِلى
الحكام لفصل ما بينهم من الخصومات.
وهذا مما شاهدناه بأعيننا، وسمعناه بآذاننا في
أوائل هذا القرن من بعض بقاياهم، بل كان بعض الناس يُنذر أخاه بالشكوى إِلى الشيخ
إِن لم ينصفه، فيعود هذا إِلى حظيرة الحق خشية أن يبلغ الشيخ عنه شيئاً، وهو يحرص
أن تبقى سمعته لديه طيبة وسيرته حسنة) [الثقافة
الإِسلامية للمؤرخ الكبير الأستاذ محمد راغب الطباخ ص302 -304
ولد 1293هـ وتوفي 1370هـ في حلب].
22 - أحمد الشرباصي:
قال الأستاذ الشيخ أحمد الشرباصي
الكاتب الإِسلامي المعروف والمدرِّس في الأزهر الشريف في مجلة الإِصلاح الاجتماعي
تحت عنوان: الأخلاق عند الصوفية، بعد أن تحدث عن التصوف وتعريفه واشتقاقه: (وأنا أعتقد أن حقيقة التصوف الكاملة،هي مرتبة الإِحسان
الذي حدده رسول الإِسلام محمد عليه الصلاة والسلام في حديث جبريل حين قال: “الإِحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإِن لم تكن تراه
فإِنه يراك” [رواه مسلم
في صحيحه في كتاب الإِيمان عن عمر رضي الله عنه]. ومن هذا
تفهم أن كثيراً من أدعياء التصوف لا ينطبق عليهم ذلك القانون الدقيق العميق، فهم
عن حقيقته خارجون.
وأساس التصوف في الواقع
هو تربية الذوق. والخُلُق الكريم ليس إِلا ذوقاً سليماً، تتغلب به شخصية الإِنسان
على شخصية الحيوان في حياة الناس.
وقد اهتم الصوفية أكبر
الاهتمام بالأخلاق، بل لقد جعلوا الأخلاق في مناهجهم،هي العماد والسناد،وهي عمود
أمرهم كله، بحيث لو رفعتَ كلمة التصوف، ووضعتَ بدلها كلمة الأخلاق لما فارقتَ
الحقيقة، ولما جانبتَ الواقع في قليل أو كثير، لأن العمدة في التصوف على مجاهدة
النفس وتطهيرها، وتحليتها بكل جمال وكمال، وهذا جماع مكارم الأخلاق.
ولقد كان من مظاهر اهتمام
الصوفية بالجوانب الأخلاقية أنهم تبنَّوْا حركة الفتوة ومبادىء الفروسية، ومزجوا
بين مبادئهم ومبادىء الفتيان، حتى تكوَّن من ذلك في تاريخ الفتوة فصل مستقل،اتخذ
عنوان فتوة الصوفية. ومن هذا أخذ الصوفية مبدأ الإِيثار،وتقديم الغير على النفس،
حتى قال القشيري: أصْلُ الفتوة أن يكون العبد أبداً في أمر غيره. وقال ابن أبي بكر
الأهوازي: أصل الفتوة ألا ترى لنفسك فضلاً أبداً.
وأخذوا بمبادىء كفِّ
الأذى، وبذلِ الندى، وكفِّ الشكوى، وسترِ البلوى، والعفوِ عن العِدا، والسمِّو
إِلى العُلا.
وهم يأخذون بالمبدأ الأخلاقي المحمدي: “طُوبى لِمَنْ شغله عيبُه عن عيوب الناس” [رواه
الديلمي في الفردوس عن أنس رضي الله عنه]. ولذلك
يقول ابن عطاء الله السكندري، وهو ممن جمع بين عمق التفكير وروعة التعبير:
تشوُّفُك إِلى ما بطَنَ فيك من العيوب خيرٌ من تشوفك إِلى ما حُجِبَ عنك من
الغيوب.
ومن منهاج الصوفية الأخلاقي عملهم بمختلف
الوسائل والأسباب على إِماتة المطامع،لتقوى الشخصية الروحية في نفس الإِنسان. ولذا
قال أبو بكر الوراق وهو من أعلام القوم: لو قيل للطمع من أبوك؟ لأجاب: الشك في
المقدور. فلو قيل له: فما هي حرفتك؟ لأجاب: اكتساب الذل، فلو قيل له: فما هي
غايتك؟ لأجاب: الحرمان. وفي هذا المجال يقول ابن عطاء الله السكندري: ما بَسَقَتْ
أغصانُ ذلِّ إِلا على بذر طمع.
وقد قَدِمَ الإِمام علي بن أبي طالب رضي الله
عنه البصرة، فدخل جامعها، فوجد القُصَّاص يقصون على الناس، فأقامهم، حتى إِذا جاء
إِلى الحسن البصري، وهو سيد الفتيان عند الصوفية، فقال له علي: يا فتى! إِني سائلك
عن أمر؛ فإِن أجبتني أبقيْتُك، وإِلا أقمتك كما أقمت أصحابك - وكان قد رأى عليه
سَمْتاً وهدياً - فقال الحسن: سل ما شئت. فقال علي: ما مِلاكُ الدين؟ فقال الحسن:
الورع. قال: فما فساد الدين؟ قال: الطمع. قال: اجلس، فمثلك من يتكلم على الناس.
وهمَّ ابن عطاء الله السكندري يوماً بشيء من
الطمع، فسمع هاتفاً يقول له: السلامةُ في الدين بترك الطمع في المخلوقين.
وصاحب الطمع لا يشبع أبداً، ألا ترى أن حروفه
كلها مجوفة، الطاء والميم والعين؟!. ولما علَّم الصوفيةُ أتباعَهم القناعة
والاستغناء فتحوا أمامهم الباب إِلى الأَنفةِ والعزَّةِ، ومن هنا نراهم يتحدثون
كثيراً عن استخفافهم بالبغي والبغاة، وعدم اكتراثهم بالطغيان أو الطغاة، وعدم
اغترارهم بالجاه أو أصحاب الجاه.
ومن منهاج الصوفية الأخلاقي الدعوة إِلى
التضحية والجهاد، والتحريض على استجابة داعي الكفاح والاستشهاد.
ومن منهاجهم الأخلاقي تعليمُ الصبر والمبالغة
فيه، وكِدْتُ أقول والإِسراف فيه، فلقد دخل ذو النون على أخ له صوفي مريض، واشتد
الداء به فأنَّ أنَّةً، فقال له ذو النون: ليس بصادق في حبه من لم يصبر على ضربه.
فقال المريض كالمستدركِ: بل ليس بصادق في حبه من لم يتلذذ بضربه..
ومن منهاجهم الأخلاقي التنشئةُ على المراقبة
لله، حتى يرث العبد من وراء هذه المراقبة صلة بالله وقرباً منه. ومن لطائفهم في
التربية الأخلاقية، أنهم يطالبون إِخوانهم باليسر والسهولة والمطاوعة في الصداقة،
حتى لا تكون هناك كُلفةٌ، وما دام الصوفي قد وثق بأخيه ديناً وخُلُقاً وتصرفاً؛
فلا محل لاعتراضه عليه في شيء. ويتصل بهذا تنفيرُهم من الاغترار بالطاعة،
وإِبعادُهم عن اليأس من المغفرة
ومن منهاجهم الأخلاقي
تعليمُ الثبات والرزانة وعدم الاستجابة لدواعي الاستخفاف)
[مجلة الإِصلاح الاجتماعي ص4].
وقال الأستاذ أحمد الشرباصي أيضاً في تقدمته
لكتاب نور التحقيق: (هذا هو التصوف الجليل النبيل،
أضاعه أهلهُ، وحافَ عليه أعداؤه الصرحاء، وشوَّه جماله أدعياؤه الخبثاء، وتطاول
عليه الزمن، وهو مجهول منكور، أو مذموم محذور، على الرغم من جماله وعظم رجاله الماضين
وأبطاله، واتساع اختصاصه ومجاله، وخطورة أقواله وأعماله، فغدا كالدرة الثمينة
حجبتها اللفائف السود؛ فظنها الجاهلون سوداء بسواد لفائفها، وهم لو وصلوا إِليها،
وجلَوْا عنها ما حاق بها أو حاطها من أستار لانبهرتْ أعينهم من ساطع الضياء وفريد
البهاء.
لهفي على التصوف الحق الناطق بنقائه وصفائه،
أين الذين يُطلِعون الحيارى من أبناء الكون على ما فيه من أخبار وأسرار؟! أين
الذين يصرخون بين القطعان الضالة من البشر، ليقولوا لها: إِن التصوف جزء من
الإِسلام وجانب من هدي الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن التصوف مظلوم، فقد أضيف
إِليه كثير مما ليس منه عن حسن نية أو سوء قصد، وقد كتم أدعياؤه كثيراً من أموره،
وقد تطاول عليه بالتحريف قوٌم نَكِلُ حسابهم إِلى الله، وقد تسرع بالسخرية منه
مَنْ لم يطرقوا بابه، ولم يذوقوا شرابه، ولم يطالعوا كتابه.. ولم يجد التصوف
الكريم الذي أضاعه الناس مع هذه العوامل الهدامة كلها من يأخذ بناصره، أو يجلو
الغياهبَ عن مآثره، أو يعرض على الشانئين أو الخاطئين سلاسل مفاخره. وقد علمتْنَا
الدراسات والتجارب أن الحق إِذا لم يجد أهلاً، ولم يفز بمؤيد أو مستجيب انطوى
وتوارى، حتى يهيء الله له بعد قليل أو طويل من يُذكِّر به أو يدعو إِليه، أو يحمل
الناس رغبة أو رهبة عليه، فإِذا هو بعد انطوائه السيد المطاع.
أرأيت إِلى كنز وسيع عجيب، فيه المال الغزير
الذي لا يحصى، وفيه أدوية الجسم الشافية التي لاتخون، وفيه علاج النفس الذي يهدي،
وفيه نور القلب الذي لا يخبو.. ماذا يكون من شأنك لو أن إِنساناً أخبرك بوجود هذا
الكنز في مكان ما، ورسم لك الطريق إِليه، وذكر لك ما تحتاجه الرحلةُ نحوه من مجهود
وتكاليف؟.. ألا تحاول أن تبذل جهدك وتستنفذ طاقتك، وتعمل وسعك حتى تصل إِلى هذا
الكنز الذي ستجد عنده جاه الدنيا وعز الآخرة؟..
كذلك شأن التصوف يا صاح، إِنه الدواء المخفي
والكنز المطوي والسر العلمي، إِنه الدواء الذي يحتاج إِليه جسمك وفهمك وخلقك،
ولكنك لن تصل إِليه ولن تنتفع به حتى تتجه بمشاعرك نحوه، وحتى تُقبل ببصرك وبصيرتك
عليه، وحتى تبذل من ذات يدك، وذات نفسك ومن وقتك وبحثك ما يهيء لك البلوغ إِليه
والوقوف عليه، فهل فعلت من ذلك شيئاً وقد عرفت الطريق إِلى النعيم؟.
إِنه لا يعنيني أبداً أن تكون صوفياً أوْ لا
تكون، ولا يهمني كثيراً أن تكون من أعداء الصوفية أو من أوليائهم، ولكن يهمني
أولاً وقبل كل شيء أن تكون على بصيرة من أمرك، وأن لا تجهل شيئاً جليلاً يطالبك
دينُك وعقْلُك بأن تعرفه، ومن هنا يتحتم عليك أن تدرس التصوف لتتصوره وتفهمه
وتفقهه، وبعد ذلك تحكم له أو عليه، وأزيدك بياناً فأقول لك: إِنه قد يكون في
التصوف وتاريخه وسير رجاله ما أضيف إِليه أو افتراه المفترون عليه، ومن هنا يستتر
حق وراء باطل، ومن هنا أيضاً يطالبك دينك بأن تقوم لتهتك حجاب الباطل، وتستضيء
بنور الحق.. فهلاَّ يكفي ذلك لتحريضك على دراسة التصوف؟.
وكم أودُّ في النهاية أن تقوم حركةٌ علمية
واسعة بيننا، تدور حول دراسة التصوف ونشر أسفاره، وتمحيص أُموره وموضوعاته، بل
وبسط ما يُلحق به من شطحات نابية وخرافات منكرة ودسائس خبيثة، حتى نعرف الباطل
ونتبين جذوره، ثم نَكُرَّ عليه بالحجة الدامغة، فإِذا الباطل زاهق، وإِذا الحق سيد
مطاع.
يا أبناءَ الإِسلام! إِنَّ التصوف يحتل من
أخلاقكم وتاريخكم جانباً كبيراً، وقد ضيعتموه أزماناً طوالاً، فحسْبُكم ما كان،
وأقبلوا على التصوف ففيه غذاء ودواء، والله الهادي إِلى سبيل السواء) [تصدير كتاب
نور التحقيق للشيخ حامد إِبراهيم محمد صقر ص1 -3].
23 - أبو الحسن الندوي:
يقول أبو الحسن علي الحسني
الندوي عضو المجمع العلمي العربي بدمشق ومعتمد ندوة العلماء بالهند في بحث الصوفية
في الهند وتأثيرهم في المجتمع، من كتابه المسلمون في الهند: (إِن هؤلاء الصوفية كانوا يبايعون الناس على التوحيد
والإِخلاص واتباع السنة، والتوبة عن المعاصي وطاعة الله ورسوله، ويحذِّرون من
الفحشاء والمنكر والأخلاق السيئة والظلم والقسوة ويرغِّبونهم في التحلي بالأخلاق
الحسنة، والتخلي عن الرذائل مثل الكبر والحسد والبغضاء والظلم وحب الجاه، وتزكية
النفس وإِصلاحها، ويعلمونهم ذكر الله والنصح لعباده والقناعة والإِيثار، وعلاوة
على هذه البيعة التي كانت رمز الصلة العميقة الخاصة بين الشيخ ومريديه إِنهم كانوا
يعِظون الناس دائماً، ويحاولون أن يُلْهِبوا فيهم عاطفة الحب لله سبحانه، والحنين
إِلى رضاه، ورغبة شديدة لإِصلاح النفس وتغيير الحال..
ثم تحدث عن مدى تأثير
أخلاقهم وإِخلاصهم وتعليمهم وتربيتهم، ومجالسهم في المجتمع والحياة، وضرب بعض
الأمثلة التي تُلقي الضوء على هذا الواقع التاريخي فتحدث عن الشيخ أحمد الشهيد
رحمه الله تعالى فقال: إِن الناس أقبلوا عليه إِقبالاً منقطع النظير، وإِنه لم يمر
ببلدة إِلا وتاب عليه، وبايعه عدد كبير من الناس، وإِنه أقام في كَلْكُتَّا شهرين،
ويقدر أن الذين كانوا يدخلون في البيعة لا يقل عددهم عن ألف نسمة يومياً، وتستمر
البيعة إِلى نصف الليل، وكان من شدة الزحام لا يتمكن من مبايعتهم واحداً واحداً
فكان يمد سبعة أو ثمانية من العمائم، والناس يمسكونها ويتوبون ويعاهدون الله، وكان
هذا دأبه كل يوم سبع عشرة أو ثماني عشرة مرة..
وتحدَّث عن شيخ الإِسلام
علاء الدين رحمه الله تعالى فقال: إِن السنوات الأخيرة من عهده، تمتاز بأن كسدَتْ
فيها سوقُ المنكرات من الخمر والغرام، والفسق والفجور، والميسر والفحشاء بجميع
أنواعها، ولم تنطق الألسن بهذه الكلمات إِلا قليلاً، وأصبحت الكبائر تشبه الكفر في
أعين الناس، وظلَّ الناس يستحيون من التعامل بالربا والادخار والاكتناز علناً،
وندرتْ في السوق حوادثُ الكذب والتطفيف والغش.. ثم قال: إِن تربية هؤلاء الصوفية
والمشايخ ومجالسهم كانت تنشىء في الإِنسان رغبة في إِفادة الناس وحرصاً على خدمتهم
ومساعدتهم..
ثم بيَّن الأستاذ الندوي
أنَّ تأثير هذه المواعظ، ودخول الناس في الدين، وانقيادهم للشرع أدى إِلى أن تعطلت
تجارة الخمر في كَلْكُتَّا وهي كبرى مدن الهند ومركز الإِنجليز، وكسدت سوقُها،
وأقْفرت الحانات، واعتذر الخمارون عن دفع الضرائب للحكومة، متعلِّلين بكساد السوق،
وتعطلِ تجارة الخمر.. ثم قال: إِن هذه الحالة كانت نتيجة أخلاق هؤلاء المصلحين
والدعاة والصوفية والمشايخ وروحانيتهم، أن اهتدى بهم في هذه البلاد الواسعة عدد
هائل من الناس، وتابوا عن المعاصي والمنكرات واتباع الهوى. لم يكن بوسع حكومة أو
مؤسسة أو قانون أن يؤثر في هذه المجموعة البشرية الضخمة ويحيطها بسياج من الأخلاق
والمبادىء الشريفة لزمنٍ طويل..
وفي ختام البحث قال
الأستاذ الندوي حفظه الله تعالى: لقد كانت هناك بجهود هؤلاء الصوفية أشجار كثيرة
وارفة الظلال في مئات من بلاد الهند، استراحت في ظلها القوافل التائهة والمسافرون
المُتْعَبون، ورجعوا بنشاط جديد وحياة جديدة) [المسلمون
في الهند ص140ـ146 للعلامة الكبير أبي الحسن الندوي].
وتحدث الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه رجال الفكر
والدعوة في الإِسلام عن الصوفية وأثرها في نشر الإِسلام بصدد حديثه عن الصوفي
الشهير والمرشد الكبير سيدي عبد القادر الجيلاني قدس الله روحه، فقال: (وكان يحضر مجلسه نحو من سبعين ألفاً، وأسلم على يديه
أكثر من خمسة آلاف من اليهود والنصارى، وتاب على يديه من العيارين والمسالحة [المسالح: الجماعة أو القوم ذووا السلاح] أكثر من مائة ألف، وفتح باب البيعة والتوبة على
مصراعيه، فدخل فيه خلق لا يحصيهم إِلا الله، وصلحت أحوالهم، وحسن إِسلامهم، وظلَّ
الشيخ يربيهم ويحاسبهم، ويشرف عليهم وعلى تقدمهم. وأصبح هؤلاء التلاميذ الروحانيون
يشعرون بالمسؤولية بعد البيعة والتوبة وتجديد الإِيمان، ثم يجيز الشيخ كثيراً منهم
ممن يرى فيه النبوغ والاستقامة والمقدرة على التربية، فينتشرون في الآفاق يدعون
الخلق إِلى الله، ويربون النفوس، ويحاربون الشرك والبدع والجاهلية والنفاق، فتنتشر
الدعوة الدينية وتقوم ثكنات الإِيمان ومدارس الإِحسان، ومرابط الجهاد ومجامع
الأخوة في أنحاء العالم الإِسلامي.
وقد كان لخلفائه وتلاميذه، ولمَنْ سار سيرتهم
في الدعوة وتهذيب النفوس من أعلام الدعوة وأئمة التربية في القرون التي تلَتْه فضل
كبير في المحافظة على روح الإِسلام وشعلة الإِيمان، وحماسة الدعوة والجهاد وقوة
التمرد على الشهوات والسلطات. ولولاهم لابتلعت الماديةُ التي كانت تسير في رحاب
الحكومات والمدنيات هذه الأمة، وانطفأتْ شرارة الحياة والحب في صدور أفرادها. وقد
كان لهؤلاء فضل كبير لنشر الإِسلام في الأمصار البعيدة التي لم تغزها جيوش
المسلمين، أو لم تستطع إِخضاعها للحكم الإِسلامي وانتشر بهم الإِسلام في أفريقيا
السوداء وفي أندونيسيا وجزر المحيط الهندي وفي الصين وفي الهند) [رجال الفكر
والدعوة في الإِسلام لأبي الحسن الندوي ص248 -250].
وتحدث الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه روائع
إِقبال عن زيارته للشاعر بعد أن ذكر إِقبالٌ التصوفَ ورجاله والتجديد الإِسلامي في
الهند بواسطتهم، وبعد أن أثنى على الشيخ أحمد السرهندي والشيخ ولي الله الدهلوي
والسلطان محي الدين أورنك زيب رحمهم الله تعالى، قال: إِنني أقول دائماً: لولا
وجودُهم وجهادهم لابتلعت الهندُ وحضارتُها وفلسفتُها الإِسلامَ) [روائع
إِقبال للأستاذ أبي الحسن الندوي ص7].
24 - أبو الأعلى المودودي:
قال العلامة الكبير
الأستاذ أبو الأعلى المَوْدودي في كتابه مبادىء الإِسلام تحت عنوان التصوف: (إِن علاقة الفقه إِنما هي بظاهر عمل الإِنسان فقط، ولا
ينظر إِلا هل قمتَ بما أُمرِتَ به على الوجه المطلوب، أم لا؟ فإِن قمتَ فلا تهمه
حالُ قلبك وكيفيته. أما الشيء الذي يتعلق بالقلب ويبحث عن كيفيته فهو التصوف، إِن
الفقه لا ينظر في صلاتك مثلاً إِلا هل قد أتممْتَ وضوءك على الوجه الصحيح أم لا؟
وهل صلَّيْتَ مولياً وجهك شطر المسجد الحرام أم لا؟ وهل أدَّيْتَ أركان الصلاة
كلها، أم لا؟ وهل قرأتَ في صلاتك بكل ما يجب أن تقرأ فيها أمْ لا؟ فإِن قمتَ بكل
ذلك فقد صحت صلاتك بحكم الفقه.
إِلاَّ أن الذي يهم
التصوف هو ما يكون عليه قلبك حين أدائك هذه الصلاة من الحالة. هل أَنبْتَ فيها
إِلى ربك أم لا؟ وهل تجرَّد قَلبُك فيها عن هموم الدنيا وشؤونها أم لا؟ وهل أنشأتْ
فيك هذه الصلاة خشيةَ الله واليقين بكونه خبيراً بصيراً، وعاطفة، ابتغاء وجهه
الأعلى وحده أمْ لا؟ وإِلى أيِّ حدٌّ نزهت هذه الصلاة روحه؟ وإِلى أي حد أصلحتْ
أخلاقه؟ وإِلى أي حد جعلته مؤمناً صادقاً عاملاً بمقتضيات إِيمانه؟. فعلى قدر ما
تحصل له هذه الأمور، وهي من غايات الصلاة وأغراضها الحقيقية، في صلاته تكون صلاته
كاملة في نظر التصوف، وعلى قدر ما ينقصها الكمال من هذه الوجهة، تكون ناقصة في نظر
التصوف.
فهكذا لا يهم الفقه في
سائر الأحكام الشرعية إِلا هل أدى المرء الأعمال على الوجه الذي أمره به لأدائها
أم لا؟ أما التصوف فيبحث عما كان في قلبه من الإِخلاص وصفاء النية وصدق الطاعة عند
قيامه بهذه الأعمال.
ويمكنك أن تُدرك هذا الفرق
بين الفقه والتصوف بمثلٍ أضْربه لك: إِنك إِذا أتاك رجل، نظرت فيه من وجهتين:
إِحداهما: هل هو صحيح البدن كامل الأعضاء؟ أم في بدنه شيء من العرج أو العمى؟ وهل
هو جميل الوجه أو دميمه؟ وهل هو لابس زياً فاخراً أو ثياباً بالية؟
والوجهة الأخرى: إِنك
تريد أن تعرف أخلاقه وعاداته وخصاله ومبلغه من العلم والعقل والصلاح. فالوجهة
الأولى وجهة الفقه، والوجهة الثانية وجهة التصوف.
وكذلك إِذا أردْتَ أن تتخذ أحداً صديقاً لك،
فإِنك تتأمل في شخصه من كلا الوجهتين، وتحب أن يكون جميل المنظر وجميل الباطن
معاً.
كذلك لا تَجْمُلُ في عين الإِسلام إِلا الحياة
التي فيها اتباعٌ كامل صحيح لأحكام الشريعة من الوجهتين الظاهرة والباطنة.
ومثل الذي طاعته صحيحة في الظاهر، ولكن يعوزه
روح الطاعة الحقيقية في الباطن، كمثل جسد جميل قد فارقه روحُه.
ومثل الذي في عمله الكمالات الباطنة كلها، وليست
طاعته صحيحة على حسب الوجه المراد في الظاهر، كمثل رجل صالح دميم الوجه مطموس
العينين أعرج القدمين. وسهل عليك بهذا المثال أن تعرف العلاقة بين الفقه والتصوف.
ثم تحدث الأستاذ المودودي عن الدخلاء الذين
تشبهوا بالصوفية بلباسهم وكلامهم، وباينوهم بأفعالهم وأخلاقهم وقلوبهم، والتصوف
منهم براء. وهكذا شأن كل منصفٍ غيور على دينه. ثم حذر الأستاذ المودودي من هؤلاء
المدَّعين فقال: (ولا يستحق من لا يتبع الرسول صلى
الله عليه وسلم اتباعاً صحيحاً، ولا يتقيد بما أرشد إِليه من صراط الحق، أن يُسميَ
نفسه صوفياً إِسلامياً، فإِن مثل هذا التصوف ليس من الإِسلام في شيء أبداً.. ثم
بين حقيقة الصوفي الصادق وحالته المثالية التي تطابق تعاليم التصوف السامية فقال:
إِنما التصوف عبارة - في حقيقة الأمر - عن حب الله ورسوله الصادق بل الولوع بهما
والتفاني في سبيلهما، والذي يقتضيه هذا الولوع والتفاني ألاّ ينحرف المسلم قيد
شعرة عن اتباع أحكام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. فليس التصوف الإِسلامي
الخالص بشيء مستقل عن الشريعة، وإِنما هو القيام بأحكامها بغاية من الإِخلاص،
وصفاء النية وطهارة القلب) [مبادىء
الإِسلام لأبي الأعلى المودودي، موضوع التصوف. ص114 -117].
25 - صبري عابدين:
قال الأستاذ صبري عابدين
في حديثه في ندوةِ لواء الإِسلام في موضوع الصوفية وعلاقتها بالدين: (شهدْتُ بنفسي كيف حال الصوفية في السودان وأريتريا
والحبشة والصومال. إِن السلطة الصوفية للسيد الميرغني لها اعتبارها، وبصورة خاصة ولاية
القاضي في أريتريا لا توليها الحكومة، إِنما هو يولي القاضي والخطيب والمؤذن، وله
حق الولاية الدينية بصفته رئيس الطريقة الصوفية.
والواقع أن الصوفية
ينشرون الإِسلام في العالم، وأذكر لكم أنه منذ خمسين عاماً، كتب الشيخ البكري
كتاباً ذكر فيه نقلاً عن المبشرين يقول: إِن هؤلاء يقولون: ما ذهبنا إِلى أقاصي
المناطق البعيدة عن الحضارة والمدنية في أفريقيا وأقاصي آسيا إِلا وجدنا الصوفيَّ
يسبقنا إِليها، وينتصر علينا.
ليتَ المسلمين يفهمون
مافي الصوفية من قوة روحية ومادية، فجنودهم مجندون للإِسلام. رأيتُ على حدود الحبشة
والسودان وأريتريا بعثة سويدية للتبشير، ووجدْتُ إِلى جانبهم أكواخاً أقامها
الصوفيون، وأفسدوا على المبشرين السويديّين إِقامتهم أربعين سنة. ولذلك أرجو أن
نتعاون لإِخماد هذه الحركات التي تؤذينا، دينياً وسياسياً، وإِن الذين يحملون على
الصوفية ليسوا فوق مستوى الشبهات، بل هم غارقون في الشبهات.. إِلى أن قال: أكبرُ
المصائب التي أصابت المسلمين أنهم لم يأخذوا بالإِسلام كله، أما الصوفية فقد
ألزموا أنفسهم أن يأخذوا بالإِسلام كله، بل زادوا عليه. إِنهم ألزموا أنفسهم ألاَّ
يأخذوا بالرخص بل بالعزائم، مع أن الله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه. لماذا؟
لأن مذهبهم يقوم على الزهد بالمعنى الذي يفهمه العلم، وأزيد على ذلك أن أساس الزهد
جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم زاهداً في
هذه الحياة ولذائذها. عاش الرسول صلى الله عليه وسلم وانتقل إِلى الرفيق الأعلى
ولم يأكل رغيفاً مرقَّقَاً، ولا أكل على خوان.
فرسول الله صلى الله عليه
وسلم هو المثل الأعلى للخلفاء الراشدين ولِمَنْ تبعه وللمسلمين كافة. والصوفية قد
ألزموا أنفسهم، كما نصوا على ذلك في كتبهم، على أنْ لا يكون بينهم صوفياً إِلا من
استمسك بالكتاب والسنة، ووضعوا لذلك أُصولاً في كتبهم: الرسالة القشيرية لأبي
القاسم القشيري وإِحياء علوم الدين للغزالي، وكتاب حلية الأولياء لأبي نعيم
الأصفهاني، وكتاب قواعد التصوف لأحمد زروق.
وإِنا نقول: إِن الذين
يبحثون في بعض العلوم وينتقدونها، وينكرونها وهم لم يطلعوا عليها، مثلهم مثل رجل
لا يفهم في الطب شيئاً فينكر الطب، وكالإِسكافي الذي ينكر الهندسة.
وفي مصر هنا، في الوقت الذي جاءت جيوش الصليبية
إِلى دمياط، كان للصوفية أمثال أبي الحسن الشاذلي وعز الدين بن عبد السلام، وأبي
الفتح ابن دقيق العيد، وآخرين من العلماء خدمة جليلة في مقاومة الصليبيين) [مجلة لواء
الإِسلام - العدد العاشر - السنة التاسعة 1375هـ - 1956م ندوة لواء الإِسلام:
الصوفية وعلاقتها بالدين ص645 -647].
26 - محمد أبو زهرة:
قال الأستاذ العلامة محمد
أبو زهرة في حديثه عن التصوف في ندوة لواء الإِسلام: (إِن
التصوف في ظاهره يتضمن ثلاث حقائق:
الحقيقة الأولى: محاربة
الهوى والشهوة، والسيطرةُ على النفس. وكان المتصوفة يأخذون بقول أمير المؤمنين عمر
بن الخطاب رضي الله عنه إِذ يقول: أيها الناس اقْدَعوا [اقدعوا:
من قدع بمعنى: منع وكف، وقدع فرسه كبحه، كذا في القاموس]
هذه النفوس عن شهواتها، فإِنها مريئة وبيئة. أي إِن الإِنسان يستمرؤها، ولكن
عاقبتها وخيمة.
والحقيقة الثانية التي
تتضمنها ظاهرة التصوف هي: الاتصال الروحي ومخاطبة الوجدان والنفس.
والحقيقة الثالثة: أن
التصوف يقتضي في وقائعه التي نراها تابعاً ومتبوعاً، شيخاً ومريداً، يقتضي موجهاً
وشخصاً يوجَّه، يقتضي استهواءً نفسياً وتوجيهاً نفسياً.
وهذه الظواهر، بصرف النظر
عن أن الإِسلام قررها نظاماً، أولم يقررها. هذه الوقائع الثابتة، هل يمكن أن تتخذ
سبيلاً للإِصلاح، أو أنها ضرر محض؟
أما أنها ضرر محض، فما أظن أحداً يوافق على
ذلك، لأن التصوف حقيقة واقعة ككل الأشياء، يقبل أن يكون ضاراً ويقبل أن يكون
نافعاً، يقبل أن يكون ممدوحاً، ويقبل أن يكون مذموماً. وحسبنا أن نقول: إِن الصلاة
ذاتها مُدحتْ وذُمتْ، فقال الله تعالى: {فويلٌ
للمُصلِّينَ . الذينَ هُمْ عَنْ صلاتِهم ساهونَ} [الماعون: 4 -5]. وقال
سبحانه في وصف المؤمنين: {الذين يقيمون الصلاةَ
ويؤتُونَ الزكاةَ وهُمْ بالآخِرَةِ هُمْ يوقنونَ} [لقمان: 4]. وكذلك التصوف التصوف - كما قال
الأُستاذ فودة - في عصورنا المتأخرة كان له مزايا، وكانت له آثار واضحة، فالمسلمون
في غرب أفريقيا وفي وسطها وفي جنوبها كان إِيمانهم ثمرةً من ثمرات التصوف.
والإِمام السنوسي الكبير عندما أراد أن يصلح
بين المسلمين، اتجه أول ما اتجه إِلى أن نهج منهاجاً صوفياً، وكان منهاجه في ذاته
عجيباً غريباً، فإِنه اتخذ المريدين، ثم أراد أن يجعل من هؤلاء المريدين رجال
أعمال كأحسن ما يكون رجال الأعمال، ولذلك أنشأ الزوايا. وأولُ زاوية أنشأها في جبل
حول مكة، ثم انتقل بزواياه في الصحراء، وهذه الزوايا كانت واحات عامرة في وسط
الصحراء، وبعمل رجالهم وقواتهم وتوجيههم، استنبط الماء وجعل فيها زرعاً وغراساً
وثماراً، ووجَّههم وعلَّمهم الحرب والرماية حتى أقضُّوا مضاجع الإِيطاليين أكثر من
عشرين سنة، عندما عجزت الدولة العثمانية عن أن تعين أهل ليبيا. واستمرت المقاومة
السنوسية بهذه الزوايا، إِلى أن أذلَّ الله الدولة الإِيطالية، وإِذا السنوسية
تحيا من جديد، وكنا نودُّ أن تحيا كما ابتدأت طريقة صوفية عاملة قوية
لا أودُّ أن أتعرض
لنشأة التصوف في الإِسلام وقبل الإِسلام، ولكني لا أستطيع أن أقول إِن عمر بن
الخطاب لم يكن متصوفاً، وهو الذي قال فيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم: “لو كان في هذه الأُمة محدَّثون لكان عمر بن الخطاب” [“إِن من أمتي محدثين ومكلمين وإِن عمر منهم” أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب المناقب
عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرج مسلم في صحيحه: “لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون فإِن يك في أمتي أحد فإِنه عمر” من حديث عائشة رضي الله عنها في كتاب
فضائل الصحابة]. والذي
كان يعتقد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان من أقرب أصحابه إِلى الله،
حتى إِنه عندما كان ذهب إِلى العمرة وجَّهَ إِليه القول، وقال له: “لا تنسنا من دُعائك يا أخي”
[رواه أبو داود في باب الدعاء عن عمر رضي الله
عنه، والترمذي في كتاب الدعوات وقال: حديث حسن صحيح، ولفظه: “أي أُخيَّ أشرِكنا في دعائك ولا تنسنا”].
ولا أستطيع أن أقول: إِن أبا بكر الصديق الذي
كان يركب الصعب من الأمور ضابطاً نفسه، والذي أُثر عنه أنه قال كلاماً نسب إِلى
النبي صلى الله عليه وسلم، واختلفت الرواية في قائله: “رجعنا
من الجهاد الأصغر [وهو القتال] إِلى الجهاد الأكبر [وهو
مجاهدة النفس] [بل
هو من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواه الديلمي عن جابر رضي الله عنه. راجع كشف
الخفاء للعجلوني ج1. ص424]”. وأبو بكر الذي يقول: فِرَّ من الشرف
يتبعْك الشرف.
وقد كان وما زال هناك موجهون وشيوخ لهم مريدون
ولهم أتباع وهؤلاء هم الذين نرجو أن يعود التصوف على أيديهم كما ابتدأ.
هل نحن الآن
في حاجة إِلى التصوف المصلح المثمر؟
أقول: إِذا كان الماضون لم يكونوا في حاجة
إِليه، بل كان المتصوف يعمل لله ولنفسه ولمريديه، فنحن في عصرنا هذا أشد الناس
حاجة إِلى متصوف يعمل بنظام التصوف الحقيقي، وذلك لأن شبابَنا قد استهوته الأهواء،
وسيطرت على قلبه؛ فأصبحت دور السينما أشد المغريات وأشد الوسائل جلباً لها،
والمجلات الفارغة، والإِذاعة اللاهية اللاعبة، أصبح كلُّ هذا يستهويه، وإِذا سيطرت
الأهواء والشهوات على جيل من الأجيال أصبحت خُطبُ الخطباء لا تُجدي، وكتابة
الكتَّاب لا تُجدي، ومواعظُ الوعاظ لا تجدي، وحِكم العلماء لا تجدي، وأصبحت كل
وسائل الهداية لا تجدي شيئاً. وحسبك أن ترى المجلات الدينية توزع بأقل من نصف
العشر أو ربع العشر مما توزعه المجلات اللاهية العابثة.
إِذن لا بد لنا من طريق آخر للإِصلاح، هذا
الطريق أنْ نتجه إِلى الاستيلاء على نفوس الشباب، وهذا الاستيلاء يكون بطريق الشيخ
ومريديه، بحيث يكون في كل قرية، وفي كل حيٌّ من أحياء المدن، وفي كل بيئة علمية أو
اجتماعية أو سياسية، رجال يقفون موقف الشيخ الصوفي من مريديه.
إِن العلاقة بين المريد والشيخ، وبين مراتب هذا
المريد هي التي يمكن أن تهذب وأن توجه. يقول الشاطبي في كتابه الموافقات: إِنَّ
بين المعلم والمتعلم روحانية تجعله ينطبع بفكره، وينطبع بكل ما يلقنه من معلومات.
نحن في حاجة إِلى هؤلاء الذين يستهوون الشباب ليصرفوهم عن هذا الهوى الماجن،
وليوجهوهم.
كان هنا منذ بضع سنين أو عشر سنين رجلٌ اتجه
إِلى الشباب، وحاول أن يتخذ معهم في إِصلاحهم ما يتخذه الصوفي مع المريدين، وقد
نجح إِلى حد كبير، ولولا اشتغاله بالسياسة ما فسد أمره قط.
ولذلك أُوجبُ أن نتجه إِلى الصوفية كعلاج أخير
لوقاية الشباب من الفساد، ولا أعتقد أن هناك علاجاً أجدى منها).
وخلاصة الحديث عن التصوف في ندوة لواء
الإِسلام: أن التصوف كأمر واقع، كان فيه خير، وخالطه بعض الشر، وإِذا خلص من شره،
واتجه إِلى المعاني الروحية، كان سبيل إِصلاح للمجتمع الإِسلامي. وإِن الشباب
المسلم وقع تحت استهواءات مختلفة تؤدي إِلى الانحراف، ولا سبيل إِلى رده إِلى
الاستقامة الإِسلامية إِلا باستهواء يكون كاستهواء الشيخ الصوفي لمريديه، وحينئذٍ
تعمل الصوفية أفضل الأعمال لإِصلاح الشباب [مجلة لواء
الإِسلام، العدد الثاني عشر، شعبان 1379هـ الموافق 1960م ندوة لواء الإِسلام،
التصوف في الإِسلام. ص758 و766].
الباب السابع
شيخنا
محمَّد الهاشمي رحمه الله تعالى
هذا ويسعدني في نهاية هذا
البحث أن أنوه بفضل شيخنا المربي الكبير، والعارف بالله، المرشد سيدي محمد الهاشمي
رحمه الله تعالى في نقله هذه المعاني الروحية، والحقائق الربانية التي تكلمنا عنها
إِلى هذا البلد الكريم، وتجسيدها في صورة واقعية، تُحدِّثُنا عنها أرواح مريديه
وتلامذته، وتُشهِدنا إِياها حياتُهم الذاخرة بذكر الله وحق عبادته، كما شهد له
بذلك معاصروه من أكابر السادة العلماء. لذا أختم كتابي بطيِّبِ ذكراه، وسرد نبذٍ
عن حياته الطيبة.
ولادته:
ولد سماحة الأستاذ المرشد الكبير سيدي محمد بن
الهاشمي قدس الله روحه من أبوين صالحين، كلاهما من آل بيت النبوة، يرجع نسبهما
إِلى الحسن بن علي رضي الله عنهما، يوم السبت 22 شوال 1298هـ في
مدينة سبدة التابعة لمدينة تلمسان، وهي من أشهر المدن الجزائرية. وكان والده من علمائها
وقاضياً فيها، فلما توفي ترك أولاداً صغاراً، والشيخ أكبرهم سناً.
بقي الشيخ مدة من الزمن ملازماً للعلماء، قد
انتظم في سلكهم جاداً في الازدياد من العلم، ثم هاجر مع شيخه محمد بن يَلِّس إِلى
بلاد الشام فاراً من ظلم الاستعمار الإِفرنسي، الذي منع الشعب الجزائري من حضور
حلقات العلماء وتوجيههم. وكانت هجرتهما في 20 رمضان سنة
1329هـ عن طريق طنجة
ومرسيليا، متوجهين إِلى بلاد الشام. فمكثا في دمشق أياماً قلائل، وعمِلَتْ الحكومة
التركية آنذاك على تفريق جميع المغاربة الجزائريين، وكان نصيبه رحمه الله تعالى أن
ذهب إِلى تركيا وأقام في أضنة، وبقي شيخه ابن يَلِّس في دمشق. وعاد بعد سنتين إِلى
دمشق؛ فالتقى بشيخه ابن يَلِّس وَصَحبه ولازَمه.
وفي بلاد الشام تابع أخذ العلم عن أكابر
علمائها. ومن أشهرهم المحدِّث الكبير بدر الدين الحَسَني، والشيخ أمين سويد،
والشيخ جعفر الكتاني، والشيخ نجيب كيوان، والشيخ توفيق الأيوبي، والشيخ محمود
العطار وأخذ عنه علم أُصول الفقه، والشيخ محمد بن يوسف المعروف بالكافي وأخذ عنه
الفقه المالكي، وقد أجازه أشياخه بالعلوم العقلية والنقلية.
أما من ناحية التصوف فقد أذن له شيخه محمدبن
يَلِّس بالورد العام لما رأى من تفوقه على تلامذته، من حيث العلمُ والمعرفةُ
والنصحُ لهم وخدمتُهم. ولما قدم المرشد الكبير أحمد بن مصطفى العلوي من الجزائر
لأداء فريضة الحج؛ نزل في دمشق بعد وفاة سيدي محمد بن يَلِّس سنة 1350هـ، وأذن
له بالورد الخاص [تلقين الاسم الأعظم] والإِرشاد العام.
أخلاقه وسيرته:
كان رحمه الله تعالى متخلقاً بأخلاق النبي صلى
الله عليه وسلم، متابعاً له في جميع أقواله وأحواله وأخلاقه وأفعاله، فقد نال
الوراثة الكاملة عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
وكان متواضعاً حتى اشتهر بذلك ولم يسبقه أحد من
رجال عصره في تواضعه.
وكان يعامل الناس كما يحب أن يعاملوه. دخل عليه
رجل فقبَّل يد الشيخ رحمه الله تعالى؛ وأراد الشيخ أن يقبل يده، فامتنع الرجل عن
ذلك وقال: أستغفرُ الله يا سيدي أنا لست أهلاً لذلك، أنا أَقبل رجلكم. فقال الشيخ
رحمه الله تعالى: إِذا قَبَّلت رِجْلَنَا فنحن نقبل رجلَكم.
وكان يحب أن يخدم إِخوانه بنفسه، فيأتي الزائر،
ويأتي التلميذ فيبيت عنده فيقدِّم له الطعام، ويحمل له الفراش مع ضعف جسمه. وكم
جئناه في منتصف الليل، وطرقنا بابه، فيفتح الباب وهو بثيابه التي يقابل بها الناس،
كأنه جندي مستعد. فما رأيناه في ثوب نوم أبداً.
وكان حليماً لا يغضب إِلا لله. حَدَث أن جاءه
رجل من دمشق إِلى بيته وأخذ يتهجم عليه، ويتهكم به، ويتكلم بكلمات يقشعر لها جلد
المسلم؛ ولكن الشيخ رضي الله عنه لم يزد على قوله له: الله يجزيك الخير، إِنك
تُبين عيوبنا، وسوف نترك ذلك ونتحلى بالأخلاق الفاضلة. وما أن طال المقام بالرجل
إِلا وأقبل على الشيخ، يقبل قدميه ويديه، ويطلب منه المعذرة.
وكان كريماً لا يرد سائلاً. وكم رأينا أشخاصاً
يأتون إِليه فيعطيهم ويكرمهم، ولاسيما في مواسم الخير؛ حيث يأتي الناس لبيته، وترى
موائد الطعام يأتيها الناس أفواجاً أفواجاً يأكلون منها، ولا تزال ابتسامته في
وجهه، وقد بلغ من كرمه أنه بنى داره التي في حي المهاجرين بدمشق قسمين: قسم لأهله،
وقسم لتلاميذه ومريديه.
وكان من صفاته رضي الله عنه واسع الصدر وتحمل
المشقة والتوجيه، وشدة الصبر مع بشاشة الوجه؛ حتى إِني استغربت مرة صبره فقال لي:
يا سيدي! مشربُنَا هذا جمالي. وكان يأتي إِليه الرجل العاصي فلا يرى إِلا البشاشة
من وجهه وسعة الصدر، وكم تاب على يديه عصاة منحرفون، فانقلبوا بفضل صحبته مؤمنين
عارفين بالله تعالى.
حَدَث أنه كان سائراً في الطريق بعد انتهاء
الدرس، فمر به سكران؛ فما كان من الشيخ رحمه الله تعالى إِلا أن أزال الغبار عن
وجهه، ودعا له ونصحه، وفي اليوم الثاني كان ذلك السكران أول رجل يحضر درس الشيخ،
وتاب بعد ذلك وحسنتْ توبته.
وكان رحمه الله تعالى يهتم بأحوال المسلمين
ويتألم لما يصيبهم، وكان يحضر جمعية العلماء التي تقام في الجامع الأموي، يبحث في
أمور المسلمين ويحذِّر من تفرقتهم، وقد طبع رسالة تبين سبب التفرقة وضررها، وفائدة
الاجتماع على الله والاعتصام بحبل الله سماها: القول الفصل القويم في بيان المراد
من وصية الحكيم.
وكان رحمه الله تعالى يكره الاستعمار بكل
أساليبه، ويبحث في توجيهه عن مدى صلة الحوادث مع الاستعمار وكيفية الخلاص من ذلك.
ولما نَدبتْ الحكومة الشعب إِلى التدرُّب على الرماية، ونظَّمت المقاومة الشعبية،
سارع الشيخ لتسجيل اسمه بالمقاومة الشعبية، فكان يتدرب على أنواع الأسلحة مع ضعف
جسمه ونحوله وكبر سنه. وبهذا ضرب للشعب المثل الأعلى لقوة الإِيمان والعقيدة
والجهاد في سبيل الله، وذكَّرنا بِمَنْ قبله من المرشدين الكُمَّل الذين جاهدوا
الاستعمار وحاربوه؛ أمثال عمر المختار والسنوسي وعبد القادر الجزائري. وما
المجاهدون الذين قاموا في المغرب، لإِخراج الاستعمار وأذنابهم إِلا الصوفية.
وكان رحمه الله تعالى حسن السيرة والمعاملة،
مما جعل الناس، يُقبلون عليه ويأخذون عنه التصوف الحقيقي، حتى قيل: لم يشتهر
الهاشمي بعلمه مع كونه عالماً، ولم يشتهر بكراماته مع أن له كرامات كثيرة، ولكنه
اشتهر بأخلاقه، وتواضعه، ومعرفته بالله تعالى.
وكان رحمه الله تعالى إِذا حضرْتَ مجلسه، شعرت
كأنك في روضة من رياض الجنة؛ لأن مجلسه ليس فيه ما يشوبه من المكدرات والمنكرات.
فكان رحمه الله تعالى يتحاشى أن يُذكر في حضرته رجل من المسلمين وينقص. ولا يحب أن
يذكر في مجلسه الفساق وغيرهم، ويقول: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة.
وبقي رحمه الله تعالى دائباً في جهاده مستقيماً
في توجيهه للمسلمين وإِخراجهم مما وقعوا فيه من الضلال والزيغ. فقد كانت حلقاته
العلمية متوالية من الصباح حتى المساء؛ ولاسيما علم التوحيد الذي هو من أُصول
الدين، فيبيِّنَ العقائد الفاسدة والإِلحادية، مع بيان عقيدة أهل السنة والجماعة،
والرجوع إِلى الله تعالى؛ والتعلق به دون سواه.
نشاطه في الدعوة
والإِرشاد:
كان بيته قبلة للعلماء والمتعلمين والزوار، لا
يضجر من مقابلتهم، ويقيم - مع ضعف جسمه - حلقات منظمة دورية للعلم والذكر في
المساجد والبيوت، ويطوف في مساجد دمشق، يجمع الناس على العلم وذكر الله والصلاة
على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يزل مثابراً على همته ونشاطه ودعوته حتى
أيامه الأخيرة.
تتلْمذَ عليه نخبةٌ طيبةٌ صالحة من العلماء
وطلاب العلم، ومن مختلف طبقات الأمة يهتدون بإِرشاداته، ويغترفون من علومه،
ويقتبسون من إِيمانه ومعارفه الذوقية، ويرجعون إِليه في أُمورهم.
وقد أذن للمستفيدين منهم بالدعوة والإِرشاد،
وبذا انتشرت هذه الطاقة الروحية الكبرى في دمشق وحلب، وفي مختلف المدن السورية
والبلدان الإِسلامية.
مؤلفاته:
1 - مفتاح الجنة شرح عقيدة أهل السنة.
2 - الرسالة الموسومة بعقيدة أهل السنة مع نظْمها.
3 - البحث الجامع والبرق اللامع والغيث الهامع
فيما يتعلق بالصنعة والصانع.
4 - الرسالة الموسومة بسبيل السعادة في معنى كلمتي
الشهادة مع نظمها.
5 - الدرة البهية.
6 - الحل السديد لما استشكله المريد من جواز الأخذ
عن مرشدين.
7 - القول الفصل القويم في بيان المراد من وصية
الحكيم.
8 - شرح شطرنج العارفين للشيخ محي الدين بن عربي.
9 -
الأجوبة العشرة.
10 - شرح نظم عقيدة أهل السنة.
وغير ذلك من الرسائل.
وقد أخذ التصوف عن سيدي الهاشمي رحمه الله
تعالى كثيرٌ من العلماء وغيرهم لا يعلم عددهم إِلا الله.
وهكذا قضى الشيخ الهاشمي حياته في جهاد وتعليم،
يربي النفوس، ويزكي القلوب الراغبة في التعرف على مولاها، لا يعتريه ملل ولا كسل. واستقامته
على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً وحالاً، ووصيتُه في آخر
حياته: عليكم بالكتاب والسنة، تشهد له بكمال وراثته.
وهكذا رحل الشيخ الكبير إِلى رضوان الله تعالى
وقربه يوم الثلاثاء 12 من رجب 1381هـ الموافق
19 كانون الأول 1961م، وصُلي عليه
بالجامع الأموي، ثم شيعتْه دمشق تحمله على الأكف إِلى مقبرة الدحداح، حيث وُورِي
مثواه، وهو معروف ومُزَار. ولئن وارى القبرُ جسدَه الطاهر الكريم، فما وارى علمه
وفضله ومعارفه وما أسدى للناس من معروف وإِحسان، فلِمثْل هذا فليعملِ العاملون.
وهذا من بعض سيرته الكريمة، وما قدمناه غيضٌ من فيضٍ ونقطة من بحر، وإِلا فسيرة
العارفين منطوية في تلامذتهم، ومن أين للإِنسان أن يحيط بما تكنه صدورُهم
وأسرارهم؟
وفي مثله قال القائل:
إِنْ تسلْ أين قبورُ العظما فعلى الأفواه أو في الأنفس
وبمثل هذه الشخصيات
الحية نقتدي وبمثلهم نتشبَّه.
فتشبَّهُوا إِن لم تكونوا
مثلَهم إِنَّ التشبُّهَ بالكرامِ
فلاحُ
وقد قيل:
موتُ التقي حياةٌ لا انقطاعَ
لها قدْ مات قومٌ وهمْ في الناس أحياءُ
وقد أذن لنا رحمه الله
تعالى، قبل رحيله عن دار الدنيا، بالورد العام والخاص، والتربية والإِرشاد، كما هو
مبيَّن في نص الإِجازة التي نقدمها لك على الصفحات التالية.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن
الرحيم، الحمد لله المنعم المجيد، المنزه عن التقيد بالإِطلاق والتقييد، الذي نور
بصائر العارفين بنور معرفته، وقذف في قلوبهم أنواراً وصلوا بها إِلى ميادين
مكاشفته، وجعل الاقتداء بهم سبباً لنيل الآمال، والرضا منه عنهم سُلَّماً موصلاً
إِلى الإِخلاص في الأعمال، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، المنزل
عليه: {إنَّ الذينَ يُبايعُونَكَ إنَّما يبايعونَ
اللهَ} [الفتح: 10]، وعلى آله وأصحابه
الذين أَذن لهم بِبثِّ العلم ونشره في الأمة المحمدية، حتى صار الإِذن سنة نبوية،
تداولها أهل الهمم العلية، وعلى التابعين لهم بإِحسان، الداعين إِلى الله بإِذنه،
الذين لا تزال شمسهم على الآفاق طالعة، وأنوارهم في السرائر والقلوب لامعة، الذين يحافظون
على أمانة الله حتى يُبلِّغونها إِلى نظرائهم في التقوى والعلم بالله.
أما بعد: فإِني لهذه المناسبة أذنْتُ وأجزتُ
أفراداً من إِخواننا في طريقتنا الشاذلية الدرقاوية العلية لِمَا تفرسْتُه في
أخلاقهم، واعتمدته من أحوالهم، إِذناً عاماً مطلقاً في سائر الأوراد والأحزاب
الشاذلية، وفي الورد الخاص، الذي هو ذكر الاسم المفرد [الله] الذي هو الاسم الأعظم عند أهل الله، بشروطه
المعروفة عندهم، فيتأكد على كل واحد منهم أن يُربّي كل من اتخذه شيخاً له في طريق
الله، وأرجو الله أن ينفعهم وينفع بهم، ومن جملتهم: أخونافي الله الأبر الأود،
الفقيه العارف بالله، التقي الأمجد ولي الله، الصادق في المحبة والعهد، سيدي الشيخ
عبد القادر بن عبد الله عيسى عزيزي الحلبي، كما أذن لي أُستاذي سيدي أحمد بن مصطفى
العلوي المستغانمي رضي الله عنه، وأرجو الله أن أكون مأذوناً من الله تعالى، ومن
رسوله صلى الله عليه وسلم، وأرجو له مثل ذلك، ثم أقول:
فاعرفْ يا أخي فضل الإِذن وسره، ولا تجهله، إِذ
المأذونُ مأمونٌ، إِذ هو في ضمان الله تعالى، ثم في ضمان رسول الله صلى الله عليه
وسلم، ثم في ضمان شيوخ الطريقة رضي الله عنهم.
فاعرف هذا، واعتقده ولا تجهله، واعلم أن الإِذن
الحقيقي والإِجازة الحقيقية هي ما حصل لكم من الإِذن الشفهي الباطني والإِجازة
القلبية الحقيقية، فهي التي يُعمل بها، وهي التي تنْفعل لها القلوب، وتنقاد لها
النفوس، ولولا الضرورة لما اعتاد عليه الناس من الإِجازة بالكتابة، لَمَا كتب أهل
الله إِجازة لمأذون من الله ومن الرسول ثم منهم إِجازة شفوية قلبية حقيقية. وكن ذا
حزمٍ وعزمٍ في تربية كل من اتخذك شيخاً له من عباد الله، ولا تستحِ من أحد في حق
الله، وأوصيك بالنصيحة للإِخوان بقدر الإِمكان، وبالمحافظة على حدود الله في السر
والإِعلان، وكن بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، محبةً في الله واقتداءً برسول الله صلى
الله عليه وسلم، وأرجو الله للجميع التوفيق، وأن يقينا وإِياهم من سوء الطوارق،
ويسلك بنا وبهم أحسن الطرائق، ويحمينا وإِياهم من كل عائق، ونسأل الله بكل مَنْ
رَامَ الانتظام في سلك أهل الله نفحة خير من نفحات الله، نسلك بها سبيل النجاة،
ونصل بها إِلى حقيقة تقوى الله بجاه صاحب الجاه، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم،
يوم يتجلى الحق تعالى لعباده برضاه، والظن في الله جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل،
والحمد لله رب العالمين.
قاله وكتبه العبد الفقير إِلى الله تعالى: محمد
بن أحمد بن الهاشمي بن عبد الرحمن التلمساني أصلاً، الدمشقي سكناً، الشاذلي
الدرقاوي طريقة. عامله الله والمسلمين باللطف والإِحسان. آمين.
حررت هذه الإِجازة المباركة في 16 ربيع
الأول 1377.
خادم الطريقة القادرية
الشاذلية الدرقاوية العلوية
عبد الله محمد بن
الهاشمي التلمساني
دمشق
سند الطريقة
الشاذلية
لما كان الإِسناد من الدين، ولولا الإِسناد
لقال مَنْ شاء ما شاء. ولما كان مشرب القوم رضوان الله عليهم أجمعين أبلغ المشارب
في التحقيق، وأسنى المعارج في التدقيق، تَعيَّن على كل منتسب إِليهم أن يحقق
مستنده على الوجه الأحق، لأن الحقائق لا تؤخذ من كل ذي دعوى، إِلا بعد تحقق صحة
دعواه على الوجه الأكمل.
ولما كان سند طريق القوم مسلسلاً إِلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فقد أثبتْنا هذا السند على الصفحات التالية متسلسلاً
شيخاً عن شيخ إِلى سيدنا الحسن البصري، ثم سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم
إِلى حضرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إِلا أن بعض العلماء أنكر سماع الحسن البصري من
الإِمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه، ولكن الحافظ المحدث الفقيه جلال
الدين السيوطي رحمه الله تعالى، أثبت سماع الحسن البصري من علي بن أبي طالب رضي
الله عنهما، وتبعه في ذلك الفقيه المحدث الحجة أحمد بن حجر الهيثمي المكي رحمه
الله تعالى.
وإِليك تحقيق كل منهما في هذا الموضوع:
أولاً - قال الحافظ المحدث جلال الدين السيوطي
رحمه الله تعالى في كتابه الحاوي للفتاوي: (أنكر
جماعة من الحفاظ سماع الحسن البصري من علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وتمسَّكَ
بهذا بعض المتأخرين؛ فخدش به طريق لبس الخرقة. وأثبته جماعة، وهو الراجح عندي
لوجوه، وقد رجحه أيضاً الحافظ ضياء الدين المقدسي في المختارة. وتبعه على ذلك
الحافظ ابن حجر [العسقلاني] في أطراف المختارة [وكذلك
أثبت الحافظ ابن حجر العسقلاني سماع الحسن البصري من علي كرم الله وجهه في كتابه
تهذيب التهذيب ج2. ص264].
الوجه الأول: إِن
العلماء ذكروا في الأصول في وجوه الترجيح أن المثْبِتَ مقدَّم على النافي، لأن معه
زيادة علم.
الوجه الثاني: إِن الحسن ولد لسنتين بقيتا من
خلافة عمر باتفاق. وكانت أُمه خَيْرَةُ مولاةَ أُمِّ سلمة رضي الله عنها، فكانت
أُم سلمة تخرجه إِلى الصحابة يباركون عليه، وأخرجته إِلى عمر، فدعا له: اللهم فقهه
في الدين وحببْه إِلى الناس. ذكره الحافظ جمال الدين المزي في التهذيب، وأخرجه العسكري
في كتاب المواعظ بسنده. وذكر المزي أنه [الحسن
البصري] حضر يوم الدار، وله أربع عشرة سنة.
ومن المعلوم أنه من حين بلغ سبع سنين أُمِر بالصلاة، فكان يحضر الجماعة ويصلي خلف
عثمان إِلى أن قتل عثمان، وعلي إِذ ذاك بالمدينة، فإِنه لم يخرج منها إِلى الكوفة
إِلا بعد قتل عثمان. فكيف يُستنكر سماعهُ منه وهو كل يوم يجتمع به في المسجد خمس
مرات من حين ميَّزَ إِلى أن بلغ أربع عشرة سنة؟
وزيادة على ذلك: إِن علياً كان يزور أُمهات
المؤمنين، ومنهن أُم سلمة، والحسن في بيتها هو وأُمه.
الوجه الثالث: إِنه ورد عن الحسن ما يدل على
سماعه منه. أورد المزي في التهذيب من طريق أبي نعيم قال: حدثنا أبو القاسم عبد
الرحمن بن العباس بن عبد الرحمن بن زكريا حدثنا أبو حنيفة محمد بن صفية الواسطي
حدثنا محمد بن موسى الجرشي حدثنا ثُمامة بن عبيدة حدثنا عطية بن محارب عن يونس بن
عبيد قال: سألت الحسن قلت: يا أبا سعيد! إِنك تقول: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وإِنك لم تدركه؟ قال: يا ابن أخي! لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك،
ولولا منزلتك مني ما أخبرتك. إِني في زمان كما ترى - وكان في عمل الحجاج - كل شيء
سمعتني أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو عن علي بن أبي طالب، غير أني
في زمان لا أستطيع أن أذكر علياً.
ثم ساق الحافظ السيوطي عدة أحاديث رواها الحسن
عن علي رضي الله عنهما. منها: قال أحمدفي مسنده: حدثنا هُشيم أخبرنا يونس عن الحسن
عن علي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “رُفع
القلمُ عن ثلاثة: عن الصغير حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المصاب حتى يكشف
عنه”. أخرجه الترمذي وحسنه [راجع تحفة
الأحوذي بشرح جامع الترمذي عند شرحه لهذا الحديث (ج4/ص686)]،
والنسائي، والحاكم وصححه، والضياء المقدسي في المختارة. قال الحافظ زين الدين العراقي
في شرح الترمذي عند الكلام على هذا الحديث: قال علي بن المديني: الحسن رأى علياً
بالمدينة وهو غلام. وقال أبو زرعة: كان الحسن البصري يوم بُويِعَ لعلي ابن أربع
عشرة سنة، ورأى علياً بالمدينة ثم خرج [علي
رضي الله عنه] إِلى الكوفة والبصرة ولم يلقه
الحسن بعد ذلك. وقال الحسن: رأيت الزبير يبايع علياً. اهـ.
قلت: وفي هذا القدر كفاية، ويُحمل قولُ النافي
على ما بعد خروج علي من المدينة) [الحاوي
للفتاوي للحافظ المحدث الفقيه جلال الدين السيوطي. ج2. ص102 -103].
ثانياً - وسئل الحافظ ابن حجر الهيثمي - نفع
الله بعلومه - هل سمع الحسن البصري من كلام علي كرم الله وجهه، حتى يتم للسادة
الصوفية سند خرقتهم وتلقينهم الذكر المروي عنه عن علي كرم الله وجهه؟
فأجاب بقوله: (اختلف
الناس فيه، فأنكره الأكثرون، وأثبته جماعة. قال الحافظ السيوطي: وهو الراجح عندي
كالحافظ ضياء الدين المقدسي في المختارة، والحافظ شيخ الإِسلام ابن حجر [العسقلاني] في
أطراف المختارة لوجوه:
الأول: إِن المُثبِتَ مقدَّم على النافي.
الثاني: إِنه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر،
وميَّزَ لسبعٍ وأُمر بالصلاة؛ فكان يحضر الجماعة ويصلي خلف عثمان إِلى أن قُتِل،
وعلي إِذ ذاك بالمدينة يحضر الجماعة كل فرض، ولم يخرج منها إِلا بعد قتل عثمان،
وسن الحسن إِذ ذاك أربع عشرة سنة. فكيف يُنكر سماعه منه مع ذلك، وهو يجتمع معه كل
يوم بالمسجد خمس مرات مدة سبع سنين؟! ومن ثَمَّ قال علي بن المديني: رأى الحسن
علياً بالمدينة وهو غلام. وزيادة على ذلك: إِن علياً كان يزور أُمهات المؤمنين،
ومنهن أُم سلمة والحسن في بيتها، هو وأُمه خيْرة إِذ هي مولاة لها. وكانت أُم سلمة
رضي الله عنها تخرجه إِلى الصحابة يباركون عليه. وأخرجته إِلى عمر رضي الله عنه
فدعا له: اللهم فقهْه في الدين وعلِّمْهُ وحبِّبْهُ إِلى الناس. ذكره المزي،
وأسنده العسكري، وقد أورد المزي في التهذيب من طريق أبي نعيم: أنه سئل عن قوله:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يدركه؟ فقال: كل شيءٍ قلته فيه فهو عن علي؛
غير أني في زمانٍ لا أستطيع أن أذكر علياً، أيْ زمان الحجاج. ثم ذكر الحافظ أحاديث
كثيرة، وقعت له من رواية الحسن عن علي كرم الله وجهه. وفي بعضها ورجاله ثقات قول
الحسن: سمعت علياً يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مثل أُمتي مثل المطر..”
الحديث) [الفتاوى
الحديثية لخاتمة الفقهاء والمحدثين الشيخ أحمد بن حجر الهيثمي المكي. ص129. وتمام
الحديث: “..لا يدرى أوله خير أم آخره” رواه الترمذي في كتاب الأمثال وقال: حسن
غريب].
وبعد أن ثبت سماع الحسن البصري من علي رضي الله
عنهما، وصح سند السادة الصوفية إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير ريبة ولا
شك، ولا أدنى شبهة أقول:
قد أخذ العبد الفقير الطريق عن سيدي ومولاي
الشيخ محمد الهاشمي صاحب الأخلاق المحمدية طيَّبَ الله ثراه، وجزاه عنا خير
الجزاء. وقد لقَنَنَا وأذنَ لنا بالورد العام والورد الخاص وهو تلقين الاسم
المفرد: الله.
وشيخنا محمد الهاشمي أخذ عن شيخه السيد محمد بن
يَلِّس وعن شيخه أحمد بن مصطفى العلوي [حين
ترى في السند أن أحد المرشدين قد أخذ الطريق عن شيخين فالمراد أنه ابتدأ سيره عند
أحدهما، وبعد وفاة الشيخ الأول التقى بالشيخ الثاني فلقنه الطريق وأذن له
بالإِرشاد]، وهما عن الشيخ محمد بن الحبيب
البوزيدي الشريف المستغانمي.. إِلى آخر السند كما هو مذكور في شجرة السند التي
أثبتناها على الصفحة التالية.
وقد رسمنا هذه الشجرة عن الكتب التالية:
1 - إِرشاد الراغبين للشيخ حسن بن عبد العزيز أحد
مريدي الشيخ أحمد بن مصطفى العلوي المستغانمي رحمه الله تعالى.
2 - الأنوار القدسية للشيخ محمد ظافر المدني.
3 - أوراد السادة الشاذلية الدرقاوية التلمسانية.
4 - مجموع الأوراد المسمى: الدرة البهية في أوراد
الطائفة العلوية للعارف بالله سيدي عدة بن تونس المستغانمي.
والحمد لله الذي شرَّفنا بالانضمام في سلك هذه
السلسلة الذهبية للطريقة الشاذلية الدرقاوية، ونسأله تعالى أن يكرمنا بما أكرم به
رجالها، وأن يحشرنا في زمرتهم تحت لواء سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وأن
يجعلنا معهم ومنهم، إِنه سميع مجيب. آمين.
وبعد،
فلعلك أيها القارىء -
وقد عرفتَ التصوف الحق، واطلعت على كلام الأئمة الأعلام، وما ذكروه عنه، وعرفت صحة
نسبته وتسلسله إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن تتخذ التصوف لك منهجاً،
وتُحلِّق في أجوائه الصافية، وتتعبد في محاريبه، وتسبح في أنواره وتعرج في معارجه،
فتكون صورة مثالية عن هؤلاء الصوفية، الذين ورثوا الوراثة الكاملة من رسول الله
صلى الله عليه وسلم. إِذ هم العلماء بالله تعالى، الداعون إِلى الله على هدي رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فهو إِمامهم في جميع حالاتهم، والعلم بالله تعالى صفتهم،
والعبادة حليتهم، والتقوى شعارهم، وحقائق الحقيقة أسرارهم. لهم من الساعات من
إِمداد فضل الله مزيد، ولهيب شوقهم يتأجج ويقول: هل من مزيد؟!
لقد تفانى الصوفية في حب مولاهم، وعاشوا في
ذكره ومناجاته، فعلَّمهم وطهرهم، وزكاهم وأدبهم، واصطفاهم واجتباهم، وأحبهم ورضي
عنهم، ففتح لقلوبهم ملكوت السموات، وأراهم عجائب كونه وبدائع قدرته وأسرار خليقته،
وأفاض عليهم هداياه وعطاياه علوماً وأذواقاً.
فما أجدر الباحثين والمفكرين ورواد الحقيقة
بالبحث عن ذلك التراث الإِسلامي العظيم الذي تركه لهم أسلافهم من قبلُ وديعة في
أيديهم، وأمانة في أعناقهم، فيأخذوه عن أهله، ويَقدروه حقَّ قدره، ثم بعد ذلك
يخلصوه من كل شائبة تعكر صفوه، أو تهبط به إِلى المكان الذي لا يليق به.
فهل فكَّرَ المنصفون من أُولي الرأي والفكر
والقلم، أن يشحذوا هممهم فيسيروا في قافلة أهله، حتى ينهلوا من منهله العذب،
فينفوا عن التصوف تُرَّهاتِه ودخيله، كما نفى أهل الحديث عن الحديث أكاذيبه، وأهل
التفسير عن التفسير إِسرائيلياته، حتى يتسنى لناشد الحقيقة أن يجدها سليمة صحيحة،
ويميزها عما سواها؟
هذا ما وفقنا الله لإِثباته في هذا الكتاب، وهو
الموفق للهداية والمرشد إِلى الصواب. جعله الله خالصاً لوجهه الكريم، ونفع به مَنْ
قرأه وهداه إِلى الصراط المستقيم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الحمد لله الهادي إلى
سبيل الرشاد، الذي جعل الأولياء نبراساً يقتدى بهم؛ {أولئكَ
الذينَ هدى اللـهُ فبِهُداهُمُ اقتَدِهْ} [الأنعام:90] والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء
والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
لمحة موجزة
عن حياة المؤلف رحمه الله تعالى
هو سيدي الشيخ عبد القادر بن عبد الله بن قاسم بن
محمد بن عيسى عزيزي الحلبي الشاذلي، يصل نسبه بالشيخ عمر البعاج إلى سبط رسول
الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الحسين بن علي رضي الله عنهما.
ولد في مدينة حلب الشهباء سنة 1338 من الهجرة
النبوية الشريفة، والمصادف 1920 من ميلاد
السيد المسيح عليه السلام، من أبوين أميّين من عوام المسلمين، وعاش في كنفهما عيشة
رغد ورخاء، حيث كان والده يعمل في الجمارك.
حُبب إليه رحمه الله تعالى في مقتبل عمره
النشاط والرياضة والكشافية؛ فكان يلبس أحسن الثياب، ويتزين في أفخم صالونات حلب
للحلاقة، ويتطيب بأفخر أنواع الطيب.
ثم جذبتْه يدُ العناية الإلهية من الدنيا
وزينتها، فأعرض عما كان فيه من اللهو واللعب والزينة والطيب، وحلق شعره، ولبس
الثياب المرقعة، وصحب الصالحين من أهل الجذب، في الفترة من سنة 1939 حتى 1942، مدة أربع
سنوات تقريباً، كان خلالها يميل إلى الجذب مع بقيةٍ من الصحو حفظتْه من حال أهل
الجذب.
وكان رحمه الله تعالى قبل ذلك لا يثبت على عمل
من الأعمال الدنيوية رغم محاولاته الكثيرة، فقد عمل نجاراً وخياطاً، واشتغل
بالتجارة فترة قصيرة، ولكنه لم يثبت على ذلك، صرفاً من الله تعالى عن ذلك، إلى أن
أقنعه والده بالعمل معه في الجمارك، ولكن جذبته يد العناية الإلهية من الدنيا
وأسبابها، فأقبل على الله تعالى.
ثم حُبِّب إليه طلب العلم، فصحب العلماء، منهم
الشيخ محمد زمّار والشيخ أحمد معودّ، ثم صحب الشيخ حسن حساني شيخ الطريقة
القادرية، فسلك الطريق على يديه، وأذن له الشيخ حسن بالختم القادري، وخلال صحبته
للشيخ حسن حساني انتسب إلى المدرسة الشعبانية في 24/12/1949 ودرس فيها
مدة ست سنوات كاملات، كان خلالها إماماً لمسجد ساحة حَمَد، وكان مسجداً لا تُقام
فيه الجمعة، وكان مهملاً، وكاد أن يُخرب، فعمل الشيخ على ترميمه وإصلاحه، وأحدث
فيه منبراً للخطابة، وذلك في 21/1/1957.
اجتمع في الشيخ رحمه الله تعالى خلال دراسته في
المدرسة الشعبانية من الصفات الطيبة المباركة، والأخلاق العلية، والهمة العالية،
ما ينبىء عن خير واعدٍ، فسلك على يديه عدد من زملائه في المدرسة وهو لا يزال
طالباً فيها، فكان شيخاً من جهة وتلميذاً طالباً من جهة أخرى.
ومما يدل على علو همته، وصدق إقباله على الله
عز وجل؛ أنه لم تغرَّه المشيخة، ولم يقنع بما وصل إليه من الحال والجاه، فراح يبحث
عن المرشد الكامل الذي يعرّفه على الله عز وجل، ويعبر عن ذلك فيقول رحمه الله
تعالى:
“كنت أقرأ في
كتاب (إيقاظ الهمم في شرح الحكم) لابن عجيبة، فأرى فيه أشياء لم أكن متحققاً بها - رغم
كوني شيخاً - فعرفت أنه لا بد لي من صحبة مرشدٍ كامل”.
ولم يجد بغيته في حلب فسافر إلى دمشق، والتقى
بكثير من مشاهير علمائها، ممن اجتمع عليهم خلق كثير لعلمهم وفصاحتهم وبلاغتهم، ولكنه
لم يجد في واحد منهم مبتغاه، فتردد إلى زيارة الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي
رحمه الله تعالى، فأُلهم بصحبة الشيخ محمد الهاشمي شيخ الطريقة الشاذلية، فبحث عنه
فوجده في الجامع الأموي الكبير بدمشق يُقرر بعض مباحث علم التوحيد، وحوله ثلة
قليلة من إخوانه يعظهم ويعلمهم، فأقبل على مجلس الشيخ وحضره ثم تعرف إلى الشيخ
محمد الهاشمي رحمه الله تعالى، فقال له الشيخ محمد الهاشمي: “جئتَ آخرَ الناس، وتكونُ أولَهم بإذن الله، فأنا أنتظرك
منذ زمنٍ طويل.”
فتَّم للشيخ رحمه الله تعالى مبتغاه من صحبة المرشد الكامل، فصحب الشيخ الهاشمي
رحمه الله تعالى سنة 1952م إلى أن
توفاه الله تعالى.
ولما رأى الشيخُ محمد الهاشمي رحمه الله تعالى
في شيخنا أهليته للإرشاد، أذن له بالورد العام والخاص في الطريقة الشاذلية، كما
أذن له بالتربية والإرشاد كما هو مبين في الإجازة الموجود نصها على صفحات آخر هذا
الكتاب، وذلك في سنة 1337 هـ - 1958 م.
استمر الشيخ رحمه الله تعالى إماماً وخطيباً في
مسجد ساحة حَمَد، إلى أن توفي الشيخ محمد الرزّاز إمام وخطيب جامع العادلية،
حيث انتقل الشيخ رحمه الله تعالى إليه،
فأقام فيه مجلساً للذكر بعد صلاة العشاء من يوم الخميس من كل جمعة، وكان ذلك في 21/12/1963م.
كان جامع العادلية مهملاً، حيث كانت ساحته مرعى
للمواشي، وكان يشكو إلى الله تعالى قلة المصلين، فراح الشيخ يعمل على إصلاحه
وصيانته، حتى غدا الجامع مقصداً لطلاب العلم، وأهل الطريق، وعمر الجامع بمجالس
العلم ومجالس الذكر، وطارت شهرة الشيخ في الآفاق، فأقبل الناس عليه بمختلف فئاتهم
من عوام ومثقفين وطلاب علم، فغدا جامع العادلية مدرسة تشع بالعلم والنور، وانتشر
طريق التصوف بعد أن نقَّاه الشيخ من كثير من المخالفات الشرعية والشطحات وغيرها
مما كان الناس ينفرون منه - كما تجد ذلك على صفحات هذا الكتاب - وعشق الناس
التصوف، وانتشرت طريقة الشيخ في كل أنحاء القطر العربي السوري، فلا تكاد تجد مدينة
أو قرية إلا وللشيخ فيها إخوان ومريدون، بل جاوز ذلك إلى البلاد المجاورة؛ كالأردن
وتركيا ولبنان والعراق، ثم جاوزت شهرة الشيخ ذلك كله، فلا تكاد تجد بلداً في
الدنيا إلا وللشيخ فيه إخوان ومريدون، فوصلت طريقته إلى الكويت والسعودية والمغرب،
وجنوب إفريقيا والهند وباكستان، وإنكلترا وبلجيكا وفرنسا، وكندا والولايات المتحدة
الأمريكية وغيرها من دول العالم، مما يدل على باع الشيخ الطويل في المعرفة
والتربية والإرشاد.
يعد الشيخ رحمه الله تعالى في طليعة المجددين
للطرق الصوفية عامة والطريقة الشاذلية خاصة، يشهد لذلك كتابه هذا الذي طبع مرات
متعددة وترجم إلى اللغة الإنكليزية واللغة التركية، وطارت شهرته في الآفاق، كما
يشهد لعلو مقام الشيخ كثرةُ إخوانه على اختلاف فئاتهم من جميع طبقات الناس في كل
بقاع الأرض، الذين يعتبرون بحق كتباً ناطقة عن الشيخ الذي لم يخلف من الثروة
العلمية إلا هذا الكتاب، وذلك بسبب واجبات الدعوة الإصلاحية التي حملها على كاهله
في نشر الطريق الصحيح القائم على الكتاب والسنة المطهرة، كما تلمح ذلك على صفحات
هذا الكتاب.
إن خلاصة منهاجه وما أراد أن ينقله للناس قد
أودعه وبيَّنه في كتابه “حقائق عن التصوف” الذي كان بحق فتحاً في علم الشريعة والطريقة والحقيقة،
فتلقاه الناس بالقبول والانتفاع على مختلف طبقاتهم، واستفاد منه خلق كثير.
كان للشيخ كرامات كثيرة وكشوفات واضحة، ولكنه
كان يعرض عن كل ذلك ويُحَذِّر إخوانه من الركون إلى الكرامات والكشوفات، ويقرر أن
أعظم الكرامات الاستقامة على شرع الله عز وجل، وكان يعرف الطريقة فيقول رحمه الله
تعالى: الطريقة هي العمل بالشريعة.
“دعي مرة إلى
وليمة طعام لأحد التجار، فلما أكل بعض اللقيمات استأذن من صاحب البيت ليغسل فاه،
فقام الشيخ رحمه الله تعالى فتقايأ وأخرج كل ما أكله، وقال لصاحب الدعوة: أنت تأخذ
بعض الأموال من البنوك بالربا، والله حارب المرابي، إذا أردت أن آتي لعندك ثانية
فلا تطعمني من طعامك، فتاب الرجل من فورها، ولم يمض عليه سنة حتى صحح معاملته من
الربا وأصبح من الصالحين المشهود لهم بالصلاح بعد ذلك”.
ويعرف الشيخ رحمه الله تعالى التصوف فيقول: “التصوف كله أخلاق، فمن زاد عليك بالأخلاق زاد عليك
بالتصوف”.
“سعى مرة في
الإصلاح بين زوجين، وخلال ذلك اطلع على ظلم الرجل وتسلطه، فنصحه، ولكن الرجل حمل
الحقد والضغينة، عوضاً من أن يستجيب للنصح، وبعد مدة من الزمن، استغفل الرجلُ
الشيخَ في ممر معتم قرب جامع ساحة حَمَد، فتهجم عليه وطعنه بأداة حادة على وجهه
قرب فمه، فسال الدم من الشيخ، فهرب الرجل، ونُقل الشيخ إلى المستشفى، وترك علامة
على وجه الشيخ لم تمحها الأيام حتى توفاه الله، ولكن أخلاق النبوة التي كان
متحلياً بها الشيخ دعته إلى العفو والمسامحة والصفح، فتوفي الرجل بعد أشهر، فكان
أولَ المصلين عليه صلاة الجنازة الشيخُ رحمه الله تعالى”.
أُكْرِمَ رحمه الله تعالى بمجاورة النبي
المصطفى عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة قرابة خمس سنوات، ثم أقام بالأردن
بعمان يدعو إلى الله تعالى، كما هو شأن الصادقين المتحققين حيثما حلوا ونزلوا،
فاستفاد منه خلق كثير من علمه وحاله ودعوته.
وفي سنة 1991 سافر إلى
تركيا لزيارة بعض إخوانه، فاشتد عليه المرض هناك، فأدخل المشفى في مدينة مرعش، ثم
نُقل بعد ذلك إلى استانبول ودخل أحد مشافيها.
تعجب القائمون على معالجته من أطباء ومختصين،
كيف لا يتوجع أو يظهر ألماً، وهو ساكت لا يتكلم، مستغرق بقلبه وببصره وبكله إلى
الله تعالى.
فأراد أحد أولاده أن يطمئن عن شعوره وإحساسه وإدراكه،
وعن غيبته التي طالت، وعن عقله وهو لا يكلم أحداً، وكان بينه وبين والده - رحمه
الله تعالى - ملاطفة ومدارسة فسأله عن بيت من الشعر كان قد سمعه منه رحمه الله
تعالى ليثبت للموجودين آنذاك بأن الله تعالى هو يتولى الصالحين، وأنه كامل الوعي
والإحساس والعقل، ولكنه منجذب بمحبة الله تعالى ومستغرق به سبحانه وتعالى، فذكّره
بهذا البيت من الشعر:
يا سائلي عن رسول الله كيف سها والسهو...
ثم سكت وقال له: يا
سيدي من فضلك أكمل لي هذا البيت وكان يمازحه، فالتفت إليه وقال متمماً:
................... والسهو عن كل قلبٍ غافلٍ لاهي
سها عن كل شيء سرُّه فسها عمَّا سوى الله فالتعظيم لله
وأعاد شطر البيت مراراً: والسهو عن كل قلبٍ
غافلٍ لاهيٍ.
ثم دمعت عيناه رحمه الله تعالى وبكى ولم يكلم
أحداً بعدها.
كان انتقاله رحمه الله تعالى إلى جوار ربه، عشية
يوم السبت الساعة السادسة، في الثامن عشر من ربيع الآخر سنة اثنتي عشر وأربع مائة
وألف من الهجرة النبوية الشريفة، الموافق للسادس والعشرين من تشرين الأول سنة إحدى
وتسعين وتسع مائة وألف للميلاد ( 18 ربيع
الآخر 1412 هـ 26 تشرين
الأول 1991م) وكان مثواه الأخير بجوار الصحابي الجليل سيدنا أبي
أيوب الأنصاري رضي الله عنه في استانبول، فخسر المسلمون بموته علماً عاملاً
ومرشداً كاملاً من أعلام الطريق والدعوة إلى الله تعالى، تغمده الله برحمته وأعلى
مقامه، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وقد نُقِشَ
على قبره قول الله عز وجل
{ومَنْ
يُهاجِرْ في سبيل اللهِ يجِدْ في الأرضِ مُراغَماً كثيراً وَسَعَةً ومّنْ يَخرُجْ
مِنْ بيتِهِ مهاجراً إلى اللهِ ورسولِه ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموتُ فقد وقعَ أجرهُ
على اللهِ وكانَ اللهُ غفوراً رحيماً} [النساء:
100].
{ربِّ أوزِعني
أنْ أشكُرَ نعمَتَكَ التي أنْعَمْتَ عليَّ وعلى والِدَيَّ وأنْ أعملَ صالحاً
ترضاهُ وأدخِلْني برحمتِكَ في عبادك الصالحينَ}[النمل: 19].
اللهم احشرنا معه تحت لواء سيد المرسلين سيدنا
محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم،وسلام على المرسلين والحمد لله رب
العالمين.
23 شوال 1421
18/1/2001
ورثة المؤلف